التهرب من التبعات (3)
الخليج؛ بلدانه وقبائله
عدنان السيد محمد العوامي * - 15 / 2 / 2011م - 7:17 ص - العدد (59)

لا مراء في أن الترجمة من لغة إلى أخرى فنٌّ كباقي الفنون، يشترط له الموهبة والذائقة والحس، لا الإحاطة باللغة وحدها، فإذا تنازلنا عن هذا الشرط، فلا أقل من قوة التأمل والتركيز والملاحظة، ولو توفر هذا الشرط في عمل السيد المترجم لما رأينا ما رأينا في الحلقتين الماضيتين من التسرع، حتى بلغت الحال أن رأينا عبارة المترجم: (الذين بعد أن استولوا على الإسكندرية. ص: 28)، تعريباً لقول المؤلف:

(who,after its conquest by Alexander)

فتحول الإسكندر العظيم إلى مدينة.

هذه هي حال الترجمة المتسرعة على كل حال، فلنواصل مع السيد المترجم فنقرأ على الصفحة 29: «وربما كان أول مؤلف إغريقي يتطرق إلى تاريخ العرب هو أسشيلوس، إلا أن أول إغريقي قام بوضع وصف لشبه الجزيرة العربية هو العالم الفلكي اراتوتبتس، الذي وضع مؤلفا جغرافيًّا عندما كان يشغل وظيفة أمين مكتبة الإسكندرية والذي توفي فيها عام 196 قبل الميلاد. وبما أن هذا العالم قد توفرت له مصادر واسعة من المعلومات فإن كتابه لا بد وأن يضيف كثيراً من المعلومات عن تاريخ اليمن، وإن كان من المرجح أن الكتاب لم يتضمن شيئاً عن المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة، إذ إنه من بين القبائل الأربع الكبرى التي ذكرها في كتابه لم يمتد سوى نفوذ قبيلة واحدة إلى عمان، وهي قبيلة قديمة». الأصل الذي تعربه هذه الفقرة يقول:

«The first Greek writer to mention the Arabs was Eschylus, but the first to produce a description of Arabia was the astronomer Eratosthenes, who composed a cosmography when he was Curator of the Library of Alexandria, where he died in 196 B.C. As Eratosthenes had abundant opportunities of collecting information, his work would doubtless have contributed much to our knowledge of the Yemen, but he appears to have known nothing of Eastern Arabia, as of the four great tribes mentioned by him, only one, viz., the Beni Kodhaa, extended as far as Muscat.Vol 1: 9».

فهلم - بربِّك - نعربها بمعرفتنا وإن كانت متواضعة: (إن أول إغريقي ذكر العرب هو إسكيلس، لكن الأول في تقديم وصفٍ للجزيرة العربية كان هو الفلكي إراتوسثينس الذي ألف كتاباً في «وصف الكون» (الكوزموغرافيا) حين كان أميناً لمكتبة الإسكندرية، حيث مات هناك سنة 196 ق. م.

ولأن إراتوسثينس كانت لديه فرص وفيرة لجمع المعلومات، فيفترض -بدون شك- أن يسهم كتابه كثيراً في معرفتنا عن اليمن، لكن يبدو أنه لم يكن يعلم شيئاً عن شرق الجزيرة العربية، إذ من أربع قبائل عظيمة ذكرها فإن واحدة منها فقط - أعني «بني قضاعة» امتدت حتى مسقط). فهل يرى القارئ الكريم فرقاً ذا قيمة بين التعريبين؟ وهل يصح أن تكون عبارة: (يتطرق إلى تاريخ العرب) تعريباً لقول المؤلف: «to mention the Arabs»؟ وعبارة: (وضع مؤلفا جغرافيًّا) تعريباً لـ«who composed a cosmography»، ناهيك عن تطيير قبيلة بني قضاعة، ومط مدينة مسقط لتشمل عمان بأكملها.

- نكمل رحلتنا على الصفحة 29 فنقرأ: «وقد نعثر على معلومات أدق وأوفى عن بلاد العرب وتاريخهم في مؤلف آجارتاسيدس الذي عاش في مصر، وأخرج في عام 120 قبل الميلاد كتاباً من خمس مجلدات تحدث فيه عن البحر الأحمر والمنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية». لا، يا سيدي، فالأصل -أيها الفاضل– يقول:

From Agarthacides, who at one time resided in Egypt, and who about the year 120 B.C. wrote a work in five volumes on the Red Sea and Southern Arabia, we might have gathered a still more complete and trustworthy account of the Arabs and their country.

وتعريف هذه الفقرة: «من أجارثاسيدس -الذي أقام يوماً ما في مصر، وفي حوالي سنة 120 ألف كتاباً من خمسة مجلدات عن البحر الأحمر وجنوب الجزيرة العربية، ربما حصلنا على أكثر بكثير مما حصلنا عليه من البيانات الكاملة، الجديرة بالثقة عن العرب وبلادهم».

لنكمل الصفحة 29: «وإذا استثنينا بضع شذرات مما كتبه عن العرب فإن معظمه قد ضاع، شأنه شأن أعمال أيراتوسيثينس، وعلى أية حال فقد عرفنا من كتابات الأول أن العرب قد وصلوا إلى شواطئ الهند». ثم نتأمل الأصل المعرَّب:

«but his labours, with the exception of a few fragments, have, like those of Eratosthenes, been lost. We learn, however, from Agarthacides, of the existence of Arabian colonists in the ports of India.Vol 1:10».

