الصِراَعُ مَعَ الأَمَل
شَاعِرٌ وَقَصِيْدَة
حسن علي الزاير * - 14 / 2 / 2011م - 3:48 ص - العدد (58)

أطل علينا حديثا “عنوان الحب” ديوان الشاعر (محمد رضي الشماسي). بعد أن مرَّت سنون ونحن ندعوه لنشر شعره وطباعة نثره، حتى يصل إلى القارئ فيأنس به؛ قدر ما - نحن الصحاب - قد استمتعنا بهذا العطاء في مناسبات متباعدة عبر السنين.

إن طباعة الديوان، وتقديم الكتاب هو توثيق للأجيال، وهدية ومرجع يقف عنده الأبناء في المستقبل.

ما أردت مراجعة الديوان، تاركاً ذلك للقارئ الأديب، واثقاً بمقدرته على التعرف على أسلوب الشاعر والمدارس التي تأثر بها. أردت، فقط، أن أقف مراجعاً قصيدة واحدة فقط وهي قصيدة (بُعد).

يبحث الإنسان عن ذاته عبر الحضارات، عبر العصور والسنين. يفتش عن المثالية والكمال، يهرول في كل منطلق ويتسابق في مختلف الطرق. أين هي الغاية المتناهية في السمو والمثالية والعطاء من أجل سعادة الإنسان؟. صراع متناهٍ بحثاً عن ذلك الأمل غير أنه ما أن يصل إليه ولو ساعة من نهار إلا ويستوحش منه. وما أن يطل عليه إلا ويهرب منه. لقد أوحت لي قصيدة الشماسي (بُعْد) البحث عن هذا المسار فيما توفر لدي من إبداع في القصيدة العربية. لقد تبلور هذا الصراع في تجارب شعراء على مختلف العصور كما هو الحال في الأدب العربي والآداب الأخرى. ولقد كان هذا الصراع والإبداع سبباً قويًّا لشهرة الشاعر أو انتشار القصة والرواية. كلما ذكر الشاعر تذكر الناس تلك القصيدة، وكلما انعقد المجلس أو اكتمل المهرجان تذكر البعض تلك الرواية. القصيدة أو الرواية يحكيان الصراع مع الأمل، يترجمان الخسارة لضياع ذلك الأمل، والوحشة منه حين الوصول إليه.

في مناسبات كثيرة، عندما نذكر شاعراً قديراً قد تتسارع إلى أذهاننا قصيدة معينة دون غيرها، قد لا تكون هي الوحيدة الجميلة المتكاملة المعنى في ديوان كبير، ولكن موضوعها يبدو مميزاً، وأسلوبَها فريداً وكأنما تم الوصول إليه لأول مرة. تتميز هذه القصائد بخصائص في الأسلوب والمعنى أهمها ما يلي:

1- عالمية الموضوع: وهو أن يكون الطرح منطبقاً على أغلب المجتمعات من حيث المشاعر والتجارب. الموضوع ليس مناسبة، ليس مدحاً ولا رثاءً، وليس صورة مكررة، ولا يخص محيطاً بذاته أو مجتمعا له عاداته وتقاليده ورموزه.

2- الجانب النفسي: وهو يركز على الصراع النفسي وما يحمل من ضعف وقوة، من نور أو ظلام، من فرح أو وحشة، يمثل النفس وما تعانيه من هدى أو غواية، من سعادة أو ألم.

3- الأفق التجريدي في النص الذي يسمح للقارئ أن يبلور المعنى؛ ليتوسع أو يضيق بما يتناسب مع ظروفه الذاتية، وتجاربه الشخصية،تطويع المعنى هذا لا يبعد النص، ولا المعنى عن الصورة الدقيقة التي أرادها الشاعر، ولكن يجعل من النص مهيئاً لظروف القارئ، وتجاربه في الحياة.

4- تمكن النص من التواصل الفني مع إبداعات ونصوص أخرى لشعراء آخرين كتب لهم الخلود في ثقافاتهم وثقافات إنسانية أخرى.

