تقرير عسكري بريطاني
عن الجزيرة العربية (1904)
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 12:18 م - العدد (1)


رغم أن هذا التقرير طُبع مرّتين، في 1904 و1915 ، فإن معظم المعلومات الواردة فيه تتحدث عن فترة سابقة، وبالتحديد الى العقد الأخير من القرن التاسع عشر، ويمكن فهم ذلك لأن التقرير يتحدث أحياناً عن الفترة الواقعة بعد نحو عشرين عاماً من حكم العثمانيين ، والذي بدأ في المنطقة بحملة مدحت باشا عام 1871 م . وهناك إشارات لمعلومات تاريخها عام 1903 ، أي قبل طباعة التقرير لأول مرة ، وبالتالي فإن الأوصاف للمدن والقرى وتقييم الأحوال يعتمد على فترة وسطية هي مطلع القرن العشرين .
 

 

   الأحساء

يتألّف القطر الذي يحتلّه الأتراك حالياً على الساحل الغربي من الخليج من منطقة خصبة الأرض، هي واحة الأحساء حصراً، مع الميناء التابع لها والمسمى: العقير، ثم بلدة القطيف الساحلية، وقلعة البدع المحصّنة الواقعة على شاطيء شبه جزيرة قطر. فالمنطقة تمتد إذن، من جنوب شرق الكويت وحتى بلاد زعماء القبائل المتصالحة، وتمتدّ باتجاه الداخل بعيداً عن ساحل البحر حتى حدود نجد. وقد جرت العادة أن يطلق على هذه المنطقة بأكملها إسم الأحساء(1) .

قبل عشرين عاماً تقريباً حصل الأتراك ـ ولأول مرّة ـ على موطيء قدم في هذه الأصقاع، فقد كانت المنطقة حتى عام 1871 خاضعة لحكم السعوديين، لكن أحد أمرائهم قام في ذلك العام 1871 بتوجيه نداء الى الباب العالي ناشده فيه بأن يقدم له الدعم والمساعدة في صراع عائلي، ومنذ ذلك الحين لم تخلُ منطقتا القطيف والأحساء من الحاميات العسكرية التركية.

في عام 1886 لم تكن القوات التركية المتمركزة في المقاطعة تتجاوز المائتي رجل، لكن العدد بدأ يتزايد منذ ذلك التاريخ الى أن وصل الآن الى ما يقارب الثلاثة آلاف رجل(2) .

انطلاقاً من الأحساء مدّ الأتراك نفوذهم ـ بعد قتال ـ الى أجزاء من شبه جزيرة قطر، وهم يحاولون باستمرار تثبيت مواقعهم هناك وتعزيزها، على الرغم من أن السكان غير راضين عموماً، كما أن العديد من القراصنة يزرعون الساحل فساداً.

القبائل الرئيسية في المنطقة هي: بنو هاجر، وبنو خالد، والعجمان، وخليفة؟؟.

أكبر أجزاء هذه المنطقة وأهمها على الإطلاق هي الأحساء ذاتها، وهي عبارة عن شريط من الأرض خصب يمتد من الكويت الى القطيف. الساحل هنا منخفض عموماً، ورماله بيضاء، وتبرز أمامه الصخور الطافية والصخور قليلة العمق.

بعيداً عن الساحل وباتجاه الداخل، نجد أصقاعاً شاسعة مزروعة بل ملأى ببساتين أشجار النخيل وأنواع الخضروات شبه الإستوائية.

أما المياه فهي هنا قليلة وسيئة عادة، يحصلون عليها من الآبار الضحلة قرب البحر. ولكن هناك أعداد كبيرة جداً من الينابيع، بعضها حار المياه وبعضها الآخر دافيء، وتتفجّر عند سفوح الجبال (؟) في أماكن عديدة، لكنها سرعان ما تغوص مرة أخرى في الرمال أو تمتصها عمليات ريّ الحقول والبساتين قبل أن تستطيع هذه المياه من الوصول الى البحر.

وهناك سلسلة من الجبال تفصل السهل الساحلي عن نفود الشرقية وعن نجد في الغرب، لكن ليس فيها من القمم ما يتجاوز ارتفاعه الثلاثة آلاف قدم.

المناخ والوضع الصحي : ونظراً للتبدّل السريع في درجات الحرارة والبرودة، والإنتقال الأسرع من الحرارة الشديدة الى البرد القارس الذي يسببه الموقع والشكل غير المعهود للخليج الفارسي المطوّق بمستويات حرارة لاهبة تطغى على شبه الجزيرة العربية من جهة، وبالجبال العالية والمتوجة بالثلوج غالباً من الجهة الأخرى، جهة بلاد فارس.. فإن مناخ الأحساء وقطر غير منتظم أبداً من حيث فصوله، وهو بلا شك مجهد مرهق بالغ الإجهاد، وغير صحي، حتى أن مختلف أنواع الحمّى وخاصة حمّى التيفوئيد لا تكاد تغيب عن القرى هناك.

وتزيد من حرارة الصيف اللاهبة رطوبة الجو، وكذلك الغبار الذي تثيره الرياح من كل نوع، ولا تهطل في تلك المنطقة تلك الأمطار المعوّضة كما هي الحال في الهند مثلاً، حيث تخفّف هذه الأمطار من حدّة لهيب الحرارة وشدّتها.

أما رياح الشتاء فإنها باردة قاطعة كحدّ السكين، مع أن درجات الحرارة في ذلك الفصل تكون أكثر ملاءمة للأوروبيين. لكن الحمّى والأمراض الأخرى تنتشر في هذا الفصل وتزداد عمّا هي عليه في الفصول الأخرى، وخصوصاً أمراض الجدري والإسهال الحاد (الدسنتاريا) والكوليرا، وهي عامّة شائعة، كما أن أمراض العيون تعشعش في مآقي الأهالي بصورة دائمة.