الذي ينبغي أن تعرب به هذه الفقرة هو: «لكن أعمالَه - شأنها شأن أعمال إراتوسثينس باستثناء بعض الشذرات - قد فقدت، وعلى كلٍّ فنحن من أجارثاسيدس نعلم عن وجود المستعمرين العرب في موانئ الهند».

- على الصفحة 30 نقرأ: «وفي الأسماء التي ذكرها في سياق حديثه عن المدن والقرى اسما (اسم) لمدينة عمانية تدعى رابينا راجيا، وهذه بلا شك موطن قبيلة ربان بن حلوان بن عمران، وهي فرع من قبيلة قديمة استوطنت منطقة في عمان قريب من موطن الأزد»، ترى أي قبيلة حظيت بالشطب هذه المرة؟ لنر:

«One of the Oman townships, however, mentioned by him, i.e., Rabana Regia, was doubtless the residence of the tribe Rabban bin Holwan bin Imran, a branch of the Kodhaa, which, migrating from Nejd, and wandering through Yemama - where it left a portion of the folk settled in Oman near the Azd, though the exact locality is not now ascertainable, as the name Rabban has passed out of memory.Vol 1: 10».

والتعريب الأقرب لهذا النص: «على كل حال إن واحدة من نواحي عمان التي ذكرها وهي ربانا رجيا كانت – بدون شك- موطن قبيلة رُبَّان بن حلوان بن عمران، أحد فروع «قضاعة» التي هاجرت من نجد، وتجولت في اليمامة حيث خلفت جزءاً منها، استقرت في عمان، بالقرب من الأزد، ومهما يكن فإن الموقع غير معروف الآن بدقة، بسبب أن الاسم ربَّان قد امَّحى من الذاكرة».

فهل يُعقل أن لا يعلم ابن الضاد بقبيلة عربية اسمها قضاعة، ويعلم بها هذا الانجليزي الطارئ؟

على الصفحة 31 – 32 يقابلنا التعريب التالي: «وعلى أساس تحكمهم في هذه التجارة بشكل قاطع، لم يبق لهم من منافس سوى سكان الهند الغربية»، وهو تعريب للنص التالي:

«They became from the beginning masters of the whole Oriental commerce. In their control of this commerce, which it seems difficult to controvert, the only possible competition they could have had to encounter would have been that of the Cushites of Western India.Vol 1: 11».

وتعريب هذه الفقرة حسب ما أرى: «ومنذ البداية أصبحوا سادة لتجارة الشرق كلها، وبسيطرتهم على هذه التجارة التي يبدو من الصعب أن تزاحم، فإن المنافسة الوحيدة المحتملة التي ربما كانوا قد واجهوها، ربما تكون من أحباش الهند الغربية». أرأيت؟ النص الأصلي يشير بوضوح إلى منافسة فئة محددة من التجار هم Cushites of Western India أحباش الهند الغربية، لكن حذف هذه الإشارة من التعريب أشرك سكان الهند الغربية كلهم في هذه المنافسة.

- على الصفحة 32 نقرأ: «غير أن الصحاري الشاسعة التي تحيط بها من جهة الغرب، وعزلتها عن بقية شبه الجزيرة كانت حاجزاً منيعاً أمام القوافل التجارية، ولهذا كانت تضطرها إلى تفريغ شحناتها التجارية في منطقة “تمره” حيث كان يتسلمها التجار الأجانب ليقوموا بنقلها إلى وجهتها»، إن السيد المترجم لم يبتعد عن قصد المؤلف إلى حد يستأهل المعارضة، ومع ذلك وجدت نقل الأصل وتعريبه لا يخلو من نفع، فإليكه:

«But the great sand desert to the westward isolated her from the rest of Arabia, and proved an insuperable barrier to land traffic from her ports by caravan, and compelled her to disembark the wares at Gherra, further up the coast, and entrust them to merchants of other countries for transport.Vol 1: 11».

وتعريب هذه الفقرة: «غير أن الصحراء الرملية الواسعة جهة الغرب وعزلتها عن بقية الجزيرة العربية مكونة حاجزاً عصي الاختراق على حركة القوافل البرية من موانئها أجبرها على تفريغ البضائع في الجرعاء، بعيداً من الشاطئ، والعهدة بها لتجار من بلدان أخرى لنقلها).

مدينة «الجرعاء» التي ورد رسمها هنا: Gherra، وGerra في مصادر أخرى[1] ، وقع تباين فاحش في تعريبها بين من سماها الجرهاء أو الجرعاء كمحمد سعيد المسلمF، أو غرة، كما سوف يذكرها السيد المترجم لاحقاً، وجرة، كما عند غيرهما، في حين أن مدينة الجرعاء كانت معروفة حتى عهود متأخرة نسبيًّا، ومن وصف الهمداني لها نعلم أنها في ساحل الأحساء، وبها سوقها[2] ، ولا يبعد أن تكون هي ذاتها «جرعاء بلبول»، التي عدها الهمداني من اليمامة[3] ، فبلبول ما تزال معروفة وموقعها إلى الشمال من الجبيل.