5- توافق النص مع إبداعات وتجارب فنية أخرى غير الأدب أو الشعر والرواية، وتعدي ذلك الإبداع ليشمل الرسم أو النحت أو الموسيقى. الموضوع من الجمال والحساسية والأهمية أن جميع التجارب الفنية تناولته، ولكن بصور ومهارات مختلفة.

لو أردنا تقديم نماذج لهذا العطاء المميز في الشعر أو النثر أو الفن فلا أظن أننا ننتهي في مقالة ولا دراسة قصيرة، بل لعلنا نحتاج إلى كتب عديدة تحكي مدارس ومراحل متعددة، وأحسب أن المكتبة العربية فيها الكثير من هذه الدراسات، ولكن لو اختصرنا الموضوع من ناحية، وقاربنا بينه وبين (الشاعر الشماسي)، فلربما على الأقل نوفيه حقه، ونلقي الضوء على جوانب الإبداع لديه، ونذكر القارئ - حاضراً ومستقبلاً - أن شاعرنا لا يقل عن غيره في هذا المضمار.

نظرة مختزلة إلى الشعر القديم توقفنا على شعر المتنبي، هنا لا يمكن أن ننسى قوله، ولو كثر إبداعه في جوانب كثيرة ومترامية:

صَحِبَ النَّاسُ قَبْلَنَا ذَا الزَّمَانَا

وَعَنَاهُمْ مِنْ شَأْنِهِ مَا عَنَانَا

وَتَوَلَّوْا بِغُضَّةٍ كُلُّهُمْ مِنْـ

ـهُ وَأِنْ سَرَّ بَعْضَهُمْ أَحْيَانَا

رُبّمَا يُحْسِنُ الصّنِيعَ لَيَالِيـ

ـه وَلَكِنْ تُكَدَّرُ اْلإِحْسَانَا

ولو ذهبنا أبعد من ذلك إلى (القصيدة اليتيمة) لا يهمنا من القائل هل هو دوقلة المنبجي أو غيره، ولكن يأسرنا فيها المعاناة النفسية، ودقة الوصف، أما لو ذكر ابن الرومي فإن وصفه لحبيبته (وحيد) قد تكون من أبدع ما وصلنا من قصائد العشق والنسيب.

وَغَرِيْرٌ بِحُسْنِهِا قاَلَ صِفْهَا

قُلْتُ شَيْئَانِ هَيِّنٌ وَشَدِيْدُ

يَسْهُلُ القَوْلُ أَنْهَا أَجْمَلُ الأَ

شْيَاءِ طُرَّاً وَيَصْعُبُ التَحْدِيْدُ

مَا تَزَاليِنَ نَظْرَةُ مِنْكِ مَوْتُ

لِيْ مُمِيْتٌ، وَنَظْرَةٌ تَخْلِيْدُ

وقصيدة ابن زريق البغدادي الأخرى (البغدادية)، معاناة عشق وصراع وندم، ولو لم نكن نطلع على شعره كاملاً[1] ، وقصيدة (التهامي) في رثاء ابنه هي ثورة المحبة والحكمة حتى ولو لم نحضر أو نهتم بمراسيم العزاء. قصيدة (الورقاء) إلى ابن سينا[2]  أوحت إلى إيليا أبو ماضي قصيدة (العنقاء)[3] ، وهي من النماذج الواضحة في شعر المهجر، وحتى في الشعر العالمي، لا أظن أن بدر شاكر السياب وشعره لم يكن واضح التأثر بالشاعر تي.اس. أليوت، وبالأخص في قصيدته (الأرض اليباب).

وإذا وقفنا على عطاء شوقي الشعري، وهو كثير، لا بد أن يتسارع إلى الذاكرة قصيدته في الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):

وُلِدَ الهُدَىْ فَالكَائِنَاتُ ضِيَاءُ

وَفَمُ الزَّمَانِ تَبَسُمٌ وَسَنَاءُ

ونذكر له قصيدة (عرس النيل)، أو قصيدة مقبرة (توت عنخ آمون):

مَا أَجْمَلَ الإِيْمَانَ لَوْ لاَ سُبَّةٌ

فِيْ كُلِ دِيْنٍ بِالهِدَايَةِ تُلْصَقُ

ونذكر الجواهري فلا بد أن نقف أمام قصيدته (المقصورة) في وصف العراق، أو مرثيته لأخيه:

المَجْدُ أَنْ تُهْدِيْ حَيَاتَكَ

كُلَّهَا للنِاسِ لا بَرَمٌ وَلا إِقْتَارُ

وَالمَجْدُ أَنْ يَحْمِيْكَ مَجْدُكَ وَحْدُهُ

فِيْ النَاسِ لا شُرَطٌ وَلا أَنْصَارُ

وَالمَجْدُ جَبَّارٌ عَلَىْ أَعْتَابِهِ

تَهْوِي العُرُوْشُ وَيَهْلَكُ الجَبْارُ

ويأخذ بنا المسير لنتذكر عدداً أكبر من شعراء العصر الحديث. لا يفوتنا (بُلند الحيدري) وقصيدته (خفقة الطين):

وَتَلَمَّسْتُ خَفْقَةً فِيْ ضُلُوْعِيْ

شَدَّهَا اللهُ فَاسْتَحَالتْ سَكِيْنَهْ

عَالَمَاً شَامِخَ الذُّرَىْ يَتَأَبَّىْ

أَنْ يَرَىْ نَفْسَهُ حِكَاْيَةَ طِيْنَهْ

عمر أبو ريشة مع قصيدته (النسر)، وقصيدته (المرأة والمثال)، وقصيدة (طلل)، وقصيدة (كان التلاقي)، قصائد تحمل دلالات العالمية وإبداع الزمان والمكان وهموم النفس الإنسانية.

قصيدة النسر:

أَيُهَا النَسْرُ، هَلْ أَعُوْدُ كَمَا عُدْ

تَ أَمْ السَفْحُ قَدْ أَمَاتَ شُعُوْرِيْ؟

قصيدة امرأة وتمثال:

أَخْشَى تَمُوْتُ رُؤْايَ إِنْ

تَتَغَيَّرِيْ

فَتَحَجَّرِيْ

قصيدة طلل:

هُنَاْ يَنْفُضُ الوَهْمُ أَشْبَاحَهُ

وَيَنْتَحِرُ المَوْتُ فِيْ يَأسِهِ

    قصيدة كان التلاقي:

وَيْحَ نَفْسِيْ طَالَ اغْتِرَابَيَ عَنْ نَفْـ

ـسِيْ فَوَا وَحْشَتَاهُ كَانَ التَلاقِيْ!

غازي عبد الرحمن القصيبي لا يختلف عن أقرانه في مسار الإبداع، فهو علَم واضح في قصيدته (معركة بلا راية):

أُحِسُّ بَأنَّ أَيَامِيْ

كَهَذِىْ الليْلَةِ الحَمْقَاءِ

عَاصِفَةٌ بِلا مَعْنَىْ

صِرَاعٌ دُوْنَمَا غَايَهْ

وَمَعْرَكَةٌ بِلا رَايَهْ

وهو فيلسوف وساخر مع إبداع حديث النفس في قصيدته (الفرسان):

يَا سَيِدِيْ التَارِيْخُ

أَرْهَقَنَا التَّأَمُلُ فِيْ بُطُوْلاتِ الرِّجَالْ

وَفَيْ نِهَايَاتِ الرِّجَالْ

مَا لا يُقَالْ، وَمَا يُقَالْ

هَلاَّ أَجَبْتَ عَنِ السُؤُالْ

فَقَدْ بَرِمْنَا بِالسُّؤَالْ؟

وأبو ماضي وقصيدته (العنقاء) صورة أخرى إلى (ابن سينا) في قصيدة مماثلة، وهو أيضاً يقف في قصيدة الطلاسم شديد الحيرة، ولكنها حيرة تهدينا إلى طريق الحقيقة، وتوصلنا إلى برِّ الأمان. إما الشاعر اليمني (البرَدُّوني) وقصيدته (الفاتحه):

هَذِيْ الحُرُوْفُ الضَّائِعَاتُ المَدَىْ

ضَيَّعْتُ فِيْهَا العُمْرَ، كَيْ لا تَضَيْعْ

وَلَسْتُ فِيْمَا جِئْتُهُ تَاجِرَاً

أُحِسُّ مَا أَشْرِيْ وَمَاذَا أَبَيْعْ

إِلَيْكَهَا، يَا قَارِئِيْ، إِنَّهَا

عَلَىْ مَآسِيْهَا عَذَاْبٌ بَدَيْعْ

وقصيدته، أيضاً، في ذكرى (أبو تمام):