لنفس الأسباب المناخية تُعزى عواصف العنف المفاجئة التي تجلب معها الأمطار الغزيرة، أمّا النسمات المعتدلة فلا يعرفها أحدٌ هنا، مع أن الهدوء في الرياح يسود لبضعة أيام متوالية. والريح السائدة هنا هي ريح الشمال التي تهب بلا انقطاع طوال تسعة أشهر من كل عام في الجزء الأعلى من الخليج، خصوصاً في شهري يونيو وجزء من يوليو، حين يتواصل هبوبها ليل نهار، ويكون اتجاهها على امتداد الخليج من الشمال نحو الجنوب، متبعة ميل الساحل، ثم تندفع فجأة دون أيّ إنذار أو تحذير يظهر على ميزان الضغط الجوي (الباروميتر).

تستمر الرياح على هذه النحو ثلاثة أيام عادة، وقد تواصل هبوبها سبعة أيام متواصلة، أما أسوأ ريح شمالية فتستمر يوماً واحداً فقط. خلال فصل الشتاء تتناوب الهبوب ريح الشرق أو (الكوس) مع ريح الشمال، وتتبع مثلها تعاريج الخط الساحلي، ومن الأمور المعتادة هنا أن تندفع القذفات المائية والأعمدة الرملية الى سماء الشواطيء فجأة وبدون إنذار أيضاً. أما كمية الأمطار التي تهطل فهي قليلة ومتغيّرة، ومعدّلها الوسطي خمس بوصات، لكن الأمطار نادرة جداً باستثناء فصل الشتاء.

نظام الحكم (الحكومة) : البلاد خاضعة إسمياً لحكم والي البصرة، ويدعى الحاكم المسؤول هنا (متصرف نجد) مع أن سلطته الفعلية منحصرة على الساحل والمنطقة الداخلية المتاخمة له مباشرة. ويقيم المتصرف في الهفوف.

الحدود الشمالية الرسمية لسنجق نجد تمتد من BIRAIE ( بريه؟) الواقعة الى الغرب من جزيرة العماير من جهة الشرق 370 ميلاً، والجنوب من EL ARMA ( العرمه) من جهة الغرب، الى العقير الواقعة في جهة الشرق 216 ميلاً.

استطاع الأتراك تثبيت دعائم حكمهم بقوة في منطقتي الأحساء والقطيف، نظراً لتوفّر قوة عسكرية تحت تصرّفهم كانت كافية للسيطرة على المزارعين الفقراء المساكين الذين يشكّلون العدد الأكبر من السكان، ومما لا شك فيه أن خوف هؤلاء المساكين وذعرهم من (التركي) هو خوف حقيقي الى أبعد الحدود.

معظم التجار الذين يشكلون الطبقات العليا هنا يتعاملون مع بومباي وهم بصورة عامّة يحبّون البريطانيين.

يقدّر عدد سكان الأحساء بخمسة وعشرين ألف نسمة ، عشرهم من الشيعة والبقيّة من السنّة، وليس هناك مسيحيون، كما ويوجد عدد صغير جداً من اليهود(3) .

جميع القبائل المنتشرة على هذا الساحل تتعاطى القرصنة(4) ، أما السكان المستقرون فإنهم يتعاطون الزراعة وصيد اللؤلؤ. والناس هنا متعصبون دينياً جداً، وعلى صراع دائم مع الأتراك، ويتمتع أمير نجد بنفوذ كبير بينهم (هل المقصود إبن الرشيد؟)، ويقال إن شيخ الكويت أيضاً يتمتع بنفوذ ولو أنه ليس بنفس الحجم.

إن بعض الأجزاء الصغيرة من الأحساء خصبة جداً، إذ تغطيها بساتين نخيل التمور المشهور بمذاقها البديع، هذه التمور هي الإنتاج الوحيد تقريباً الذي تصدره الأحساء. وبالإضافة الى التمور، يزرع الأهالي القمح والأرز ولكن بكميات قليلة، كما يوجد الكثير من العشب والبرسيم المستخدم في تهيئة العلف وهو من النوع الجيد. أما الحبوب وحاجة الأهالي إليها فإن المنطقة تعتمد اعتماداً كلياً تقريباً على المصادر الخارجية، فمعظم الأرز يأتيها من الهند، والقمح يأتي بعضه عن طريق البحرين، والبعض الآخر يأتي مباشرة من الموانيء الفارسية في مراكب يملكها الأهالي، كما تستورد هذه المنطقة القهوة ايضاً.

ويمتلك السكان عدداً لا بأس به من القطعان والحمير من كلا النوعين الفارسي الأبيض والعادي الأصغر حجماً والمألوف في الشرق (5)، في حين يسهل الحصول على الأغنام والجمال والخيول من القبائل البدوية المنتشرة في الصحراء المجاورة. هذه الخيول تتفاوت وتختلف من الحصان العربي الأصيل الى حصان العمل والنقل العادي المسمى بـ (الكديش) ، ويصعب الحصول على الخيول العربية الأصيلة وأثمانها خيالية(6) ، إلاّ أنه يمكن شراء حيوانات جيدة وقويّة قادرة على القيام بأعمال كثيرة والإكتفاء بالقليل من الطعام، بأسعار تتراوح ما بين عشرين وأربعين ليرة. هذا النوع من الحيوانات (هل هي الأحصنة؟) هو الذي يستعمله الضبطية (الأتراك) وبعضها يظهر عليه مدى العناية بتربيته. حين تكون حيوانات الخدمة هذه في رحلة طويلة تقدم لها وجبة واحدة من الحبوب في اليوم، ويكون ذلك في المساء، بالإضافة الى ما قد يتوفر من طعام المراعي في الصحراء. وفي مثل هذه الظروف يستطيع الواحد من هذه الحيوانات أن يحمل راكبه مسافة ثلاثين ميلاً يومياً بسهولة، وبسرعة عادية هي المشي يتخللها بعض العدو بين الحين والآخر.

