نحن والنقد والاختلاف
التحرير - 15 / 2 / 2011م - 6:55 ص - العدد (59)

بادئ ذي بدء ينبغي لنا أن نميز بين مفهوم النقد الذي يستهدف تصحيح خلل قائم، وعودة الى الجادة وبالتالي هو قيمة هامة لا ينبغي تركها، وبين مفهوم الانتقاد والتجريح والتهجم والإساءات بمختلف مبرراتها وتبريراتها.

 وعليه فمن الخطأ أن يُتَّهم كل من يمارس عملية النقد وتقويم الاعوجاج، بعدم الولاء والانتماء لعصبته التي ينتمي إليها، وينتقدها، وطنا كان أم قبيلةً أم طائفة، وإنما على العكس من ذلك، حيث أن النقد للشأن العام، مؤشر مهم من مؤشرات الولاء الصادق للوطن والأمة ولجهة الانتماء، ومن شأنه أن يستهدف إزالة عقبات التقدم، وتذليل ما يحول دون استمرار انطلاقة المجتمعات نحو الأفضل.

والتطور في أي مجتمع إنما هو مرهون - وإلى حدٍّ كبير - بمدى انسجام النظام الاجتماعي والسياسي مع حالة النقد ومتطلباتها ولوازمها المختلفة، فالمجتمع الذي يسمح نظامه بالنقد ويهيئ كل مستلزماته الذاتية والموضوعية هذه فإنه مجتمع قادر على التقدم والتطور وتجاوز كل عقبات الطريق. أما المجتمع الذي يتحسس من النقد، ويتعامل معه بوصفه فعلا مناقضا للولاء والانتماء، فإنه مجتمع أقرب للتخلف والانحدار، والمجتمع الذي يفقد قيمة النقد والمحاسبة والمراقبة تستفحل فيه الأمراض السياسية والاجتماعية؛ كالتشرذم والانحرافات بشتى أنواعها.

إذن فالنقد قوة للمجتمعات وللأمم، لذا ينبغي أن نوفر الأجواء الملائمة من خلال الممارسات الفردية والجماعية، وعن طريق دوائر العمل والأنشطة القائمة الإعلامية والنقابية والاجتماعية والسياسية.

 ويمكن القول إن الديمقراطية بمؤسساتها وأنظمتها هي القادرة على خلق قوى اجتماعية فاعلة باتجاه تقويم الإعوجاجات، ومعالجة الخلل في المسيرة بوسائل سلمية ورقابية.

وعليه فإن النقد هو وليد شرعي للديمقراطية. فلا نقدَ حقيقيًّا بدون حرية، ولا حرية فاعلة ومستديمة بدون نقد ومحاسبة.

وعلى الصعيد الوطني لا ينبغي أن نتعامل مع النقد و كأنه حالة خاصة بفئة من المواطنين، ونساويه والجريمة الاجتماعية والسياسية، إنما هو شعور وطني يستهدف أسباب النجاح والقوة في المجتمع.

إن ما سبق ذكره يعني -بالنسبة لنا - أن نتعامل مع الاختلاف بروح رياضية، ولابد من ما يلي:

1 – إن أي نوع من الاختلافات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية لا يعني الانشقاق والخروج على ثوابت الوطن أو الجماعة، وذلك لأنه طبع بشري، وحاجة إنسانية، وحق لسائر أبناء الأمة والمجتمع، ولا يمكن أن نطلب أن تتطابق وجهات نظرنا وقراءتنا للأمور والأحداث مع الجميع، إنما تتفاوت بتفاوت الفهم والقراءة. ومثل هذا التمايز والاختلاف ليس انشقاقا أو خلافا ونزاعا مع الجماعة، وإنما هو حالة إنسانية طبيعية، وواجبنا ليس تسخيف الاختلاف والتعدد، وإنما العمل على صياغة الأطر والنظم المناسبة والأفكار الحضارية من أجل النهوض والانطلاق وهذا إنما يكون بوعي وبصيرة جماعية ليقبل كل واحد منا الآخر وكل فئة تقبل الأخرى وإن كانت مخالفة.

وعليه نتمنى نشر ثقافة النقد، وتأسيس مبادئ للحوار بين المختلفين أيًّا كانوا، وكيف كانوا، فلا شك أن مثل ذلك سيعزز السلم الاجتماعي والوطني.

2 - البحث عن المشتركات - وما أكثرها عندما يسود العقل بين المختلفين - حينما يفهم ويتفهم كل طرف الآخر على قاعدة التكامل لا على قاعدة الإقصاء.

وليس صوابا أن يحاور أي طرف طرفاً آخر بعقلية التشكيك أو الإفحام واللجاج، والطعن، وتصويب السهام، وتكسير العظام، إنما ينبغي أن يساق الحوار من أجل زيادة العلم والمعرفة وكل ما هو حسن لدى الآخر.

وعليه فمن شأن الحوار أن يزيد المشتركات، ويقلل الهُوَّات والتباينات.

3 - إن تعزيز المواطنة، وصياغة العلاقات الداخلية للمجتمع الواحد على أسس المساواة والعدالة وهذا هدف سام، ومسؤولية جمعية على الجميع دون استثناء، فهي على العلماء كما هي على المثقفين وهي على المسؤولين كما هي على عامة الناس والمهتمين بالشأن العام.

إن تعزيز الانتماء الوطني لا يتم على قاعدة إقصاء وتهميش بعض الفئات والشرائح على قاعدة الاختلاف، وإنما يتم على قاعدة التنوع الثقافي القائم في المجتمع؛ ذلك أن الوطنية ليست هوية جامدة، وإنما هي روح وحالة حيوية ومفتوحة على جميع المشارب، وتستفيد من كل الاجتهادات والآراء، لإثراء مضمونها، وتوسيع قاعدتها الاجتماعية والإنسانية.

210899