عَدَولى والظهران
فضل بن عمار العماري * - 15 / 2 / 2011م - 7:16 ص - العدد (59)

قال طرفة بن العبد:

كأن حُدوج المالكية غدوة

خلايا سفينٍ بالنواصف من دَدِ

عدوليةٌ أو من سفين ابن يامن

يجور بها المَلاّح طَوراً ويهتدي[1] 

أقوال في «عدولى»

انصرفت توجيهات العلماء إلى الآراء التي ذكرها الأزهري، وهي:

1– العدولي من السفن: منسوب إلى قرية بالبحرين، يقال لها: عَدَوْلى.

2- العدولية: نُسِبت إلى موضع كان يُسمّى: عدولاة.

3- نسبها إلى ضِخَم وقِدَم. يقول: هي قديمة ضخمة.

4- عدولى: ليسوا من ربيعة ولا مضر، ولا ممّن يُعرف من اليمن، إنما هم أمّة على حِدَة[2] .

وذكر ابن منظور:

«شجر عدوليّ: قديم، واحدته: عدولية»[3] .

وأضاف الزبيدي:

«العدولى: الشجرة القديمة الطويلة»[4] .

ويفرّق العلماء بين هذا النوع من السفن ونوع آخر قالوا عنه:

«الخلج: سفن دون العدولية»[5] .

ويشير إلى هذا قول النابغة الذبياني:

له بحر يُقَمِّص بالعدولى

وبالخُلُج المحمَّلة الثِّقال[6] 

وجاء الزبيدي بإضافة تقول:

«نُسبت إلى عَدول: رجل كان يتّخذ السفن». ولكن ياقوتاً يقول:

«من قال: إنه اسم رجل فقط، أخطأ»[7] .

نسبة «عدولى» إلى «بنو عدولى»

على أن الرأي الأقدم من كل ذلك هو رأي الأصمعي، تعليقاً على قول العجّاج في وصف اضطراب أمواج البحر، وتحطيمها لأمثال تلك السفن الكِبار، والعجاج ليس من أهل البحرين:

يتركن أفلاق العَدَوليّ العُظُمْ

بالساحلين مثل أخلاق البُرُم[8] 

فالأصمعي له رأيان:

الأول - العدوليّ: سفن كان يقال لها: عدولية. كان بالبحر قوم من أهل (الأرض)، يقال لهم: بنو عدولى، يتّجرون، ويركبون بها البحر.

الثاني - السفن العدولية: منسوبة إلى عَدَولى: قرية بالبحرين. قال طرفة...».

وأضاف الأصمعي: «بنو يامن: قوم نصارى، كانوا بالبحرين، لهم نخل وسفن»[9] .

وواضح أن الأصمعي لم يقطع برأي، فهو فيما يخصّ قول العجّاج رأى النسبة إلى: «بنو عدولى». ورآه - فيما يتعلّق ببيت طرفة - نسبة «إلى عدولى: قرية بالبحرين». غير أن الأزهري قال: «والقول في العدوليّ: ما قاله الأصمعي»[10] .

وهنا يذهب الأزهري إلى اختيار قول الأصمعي الأخير: «منسوبة إلى عدولى: قرية بالبحرين»، على الرغم من أن الأصمعي خصّ هذا بقول طرفة فقط. ونسب الأزهري إلى الأصمعي قوله: «نُسبت إلى قوم كانوا ينزلون هجر».

وليس في كلام الأصمعي ذكر «هجر»، وإنما ذكر» لـ(أرض)»، وهذا تصحيف صوابه: «هجر».

وعلى كل حال، فالجاسر يقول:

«أرى القول الأخير هو الصواب، وأن القرية التي ذكروا لم تكن معروفة في البحرين، أو على أضعف تقدير لم يعرفها الأزهري».

النسبة إلى الساحل الأفريقي

بل إن الجاسر يذكر: «على أنني رأيت في أحد المؤلفات القديمة أن عدولى من مرافئ بلاد الحبشة». وهذه ممالأة للأزهري فقط، وإعادة لأقوال القدماء. ثم يعلّق على هذا بقوله: «وهذا لا ينفي وجود قرية تُدعى عدولى كانت في البحرين قديماً»[11] .