على الصفحة 33 نقرأ التعريب التالي: «من ناحية أخرى كانت تجارة النقل العمانية تتطور باطراد من حيث الكمية وكانت تتيح لها الفرصة في تفريغ السلع في موانئ أريدو والمغير، وغيرها من المناطق، أما ميناء غرة الذي يحتمل أن يكون هو ميناء ديدان، الذي جاء ذكره في سفر التكوين، فربما يقع في نفس المنطقة التي تحتلها مدينة الأحساء حاليًّا والمجاورة للبحرين، ولعله من المحتمل أن تكون هذه التسمية قد أطلقت على تلك المنطقة بعد وصول غرة واستقرارها فيها ولعلها هي التي أطلقت عليها تلك التسمية». النص الذي وضع هذا تعريباً له يقول:

«while the traffic of the Omanis developed and increased in proportion, their vessels landing merchandise at Erridu, Mugheir (the Biblical Ur of the Chaldees), and other places. Gherra, which is probably identical with the Dedan of Genesis and Ezekiel, seems to have been situated where Lahsa now stands and had a port on the coast opposite Bahrain (or Al-Bahrain), but it may have had this appellation when the Gherra tribes arrived there and gave it their own name. Vol 1: 12».

ما رأيك –عزيز القارئ– في تمرين شاق نتدرَّب فيه على الترجمة والجغرافيا وعلم الآثار واللاهوت معاً، وفي فقرة واحدة بسيطة؟ إذن لنقم بتعريب هذه الفقرة:

«في حين تطور النقل البحري للعمانيين واتسع في كل اتجاه، وأصبحت سفنهم تفرغ السلع في أريدو والمقيَّر «أور الكلدانية حسب الكتاب المقدس»، وأماكن أخرى. أما الجرعاء التي من المحتمل أن تتطابق مع “ددان” سفر التكوين وسفر حزقيال، فيبدو أنهاكانت واقعة حيث تقع الأحساء حاليًّا، وبها ميناء على الساحل قبالة البحرين، لكنها ربما أخذت هذه التسمية عندما وصلت قبيلة الجرعاء إلى هناك، وأعطتها اسمها».

يقيناً ستسأل عن مسوغات هذا التعريب وموثقاته، وهذا حق لك لا مراء فيه، ففيما يتصل بـ Gherra، فقد سبق الحديث عنها، ولك في ذمتي دعوى اجتهادي في تعريب Erridu.

كان بودي أن أعرب Erridu بـ«الأرض»؛ لأنه الأقرب إلى اللسان العربي، أما مبرر هذا الاختيار فهو أن هذه المدينة - بحسب الأساطير السومرية - كانت مملكة «Enki إينكي»، إله المياه المحيطة بيابسة الكون والذي عرف فيما بعد عند البابليين باسم «EA إيع أو يا»[4] . فإذا نظرنا في لفظة (الأرض) في ما بيدي من مصادر عن اللغات العالمية سنجدها قريبة من العربية، فهي في الإنجليزية القديمة: eorth، وفي الألمانية: erde، وفي الآيسلندية: jord (يُرد)، وفي القوطية: airtha?[5] ، وفي الهولندية: aard، وكلها قريبة النسب من Erridu، والذي أميل إليه أن هذه الألفاظ جميعاً تنتمي إلى أصل واحد قديم. لكن ما جعلني أحجم عن الأخذ بهذا الرأي أنني لم أجد أيًّا ممن تعرض لهذا الاسم قد غامر بتعريبه، ربما لما اكتسبه هذا الاسم من القداسة، بوروده في تراتيل السومريين وأدعيتهم[6] ، لذلك جاريتهم فيه.

هذا الموضع هو موقع أثري في العراق يقع جنوب الناصرية بحوالي 40 كيلاً، ويعرف بـ«أبي شهرين»، به تل أثري يعرف باسمه، وفي ظني أن ظهور هذا الاسم وكثير غيره بالرسم الأجنبي علته أن من اكتشف الآثار في بلادنا، وفك رموزها هم الآثاريون الأجانب، لذلك كتبوها بلغتهم، فبقيت هكذا.

وأما تعريب Mugheir، بـ«المُقَيَّر» فهو معروف بهذا الاسم، ويقع قرب موقع العُبَيد على مجرى الفرات السفلي، قرب الناصرية[7] .

الاسم الثالث الذي عربه السيد المترجم بـ«ديدان»، فلا أعتقد أنه يخلو من الديدان، بطبيعة الحال، لكن الصحيح “ددان”، وهو اسم توراتي ذكر بهذا الرسم في سفر التكوين، 7:10، و3:25، وسفر أخبار الأيام الأول 32:1، وفي سفر إرميا 23:25، و8:49، وسفر حزقيال 25:13.

بقيت ملاحظة لا يحسن تجاوزها، وهي أن «ددان» تتذبذب ترجمة (كتاب الحياة) للكتاب المقدس في تعريبها بين «ددان» (التكوين 10: 7، و25: 3، وأخبار الأيام الأول 1: 32، وإرميا 25: 23، و49: 8، وحزقيال 25: 13)، لكنها ترد، أيضاً، بعنوان: «رودس» (حزقيال 27: 15، و20، و38: 13). ورودس -كما لا يخفى- هي كبرى جزر الدوديكانيز في بحر إيجة، قبالة الزاوية الغربية الجنوبية من ساحل تركيا، كانت في العصور القديمة مركز عبادة هليوس، إله الشمس عند اليونان، عاصمتها رودس[8] ، وتطبيق المؤلف وصفها على الجرعاء الواقعة في ساحل الأحساء قبالة البحرين خطأ شنيع.