الإتصالات والمواصلات : الطرقات في هذه المنطقة التي تحيط بواحتيها صحراء شاسعة من جميع الجهات، لا تعدو أن تكون مجرد ممرات عبر الصحراء، تصل بئراً بأخرى. ومع أن الطرقات التي يتحرّك المسافرون عليها باستمرار تكون معلّمة بآثار القوافل التي تسافر عبرها، خصوصاً في الطقس الهاديء، فإن معالمها يمكن أن تضيع، وحدودها يمكن أن تختفي بفعل الرياح العاتية العالية التي تهبّ بصورة دائمة تقريباً. أما خدمات الأدلاّء والمرشدين من البدو المحليين فلا يستطيع أحدٌ تقريباً الإستغناء عنها.

الطرقات الرئيسية في الأحساء هي التالية:

من عجير الى الهفوف: تمتدّ حوالي خمسين ميلاً عبر الرمال وصولاً الى طرف المنطقة الزراعيّة. المياه كافية، لكن الوقود قليل.
من القطيف الى الهفوف: طولها حوالي مائة وعشرين ميلاً (مسيرة أربعين ساعة). لا تتوفّر لدينا معلومات كافية عن هذه الطريق، لكن يقال أن المياه والمحروقات متوفرة بكثرة في كل مكان على طول تلك الطريق، كما يقع جزء على الأقل من هذه الطريق، ليس فوق الصحارى الرمليّة، وإنّما عبر أراضٍ تتوفّر المياه فيها علىعمق بسيط تحت سطح الأرض، وكلّ ما تحتاجه هو سكان دائمو الإستقرار لتحويل هذه الأراضي الى واحات خصيبة كالجزء المتاخم لها من الأحساء. لا يمكن أن يفكّر تاجرٌ عربيٌ حالياً بالمغامرة والسفر على هذه الطريق دون أن يكون معه مرافقون لحمايته.
من الهفوف الى قطر: المسافة مائة وعشرون ميلاً تقريباً. هذه الطريق تقع بأكملها في الصحراء، إلاّ أنّه يمكن الحصول على المياه فيها. تستغرق الرحلة عادةً ثلاثة أيّام أو أربعة. هذه هي الطريق التي تؤمن الإتصال بين الهفوف والحامية العسكرية في البدع.
من الهفوف الى الرياض: هذه الطريق كلّها في الصحراء، والمياه فيها قليلة شحيحة، يستغرقُ اجتيازها بالنسبة للقوافل (الهجن) حوالي عشرة أيام.
من القطيف الى الكويت والبصرة: تنتشر الآبار على طول هذه الطريق، لكن قبائل البدو هنا لا يؤمن جانبها. يمرّ البريد على هذه الطريق مرّة كل أسبوعين، فيجتاز المسافة في اثني عشر يوماً تقريباً. طول المسافة من القطيف الى الكويت مائة وسبعة وسبعون ميلاً.
البحرين

جزيرة البحرين يحكمها الشيخ عيسى (بن علي آل خليفة)، وهو أمير مستقل من عرب العتوب يتمتع بحماية الحكومة الهندية (البريطانية)، ويبلغ طول الجزيرة سبعة وعشرين ميلاً، وعرضها عشرة أميال. والبحرين في معظمها أرض منخفضة جداً، والأرض المرتفعة الوحيدة فيها هي بركان خامد يتوسطها. أما البحر الذي يفصل الجزيرة عن اليابسة الممتدة الى الجنوب والجنوب الشرقي، فضحل المياه في العديد  من المواقع ، مع أنه عميق نوعاً ما في الجهة الشمالية.

ويقدر عدد سكان البحرين بسبعين ألف نسمة، يسكن في كل بلدة من البلدتين الكبيرتين: المنامة والمحرق، ثمانية آلاف نسمة، وهذه الأخيرة تقع في جزيرة منفصلة الى الشمال والشرق، في حين يقال بأن هناك نحو عشرين ألفاً آخرين يسكنون بلدة الحدّ، وهي بلدة قريبة من المحرّق، وتتصل بها براً حين يكون البحر جزراً، ويسكن البقية في قرى أصغر حجماً. وجميع البلدات الكبيرة موجودة عند النهاية الشمالية للجزيرة، وتحيط بهذه البلدات بساتين أشجار النخيل الشاسعة، وهذه البساتين مضافاً إليها البرسيم المستخدم في تهيئة العلف، تمثل وتشكل كلّ مزروعات الجزيرة.

معظم السكان يعملون في مجال صيد اللؤلؤ، وهم يعتمدون اعتماداً كلياً على العالم الخارجي من أجل طعامهم ومؤونتهم، حيث يتم استيراد الأرز من الهند وكذلك وبشكل جزئي يستورد القمح، أما الجزء الاخر فيستورد من الموانيء الفارسية.

كما وتستورد الجزيرة الأسلحة النارية بكميات كبيرة، تصل قيمتها الى لاك من الروبيات (100000روبية) في العام. ومعظم هذه الأسلحة إن لم يكن كلّها، من نوع بنادق المارتيني ـ هنري MARTINI-HENRY ،وكذلك بنادق القربيّة CARBINE ، وتباع الواحدة منها بمائة روبية، وتجد معظم هذه الأسلحة، إن لم تكن كلها، طريقها الى ساحل شبه الجزيرة العربية(7).

هناك معتمد لحكومة صاحب الجلالة (البريطاني) يقيم في المنامة.

والمناخ في المنامة شديد الحرارة في الصيف، والفترة من العام الممتدة بين شهري نوفمبر وإبريل معتدلة الطقس وجوّها لطيف منعش، أمّا في فترة منتصف الشتاء فيكون الطقس بارداً جداً.