وَأَقْبَحُ النَّصْرِ نَصْرُ الأَقْوِيَاءِ بِلا

فَهْمٍ، سِوَىْ فَهْمِ كَمْ بَاعُوْاوَكَمْ كَسَبُوْا؟

مَاذَا جَرَىْ يَا أَبَا تَمَّامَ تَسْأَلُنِيْ؟

عَفْوَاً سَأَرْوِيْ، وَلا تَسْأَلْ، وَمَا السَبَبُ

مَاذَا تَرَىْ يَا (أَبَا تَمَامَ) هَلْ كَذَبَتْ

أَحْسَابُنَا؟ أَوْ تَنَاسَىْ عِرْقَةُ الذَّهَبُ؟

مَاذَا أُحَدِثُ عَنْ صَنْعَاءَ يَا أَبَتِيْ؟

مَلِيْحَةٌ عَاشِقَاهَا السِّلُ وَالجَرَبُ

مَاتَتْ بِصِنْدُوْقِ «وَضَّاحٍ» بِلا ثَمَنٍ

وَلَمْ يَمُتْ فَيْ حَشَاهَا العِشْقُ وَالطَرَبُ

«حَبِيْبُ» تَسْأَلُ عَنْ حَالِيْ وَكَيْفَ أَنَا؟

شَبَّابَةٌ فِيْ شِفَاهِ الرِّيْحِ تَنْتَحِبُ

أما (أحمد عبد المعطي حجازي) فيتجلى إبداعه في قصيدة (عامي السادس عشر) وكأنه يتألم لمراهقة أمة، وتشبثها بخيالاتها وعبثها رغم أن الأمم الأخرى تتطور وتسعى:

أَصْدِقَائِيْ، نَحْنُ قَدْ نَغْفُوْ قَلِيْلاً،

بَيْنَمَا السَّاعَةُ فِيْ المَيْدَانِ تَمْضِيْ

ثُمَّ نَصْحُوْ

فِإِذَا الرَّكْبُ يَمُرْ

وَإِذَا نَحْنُ تَغَيَّرْنَا كَثِيْرَاً،

وَتَرَكْنَا عَامَنَا السَّادِسْ عَشَرْ

أما (نزار قباني) فقد أعطانا الكثير غزلاً تارةً وأخرى شعوراً بالذنب والهزيمة ونعياً لما وصلت إليه الأمة العربية من ضياع ومهانة وحرمان.

لقد كان له أسلوب مميز، وكلمة واضحة يرسم بها صوراً تعوَّد الناس على مشاهدتها، والوقوف عندها بشغف وطرب وانفعال عاطفي أحايين كثيرة. هنا قصيدة يترنم بها المغني، وهناك قصيدة حماسية يثور المهرجان غضباً لما ترسم من مشاهد الهزيمة والضياع، غير أننا لا نجد جديداً فيما قدمه نزار غير قصيدتين هما (إلى تلميذة) وتمثل صدق الحب والعشق، وقصيدة (خبز وحشيش وقمر) وتمثل درجة الهزيمة والضياع.

ويمكننا أن نصنف كلَّ ما قدمه (نزار) حول هاتين القصيدتين، وفي المقابل، أيضاً، الوثبات الجمالية التي يتَّسق في مسارها الشاعر الشماسي في قصيدته بُعْد حيث وثبة المعنى، وإطار الابتكار كما يخيل إلى القارئ فعلاً أنه صنع ذلك الابتكار.

سؤال يمكن طرحه أيضاً (هل هناك قصائد أخرى ذات بعد ابتكاري في أدب القطيف؟). وللإجابة على هذا السؤال أراني أقف على موسوعة من الإبداع بعضها في متناول معرفتي، والبعض الأكبر بعيد -كل البعد- عن إدراكي وثقافتي المحدودة، وحتى لا استثني طيفاً من أدب القطيف وددت الإشارة إلى القليل من هذا الإبداع.

