وداعا يا أبي
محمد بن عبد الله القنبر - 14 / 2 / 2011م - 3:32 ص - العدد (58)

كان آخر حديث لي مع والدي عبر الهاتف عندما اتصل بي وقد كنت لتوِّي وصلت إلى دمشق، لكي يطمئنَّ على وصولي سالماً، ويقدم لي بعض الوصايا. وبعد أقلَّ من ساعة من ذلك الاتصال جاءني اتصال آخر من أحد أقربائي يخبرني فيه بوفاة والدي، وهو خبر وقع عليَّ وقعَ الصاعقة. فهو الأب الحنون والأخ والصديق في نفس الوقت. حينها لم أتمالك نفسي وعدت إلى البلاد بعد سويعات فقط قضيتها في سوريَّة.

كان الوالد (رحمه الله) يتصرف - في الأيام الأخيرة من حياته -وكأنه يشعر بأنه سوف يغادر هذه الدنيا؛ فقد ازدادت وصاياه لأفراد عائلته، وبذل في الأسابيع الأخيرة جهودا كبيرة جدًّا من أجل نقل سكن زوجته الثانية إلى منزل آخر قرب المنزل الذي كانت تقيم فيه والدتي، وأقيم فيه أنا أيضا. وعندما كنت أسأله عن سبب تعجله للموضوع، كان يقول: «لا أحد يضمن عمره، فأنا عشت يتيماً، ولا أريد لأبنائي أن يتعبوا كما تعبت».

وقد أخبرتني والدتي بأنه كان من عادته أن يطلب ملابس جديدة يوم الجمعة، إلاَّ أنها كانت المرة الأولى التي يطلب فيها ملابس جديدة لليلة الجمعة التي توفي فيها.

كنت أشعر بأن لوالدي مكانة خاصة في قلوب الصحفيين والإعلاميين في الأحساء، وكان هو يتعامل معهم بأبويَّة حانية عبر تقديم النصائح إليهم باستمرار.

كان يقضي أكثر أوقاته في العمل؛ فمن التدريس الذي كان وظيفته الرئيسية قبل تقاعده، إلى الصحافة والكتابة في صحيفة المدينة، إلى العمل في فرع وكالة الأنباء السعودية في الهفوف، إلى التغطيات الإخبارية للمنتديات الإلكترونية ومواقع الإنترنت، ولا يكاد يستقر قليلا في المنزل حتى يعاود الحركة والنشاط.

لقد شعرت خلال أيام العزاء، وخلال الحفل الذي أقيم له في مدينة العمران بالأحساء بالمكانة التي يتمتع بها والدي عند الناس. كما شعرت بحجم الفراغ الذي تركه في وسط عائلته الصغيرة، ووسط عائلته الصحفية الكبيرة، وشعرت من التأثر الذي ساد الأوساط الأحسائية بأن قيمة الإنسان هي بمقدار ما يقدمه للناس، وبمقدار محبة الناس له.

كم أتمنى - الآن يا أبتي - أن كنت رافقتك في بعض جولاتك الصحفية والاجتماعية وزياراتك للمنتديات الثقافية.

 

رحمك الله يا أبي، فرغم مشاغلك الكثيرة لم تهمل أبناءك وعيالك، وكنتَ تتحدث مع الجميع، وتلقي بالنكات عليهم. لم يمنعك عن ذلك كونك الأب والعائل لهم.

رحمك الله، وأسكنك فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

200412