قطـر

أمّا شبه جزيرة قطر، الواقعة الى الشرق من جزيرة البحرين، فيحكمها الشيخ جاسم بن ثاني، وهو زعيم ثري وقوي، ويبلغ عدد أتباعه حوالي ألفي رجل مقاتل. غير أنه في الثمانين من عمره، وقد سلّم معظم سلطاته الى أخيه أحمد.

قبل بضع سنوات اشتبك الشيخ في معارك ضد الأتراك الذين تمكنوا بعد قتال عنيف من إحلال حامية عسكرية في قلعة البدع على الجانب الشرقي من شبه الجزيرة ومن إجبار جاسم على الخضوع، ولو إسمياً. يقال إنه نُصِّب قائمقاماً على شبه الجزيرة تحت سلطة وسيادة الباب العالي، وأنه يرفع العلم التركي، لكن من المعروف عنه أنه يخاف حاكميه (الأتراك) ويكرههم. ثم إن جاسم على صراع قديم وقائم ومستمر مع الشيخ عيسى، شيخ البحرين الذي يخضع للحماية البريطانية، وكان في كل تحركاته ضد البحرين يتلقى الدعم والتأييد القوي من قبيلة بني هاجر، ساكني الساحل الذين يدعي زعيمهم، وهو ابن عم للشيخ عيسى(8) حقاً في امتلاك جزيرة البحرين والسيادة عليها.

إن جميع القبائل تنظر بعين الطمع والحسد الى البحرين باعتبارها غنيمة دسمة، وحين يكون الطمع بهذا الثراء، يستطيع جاسم الإعتماد على مساعدة القبائل المنتشرة على الساحل لتحقيق أهدافه ما لم يتدخل الأتراك الذين تخضع القبائل لسلطتهم خضوعاً إسمياً، تستطيع هذه القبائل دفع حوالي 4500 مقاتل، يصل عددهم إذا ما أُضيف إليه الألفان التابعان لجاسم الى ستة آلاف وخمسمائة مقاتل، إلا أن رقم الأربعة آلاف وخمسمائة يمثل قوة كبيرة لا يحلم جاسم بجمع قوة أكبر منها أبداً.

وساحل قطر صحراء جرداء قاحلة، لا يكاد يوجد فيها شجرة واحدة. وفي الداخل ترتفع قرب بلدانها الأبراج الى علو ثلاثين قدماً، وجميع القرى مسوّرة لحمايتها من غزوات قراصنة المناصير والمرّة المفاجئة.

والمناخ في قطر جاف ولكنه غير صحي بسبب مياه البحر الآسنة الموجودة في برك على طول الساحل. يقال أن عدد سكان شبه الجزيرة (القطرية) مائة وخمسة وثلاثون ألف نسمة(9)، يقطنون نحو أربعين قرية.

جميع السكان تقريباً يعملون في صيد اللؤلؤ من شهر مايو الى شهر سبتمبر، ولديهم ما بين ألفين وخمسة آلاف قارب لهذا الغرض، حمولة الواحدة منها تراوح من عشرة أطنان الى خمسين طناً، ويتراوح عدد الطاقم العامل على القارب الواحد منها ما بين ثمانية أشخاص الى ثلاثين شخصاً(10) .

جرت محاولات على مدى الأعوام العشرة الماضية قام بها الباب العالي لتأكيد سيادته على بعض أجزاء شبه جزيرة قطر، وفي فترة متأخرة جداً (عام 1903) قرّر الأتراك إرسال مدير تركي الى الزبارة والعديد والوكرة وجزيرة ابو علي. إلا أن حكومة صاحب الجلالة اعترضت على هذا القرار، والحقيقة أنها (الحكومة البريطانية) لم تعترف أبداً بالحكم أو السيادة التركية على قطر(11) .

البلدات الرئيسية

الهفوف : البلدات الرئيسة في هذا الجزء من الساحل هي: الهفوف والعقير والقطيف والدمام (؟) والبدع والدوحة. البلدة الرئيسية في الأحساء والتي تستخدم كمقرّ للحكومة التركية المحلية هي بلدة الهفوف الواقعة على بعد خمسين ميلاً تقريباً الى الجنوب والجنوب الغربي من ميناء العقير.

لهذه البلدة ست بوابات، والبلدة مقسّمة الى ثلاثة أحياء: الكوت في الشمال الغربي من البلدة وهو عبارة عن حصن كبير بناه القرامطة، طوله نصف ميل وعرضه ربع ميل، وله أسوار سميكة ارتفاعها أربعون قدماً مزوّدة بأبراج لها فتحات للرمي (اطلاق الرصاص) وكوى تحت الجدران ذات الفتحات المعدّة للرمي أيضاً، وجميعها مبنيّة من الطين الممزوج بالحجارة. ويحيط بالأسوار خندق، يشرف عليه من الجهة الشمالية مقرّ الحاكم والثكنات.

الحي الثاني هو حي الرفعة أو المرتفع ELEVATION الواقع شرق البلدة. هذا حي الأثرياء والوجهاء، وتخترقه الشوارع العريضة والنظيفة، وعلى جوانبها عدّة أبنية أنيقة تزينها الأقواس والجدران المطليّة، ويوجد في الحي سوق مسقوفة ذات قناطر تدعى (القيصرية).

وهناك أخيراً الحي الثالث، وهو حي النعاثل الى الجنوب والغرب من البلدة، وهذا الحي مكان سكن التجار، وفيه جامع كبير وبضع حدائق، ومنازل غير متناسقة، كما وتوجد قلعة منعزلة قائمة خارج البوابة الجنوبية تدعى خوطيرن KHOTEIRN ، وهناك قلعتان أخريان دائريتان قائمتان على التلال شمال البلدة وجنوبها.