وسبق أن تردّد في إثباتها. وما ذكره الجاسر عن «أن عدولى من مرافئ بلاد الحبشة»، ذكر مثله صالح أحمد العلي في قوله: «عدولية: وهي منسوبة إلى ميناء عدولي، وهو الذي يُذكر في الكتب الكلاسيكية باسم: أدوليس، وهو يقع في الصومال»[12] .

ومع أن هذا يطرح احتمالاً، فإن رأي الأصمعي يظلّ هو الراجح.

النسبة إلى الضخامة والقِدم

وكذلك، الرأي الآخر القائل: « شجر عدوليّ: قديم، واحدته: عدولية». «العدولى: الشجرة القديمة الطويلة» على هذا الاعتبار، كما في قول القائل:

..............

والزنبريّ ذي الأجلال[13] 

وكما في قول نهشل بن حَرْي الآتي، وجاء مصحَّفاً:

خلايا سفين (ذنبَرِيٍّ) عابرات

عَدَولي عامدات للقَراح

إذ قالوا عن «الزَّنْبَرِيّ» ما قالوا عن «العدوليّ»، أي: الضخم من السفن[14] . ذلك أنهم اكتفوا بالهيكل، بدلاً من أصل الاسم. فقياساً على ما مضى يصبح «الزنبري» نوعاً من السفن منسوب إلى جماعة بشرية[15] ، أو إلى رجل بهذا الاسم؛ إذ لا يعقل أن يأتي وصفان، كما في قول نهشل بن حريّ: «(ذنبري)» و»عدوليّ» وهو يريد الضخامة، وإنما هو كما قال طرفة بالضبط: «عدولية أو من سفين ابن يامن»، ولاسيما أن قول طرفة: «خلايا سفين بالنواصف من دَدِ»، يعني سفناً ضخمة، كبيرة، واسعة الأجواف، فكلٌّ من طرفة وابن حريّ استعمل الاسم «خلايا»، ثم جاء بوصفها بأنه «عدوليّة» أو «عدوليّ»، و»الزنبريّ ذي الأجلال»: أي الأشرعة، وهذا يعني أن تلك السفن ضخمة جدّاً، تسيّرها عِدّة أشرعة كبيرة.

النسبة إلى جزيرة بـ»أوال»

وقال عمرو بن قميئة، وهو ليس من البحرين، وإنما بلاد قومه «ضُبَيعة»: من «السِّلِيّ» فجنوب شرق الرياض حتى جنوب الخَرْج:

هل ترى عِيرها تجيز سِراعاً

كالعدوليّ رائحات من أوال[16] 

وذكر التبريزي:

«عدولية: منسوبة إلى جزيرة من جزائر البحر، يقال لها: عدولى، أسفل من أَوال»[17] .

أما قول التبريزي، فليس هناك «أسفل من أوال» جزيرة تحتضن حوضاً للسفن الكبيرة، فالتي في شمالها»سماهيج»، وهي معروفة مذكورة. وكانت في الجاهلية مفصولة عن «أوال» (المنامة) بمسافة كبيرة، وبينها وبين الساحل الشرقي للخليج مسافة، لا توجد بها جزيرة كبيرة، الأمر الذي يستبعد موضعا بهذا الاسم. وتدلّ المقارنة بين المجموعتين أن «سفين ابن يامن» الذين كانوا بالأحساء يملكون سفناً مشابهة تماماً، أي: أن «سفين ابن يامن تبحر مارة ب «أوال»، كما تبحر السفن (العدولية). وهذا ما يُستدلّ عليه من قول ابن قميئة أيضاً.   

ترجيح النسبة إلى «بنو عدولى»

إذن، نحن تحديداً أمام افتراضين:

الأول: نسبة إلى قرية.

الثاني: نسبة إلى قوم بهجر. 