الشاعر الشيخ عبد الحميد الخطي وقصيدته مع المتنبي:

شَاعِرٌ ثَاْئِرٌ عَلَىْ الأَوْضَاعِ

تَتَلَظَّى أَنْفَاسُهُ فِيْ اليَرَاعِ

هَكَذَا الشَّاعِرُ النَّبِيْغُ حَيَاةٌ

مِنْ جِهَادٍ مُظْنٍ وَمِنْ أَوْجَاعِ

يَرْفَعُ المَالِكِيْنَ فِيْ ذُرْوَةِ النَّجْمِ

وَيَهْوِيْ طَوْرَاً بِهِمْ لِلْقَاعِ

مَصْرَعُ الشَّاعِرِ النَّبِيْغِ مَآسٍ

أَخْرَسَتْ أَصْغَرَيَّ ثُمَّ يَرَاعِي

القصيدة الأخرى للشاعر الكبير الخطي ليلة في شواطئ القطيف:

قَالُوْا القَطِيْفَ، فَقُلْتُ غَايَةُ قَصْدِنا

أَلْقِ المَرَاسِيَ، أَيُّهَا الرُّبَّانُ

يَا شِعرُ حَقٌ لِلشَّوَاطِئِ وَفِّهِ

لا تَمْطُلَنَّ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ

يَا لَيْلَةً طَوَّقْتِ جَيْدِي مِنَّةً

أَتَرَيْنَ ضَاعَ البِرُّ والإحْسَانُ

فَلَقَدْ وَرَدْتُكِ وَالحَشَا مُتَسَعِّرٌ

وَصَدَرْتُ فَهْوَ البَارِدُ الرَّيَّانُ

لقد كان الشاعر الشيخ عبد الحميد الخطي وثاباً، ومبتكراً في ذكرى المتنبي كما هو مأسور بحب الوطن وعشق الأهل.

إما الشاعر عبد الله الجشي فأكثر شعره عشقٌ وهيامٌ في الوطن كما أشرنا إلى ذلك في دراسة سابقة، وكذلك في إحياء ذكراه، ولعل ملحمة (شراع على السراب) كانت لوحة متكاملة، ورواية تفصيلية يمكن الرجوع إليها للوقوف على ذلك العشق والحنين والوفاء لهذا الوطن.

أنتقل، الآن، للحديث عن الشاعر عدنان السيد محمد العوامي، وخصوصاً في قصيدته (وقفةٌ على أطلال خولة):

أَخَوْلةُ، يَا عُنْفُوانَ الضِفَافِ

وَشَوْقَ النَّخِيْلِ وَعِشْقَ الأَهِلَّهْ

فداءً لعينيك ما في يديَّ

وردءاً لعمرك عمري كلَّه

كَفَاكِ أَذَىً من عَوَادِي الزَمَانِ

كَفَاكِ هَوَاناً وَغُبْنَاً وَذِلهْ

بِأَن تَتَحَوَلِ عَنْكِ القُلُوْبُ

فَيَهْجُرَ إِلْفٌ وَتَغْدُرَ خُلَّهْ

فيبرأ منك أحب ذويك

كأنك ذنبٌ، كأنك زلَّة

كأنك ما كنت لمدنفين

غراماً ومرفأ عشقٍ وقِبلة

***

فلا تعتبي يا هواي المقيمَ

وإن عدت نسياً فللمال جولة

وحسبك أن تسكني مقلتيَّ

ظلال وخِصلة ضوءٍ وكحلة

ويلهو ثراك على منكبيَّ

نثارة عرسٍ وفرحة طفلة

فأضفر منه لرأسي تاجاً

وأغزل منه لجسمي حُلَّة

وما بيدي أن يضن البنون

بقطرة دمع تبلل رملة

هنا أتذكر قول الشاعر الكبير عبد الله الجشي تعليقاً على هذه القصيدة: (يجب أن يقام لها نصبٌ كبير وتمثالٌ من الذهب).