وتزدهر الزراعة في جميع الجهات باستثناء الجنوب الذي هو عبارة عن أرض رملية يباب جرداء.

ويقدر عدد سكان الهفوف بثلاثين ألف نسمة تقريباً(12) ، ويقال أن الحامية العسكرية التركية المتمركزة فيها تتألف من كتيبتين ومدفعين ميدانيين ومدفع جبلي واحد، أو من عدد من الجنود يبلغ في كل القطعات حوالي ألف رجل(13) .

المبرز: وعلى بعد حوالي ميلين إثنين الى الشمال من الهفوف تقوم المبرز وهي قرية كبيرة مسوّرة، ويقال أن عدد سكانها أكبر من عدد سكان الهفوف ذاتها، وتضم حصناً مربعاً ومسجداً جميلاً. وهنا تصنع العباءات العربية الأنيقة التي تشتهر المبرز بها، وكذلك المنطقة. سكان المبرز جميعهم من العرب (المقصود أبناء القبائل السنيّة).

العقير: العجير أو عجير، هي ميناء الهفوف، ليس فيها سوى خان واحد، أو بالأحرى مكان لتوقف القوافل، بالإضافة الى منزل المدير. وتقع العقير عند مدخل كبير الى البحر في الجهة الجنوبية الغربية منه، وهذا المدخل يتجه الى الشمال والغرب والجنوب والشرق وتسدّ مصبّه حافّة رمليّة بشكل جزئي، مما يبقي على قناة عرضها يتراوح بين مائتين وثلاثمائة قدم، تستطيع القواب الولوج منها الى الميناء. عمق المياه في القناة والجزء الأعظم من الخليج يتراوح بين ثلاث قامات الى أربع. لكن المياه الضحلة خارج المدخل تمنع السفن من الدخول الى الخليج.

أمّا الخان، أو المركز الذي تتوقف فيه القوافل فتطلّ واجهته على البحر، ويبلغ طولة مائة وخمسين ياردة، وعرضه ثمانين ياردة، في حين يبلغ ارتفاع الجدران الخارجية (الأسوار) ستة عشر قدماً، وتمتدّ فيه الأكواخ (للوقاية من الشمس) على ثلاثة جوانب داخلية فيه، مما يسمح ببقاء شرفة على السطح تبلغ في الإرتفاع أربعة أقدام.

توجد مداخل للخان في الواجهتين الأماميّة والخلفية، ولا يوجد على الجهة الجنوبية سوى جدار عال، وخارجه مباشرة يقوم منزل مدير الميناء، وهو عبارة عن مبنى محصّن له مواقع رمي ناتئة ومحصّنة عند زوايا، لكن المنزل قديم ومتآكل وخرب، وهو يشرف إشرافاً كاملاً على داخل الخان ويطلّ عليه.

وباستثناء المدير نفسه، لا يقيم في العقير سوى موظفي مركز الجمارك والحامية العسكرية التي قوامها حوالي مائة وخمسين رجلاً، كما يوجد هناك مدفعان أو ثلاثة مدافع يعلوها الصدأ.

أما رصيف الميناء فيبلغ طوله مائة وخمسين ياردة، ويرسو في الميناء ما بين ثلاثة أو أربعة قوارب تابعة للأهالي دفعة واحدة. هناك حركة نقل نشطة ومستمرة في الميناء، تقوم بها الجمال بالدرجة الأولى، لتعبر الطريق الصحراوية البالغ طولها 40 ميلاً، والتي تفصل الميناء عن المنطقة المزروعة.

القطيف : تقع هذه البلدة على مدخل بحري على الساحل، وتبعد مسافة خمسة وثلاثين ميلاً تقريباً الى الشمال الغربي من جزيرة البحرين. وتضمّ بلدة القطيف قلعة قديمة تواجه البحر، يقيم فيها نصف السكان تقريباً، بينما تمتدّ بلدة شاردة تائهة غير منتظمة في جهاتها الجنوبية.

أمّا القلعة التي قيل إنها ابتنيت قبل مائتي عام تقريباً، فهي محصّنة بأسوار عالية ذات نتوءات، ولها بوابة رئيسية تواجه البحر، وأخرى تقود الى البلدة. يبلغ طول واجهتها الرئيسية حوالي أربعمائة ياردة، وعمقها (عرضها؟) ثلاثمائة ياردة، لكن كلا الأسوار والقسم الأكبر من المنازل القائمة في داخل القلعة في حالة بالغة السوء، خربة مهترئة.

وفي داخل القلعة تقوم السراي، أو مكاتب الحكومة والإدارة، لكن معظم السكان الأثرياء يقيمون خارجها، ويقوم خارجها أيضاً البازار (السوق).

تحيط ببلدة القطيف من جهة البرّ والى مسافات شاسعة بساتين النخيل الكبيرة الواسعة والأرض المزروعة، لكن هنا أيضاً ـ وكما هي الحال في مناطق الأحساء الأخرى ـ يتم استيراد كميات كبيرة من القمح من الخارج.

الماء العذب وفير وغزير يأتيها من الينابيع القريبة.

وترتفع داخل خليج القطيف جزيرة تاروت وقد بُنيت عليها قلعتان.

ميناء القطيف ضحل، ومياهه من الضحالة بدرجة لا تستطيع معها حتى المراكب المحليّة التي لا يتجاوز عمق قاعها ستة أو سبعة أقدام الدخول اليه أو الخروج منه إلاّ حين يكون المدّ البحري عالياً، والمياه بالتالي عميقة(14) .

ويوجد برج مراقبة صغير في عنك الى الجنوب من البلدة، كما يوجد برج مراقبة آخر فوق إحدى الجزر.

