مستقبل موقع منجم الملح المجهول
نبيل يوسف الشيخ يعقوب * - 15 / 2 / 2011م - 7:13 ص - العدد (59)

عُرف هذا الموقع باسم منجم الملح وذلك لقربه لأحد مناجم إستخراج الملح الحديثة، وهو موقع لقنوات ري قديمة يقع بالقرب من رأس القرية ويبعد حوالي ستة كيلومترات عن مياه وشواطئ الخليج العربي في منطقة سبخة الدنَّان التي تقع شمال العقير، وهو واحد من المواقع المهمة في المنطقة الشرقية، والمعروف عالميا من قبل علماء وباحثي الآثار.

إن ما نشر وكتب عنه من قبل الباحثين الأجانب في السابق لا يتعدى تقارير مبدئية برسوم وخرائط وصور لملتقطات سطحية أو مجسات اختبارية ومحاولة ربط الموقع بموقع المدينة الأسطورية المفقودة الجرهاء التي كسبت من تجارتها العالمية غنى فاحش وثروات طائلة.

وتكمن أهمية الموقع في أنه عرف بمنطقة استيطان للحضارة الجرهائية ومنطقة لقنوات ري بمساحة تقدر بعدة كيلومترات مربعة، هذه القنوات باتجاه غرب شرق تختفي تحت رمال صحراء الجافورة من الجهة الغربية، وذلك من خلال الصور الجوية والفضائية.

وينتشر على سطح الموقع الكثير من كسر الفخار الهيلينستي، وكسر الفخار التي تعود لعصر “جمدة نصر” وأيضا بعض من كسر فخار ثقافة العُبَيد، وبالرغم من أن الموقع على أرض سباخ وأرض صحراء قاحلة خالية من مصادر المياه إلا أن النهر المعروف بـ (نهر محلم) قد كان يغذي شبكة القنوات المائية هذه منذ القدم، وهذا يعلل وجودها في هذه البيئة الصحراوية النائية الجافة[1] .

إن أول من اكتشف الموقع ونبه إلى أهميته هو الباحث P.B. Cornwall ما بين عامي 1940 و1941م عند مسحه لمنطقة الأحساء، فقد شاهد تلك القنوات لكنه لم يجد تفسيراً لها، ووجد أدوات حجرية، وأداة من النحاس - قد تكون سكيناً - كانت بين كسر الفخار الخشن المنتشر في الموقع، وقد اعتقد أن بيئة المنطقة كانت على شكل بحيرة جافة مفروشة بقواقع المياه العذبة، وهي من نوع Melanoides tuberculata، وأن جماعة تعود إلى العصر النحاسي كانت تستقر في المنطقة. كما وجد أيضا الفخار البني اللون المحمر، وأيضا الرمادي وافترض أنها قد تعود إلى الألف الثالث أو أوائل الألف الثاني قبل الميلاد[2] . ثم عرف الموقع بعد ذلك من قبل موظفي شركة أرامكو من بعض محبي الرحلات وهواة جمع الآثار. وقد زار عالم الآثار Geoffrey Bibby الموقع ولاحظ من الصور الجوية قنوات الري وحصناً في المنطقة، كما اكتشف على أرض الموقع سهاماً حجرية، وسهاماً برونزية، وكمية متنوعة من أنواع الخرز، وكثيراً من كسر الفخار، كما لاحظ أيضاً غياب كسر الفخار الإسلامي في الموقع[3] .