وقبل مناقشة هذا، فإن رأي الأصمعي المضطرب والأقدم تاريخيّاً يتوجّه إلى أن:

«العدوليّ: سفن كان يقال لها: عدولية، كان بالبحر قوم من أهل الأرض يقال لهم: بنو عدولى، يتّجرون، ويركبون بها البحر».

سواء كان هذا خاصّاً بقول نهشل بن حَرِيّ، أم بقول طرفة. ودليله الذي –لا شك- أن الأصمعي استنتجه منه. وأما قول طرفة الذي استبعده الأصمعي:

عدولية أو من سفين ابن يامن

فطرفة قرن بين مجموعتين متساويتين: بين سفن ابن يامن، والسفن المنسوبة إلى:

« قوم من أهل الأرض يقال لهم: بنو عدولى، يتّجرون، ويركبون بها البحر».

أو ما أوضّحه الأزهري بقوله:

«نُسبت إلى قوم كانوا ينزلون هجر».

وبدهي أن هذه السفن (العدولية): ضخمة، طويلة، حسبما جاء في بعض أوصافها، ربما تقارِب ما هو معروف إلى اليوم ب (البُوم). ودونها «الخُلُج» التي ربما تكون مثل (السنبوق في اللغة المعاصرة) [18] . وساحل الخليج العربي لا يصنع السفن الضخمة، وإنما القوارب الخفيفة، أو الأقل ضخامة من (البُوم). وعادة ما ترتبط صناعة تلك السفن الخفيفة -أو شبه الخفيفة- بالتجمّع السكاني، أي: أن مرفأ صناعة السفن يجب أن يكون مجاوراً للقرية في ذلك الزمان. وهذا يعني أنه ما من شاطىء على ساحل منطقة البحرين في إمكانه صناعة تلك السفن، فهي لابد أن تكون مستوردة، والمواضع التي تُستورد منها السفن هي – في الغالب- الساحل الهندي؛ حيث استمرار التجارة بين الجانبين؛ ولأن قول الزبيدي: «العدولى: الشجرة القديمة الطويلة»، يعني عدم وجود أشجار بذلك الحجم في المنطقة، فأشجارها لا تصلح لذلك. وكان الغواصون في الخليج من الهنود، قال الشمّاخ في أوّل الإسلام:

جانِبَيْ دُرَّة زَهراءَ جاء بها

مُحَمْلَج من رجال الهند مَجدول

ويقول عبيد الله بن قيس الرقيّات في العصر الأموي:

دُرَّتا غائص من الهند مالُ الش

ام يُجبى إليهما والعراق

وقال القطاميّ، معاصره:

أو دُرَّة من هِجان الدُّرّ أدركها

مُصَغَّرٌ من رجال الهند قد سَهَما[19] 

والاسم «عدولى» عربي، الأمر الذي يؤكد فهم الأصمعي الأول في النسبة إلى جماعة بشرية، وليس إلى مكان، سواء على ساحل البحرين أو في سواه.

وحسب القول السابق:

«هم أمّة على حِدَة».

أي: أنهم من سكان البلاد، قدماء فيها، فحالهم حال:

«بنو يامن: نصارى كانوا بالبحرين، لهم نخل وسفن».

فكذلك:

«بنو عدولى، يتّجرون، ويركبون بها البحر».

أو هم، كما «بني يامن»:

«قوم كانوا ينزلون هجر».

إن هذه الصورة هي الصورة الجليّة فيما يقدّمه قول طرفة بن العبد الذي ليس من «البحرين»، وإنما يذكر صورة خالدة في الذهن تناقلتها الأجيال.

قول نهشل بن حَرِيّ

وقال نهشل بن حَرِيّ:

فلا تأمن النَّوكى وإن كان دارهم وراء عدولات/عدولاة وكنتَ بقيصرا

وجاء عنه في اللسان:

«أن الهاء فيها وضع؛ لا أنه أراد عدولى»[20] .