تقدّر حامية القطيف العسكرية / التركية بكتيبة واحدة ومدفعين ميدانيين، في حين يقدر عدد الجنود بثمانمائة جندي.

تخضع القطيف لسلطة متصرّف نجد (الأحساء) ويمثل الأخير القائمقام. كما يوجد في القطيف عدد آخر قليل من الموظفين الأتراك في إدارة الجمارك وغيرها، لكن مرؤوسيهم (الذين يخضعون لسلطتهم) هم جميعاً من السكان المحليين. ويبدو أن الأهالي بعيدون عن هؤلاء الموظفين الذين فضّلوا ترك الناس وشأنهم طالما يدفعون الضرائب.

يقدّر عدد سكان القطيف بأرقام متفاوتة، ويتراوح ما بين خمسة آلاف وإثني عشر ألف نسمة.

تجارة اللؤلؤ هي التجارة الرئيسية هنا، في وقت لا تتوقف فيه الغارات (البدوية) على القوافل التجارية، أما المسافرون فإنهم يطلبون مرافقين من الشرطة لحمايتهم، أو يضعون ترتيبات واتفاقات مع القبائل البدوية توفّر لهم المرور بسلام(15) .

الدمام : هي بلدة هامّة (16) تقع على بعد ثلاثين ميلاً تقريباً الى الغرب والشمال الغربي من البحرين.

البدع ، والدوحة : بلدتان تقعان في منتصف المسافة تقريباً من الساحل الشرقي لشبه جزيرة قطر، في خليج عميق المياه، خلقت منه الصخور الممتدة الى البحر ميناءً طبيعية. أما الأرض الممتدة على الجانب الغربي من الخليج، فهي صحراء حجرية يصل ارتفاعها الى خمسين قدماً، وهي مسطّحة في أعلى مناطقها، وأمّا الجزء الشرقي من الخليج فهو منخفض شديد الإنخفاض.

البدع مقامة على جانب أرض مرتفعة، ويوجد فيها قلعة. الدوحة بلدة مسوّرة جزئياً، وفيها قلعة مربعة قائمة في زاويتها الجنوبية الغربية.

كلتا البلدتين اللتين تمتدان مسافة ميل واحد تقريباً على الساحل تضمان عدداً من السكان لا يتجاوز الخمسة آلاف نسمة(17) . المؤن فيهما قليلة، والماء غير جيد، أفضل مياه متوفّرة يؤتى بها من الصحراء، وكذلك الحطب يحضرونه من الصحراء أيضاً. وتوجد أرض صغيرة مزروعة في الجهة الجنوبية الشرقية. معظم السكان يعملون في مجال صيد اللؤلؤ وتوجد هنا (قطر) مراكب صغيرة كثيرة، ولكن لا توجد مراكب كبيرة (بعكس ما قيل سابقاً في التقرير عن حمولة القوارب).

ويحتفظ الأترك هنا بحامية عسكرية مؤلفة من كتيبتين، ومائة وخمسين جندياً من المشاة الراكبين، ومدفعين ميدانيين، وأربعة مدافع جبليّة، أوما مجموعه ألف ومائتا رجل (1200). يقال ان القلاع مسلّحة(18) .

حويراء والوكرة : تقعان شمال البدع وجنوبها على التوالي، وهما قلعتان صغيرتان شبيهتان بالقلاع الصغيرة العديدة المنتشرة في شبه جزيرة قطر. لا يتوفر وصف لهما، ويبدو أنهما غير ذات أهمية.

وضع الأتراك في المنطقة : يمكن إدراك مدى العزلة القاتلة التي يتصف بهاالوضع التركي في هذا الجزء من الخليج إذا علمنا أنهم محاطون من كل جانب، باستثناء جهة البحر، بصحراء تنتشر في أرجائها قبائل متوحشة، إذا لم تكن معادية ، فهي على الأقل، غير ثابتة الولاء، وتعتمد اعتماداً كلياً من أجل مؤونتها وغذائها على العالم الخارجي. وفي الوقت الحالي فإن الأتراك ينقلون موادهم الغذائية وجنودهم الإحتياطيين على ظهر ناقلة وزورق حربي يتمركز في البصرة، ويستطيع نقل حوالي سبعمائة رجل، لكن إذا ما قامت مع أية دولة أو قوة تستيطع إرسال بضع سفن فقط للخدمة الحربية في هذه المياه، فلن يكون هناك شيء أسهل من قطع خطوط المواصلات البحرية(19).

مثل هذا الوضع إذا وقع، سيجبر الحاميات، سواء عند تلقي التعيزيزات أو الحصول على المواد الغذائية، على استخدام الطريق الصحراوية الشاقّة حصراً، ابتداءاً من البصرة، في حين ستكون القوافل معرضة دائماً إن لم تتوفر لها الحماية القوية الجيدة الى النهب والسلب على أيدي القبائل المحلية.

بعض هذه القبائل تتلقى الدعم المالي من الأتراك، وهي تحت سيطرتهم، ولكن بالإسم فقط(20). يقال إن أعداد أفراد هذه القبائل وأعداد الرجال الذين يمكنها دفعهم الى الحرب هي كما يلي:

إسم القبيلة
 عدد أفرادها التقريبي
 حاملو السلاح
 
العجمان
 10000
 2000
 
بنو هاجر
 5000
 800
 
المناصير
 2000
 400
 
المرة
 3000
 600
 
مطير
 4000
 800
 
المجموع
 24000
 4600
 

إلا أنه من المشكوك فيه أن يكون بإمكان الأتراك تجنيد الكثير من هؤلاء، حتى على المستوى المحلي، فالأتراك يعتمدون اعتماداً كلياً على حامياتهم العسكرية التي لا يتجاوز عدد افرادها جميعاً الثلاثة آلاف رجل.
 


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(*) المصدر: التقرير العسكري عن شبه الجزيرة العربية.