لنكمل الصفحة 33: «وبفضل هذه العمليات أخذ النشاط التجاري يصب الثروة والرخاء إلى العواصم الكبرى في العراق وسوريا، وتدمر التي أنشأها الملك سليمان، والى بعلبك ودمشق ونينوى، وكثير غيرها من المدن والعواصم التي يعود الفضل في ازدهارها وعلو مركزها إلى تجارة الشرق»، ولنقف على الأصل الإنجليزي:

«In this way, maritime commerce poured prosperity and wealth into the lap of the great cities of Mesopotamia and Syria, Palmyra which was founded by Solomon- Opis, Baalbec, Damascus, Nineveh, Tyre, and many others, which all owed their greatness to Oriental commerce.Vol 1: 12».

ثم نعربه بطريقتنا: «بهذه الكيفية صبت التجارة البحرية الازدهار والثراء في حجر المدن الكبرى؛ بلاد الرافدين، وسوريا، وتدمر التي أنشأها سليمان، وأَبس، وبعلبك، ودمشق، ونينوى، وصور، وأخرى غيرها كثيرة دانت جميعها بالفضل -في عظمتها- للتجارة الشرقية»، لحسن الحظ لم يطير السيد المترجم من هذه الفقرة سوى مدينتين إحداهما مشهورة هي صور Tyre في الساحل اللبناني، والثانية أَبس Opis، وهي مدينة مندثرة قرب أبلستين بتركيا[9] .

على الصفحة 34 نقرأ: «ويتحدث حزقيل المتوفى سنة 570 قبل الميلاد بإعجاب كبير عن النشاط التجاري الذي كان يشهده ميناء طيرة في سوريا، إلا أن معلومات هذا المؤرخ عن شبه الجزيرة العربية يجانبها الصواب، نظراً لأن معرفته بأوضاع تلك المنطقة كانت واهية، ولم يشر إلى وجود منطقة تقع بين ريدان وكين فيما عدا رعامة التي ظل موقعها من الخريطة مجهولا حتى الآن»، هذا النص هو تعريب لقول المؤلف:

«Ezekiel, who died about 570 B.C., gives a valuable account of the trade of Tyre, but it is inaccurate as regards Arabia, as his knowledge of that country was very vague. He mentions no place between Dedan and Kane, except Raamah, the site of which is unknown.vol 1: 13».

وتعريب هذا النص كما فهمته: «حزقيال -الذي توفي حوالي 570 ق. م- يقدم معلومات قيمة عن تجارة صور، لكنها غير دقيقة في ما يتصل بالجزيرة العربية، إذ إن معلوماته عن تلك المنطقة كانت غامضة جدًّا، كما أنه لم يذكر مكانًا بين ددان وكنة باستثناء رعمة؛ الموقع الذي لا يُعرف عنه شيء».

مرة أخرى أؤكد حق القارئ في مطالبتي بأدلة التعريب على هذه الصورة، وهي بسيطة للغاية، فالأسماء التي وردت في الفقرة، هي أسماء لأماكن واردة في الكتاب المقدس، ويمكن معرفتها بمجرد مقابلة الترجمة العربية على الإنجليزية لتتضح حقيقتها دون عناء، وهي على التوالي:

(طيرة في سوريا)، كتبت بالإجليزية: Tyre، وهي في العربية: صور، مدينة شهيرة على الساحل اللبناني تردد ذكرها كثيراً في الكتاب المقدس، لكن العجيب أنها من أولى المدن التي تعرض لها المؤلف في مستهل الكتاب، وكتبها بالرسمين الإنجليزي: Tyre، والعربي: صور، ولو أن السيد المترجم رجع لذاكرته هو وحده لتذكر أنه سبق أن كتبها برسمها العربي الصحيح، لنقرأ:

«The port of Soor, near Ras al-Had, has a name identical with that of Tyre or Soor in the Mediterranean, and was, beyond doubt, the prototype of The town of Soor, part of which is called Eijah, is situate on a rocky eminence at the mouth of a serpentine creek, and has always possessed one of the most useful, safe, and commodious harbours for native craft on the Oman coast.Vol 1: 2».

وقد عربها الدكتور هكذا: «وعلى سبيل المثال يوجد على ساحل البحر الأبيض المتوسط ميناء يسمى صور، على اسم ميناء صور الساحلي الذي يقع قريباً من رأس الحد، وأما بلدة صور نفسها والتي يسمى أحد أجزائها بالعويجة، فإنها تقع على بروز صخري أمام مدخل لخليج متعرج، وتعتبر أصلح المرافئ وأكثرها أماناً واستيعاباً للمراكب المحلية. ص: 18».

وعلى المنوال ذاته من الحذف والابتسار أغفل من هذه الفقرة عبارة مهمة هي: (the prototype of The town of Soor) المعبرة عن رأي المؤلف بأن صور عمان هو الاسم الأصلي الذي سمي به ميناء صور لبنان، يضاف إلى ذلك تعريبه Eijah بالعويجة، فمع أن اسم العويجة هو الاسم المعروف الآن في عمان، إلا أن كتابة المؤلف لها بهذا الرسم يجب حمله على أن المؤلف يرى أنه كان في الأصل «إيجة» (جزر في بحر إيجة بين تركيا واليونان)، وهو رأي لافت جدير بالاهتمام، ويقيناً إن المترجم سيحسب له الفضل في إتاحة هذه المعلومة للباحثين لو لم يسقطها بهذا الابتسار المخل.

(ريدان)، حتى لو لم نؤاخذ السيد المترجم على الخطأ المطبعي فلن يعذر في رسم الكلمة، ديدان، وقد مر الشرح آنفاً.