بل جاء في اللسان:

«العدولية: في شعر طرفة: سفن منسوبة إلى عدولى. فأما قول نهشل بن حري:

فلا تأمن النَّوكى وإن كان دارهم

وراء عدولات وكنتَ بقيصرا

الهاء فيها وضع؛ لا أنه أراد: عدولى»[21] .

فمَن «النوكى»، الذين هم «وراء عدولات/عدولاة»، في قول نهشل بن حريّ؟ وأين «قيصر»، إن لم يُرِد بلاد الروم، وهذا غير دقيق؟ وأين ما هو «وراء عدولات/عدولاة» أو «عدولى»؟ أيريد الأحساء؟ فما علاقة مَن بالأحساء بذلك التهديد؟ أم هو يريد ما وراء البحر؟ وأين ذلك؟

وهذا يعيدنا إلى الموقف الأول من تفسير «عدوليّ»، إلا أنه يأخذنا بعيداً عن الربط بين «عدولات/عدولاة» - «عدولى».

إنه من الواضح أن لا علاقة بين «عدولات/عدولاة» و»عدولى» فهذا اسم وذلك آخر. ونهشل بن حريّ لا علاقة له إطلاقاً بالبحرين، وهو إنما يتحدّث عن انتقال المُلْك من آل الزبير، بعد مقتل مصعب بن الزبير، إلى عبد الملك بن مروان، ودياره حفَر الباطن، فهو القائل:

وقد قطعت تماضر بطن قَوّ

يمانية التهجّر والرَّواح

كأن حمولها لما استقلَّت

بذي الأحزاب أسفل من نَساح

خلايا سفين (ذنبَرِيٍّ) عابرات

عَدَولي عامدات للقَراح[22] 

فالظعائن تحرّكت من جنوب الحَفر، واتجهت صوب جنوب (الخَرْج)، حيث وادي « نِساح، كأنها تلك السفن الضخمة –وعادة ما توصف الهوادج بهذا الوصف- آخذة ناحية اليمن «يمانية».

استعمال التشبيه «كالعدوليّ»

أما فيما يخصّ النسبة «عدولي»، فيقول كثيّر عزّة، وهو لا ينتمي إلى البحرين:

قصد لَفت وهن متَّسقات

كالعدوليّ لاحقات التوالي[23] 

وقال جرير، ولا علاقة له بالبحرين أبداً:

رفعت ذميلاً ناقتي فكأنما

رفعت على موج عدولية تجري[24] 

بل لا علاقة لأبي دؤاد، الشاعر القديم بالبحرين، في قوله:

هل ترى من ظعائن باكراتٍ

كالعدوليّ سيرهن انقحام[25] 

وسبق أن ذكرها عمرو بن قميئة، وبلاد «يشكر» باليمامة، جاء في مقدمة ديوان عمرو بن قميئة:

«كانت قيس بن ثعلبة التي تفرَّع منها بيت ضُبيعة تنزل اليمامة»[26] . إلا أنه جاء في الأغاني:

«عمرو بن مالك الذي أسر مهلهلاً... فانطلق به إلى قومه وهم في نواحي (هَجَر)»[27] .

وهذا يوهِم أن « ضبيعة» قوم عمرو بن قميئة من أهل البحرين، والواقع غير ذلك، فهنا تصحيف صوابه: «وهم في نواحي حَجْر»، أي: الرياض، وتحديداً جنوبها الشرقي.

(عين السيح): «عدولى» بـ«الظهران»

يقول عبد الخالق الجنبي:

«عدولة: هي واحة عين السيح الواقعة جنوب الظهران»[28] .