وقد مسحت البعثة الدنمركية المنطقة في عام 1968م، وعملت بعضاً من المجسات التي تم تمويلها من قبل شركة الزيت العربية (أرامكو)، واتضح لها وجود حصنين يبعدان عن بعضهما بحوالي كيلوا ونصف الكيلومتر. الحصن الأول بمساحة 50×50م، بسور عرضه حوالي مترين، لكن لم يبقَ من هذا السور سوى الطين والجص بارتفاع حوالي 10- 30 سم عن أرض الموقع، ومن المجس اتضح أن هذا السور مبني بالأساس بالحجارة والطوب، كما أن طبقات الاستيطان في المجس كانت من كسر الفخار والرماد، ومن ضمن كسر الفخار كسر من فخار ثاج تعود إلى الفترة السلوقية. لذا أُرخ الحصن بتلك الفترة. أما الحصن الآخر فتقدر مساحته بحوالي 52×49 م، ومن المجس المقام على السور من الجهة الغربية اتضح وجود جدار بعرض حوالي 1.46م، وهو مبني بالحجارة الصغيرة على قاعدة حجرية مربعة الشكل. وهذا الحصن قد تم حرقه، وذلك لوجود طبقة سميكة من الرماد في المجس فوق طبقة الاستيطان، ومن الفخاريات اتضح وجود فخار ثاج وأن الحصن يعود إلى الفترة الهيلينستية، كما أن هناك دلائل أخرى تشير إلى وجود فترة استيطان قبل بناء هذا الحصن. كما يوجد بقايا لأبنية وتلال مدافن منتشرة في المنطقة (انظر الخارطة رقم 1). كذلك تم التنقيب في أحد تلال المدافن غرب هذا الحصن وهو بقطر حوالي 11م، ويرتفع عن الأرض بحوالي 70سم، ويتكون من قبرين أو أكثر، أحدها باتجاه شمال شمال غرب، وهو خال من المعثورات بسبب التعدي والآخر باتجاه شرق غرب وجد فيه أجزاء من هيكل عظمي، كما وجد بعض من كسر الفخار بين رمال التل، لكن لم يتم تأريخ هذا المدفن[4] .


الخارطة رقم 1- منطقة قنوات الري القديمة (نقلا عن تقرير البعثة الدنمركية 1968، شكل رقم 37)

ولقد عثر في أرض الموقع على ختم اسطواني الشكل يعود لفترة “جمدة نصر” ومجموعة من المسارج النحاسية، وسهام برونزية[5] ، كما عثر أيضًا على بعض الأختام والفصوص من الحجر شبه الكريم، بعضها نقش عليه كتابة بخط المسند الجنوبي، والبعض الآخر عليه نقش لحيوان، كما عثر على عملة من مسكوكات بيبلوس (موقع مدينة جبيل الفينيقية في لبنان) عليها صورة الإسكندر، وهي مؤرخة بحوالي 320 - 315 قبل الميلاد، كما عثر أيضاً، في الموقع على حلق من الذهب[6] .

عند زيارتي الأخيرة لهذا الموقع والوقوف عليه بتاريخ 9 ذي القعدة 1430هـ الموافق 28 أكتوبر 2009م اتضح لي تزايد في عملية التنقيبات غير النظامية على تلال مدافن المنطقة من قبل سارقي الآثار؛ إذ أن بعضاً من تلك التلال كان مسلوباً بطريقة عشوائية بقصد سرقة ما يمكن سرقته من قطع اثرية نفيسة، وترك الفخاريات والعظام مهشمة، وذلك بأسرع وقت ممكن، والبعض الآخر تم إعادة التعدي عليه ظناًّ من السارق أنها تلال لم يتم سلبها، ومن تلك التلال المسلوبة اتضح أنه لمدفن مستطيل الشكل، وهو مبني بحجر الفروش[7] ، وأبعاده حوالي 15×6 م، باتجاهه شمال جنوب، ويرتفع عن أرض السبخة بحوالي المترين، تنتشر عليه العظام، وبعض من كسر الفخار (الصورة رقم 1)، وتل آخر يتضح من التعديات عليه أنه مدفن مبني بحجارة الفروش باتجاه شمال جنوب، وتنتشر كسر الفخاريات والعظام على سطح التل (صورة رقم 2).