إعداد: هيئة الأركان العامّة ـ وزارة الحربية، 1915, الطبعة الأولى: 1904

Military Report on Arabia, prepared by General staff, War office, 1915, THE BRITISH LIBRARY.  T.21489

( 1 ) يتفق المؤلف هنا الى حد كبير، مع المعطى التاريخي الذي يعتمد حدود الأحساء، أو في الحقيقة (البحرين التاريخية) من جنوب البصرة، الى عمان، ومن البحر شرقاً الى أعماق نجد غرباً. وهذا التعريف الواسع لحدود منطقة الأحساء لم يكن مقبولاً أبداً بالنسبة للإنجليز، وكانوا دائبي الإنتقاص من سيادة العثمانيين على المنطقة واعتبار أن سيادتهم لا تتعدى المناطق المأهولة من شمال القطيف الى الأحساء، دون أن يحسب لها أبعد من ذلك، بما فيها قطر، فضلاً عن المساحات الصحراوية وغيرها من المناطق التي تقطنها القبائل العربية شمال وغرب وجنوب غرب منطقتي الأحساء والقطيف.

(2) لا يبدو أنه في أي فترة زمنيّة لاحقة للعام 1886، وصل عدد القوات العثمانية في المنطقة الى ثلاثة آلاف رجل، بل كانت مجمل القوات أقلّ من هذا الرقم بكثير.

(3) لا يعتمد على تقديرات السكان كثيراً ولا على تصنيفها، ففيما بعد سيقول التقرير ان عدد سكان الهفوف لوحدها ثلاثين ألفاً!، مع أن عدد سكان القرى في الجملة أكبر من سكان الهفوف والمبرز، فيما يبدو. أما اليهود، فلم يكن يسكن احدٌ منهم المنطقة، وكل ما كان يحدث أن يأتي أحد اليهود العراقيين التجار الى القطيف أو الأحساء عبر البحرين. وينطبق القول على المسيحيين العرب أيضاً، ولربما وجد واحد أو اكثر في خدمة العثمانيين، وفي المجال الطبي فحسب، فقد كان ثابتاً أن طبيباً عثمانياً مسيحياً كان في الأحساء بعيد حملة الأتراك على المنطقة في النصف الأول من السبعينيات الميلادية للقرن التاسع عشر الميلادي.

(4) كثيرون هم من يكرهون إطلاق لفظة القرصنة على قبائل بدوية أو حين تتهم بها، وفي الحقيقة أن القرصنة في البحر، لا تختلف كثيراً عن القرصنة في البرّ. وكان البدو يمارسون الإثنين، وإن كانت بعض القبائل تخصصت أكثر في قرصنة البحر، كما هي قبيلة بني هاجر. وهناك عشرات الحوادث الموثّقة حول ممارسات النهب والقتل في البحر.

لكن يبدو أن عدداً من المؤرخين العرب، يشعرون ان استخدام لفظة القرصنة البحرية، وهي غربية، اتهام في غير محلّه. وتعود الحساسية الى القرن التاسع عشر، حينما انضم القواسم الى الدولة السعودية الأولى وقاموا بمهاجمة السفن الأجنبية والعربية التي يملكها أهل عمان الذين لم ينضووا تحت لواء الدعوة السلفية، وفيما بعد قام الإنجليز بمهاجمة القواسم وتدمير اسطولهم البحري. ومن حق المرء أن يعترض على وصف تلك العمليات في مجملها بالقرصنة، حيث اتخذت بنظر الكثيرين شكل الجهاد الديني، وإن كانت في بعض التفاصيل لم تخلو من الملاحظات. وكان الإنجليز وقبلهم البرتغاليون أولى بنسبة القرصنة إليهم، فكل أفعالهم ـ كما هي مسجلة تاريخياً خاصة بالنسبة للبرتغاليين ـ قرصنة على المكشوف. ومن هنا نفهم الحساسية في إطلاق لفظة القرصنة على القبائل العربية منذ ذلك التاريخ. خاصة وأن الإنجليز سموا شاطيء عمان والامارات المتصالحة، بشاطيء القرصنة.

والحقيقة أنه ليست هناك شبهة مطلقاً لمن يبحث في الأوراق التاريخية، في كون الأعمال التي مورست في ساحل القطيف واعتبارها في عداد القرصنة، إذ كانت بعيدة عن الموضوع الديني، وما هي في الحقيقة إلاّ امتداد لما يجري على البر من صراع. لكن القول بأن جميع القبائل المنتشرة على الساحل الخليجي تتعاطى القرصنة البحرية فهذا يحتاج إلى إثبات، إذ لا يبدو أن العجمان مثلاً قد دخلوا في معمعة القرصنة البحرية، وإن كانت تعدياتهم على الحاضرة الأحسائية مما أفاض به المؤرخون هو أسوأ مما كان يجري في البحر. وأيضاً فإن القول بأن مهنة القرصنة ـ إن صح التعبير ـ هي مصدر الرزق الوحيد للقبائل، كما تفيد عبارة التقرير أعلاه، فهذا غير صحيح أيضاً، فكثير من القبائل ـ والهوجر في مقدمتهم ـ كانوا يتعاطون الغوص لصيد اللؤلؤ، وكانوا أيضاً يتعاطون بتربية المواشي وغير ذلك.

(5) هناك الحمير الحساوية، ذات الشهرة العالمية التي لا تجد لها مثيلاً في البلاد الأخرى، وهي حمير ضخمة، يقارب حجمها حجم الحصان، وقد كانت هذه الحمير تصدر الى العديد من اماكن العالم، وبينها فارس نفسها، إضافة الى الهند وبعض الموانيء على الشاطيء الشرقي للخيلج.