وما (عين السيح) إلا جزء من الظهران، وكان «الظهران» معروفاً مشهوراً، يشمل منطقة واسعة ببرِّه، وجبله، وساحله، وهي قرية كانت عامرة، وما (عين السيح) إلا بعض أعيانها التي لم تنطمر. وكيف تكون (عين السيح) هي «عدولى» وهي عين سائحة؟ و(عين السيح) امتداد رمليّ لـ«الظهران»، لا يصلح مرفأً لصناعة السفن الكبيرة، والأولى به -مادام القدماء ذكروا «هجر»- مرفأ «العُقير»، إلا أن هذا المرفأ لا يصلح أيضاً؛ لأن البحر فيه مجاور، أي: أن حركة الجَزْر غير واضحة فيه. أما أنها منطقة أثرية، فهذا شأن آخر، وما (عين السيح) -في الحقيقة- إلا، حسب وصف الجاسر: «دوحة»[29] ، لا تبلغ أن تكون «واحة»، و«عدولى» حسب تعريفهم قرية، فهي توازي «الظهران»، وهذا لا يكون، فاسمُ «الظهران» كان واسعاً، وكان البحر -قبل مئات القرون- يلتهم (الدمام)، حيث كانت حدود «الظهران» إلى الجنوب من (الدمام) في (مريكبات)، وكانت (الخبر) مغمورة، أيضاً، تحت البحر، وتحجز الرمال بين منطقة «الظهران» والساحل الشرقي بما يشرف على (عين السيح)، وكلا الموضعين: «الظهران» و«عدولى» لا يسمحان بصناعة السفن الضخمة، إلا تصليح السفن الصغيرة والمتوسطة الحجم فقط، حتى إنه لم يَرد ذكر لـ«الظهران» في زمن الرِّدّة، ولم ينجُ منها من حاول الهرب بقوارب إلى «أوال» أو سواها. وكيف تقوم صناعة السفن بذلك الحجم بمنطقة البحرين، وليس بها مادة صناعة السفن الخشبية، وبخاصة الساج؟

يقول الجاسر عن الخبر والدمّام: «لم تنشأ المدينتان إلا على آثار عمران قديم»[30] .

وهذا غير دقيق، فالدمام والخبر حديثتان في العمران، وغير بعيدتين في التكوين، والآثار الحضارية لـ»الظهران»، وليس لأيٍّ منهما.

صناعة النسيج بـ«الظهران»

وهناك خبر يقول: «إن أبا موسى كسا -في كفّارة اليمين- ثوبين ظهرانيّاً ومعقَّداً؛ الظهراني: ثوب يُجاء به من مَرَّ الظهران؛ وقيل: هو منسوب إلى ظهران: قرية من قرى البحرين. والمعقّد: برود من برود هجر»[31] .

واكتفى ياقوت بنسبته إلى الحجاز، فقال: «يُجاء به من مَرّ الظهران»[32] . ويميل الجاسر إلى نسبته لـ«الظهران» في المنطقة الشرقية، فيقول: «قد يُستأنس به على أن الثوب الظهراني منسوب إلى ظهران البحرين لشهرة هذه البلاد بالصناعة أكثر من شهرة ظهران الوادي القريب من مكة»[33] . وهذا أمر ينبغي التحقّق منه، فغير قابل للتصور أن توجد صناعة النسيج في «الظهران»: وما هي إلا قرية زراعية، حتى إن «هجر» نفسها لا تصنع «البرود»، وقد رأينا كيف تصحّفت «حجر» اليمامة إلى «(هجر)»، والبلد الذي تُنسَب إليه «البُرود» هو اليمن، وفي اليمن «هجر»[34] . وإن كان مستبعداً أن تكون «الظهران»: القرية التي بين مكة و«عسفان» تصنع النسيج كذلك، فإن الاسم ربما كان محرّفاً، أو أن هناك موضعاً آخر بهذا الاسم في اليمن، ولكنه، أيضاً، ليس الذي بالقصيم موضعاً ثالثاً باسم «الظهران»، قال ياقوت، وهو يجمع بين الموضعين، الأول: «الظهران: قرية بالبحرين لبني عامر، من عبد القيس»، ثم قال عن الأخير، وهو تحديد الأصمعي: «وفي أطراف القنان جبل يقال له: الظهران، وفي ناحيته شرقاً ماء يقال له: متالع... بين أكمة الخيمة وبين الشمال جبل يقال له: الظهران، وقرية يقال لها الفوّارة: بجنب الظهران بها نخيل كثيرة وعيون»[35] .