(كين)، وضعها مقابل Kane، ورسمها هكذا خطأ من المؤلف، فهي ترد في الكتاب المقدس برسم: «Canneh»، وعربيها: «كنة»، والدليل أن النص الذي عناه المؤلف هو:

 «Haran, and Canneh, and Eden, the merchants of Sheba, Asshur, and Chilmad, were thy merchants. EZE -27: 23».

ونصه العربي حسب ترجمة كتاب الحياة: «ومن المتاجرين معك أيضا أهل حران وكنة وعدن وتجار شبا، وأشور وكلمد». (سفر حزقيال 27: 23).

(رعامة) Raamah عربيها رعمة، وردت في الكتاب المقدس بهذا النص:

«The merchants of Sheba and Raamah, they were thy merchants: they occupied in thy fairs with chief of all spices, and with all precious stones, and gold. EZE -27: 22».

وعربيه: «وتاجر معك أيضا تجار شبا ورعمة، فقايضوا بضائعك بأفخر أنواع الطيب والحجارة الكريمة والذهب.. حزقيال 27: 22».

- نبقى على الصفحة 34 فنقرأ: «كما أشار هذا المؤلف إلى وجود معدن الذهب كأحد السلع التجارية المتداولة في تلك الفترة، إلا أن الذهب الذي أشار إليه حزقيل، ربما كان مصدره إفريقيا أو الهند، إذ لم يتأكد وجود مناجم الذهب في شبه الجزيرة العربية، على الرغم من أن ابن حوقل المؤرخ قد ذكر نحو ستين منجماً، منها عشرة للذهب وأحد عشر للفضة»، أما نص المؤلف الأصلي:

«He alludes to gold as an article of trade, but it must have been brought from Africa or India, as little was found in Southern Arabia, though Ibn Haik al-Hamdany in the Iklil gives a list of sixty mines in the Yemen, including ten gold and eleven silver.Vol 1: 13».

ما الذي وقع في تعريب هذه الفقرة من خطأ؟ لنقم بتعريبه حسب فهمنا: «إنه يشير إلى الذهب بأنه إحدى سلع التجارة، غير أنه لا بد أن يكون قد جلب من إفريقيا أو الهند، مع أن قليلا منه قد عثر عليه في جنوب الجزيرة العربية، وعلى الرغم من أن ابن الحايك الهمداني في الإكليل يعطي قائمة من ستين منجماً في اليمن مضمنة عشرة للذهب وأحد عشر للفضة».

تعريب السيد محمد أمين لا يكتفي بإخفاء اليمن وتهريب كتاب «الإكليل»، بل وينحله لابن حوقل. مؤلف الإكليل هو الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، أبو محمد، (280 – 334هـ)، ويعرف بالحايك، وبالنسابة، وبابن ذي الدمينة، نسبة إلى أحد أجداده ذي الدمينة بن عمرو، من مؤلفاته «الإكليل في أنساب حمير وأيام ملوكها»، عشرة أجزاء، طبع بعضها بتحقيق القاضي اليمني محمد بن علي الأكوع، و«سرائر الحكمة» و«القوي» و«اليعسوب»، و«صفة جزيرة العرب»، طبع للمرة الأولى بإشراف الشيخ حمد الجاسر رحمه الله، وأعيد طبعه بتحقيق محمد بن علي الأكوع، أيضًا[10] ، أما محمد بن علي بن حوقل فله كتاب «صورة الأرض». طبع في ليدن، 1873م بعناية دى غويه، وأعيد طبعه منقَّحاً بمطبعة بريل في ليدن سنة 1938م[11] .

- نتابع الصفحة 34: «وكان الأسطول العماني في البحر الأبيض المتوسط يجيء في المرتبة الثانية بعد أسطول قرطبة وطيرة». واقرأ نص المؤلف:

«Next to the Tyrian and Carthaginian navies in the Mediterranean, the Omanis, at this time. Vol 1: 13».

لما ذا لا نتسامح هذه المرة كتسامح السيد المترجم؟ ألا يمكن أن تطير قرطبة من موضعها البري، المحجوز عن البحر في الأرض الإسبانية بين إشبيليا في الجنوب الغربي، وملقة في الجنوب، والمريَّة في الجنوب الشرقي، ومرسية وقرطاجنة في الشرق، لتقع كما وقعت «الطيرة» مكان قرطاجنَّة، أليستا كلتاهما إسبانيتين؟ أظن هذا ممكناً حتى لو علمنا أن تهجية قرطبة في الإنجليزية هي (cordoba) وليس Carthaginian.

لنواصل: «كما يمكننا القول بأن النشاط التجاري العربي في نفس الفترة أو ربما قبلها كان بلا ريب الوسيلة الوحيدة لنقل حضارة مينا وبابل وسوسة إلى الهند»، النص الأصل لهذه الفقرة هو:

«At this time, also, or perhaps still earlier, the Arab trade was doubtless the means of introducing into India the civilization of Nineveh, Babylon, and Susa.vol 1:13».

هذا التعريب حوَّل نينوى إلى مينا.

على الصفحة 35 نقرأ: «وعلى أية حال فقد بذل ذلك العاهل العظيم أقصى ما في وسعه لإحياء الخط التجاري القديم وتطويره، فقد أقام السدود على نهر الفرات، وشق قناتين بالقرب من مدينة بابل»، وهذا تعريب للأصل:

«That great monarch, however, did his utmost to encourage and revive the old course of trade ; he dammed up the Tigris, made two canals near Babylon Vol. 1:14».