(6) يفترض أن هناك أجود الخيول العربية التي تأتي من مناطق الجزيرة العربية المختلفة، وقد كانت هذه الخيول على رأس قائمة التصدير كل عام الى البحرين ومنها الى الهند، وبلاد أوروبا. وتطفح التقارير السنوية (الإقتصادية) الصادرة عن مقيمية بوشهر، بالحديث عن الأحصنة وتصديرها. كما أنه كان شائعاً بين الطبقات العليا في المجتمع الحضري، كما القبلي، تقديم الهدايا من الأحصنة العربية.

(7) كان من الواضح دوماً أن شعار مكافحة تهريب السلاح التي استخدمها الإنجليز ردحاً من الزمن منذ أواسط القرن التاسع عشر على الأقل، لا تستهدف منع وصول السلاح الى الأعداء المحتملين للسلطات العثمانية، في حين كان هناك تشدد من قبل السلطات البريطانية من وصول السلاح الى مناطق نفوذها كما في الكويت، وذلك خشية أن يستخدم السلاح ضدّها. وكان العثمانيون يعتقدون أن وصول أسلحة حديثة الى القبائل في منطقة الأحساء، دليل تآمر بريطاني ضد تواجدهم.

(8) يقصد ناصر بن مبارك آل خليفة فيما يبدو فهو الذي يطالب بحكم جزيرة البحرين.

(9) لو قال التقرير أن عدد السكان 35 ألف نسمة لكان أقرب الى الصواب، أما 135 ألف نسمة، فرقم كبير للغاية. هذا يدلنا على مقدار الدقّة في مثل هذا النوع من التقارير.

(10) وعدد القوارب هنا أكثر مبالغة مما سبقه، والقوة العاملة عليها لا يمكن تحصيلها حتى إذا ما اعتمد عدد السكان 135 ألفاً! 

(11) الصحيح أن قرار التعيين صدر في عام 1890م، وليس في وقت متأخرٍ جداً كما يقول التقرير. يحدثنا التقرير السنوي لمقيمية بوشهر لعام 1890 ـ 1891 عن الموضوع على النحو التالي، (انظر: V/23/60):

[ في مايو 1890 وردت تقارير تقول بأن متصرف الأحساء كتب الى محمد بن عبد الوهاب يعلن فيه تعيينه حاكماً لزباره. ضمن ترتيب وضع إداري جديد يبقي الشيخ جاسم قائمقاماً لقطر على أن يعين وكيل له أثناء غيابه، وتعيين مديرين في العديد والزبارة، وتشمل الترتيبات الجديدة التي تستهدف ضبط قطر، إعادة بناء حصني بريمي وبلعلات BEREYMI & BEL'ALAT ، وبناء مسجد كبير في العقير، وأيضاً تشكيل قوة عسكرية منظمة من 600 شرطي محمولة على الجمال لتفتيش البدو، ووضع سفينين بخاريتين للعمل بين قطر والعجير والقطيف، وتعيين رئيس ميناء لقطر لجمع الجمارك، ووضع قوة مرابطة في الميناء.

وقيل أن الأتراك يعتزمون تأسيس مركز جمارك في البدع ، وأنه ستفرض ضريبة على الغواصين والطواشين (لا يبدو أن هذا حدث بسبب معارضة جاسم الذي كان هو بائع اللؤلؤ وكانت الضرائب بيده).

 قبل محمد بن عبد الوهاب عرض الحكومة ليكون حاكماً للزبارة، ولكن في سبتمبر أعلن في البصرة اعتماد آصف بيك، وخلف أفندي، ومحمد بيك، كمديرين لزبارة والعديد، ومساعد للقائمقام في قطر على الترتيب. يعتقد أن جاسم بن ثاني لن يكون راضياً على التعيينات. وفي نهاية العام، فإن عاكف باشا متصرف الأحساء الذي كان يريد توسعة سلطان الحكومة العثمانية سقط مريضاً وقد مات في طريق عودته الى بلاده].

(12) انظر هامش رقم: 3

(13) انظر هامش رقم: 2

(14) شكوى مريرة ودائمة من سوء ميناء القطيف وضحالة مياهه، نجدها في معظم التقارير التي تتحدث عن القطيف.

(15) هذا الكلام ينطبق على الهفوف وليس القطيف، لأن ميناء الأخيرة ملتصق بالمدينة، بعكس الهفوف التي يتطلب وصول تجارتها من والى العقير مرافقين عسكريين.

(16) الدمام حين كتابة وطباعة التقرير ونشره سواء عام 1904، أو 1915 لم تكن بلدة مسكونة، وكل ما فيها حصن، ويفد الى  المكان بعض البدو في أوقات مختلفة من العام. ومن هنا فالحديث عن أهمية الحصن ربما وليس البلدة التي تأسست في منتصف الأربعينيات الميلادية.

(17) هذا الرقم، وهو أقرب الى الحقيقة يتعارض مع تقدير عدد السكان العام الذي قيل آنفاً وهو 135 ألف نسمة . انظر هامش رقم 9، 3.

(18) لا يظن أنه حدث أن عسكر في قطر 1200 مقاتل عثماني مطلقاً!

(19) هذا ما جرى في الحرب العالمية الأولى فعلاً.

(20) فعلاً كانت القبائل موالية بالإسم للعثمانيينن وكان الأخيرون ـ واتقاءً لشرها ـ تدفع رواتب لها. وفي بعض الأحيان توقفت تلك المرتبات، فما كان من القبائل إلاّ ان هاجمت الحواضر. وأشهر مثال على ذلك هجوم العجمان عام 1906 على قرية الشقيق. وقبلها مهاجمتهم هم وآل مرة عام 1901 للعساكر العثمانية القادمة من العقير حيث وقعت مذبحة للجند العثماني، الأمر الذي أدّى الى الإتيان بمتصرف جديد فكان طالب النقيب.

 

225306