عندما نراجع هذه القصيدة بإمكاننا الوقوف على ما كتب عن القطيف بحنين وعشق وهيام، لقد استطاع الشاعر العوامي أن يقدم لنا هذا الشعور تمثالاً من الحضارات منصهراً مع أحاسيس ومشاعر الإنسان، وفيها أيضاً من نهايات العصور، وغدر الزمان، وجناية الأزمنة. هل كان العوامي في قصيدته يمثل الروائي (رسول حمزاتوف) وهو يكتب عن بلده (داغستان) فيقول:

(إذا أطلقت نيران مسدسك على الماضي أطلق المستقبل نيرانَ مدفعه عليك)

(يجب أن أوزع ثماري على الناس)

(حقًّا إن إبداع أغنيَّة أمر جد عسير)

(يقال إن أهم كتب الكاتب ذلك الذي لم يكتبه بعد)

(أنت أيها الصدق لست تحمل إلينا غير القلق. أن تجبرنا على التفكير والنزاع. كم من المحاربين الشباب والفرسان ماتوا من أجلك؟ أليس يكفيك كل ذلك).

(قال الكذب للصدق إني أكثر منك قيمة، وأجمل نفعاً، في كل بيت زرناه كانوا يحتفلون بي ويضيقون بك).

(رسول حمزاتوف، رواية بلدي).

يقيناً لم يقف العوامي على رواية بلدي، وربما كتبت القصيدة قبل كتابة الرواية، وعلى أقل تقدير قبل ترجمتها، لكن قصيدة العوامي تعكس وثبة الابتكار، وصدق الحنين، وألم الضياع.

أحسبني قد قدمت إشارات قصيرة، وأهملت عدداً أكبر من هذه الإشارات التي تمثل الأدب والشعر عبر العصور، ولكن هذه إشارات توصلنا إلى الموضوع الأساس وهو:

1- أن بعض الإبداع يمثل عبقرية الكاتب، ويغني عن تفاصيل كثيرة.

2- هذا الإبداع يحمل سمة العالمية في الموضوع.

3- طرح الموضوع هو هم كبير إلى جميع الأمم في كل بلاد الأرض، وفي كل العصور.

4- التركيز على الجوانب النفسية وشقاء النفس من أجل الوصول إلى الكمال والأمل المنشود.

5- الصراع الداخلي حين معرفة ذلك الكمال، والغربة حين الوصول إلى ذالك الأمل.

6- الصورة مع كونها تمثل هماًّ عالمياًّ إلا أنها تبدو في ثوب جديد، وفي طرح متميز يختلف عن الصور الأخرى.

7- تظل التجربة جديدة ذات نوعية تختلف كلياً عن الصور والتجارب المماثلة في الآداب الأخرى.

قصيدة (بُعْد) للشاعر الشماسي تحمل الخصائص نفسها المشار إليها، ويمكن أن تكون بعداً أو هدفاً أو غاية أو طموحاً نفسياًّ للوصول إلى الهدف الأسمى.

الشاعر يترجم مشاعر نفسية هي -في الواقع- صراع الإنسان للوصول إلى ذلك الهدف، وهو في حرب طويلة بين هوى النفس وما يحمل من هزيمة للشاعر الإنسان، وضياع ما يهفو إليه من الكمال والمثالية. شاعرنا يتمنى الوصول إلى بعد وغاية يحقق فيها ذاته، بعدٍ واحدٍ يوصل الإنسان إلى حقيقة الإنسان التي ينشدها على مر الزمان، غير أنه كلما اقترب من ذلك الهدى وتلك الحقيقة ووصل إلى حلمه المنشود استوحش من قربه، وتألم من التزاماته، إنه في لهفة نحو الوصول إلى ذلك البعد، والبحث عنه يهز كيانه فتراه يهرول نحو ذلك الهدف، ويتمنى الوصول إلى صميم ذلك العشق، ولكنه -في الوقت نفسه- في غربة دون التواصل مع ذلك البعد، وفي وحشة عند الوصول إليه.

إنه يود أن يكون، ولكن لا يكون، إنه قريب من ذلك البعد وبعيد عنه بعد المشرق عن المغرب، إنه في غمرة الفرح، وفي ضجيج الحزن في آنٍ واحد.