في هذا التعريب فقط تحولت دجلة إلى الفرات.

على الصفحة 36 نقرأ: «وقد أشار إليهم الإنجيل، كما ورد ذكرهم في مؤلفات الإغريق، أمثال هيرودتس، وغيره من المؤرخين»، وهي تعريب لقول المؤلف:

«many of which are enumerated by the Bible, Herodotus, the Periplus, etc. Vol 1: 14».

كما رأينا سابقًا فإن الإنجيل تأتي عند السيد المترجم تعريباً لـ Bible، والصحيح أنها تعني (الكتاب المقدس)، والإنجيل إنما هو أحد قسمين يتألف ذلك منهما الكتاب، لكن الأهم في هذه الفقرة هو إجمال السيد المترجم لكلمة Periplus، بعبارة مؤلفات الإغريق، والحال أنها اسم لكتاب واحد لبحار قرطاجي اسمه حنو (Hanno) قام برحلة استكشاف بحرية على طول ساحل أفريقيا الغربي حتى سيراليون، وعند عودته دوَّن رحلته على لوح أودعه معبد الرب الفينيقي «ملك» إله الشمس، في قرطاج، وكان أول ما دون باللغة الفينيقية، ثم ترجم إلى الإغريقية بهذا الرسم Periplus [12] . تَرى هل تستحق هذه المعلومات مثل هذه الوقفة، وإن كان فيها شيء من الإطالة؟

نتابع مطالعتنا على الصفحة 36 فنقرأ: «بل إن سبرنجر يعتقد بأن اللبان كان أساس النشاط التجاري، وكان يستورد بشكل رئيسي من رأس غضروفي». وهذا تعريب للنص الأصلي:

«The more important articles were, first, olibanum or frankincense, which Sprenger thinks was the foundation of the trade, and which was brought chiefly from the neighbourhood of Cape Guardafui. Vol 1: 14».

أتذكر أنني سبق لي أن عرضت لهذا الاسم مرة عندما استعرضت تعريب السيد المترجم لكتاب Persian Gulf، تأليف أرنولد ولسن، وقد عربه المؤلف هناك بـ«رأس الغضروفي»، واستدركت عليه بأن اسمه العربي (رأس اعْصَير، تصغير عصر)[13] . رأس في الصومال، يطل على البحر العربي وخليج عدن. في المصادر الأجنبية يرد هذا الرأس باسم: (Gees Gwardafuy, also Ras Asir)[14] ، و(رأس اعصير) هو الاسم العربي الشائع لدى الملاحين العرب.

في نهاية الصفحة 36 وبداية 37 نقرأ: «وبالإضافة إلى اللبان كانت هناك تجارة الرقيق، والعاج والتوابل، والذهب، والأحجار الكريمة، والحرير، والمطرزات، بالإضافة إلى الأبنوس، والصندل والأخشاب، والصبار والمعادن والمنسوجات القطنية على اختلاف أنواعها. وإلى جانب السلع التي كانت تستورد من الهند وإفريقية كانت هناك مواد وسلع أخرى تأتي من الموانئ العربية نفسها، كالصمغ والبلسم (المجداعة)»، وهي تعريب للنص الأصلي:

«slaves, spices, ivory, gold, precious stones, silks, and embroideries. Other items were ebony, sandal-wood, lignum, aloes, teak, cassia, metals, and cotton fabrics of many kinds. Besides the above articles from India and Africa, others came from the ports of Arabia itself, such as gum, balsam, myrrh, pearls, etc.Vol 1: 14».

في هذه الفقرة نلاحظ اختصار عبارة: خشب الصندل (sandal-wood) في الأخشاب، وتجاوز الكلمات: lignum، وteak، وcassia ،myrrh، وpearls، ويقيناً أن القارئ يوافقني على أن هذا مخل بالتعريب، لكنه ربما تاق إلى معرفة ما يقابل هذه الأسماء في العربية، إن كان لا يحسن الإنجليزية، تعريب الكلمات المهملة هي: lignum، لاتينية معناها: خشب الحياة، شجرة صغيرة تعد أصلب أنواع الخشب على الإطلاق، وteak: خشب الساج، وcassia: السنَّا، من شجيرات الزينة، وmyrrh: المرُّ، pearls، اللؤلؤ[15] .

على الصفحة 37 نقرأ التعريب التالي: «وكان العمانيون يستفيدون في عمليات نقل العبيد من أفريقية من خبرتهم الملاحية والرياح الموسمية وكانت هذه الخبرة تمكنهم من قطع المسافة التي تربو على 2000 ميل في أيام معدودة»، وهو تعريب للفقرة التالية:

«In this trade, which must have required a large number of boats of all sizes, they were facilitated to an astonishing degree by the south-west monsoon, which enabled their vessels to run a distance of over 2,000 miles from Zanzibar, in a few days. Vol 1: 14 – 15».

فهمي لتعريب هذه الفقرة هو: «في هذه التجارة التي لا بد أنها تطلبت عددا كبيراً من الزوارق من كل الأحجام، يسرت الرياح الجنوبية الغربية بدرجة مذهلة لسفنهم القدرة على السير لمسافة أكثر من 2000 ميل من زنجبار، في أيام قليلة.

