ثلاث ملاحظات على رحلة زويمر
أحمد البقشي * - 15 / 2 / 2011م - 7:14 ص - العدد (59)

في يوم من أيام شتاء عام 1431هـ، وفي إحدى الرحلات المدرسية إلى بحيرة الأصفر، اصطحبت كتاب (القوافل) للمترجم الأستاذ خالد البسام، ويضّم ترجمات للعديد من رحلات المبشرين والأطباء من أعضاء الإرسالية الأمريكية في الخليج والجزيرة العربية، وللمترجم جهود طيبة في هذا المجال. طلب منّي أحد زملائي (الأستاذ صالح القاضي) تصفّح الكتاب، فاستوقفته إحدى العبارات وتوقفنا لنقاشها. كانت العبارة في وصف الرحّالة (صموئيل زويمر) لرحلته إلى الأحساء، والتي قام بها في 18 نوفمبر 1904م من البحرين إلى العقير، ووصف فيها ميناءها، وأشار إلى الحركة الدؤوب لمينائها، حيث الحمّالون ينهمكون في إنزال البضائع من ثلاثين سفينة نقل ترسو في مينائه.

كل هذا جميل، ثم وصف رحلته في الطريق الصحراوي عبر قافلة كبيرة، وأشار إلى اضطراب الأمن في الطريق بسبب قطاع الطرق، ثم تحدّث حتى وصوله إلى قرية الجشّة، ومبيته بالقرب منها ليلة.

لكن ما التفت له صديقي وتناقشنا فيه، هو عبارته هذه: (وبعد أكثر من خمس ساعات من سير القافلة – بعد مغادرة الجشّة – وصلنا قرية الجفر، وتقع وسط بساتين النخيل، ويوجد بها سوق يقام مرة كلّ أسبوع. ومن هذه القرية تذهب بعض القوارب المحمّلة بالمياه الحلوة والخضروات والفواكه إلى العاصمة الهفوف)[1] .

ما لفت نظرنا هو ثلاث ملاحظات:

الملاحظة الأولى

 هي كون المسافة بين قريتي الجشّة والجفر هي مسافة قصيرة، جدًّا، اليوم، مما جعلني أتساءل: هل الجشة كانت في موضع آخر أكثر بعدا في مطلع القرن العشرين منه الآن؟ فسألت الوالد حفظه الله وآخرين مهتمّين بتاريخ وجغرافيا المنطقة وكلّهم أفادوا بصعوبة قبول هذه المقولة، حيث المسافة بين القريتين قصيرة جدا.

وقد استشهد الباحث التاريخي الأستاذ أحمد البدر بمقولة للملا عطية الجمري في منظومته الهجرية وصف فيها هو أيضا رحلته من البحرين إلى الأحساء مرورا بالجشّة والجفر بعبارات تدل على قصر المسافة، وجاء فيها:

حتى بدا أمامنا السراجُ

واتّضح المسلكُ والمنهاجُ

فقلتُ من عُظم السرور ماذا؟

قالوا سراج في النخيل هذا

وزالت الكُربةُ ثم الوَحشهْ

إذْ قِيلَ في تلكَ نخيلُ الجِشّهْ

ما كان إلا برهةً يسيره

إذْ النخيلُ حولنا كَثيره

بساعةٍ قبلَ طلوعِ الفَجْرِ

كان نُزولُنا بجنْبِ الجفرِ

الملاحظة الثانية

وهي أن هناك مراكب كانت تحمل المياه والخضروات والفواكه إلى الهفوف.

فمهما كنت متفائلا بوفرة المياه في (نهر برابر) الذي كان يخترق شرق الواحة، إلا أنه لم يُعرف - ولو في القرون الأخيرة - وجود قوارب نهرية، خلا ما ذكره الباحث الأستاذ عبد الخالق الجنبي من وجود قوارب تبحر عبر أنهار الأحساء إلى الخليج، وحتى موانئ العراق. لكن هذه المقولة والتي تحدث عنها الأستاذ الجنبي كانت قبل بضع آلاف من السنين وليست قبل نيّف ومائة سنة.

الملاحظة الثالثة

أن المياه الحلوة كانت تنقل إلى الهفوف، ومن المعروف أن مثل هذا الأمر يعتبر ضربا من العبث في ذلك الزمان، حيث يوجد في أغلب البيوت بئر واحدة أو أكثر. كما أن عيون المياه العذبة كأم خريسان، والبحير، والبحيرية، والعسيلة، وغيرها تحيط بالهفوف من شتى الجهات، وتجعل من نقل المياه إلى الهفوف أمرا غير مجدٍ. لكن أتساءل - كما تساءل أستاذنا الفاضل السيد عدنان العوامي - يا ترى هذا الخلل من الرَّحالة أم من الترجمة؟ لاسيّما أنّي لم أطّلع على الرحلة الأصلية.

[1]  هذا غريب، فزويمر بدأ حديثه عن رحلته بالنص:(The usual route from Bahrein to the interior of Hassa is to cross over by boat to Ojeir on the mainland, and thence to travel by caravan to Hofhoof. In October, 1893, I took this route, returning from the capital to Katif).

الطريق المعتاد من البحرين إلى داخل الأحساء العبور بسفينة إلى العجير على الأرض الرئيسة، ومنها يتعين السفر بالقافلة إلى الهفوف، في أكتوبر 1893 أخذت هذا الطريق عائد من عاصمة القطيف)، وهو لم يذكر الجفر إلا مرة واحدة عندما دخل الأحساء عن طريقها، وقرر المبيت فيها، فاستضيف فيها ليلة مع رئيس القافلة صالح النجدي، وعند غروب اليوم التالي بات في المنيزلة، وهو يحدد المسافة بين الجفر والمنيزلة بثلاثة أميال، ولم يرد أي ذكر للجشة، ولا لسوق الجفر، والقوارب المحمّلة بالمياه الحلوة والخضروات والفواكه إلى العاصمة الهفوف. انظر:Arabia: The Cradle of Islam, by REV. S. M. ZWEMER, F.R.G.S. INTRODUCTION BY REV. JAMES S. DENNIS, D.D, Fleming H. Revell Company, New York, 1900.P: 111 – 112.

الواحة
كاتب
218064