الصورة رقم 1- مدفن مستطيل الشكل تم التعدي عليه بالكامل


الصورة رقم 2- أحد تلال المدافن عليه تعدي

إن موقع منجم الملح فريد من نوعه ببيئته القديمة، من قنوات للري، وأراضٍ زراعية كانت مياه واحة الإحساء ترويها في السابق (الصورتان رقم 3- 4). هذا الموقع تنتشر عليه تلال أثرية، وآثار استيطان زراعي مبكر لإنتاج المحاصيل الزراعية، وهو بمساحة عدة كيلومترات مربعة لا بد أنها كانت أراضي ريفية لمستوطنة كبيرة قد تكون في منطقة الأحساء، أو أنها راقدة تحت رمال صحراء الجافورة، وقد تثبت وجودها صور الأقمار الفضائية، وعن طريق الاستشعار عن بعد.

إن هذا الموقع لم يأخذ حقه العلمي من المسح والتنقيب والتوثيق الأثري من قبل وكالة الآثار في السابق، أو من قبل الهيئة العامة للسياحة والآثار الحالية، وهو معرَّض لكثير من التخريب والتعديات. كما أن المنطقة الواقعة بين شاطئ نصف القمر ومنطقة العقير تشهد حركة زحف عمراني سريع من بناء منتجعات سياحية، واستثمارية على مستوى كبير، كما أن إحدى الشركات تعمل على تمهيد طريق سريع مزدوج يربط شاطئ نصف القمر بمنطقة العقير، يقطع ويقسم موقع منجم الملح إلى قسمين، من غير تنسيق مسبق بين وزارة المواصلات والشركة المنفذة للمشروع من جهة، وبين الهيئة العامة للسياحة والآثار من الجهة الأخرى.

إن عدم الاتصال والتنسيق بين الجهات المعنية المخططة للنمو العمراني في المنطقة مع الهيئة العامة للسياحة والآثار هو من أهم الأسباب لتناقص واختفاء المواقع الأثرية عن خارطة الإرث الثقافي والتاريخي للمنطقة.

إننا نفقد – بهذا - جزءاً من مقومات السياحة، من مواقع المنطقة الأثرية وجزءًا لا يمكن تعويضه من تاريخ المنطقة العريق، الذي يكّون حلقة مهمة من التاريخ الحضاري لمنطقة الخليج العربي.

إن موقع منجم الملح موقع مهم يجب المحافظة عليه وحمايته.


الصورة رقم 3- أحد قنوات الري القديمة


صورة رقم 4- أحد التلال الضخمة

[1]  المنطقة الشرقية في عصور ما قبل التاريخ، نبيل الشيخ، مجلة الواحة، السنة العاشرة، العدد الثالث والثلاثون، الربع الثاني لعام 2008م، ص. 8.

[2]  Cornwall, P. B, Ancient Arabia: Explorations in Hasa, 1940-1941. The Geographical Journal, Vol. 107, No. ½ (Jan. – Feb., 1946), PP. 7, 33-34.

[3]  T.G. Bibby, Kuml, Arbog for jysk Arkaeologisk Selskab, 1966, Saudi Arabia, 1967, PP. 94-95.

[4]  T.G. Bibby, Jutland Archeological Society Publications Volum XII, Reports of the Danish Archeological Expedition to the Arabian Gulf. Volume Two, Preliminary Survey in East Arabia 1968, 1973, PP. 40-47.

[5]  Burkholder, Grace, An Arabian Collection: Artifacts from the Eastern Province, 1984, P. 32.

[6]  Potts, D.T, Miscellanea Hasaitica, The Seleucid and Parthian Periods, Chapter IV, The Salt Mane Site, 1984, PP. 44-46.وأيضا المرجع

Lombard, Pierre, Araby the Blest, Studies in Arabian Archaeology, The Salt Mine Site and the ‘Hasaean’ Period in Northeastern Arabia, 1988, PP. 117-135.

[7]  الفروش، جمع فَرْش: لوح من الحجر البحري، عريض، قليل السمك، يقطع من طبقة صخرية في البحر، يتخذ لملء الفراغات بين أعمدة البناء، كان سائداً في بلدان الخليج حتى وقت قريب. الواحة
باحث آثار
225610