- نوالي على الصفحة 37 نفسها، فنقرأ: (ولعل المنطقة الحرة (التي ذكرها القائد الإغريقي نيارشوس) في تقريره عن رحلته إلى الشرق هي ميناء صور، وقد أيد هذا الرأي هيرين، وبالتالي فإن وجود منطقة حرة عند مدخل الخليج يؤكد وجود علاقات تجارية بين الهند وعمان)، ثم اقرأ النص الأصلي:

«The mart of Maceta (mentioned by Arrian in his account of the voyage of Nearchus), Hereen says, was probably Soor, and he adds that an emporium like this, at the entrance of the Gulf, strengthens our idea of an ancient Indian trade with the Oman coast. Vol 1: 15».

لعل القارئ الكريم يتذكَّر تعريبي، في الحلقة الثانية من هذا المقال[16] ، لعبارة: «of Maceta Nearchus» بـ«مقطع نيرخوس»، وهو الاسم الذي أطلقه نيرخوس على «رأس مسندم» مرجحاً أن صوابه «Maketa The»: كما هو عند أرنولد ت. ويلسون، وتعريبه بالمقطع أقرب إلى العربية من رسم المؤلف «the Maceta»، ويعني الزهرية أو المزهرية في الأسبانية. ها هو المؤلف قد عاد له ثانية في هذه الفقرة، كما أن السيد المترجم يعود لإغفاله على عادته في القفز على الأسماء الغريبة عليه. فلنقرأ نص المؤلف الأصلي

على الصفحة 38 نقرأ التعريب التالي: «إن الفوضى التي سادت في كل من فارس والعراق بعد موقعة أربيلا، أو على وجه التأكيد في أعقاب وفاة الإسكندر عام 323 قبل الميلاد لا بد قد ساهمت في الكساد التجاري الذي أصاب تلك المناطق وتدني الطلب على الكماليات والبضائع الأجنبية»، فما يقول النص الأصلي؟ لنقرأ:

«The anarchy that prevailed in Persia and Mesopotamia after the Battle of Arbela, or more correctly, perhaps, after the death of Alexander, in 323 B.C., to the rise of Mithridates, must have tended still further to depress trade in those regions by diminishing the demand for luxuries and foreign products. VOL 1: 15».

ما الذي سقط من هذه الفقرة فتجاوزه التعريب؟ من وجهة نظري إن تعريب هذه الفقرة هو هكذا: «إن الفوضى التي سادت في كل من فارس وبلاد الرافدين بعد موقعة إربيل، أو - بدقة أكثر – ربما، بعد وفاة الإسكندر عام 323 ق. م، إلى قيام «ميثراداتس» لا بد قد أدى إلى كساد أكثر في التجارة في تلك المناطق بسبب تدني الطلب على الكماليات والبضائع الأجنبية.

«Arbela» هو الاسم التاريخي لمدينة «إربيل» في شمال العراق[17] ، والسيد المترجم لم يخطئ فيه لكنني آثرت تعريبه بما هو المعروف اليوم منعاً للتشويش والإيهام، خصوصاً وأن الفقرة المعربة خلت من أية إشارة إلى جغرافية الاسم. والمعركة التي عناها المؤلف هي معركة سميت: the Battle of Arbela «معركة أربيلا»، أو معركة إربيل، وتعرف، كذلك، بـ Battle of Gaugamela معركة گوگاميل[18] ، فهذه وقعت بين الإسكندر المقدوني ودارا الثالث أمبراطور الفرس، حسمت في الأول من أكتوبر عام 331 ق. م بانتصار الإسكندر، وأما Mithridates «مثراداتس» الذي تخطاه السيد المترجم، هنا، فقد سبق أن ذكَرَه في موضع آخر باسم مثيرادبتيس وصححنا تعريبه، وذكرنا أنه مؤسس الإمبراطورية البارثية[19] .

على الصفحة 39 نقرأ: «وهذا المؤلف يحمل عنوان (كشف الغمة) وكان مؤلفه قد كتبه في مدينة أزكي العمانية عام 728 بعد الميلاد، وقد عثر عليه الكولونيل السيراي. سي. روسي، وظهرت ترجمته الإنجليزية في مجلة جمعية البنغال الآسيوية التي تصدر في كلكتا، وذلك في عام 1874، وصدرت الترجمة له تحت عنوان «تاريخ عمان». ويبدو لنا أن الكتاب الذي أصدرته جمعية هاكلتون بعنوان سلاطين عمان وأئمتها ليس إلا نسخة طبق الأصل من كتاب «كشف الغمة» والغريب في الأمر أن مؤلف كشف الغمة قد حذف الفصل الأول من الكتاب وهو الفصل الذي يتناول هجرة الأزد إلى عمان في القرن الثاني عشر بعد الميلاد»، الفقرة التي رأيت هي تعريب لنص المؤلف التالي:

«This Arabic work, which bears the name of “Kashf al-Ghummeh” or ‘Dispeller of Grief,” was composed at Zikki about the year 1728 A.D., and was discovered at Muscat by Colonel Sir E. C. Ross, whose translation of it was printed at Calcutta in the Journal of the Bengal Asiatic Society, in 1874, under the title of “Annals of Oman”. It may be observed here that an almost verbatim transcription of the “Kashf al-Ghummeh” forms the greater part of the supposititious work issued by the Hakluyt Society, under the name of Imams and Seyyids of Oman, but curiously enough the author, Salil bin Rizak, omits the first chapter of the “Kashf al-Ghummeh” which treats of the Azdite immigration into Oman in the second century after Christ. VOL 1: 16».