هَبْ لِيْ مِنَ القَلْبِ بُعْداً أَسْتَرِيْحُ لَهُ

وَأَجْتَلِيْهِ مَدَىً بِاْلحُسْنِ مُتَّصِفَا

وَكَمْ أُعَاْنِيْ بِقُرْبِيْ مِنْكَ مَوْجَدَةً

لَمْ أَسْتَطِعْ كَتْمَ سِرٍّ دُوْنَهَا فَطَفَا

أَرَاْكَ مِلْءَ كَيَانِيْ، كُلُّ نَابِضَةٍ

بِهِ تَمُوْرُ لِمَعْسُوْلِ الهَوَىْ شَغَفَا

كَأَنَّ صَائِلَةَ الأَيَامِ مَا وَهَنَتْ

عَنِيْ، وَلَوْ وَهَنَتْ أَرْهَقْتُهَا أَسَفَا

أَعْطَيْتُهُ القَلْبَ مَحْمُوْلاً عَلَى بُرُدٍ

مِنَ الرِغَابِ فَمَا أَسْلَى، وَمَا عَطَفَا

هي ذات الصورة الأزلية التي يبحث عنها الإنسان؛ يريد بعداً يستريح له فهو يعاني من تلك الغربة.

يظل ينشد ذالك البعد وهو ملءُ كيانه، ما دارت الليالي والأيام، غير أنه يقضي العمر مرتاحاً إلى ذلك العناء، فهو لا ينتهي منه إلا ويعود إليه ولا يصل إليه إلا ويبتعد عنه، فلا السنين توصله إلى ذلك الهدف، حتى أن الأيام تعبت وأرهقها المسير أسفا دون تحقيق ما يسمو إليه، لن يصل إليه وإن كان منه قريب، وإلى جفونه وإحساسه أقرب.

لسنا بصدد شرح القصيدة كما تعود البعض بمراجعتها بيتاً بعد آخر، ولكننا في إطار البعد النفسي للشاعر، ونضج المعاناة التي مر بها، الشماسي يبحث عن بعد، وعن مدى فهو تارة ملء وجوده، وأخرى ملء كيانه، وهو سناً ورقة يمر مثل شعاع الشمس، وهو -أيضاً-معه بين جفونه عند المنام به ينسج الهوى، ويرى الورد ولا يرهب الشوك.

تكاد الكلمات وملؤها الفرح والابتسام تتوالى دون أن تفارق كلمات أخرى تختزن الألم والضياع.

توالي الكلمات المتباعدة في المعنى، والمفارقة للسياق من الحزن إلى الفرح، من القمة إلى الهاوية، ومن البعد إلى القرب، أو الوفاء والحب إلى الغدر والخيانة، كل ذلك التناقض سمة البحث عن بُعدٍ جديد أكثر صدقًا ودقة وجمالاً، أكثر وضوحاً وأقرب إلى النور منه إلى الغبش والظلام الذي يعاني منه الكاتب.

يا صاحبَ الشماسي، لست فريداً في هذا المسار، كتَّابٌ ومفكرون، شعراء ورسامون ومبدعون من كل مكان يبحثون عن بُعدٍ أضاعوه، ويهفون إلى أملٍ ينشدونه، وكلما اقترب بعضهم من ذلك البعد استوحش منه، وكلما لامسه هرب عنه، وكلما كان معه في موعد ساعة من زمان افترق عنه الزمان كله.

إلى هنا ألقينا الضوء على قصيدة الشاعر الشماسي بصورة مختصرة، ونترك للقارئ الفرصة لمراجعتها، ونحن على أمل كبير أن يجد مقارنات وتكافؤاً مع قصائد أخرى لشعراء آخرين قدموا الكثير من صور الإبداع التي تتناسب مع معاني شاعرنا، وربما تفوقه أو تكون أكثر دقة. ويكفيه تقديراً أنه دخل طريقاً وسلك منطلقاً كبيراً يحقق له المستوى اللائق مع شعراء مبدعين.

ربما يكون القارئ -إلى هذا الحد- قد اقتنع من هذا التحليل، وربما يعارضه بشده بأنه قد أهمل النقطة الخامسة من المراجعة، والتي تشير إلى (توافق النص مع إبداعات وتجارب أخرى مثل الرسم أو النحت أو الموسيقى).