وحقَّاً، لا ريب فيه من تحديد الجاسر لـ»الفوّارة»، ناحية (العيون) بالأحساء، اعتماداً على قول ابن مقرب:

بعيني أرى غافة النقا

نقا العين ذات الرمل فابتدراها

وفي شرح الديوان:

«النقا هنا: نقاً مشرِف على عين (العيون) التي تسمّى: الفوارة»[36] 

وهنالك خلط، أيضاً، بين هذا «الظهران» الذي بالقصيم، وذاك «الظهران» الذي بالمنطقة الشرقية[37] ، و«الظهران» الذي بالقصيم هو الذي يُعرَف الآن باسم: (السلسلة)، غرب القصيم، و«الفوارة» مازالت معروفة، تقع شمال (الجِواء)، في شمال القصيم، وغرب الأسياح، وتبعد عن (السلسلة) 3كم[38] . كما أن هناك خلطاً بين «الظهران»: بالقصيم، و«الظهران»: بمكة[39] ، ولم يُذكَر أيٌّ من الأوّلَين في الشعر حتى العصر الأموي، أما الأخير، ففيه يقول عبيد الله بن قيس الرقيّات:

سَرفٌ منزل لسلمةَ فالظهـ

ـران منا منازل فالقصيم[40] 

لقد ذكر»الظهران» ابن المقرَّب العيوني، من «العيون» بالأحساء، وليس من (أم الساهك) أبداً[41] ، إذ لم تكن القطيف تجتذب ابن مقرّب، وإنما كان ابن المقرب متعلّقا بالأحساء[42] ، لولا سُنيّات من حكم العيونيين، شهد فيها صراعاتهم على الحكم، يقول ابن مقرب:

والخَطّ من صفواء حازوها فما

أبقَوا بها شِبراً إلى الظهران[43] 

النتيجة

ومن ثمّ، فالنتيجة هي التي رآها أولاً الأصمعي، والتي يرجّحها الجاسر، وهي أن «عدولية» منسوبة إلى قوم معروفين في الأحساء «هجر»، أصحاب تجارة، عمادها الزراعة والبحر، ولديهم سفن ضخمة، مستوردة من الهند، يدخل في هذا نسبة «عدولية» إلى «عدول»: رجل كان يتّخذ السفن، والذي رفضه ياقوت، مع أنه هو نفسه قول الأصمعي بطريقة أخرى، كما هو معتاد في نقول العلماء، أحياناً. أما «عدولات/عدلاة»، فموضع آخر لا شأن له بـ«عدولى». وليس هناك ما يحقّق موقع «عدولاة»/ «عدولات»: في منطقة البحرين، سوى ما جاء به التبريزي المستنتج – بالطبع - من قول ابن قميئة: «كالعدوليّ رائحات من أوال»، وهذا ما فيه اجتهاد!

[1]  ديوان طرفة بن العبد، طرفة بن العبد، تحقيق درية الخطيب ولطفي الصقال، مجمع اللغة العربية، دمشق، 1395هـ، 1975م، ص: 7.

[2]  تهذيب اللغة، أبو منصور، محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق عبد السلام محمد هارون، الدار القومية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1384هـ،1964م، جـ2/ 215.

[3]  لسان العرب، أبو الفضل، جمال الدين، محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت، د – ت): «عدل».

[4]  تاج العروس، محمد مرتضى الزبيدي، المطبعة الخيرية، القاهرة: ط 1، 1396هـ: «عدل».

[5]  معجم البلدان، شهاب الدين، أبو عبد الله، ياقوت بن عبد الله الحموي، دار صادر، بيروت،1399هـ،1979م: «عدولى».

[6]  تهذيب اللغة، الأزهري، مرجع سابق، جـ2/215.

[7]  تاج العروس، الزبيدي، مرجع سابق: «عدل».

[8] معجم البلدان، ياقوت الحموي، مرجع سابق: «عدولى».

[9]  ديوان العجاج، عبد الله بن رؤبة العجاج، تحقيق عزة حسن، دار الشروق، بيروت، 1971م، ص: 115-116.

[10]  تاج العروس، الزبيدي، مرجع سابق: «عدل».

[11]  المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية (البحرين قديماً)، حمد الجاسر، دار اليمامة، (الرياض، ط1، 1399هـ، 1979م، جـ3/1142.

[12]  التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري، صالح العلي، دار الثقافة، القاهرة، 1960م، ص: 276.

[13]  الشطر عجز بيت لجرير بن عطية الغطفي، وهو بهذه الصورة مختل الوزن، وصوابه تامًّا:رُفِعَ المَطِيُّ بِما وَسَمتُ مُجاشِعاً

وَالزَنبَرِيُّ يَعومُ ذو الأَجلالِمن قصيدة مطلعها:

لِمَنِ الدِيارُ رُسومُهُنَّ خَواليأَقَفَرنَ بَعدَ تَأَنُّسٍ وَحِلالِ

انظر: شرح ديوان جرير، مرجع الباحث نفسه، ص: 466. الواحة

[14]  ديوان عمرو بن قميئة، عمرو بن قميئة الضبعي، تحقيق حسن كامل الصيرفي، معهد المخطوطات العربية، القاهرة، 1385هـ، 1965م، ص: 60.

[15]  (زنبر) في الأصل، فارسية معربة، ومن معانيها: زنبيل، وهو السلة، أفلا يحتمل أن تكون تسميتها محمولة على النعت، كما تقول: بيوضوي، ومخروطي، وهلالي؟ انظر: المعجم الذهبي، د. محمد التونجي، فارسي – عربي، منشورات المستشارية الثقافية للجمهورية العربية الإسلامية الإيرانية بدمشق، توزيع دار الروضة، بيروت 1997م: (زنبر). الواحة

[16]  ديوان عمرو بن قميئة، عمرو بن قميئة الضبعي، مرجع سابق، ص:60.

[17]  شرح القصائد العشر، أبو زكريا، يحيى بن علي التبريزي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، القاهرة، ط2، 1384هـ، 1964م، ص: 98.

[18]  يقال: إن «السنبوق»: زورق صغير، يُعمل في سواحل البحر، وهي لغة جميع سواحل بحر اليمن»، وأصله عربي من «سبق». انظر، التاج، مرجع سابق: «سنبق».

[19]  انظر، الرؤية الشعرية للأبعاد العرقية والاجتماعية حتى نهاية العصر الأموي، فضل بن عمار العماري، مركز البحوث، جامعة الملك سعود، الرياض، 1417هـ/1997م)، عدد 61، ص: 64- 65. محملج: ضامر. مجدول: قوي. مصغّر: صغير الحجم، ضئيل. وانظر، الهجاء بعمل الملاحة، ص: 124-125.

[20]  لسان العرب، ابن منظور، مرجع سابق: «عدل»، ورسمها بالتاء المفتوحة، وانظر، تاج العروس، مرجع سابق: «عدل». رسمها بالتاء المربوطة.

[21]  لسان العرب، مرجع سابق: «عدل».

[22]  شعراء مقلُّون، حاتم صالح الضامن، عالم الكتب، بيروت، ط1، 1407هـ/1987م، ص: 89.

[23]  ديوان كثير عزة، كثيّر عزّة، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1391هـ/1971م، ص: 397.

[24] شرح ديوان جرير، جرير بن عطية بن الخطفى، تأليف محمد إسماعيل الصاوي، دار مكتبة الحياة، بيروت، د – ت، ص: 210. الذميل: السير السريع.

[25]  الأصمعيات، عبد الملك بن قريب الأصمعي، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، ط3، 1387هـ/1967م) ص: 186.

[26]  ديوان عمرو بن قميئة، عمرو بن قميئة، مرجع سابق، مقدمة المحقق، ص: 14.