ووددت أن أتطرق إلى هذا المجال خصوصاً وأننا نبتعد، وربما البعض يُنكر أن الرسم أو النحت أو الموسيقى فنون لها نفس المسار الذي يقصده الشعر أو الأدب، ما تعودنا في الغالب أن نوصل هذا بذلك، أو نقارن بين كل من الاتجاهين، ولكن في تجارب الأمم وثقافات المجتمعات الأخرى هناك دلائل ومقارنات بين كل ذلك اعتقاداً بأن هذه الآثار والفنون تسير في زورق واحد، وتنهل من مصادر إلهام واحد، الإنسان، العذاب، والفرح، الكمال، والانتصار، والضعف، والهزيمة. وددت، أيضاً، لو واصلت هذه الورقة لتشمل الرسم والنحت وما توفر لدي من معلومات لمدارس تتناول هذه الإثارات، حيث نجد أن هناك مدارس فنيةً أخرى كالرسم والنحت تناول المبدعون فيها نفس فكر الشاعر الشماسي باستخدام ريشة الرسم، أو إزميل النحت، ولعلنا -مستقبلاً- نكمل القسم الثاني من هذه المراجعة بالإشارة لتلك المدارس، ويظل الإنسان -منذ الخليقة- على موعد مع الانتصار والهزيمة، على موعد مع القوة والضعف، مع الحياة والعناء، مع الإيمان والكمال أو مع الكفر والضعف، وتظل النفس الإنسانية في صراع متواصل بحثاً عن بُعد، وسعياً وراء أفق بعيد، وهرولة نحو أمل وفردوس وسكينة، ولكن هذا البعد ما يظهر قريب المنال حتى يظهر عسير المتناول.

مضى من العمر أجمله، ومن الأيام روايات عن الألم والحزن والحرمان، وقليل من السعادة والفرح وأنت ما زلت تبحث عن بعد، وتسعى إلى هدف، فلا الأيام وفت لك الوعد، ولا البعد قريب في الأفق.

لقد كنت وثاباً في قصيدتك وأنت تحدثنا عن مرارة الحرمان، وربما شقاء اللقاء لو تحقق ذلك البعد. ذكرت لك إشارات متباعدة لشعراء قبلك أرهقهم ذلك البعد، وعناهم من أمره ما عناك، لقد أتعبك وأتعبهم طول المسير والانتظار.

أرجو أن تكون مع بعدك وغايتك حتى ولو ساعة من نهار، وأنا أبعد ما أكون عن دنيا الأدب والشعر والرواية، ولو جادت الأيام والسنون أقرأ قليلاً لهؤلاء، والأقل لأولئك، هذا له قلم صناع في الفكر والفلسفة، والآخر تحدث وطنُه وغير وطنه عن إبداع شعره، وجمال صوره، ودقة معانيه، إما رواية الأخير فقد نال عليها أرقى الجوائز، وترجمت لجميع لغات العالم، وحار في تحليلها النقاد، وتزاحم إلى دراستها النادي والجامعة، وأنا أبعد ما أكون لو يسعفني الزمان أن أقرأ لهذا الشاعر أو أتصفح لهذا الأديب، كلهم بأساليب مختلفة يبحثون عن بعد، وينشدون أفقاً، ويتمنون لو وصلوا إلى هدفٍ ضاع منهم. هل كان الشماسي بين أولئك النفر؟

أرجو أن يكون على موعد مع بعده وغايته وهدفه الأسمى حتى ولو ساعة من نهار.

[1]  ديوان شعر علي بن زريق البغدادي نشره المجمع الثقافي بدولة الإمارات العربية المتحدة، عام 2003م ضمن الإصدار الثالث من الموسوعة الشعرية. الواحة

[2]  الورقاء هي عينية ابن سيناء مطلعها:

هبطت إليك من المحلّ الأرفع

ورقاء ذات تعزّز وتمنّعالواحة

[3]  العنقاء، قصيدة مطلعها:

أنا لست بالحسناء أوَّلَ مُولع

هي مطمع الدنيا كما هي مطمعي

الواحة
كاتب - السعودية.
232138