[27] الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، تحقيق عبد الستار أحمد فراج، دار الثقافة، بيروت، ط4، 1398هـ/1978م) جـ6/ 121-122.

[28]  عبد الخالق الجنبي، صحيفة عكاظ، عدد 3219، السبت، 25/4/1431هـ، 10/4/2010، ص:1.

[29]  المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية، مرجع سابق، جـ2/ 1110.

[30]  المرجع نفسه، جـ2/1107.

[31]  لسان العرب، ابن منظور، مرجع سابق: «ظهر»، «عقد».

[32]  معجم البلدان، ياقوت، مرجع سابق: «الظهران».

[33] المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية، الجاسر، مرجع سابق، جـ2/1102.

[34] معجم المدن والقبائل اليمنية، إبراهيم أحمد القحفي، دار الكلمة، صنعاء، 1985م، ص: 445. وقارنه بصفة جزيرة العرب، لأبي محمد، الحسن الهمداني، تحقيق: محمد بن علي الأكوع، دار اليمامة الرياض، ص: 76، 170.

[35]  معجم البلدان، ياقوت، مرجع سابق: «الظهران»، وانظر، الحسن بن عبد الله الأصفهاني، بلاد العرب، تحقيق حمد الجاسر، دار اليمامة، الرياض، ط1، 1388هـ/1968م، ص: 268 وحاشيتها.

[36]  المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية الجاسر، مرجع سابق، جـ4/1914-1915.

[37]  انظر، أحمد مكي الغانم، القطيف رحلات ميدانية لبلدات مجهولة، الظهران، مجلة «الواحة» عدد 44، سنة 13، الربع الأول 2007م، ص:101.

[38]  بلاد القصيم، محمد بن ناصر العبودي، دار اليمامة، الرياض: ط1، 1399هـ/1979م، جـ3/1155-1156.

[39]  المرجع نفسه،جـ1/54، و:224.

[40]  ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات، عبيد الله بن قيس الرقيات، تحقيق: محمد يوسف نجم، دار بيروت، بيروت: 1387هـ/1958م، ص: 195.

[41]  انظر، الغانم، رحلات ميدانية، مرجع سابق، ص101. ولنصرف النظر عن بقيّة ما جاء فيه.

[42]  بكل الحب والتقدير لشخص الدكتور ورأيه، نرى ألا تعارضَ بين تعلق الشاعر بالأحساء وانجذابه للقطيف؟ وإلا لما أقام فيها، ثم أليس هو القائل:أَقم صَدرَها قَصداً إِلى الخَطِّ وَاِحتَقِب

رِسالَةَ وُدٍّ أَنتَ عِندي كِتابُهافَحينَ تَرى الحصنَ المُعَلّى مُقابِلاً

وَيَبدو مِنَ الدَربِ الشَمالِيِّ بابُهافلِج بِسلامٍ آمِناً تَلقَ بَلدَةً

مُقَدَّسَةَ الأَكنافِ رَحباً جَنابُهابِها كُلُّ قرمٍ مِن رَبيعَةَ يَنتَمي

إِلى ذِروَةٍ تَعلو الرَواسي هِضابُهاإلى أن يقول:

فَقُل لَهمُ مِن بَعدِ أَوفى تَحيَّةٍلَهُم مِن ضَميري صَفوُها وَلِبابُها

ليس هذا فحسب بل هو يعد أهلها أهله، فيقول مستنجدا بهم:أَلا يا لَقَومي مِن رَبيعَةَ فَتكَةً

تُغادِرُ نَوكى القومِ صُفراً وِطابُهاانظر ديوانه: مكتبة التعاون الثقافي، الأحساء، ط2، 1408هـ، 1988م، ص: 8، و42، و459. الواحة

[43]  ديوان علي بن المقرب العيوني، ديوان ابن المقرب، تحقيق: عبد الخالق بن عبد الجليل الجنبي وآخرين، المركز الثقافي، بيروت، 1424هـ/2003م) جـ2/1226.
كاتب وأستاذ جامعي
218065