فهلم نعرب النص حسب معرفتنا: «هذا المؤلَّف العربي الذي يحمل عنوان (كشف الغمة)، أو (مبدد الكرب) قد ألِّف في زكي (كذا، والصواب: أزكي) في حدود 1728 ميلادية، واكتشف في مسقط بواسطة الكولونيل إي. سي. روس، وطبعت ترجمته في مجلة جمعية البنغال الآسيوية، في 1874 تحت عنوان: (حوليات عمان)، وربما لوحظ هنا أن نسخة حرفية من (كشف الغمة) تشكل القسم الأكبر من الكتاب المنتحل، الصادر عن جمعية “هاكلويت” تحت اسم (أئمة وسادة عمان، لكن اللافت حقًّا قيام المؤلف سليل ابن رزيق بحذف الفصل الأول من (كشف الغمة) الذي يتناول هجرة الأزد إلى عمان في القرن الثاني بعد ميلاد المسيح».

تحتم علينا الموضوعية والإنصاف أن لا نحاسب السيد المترجم على الأخطاء المطبعية في تعريب الفقرة السالفة، ولاسيما أن المؤلف نفسه قد وقع منه مثلها، كما في «Zikki» و Salil bin Rizak لكن لا يسعنا تجاهل الحذف، خصوصاً وأن المؤلف نفسه أخطأ خطأ كبيراً في من سماه Salil bin Rizak، فنقص الحرف (i) حوله إلى «سليل بن رزاق»، بدلا من «Salil bin Ruzaik»، إذ إن اسمه الصحيح هو (حميد بن محمد بن رُزَيق النخلي (ت 1291هـ، 1874م)، وكتابه الذي اتهمه المؤلف بانتحاله هو كتابان لا كتاب واحد، أحدهما (الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين)، والثاني (الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان[20] ).

 نختم قراءتنا للصفحة 39 بهذه الجملة الصغيرة: «وهناك رواية أخرى حول سبب الهجرة، وهو أن كلب أحد عبيد دوس هاجم أحد الرعاة مما دفع العبد إلى قتله، وردَّ صاحب الكلب على ذلك بأن قتل الراعي». وهي تعريب للأصل الإنجليزي التالي:

«Another story is that a herdsman was set on by a dog belonging to a bondsman of Dows, and slew it with his spear, on which the owner of the dog slew the herdsman. Vol 1: 16».

يبدو تعريب هذه الفقرة وكأنه صحيح لا غبار عليه، ومع ذلك يبدو التراكب أو المعاضلة واضحة في عبارة: «مما دفع العبد»، والمراد «مما دفع الراعي». لذلك يكون التعريب الأصوب: «وفي رواية أخرى أن أحد الرعاة هوجم من قبل كلب عائد لأحد عبيد دوس، فقلته برمحه، وردًا عليه قام صاحب الكلب بقتل الراعي».

- على الصفحة 40، نقرأ: «صحيح أن كثيراً من الصراعات القبلية قد تنشب بسبب أمور تافهة، وأما بالنسبة لهذه القضية فمن المحتمل أن تكون قصة الكلب قد اختلطت على الرواة،وأن الأمر كانت حرباً بين بني كلب بن وبرة، وبين فرع من قبيلة قدعة، وأزد سرات، وبالتالي فقد ارتبط ذلك الخلاف بموضوع هجرة الأزد»، أما نص المؤلف الأصلي فهو:

«It is certainly true that tribal feuds have often arisen from trivial affronts, but in this case it is probable that the word for a dog has led to a confusion in the tradition, and that it was a war between the Beni Kelb bin Wabara, who were a branch of the Kodhaa, and the Azd of Sorat, and that this feud was in some way connected with the migratory movement of the latter to Oman. VOL 1: 17».

وتعريب هذه الفقرة هو: «الحقيقة بالتأكيد أن الصراعات القبلية غالباً ما تثور لإهانات تافهة، لكن في هذه الحادثة ربما أن كلمة «كلب» قادت إلى التباس في الرواية، وبذلك وقعت حرب بين بني كلب بن وبرة، وهي فرع من قضاعة، وبين أزد السراة، وكذلك رُبط هذا النِّزاع – بوجه ما – بحركة الهجرة للقبيلة الأخيرة إلى عمان.

 على الصفحة 41 – 42 نقرأ: «ويقال بأن السيدة طريفة زوجة عمر قد تنبأت بانهيار السد وعزت احتمال انهياره إلى وجود فئران فيه، غير أن أحداً لم يهتم بذلك التحذير، ولم يتخذ الترتيبات اللازمة لإصلاح السد وترميمه، فقد تولى الحكم ابن الملك وهو صغير السن جدًّا، إلا أن شخصين آخرين من الأزد، وهما عمر وعمران، وكانا يقيمان في مأرب في ذلك الوقت قد أطاحا بأكران الملك، وأسفر الحادث عن وقوع اضطرابات وخلافات سياسية خطيرة».

جاء هذا التعريب، للأصل الإنجليزي التالي:

«and its destruction had been foretold by Dhareefa, the wife of Amr (“ The Tearer “), who attributed its impending fall to its being gnawed by rats with iron teeth. The Tobba Akran bin Abdul Malik, however, paid no attention to the warning and no steps were taken to strengthen the dam. He had succeeded to the throne when he was very young, and the power had been usurped by two of the Azd, Amran and Amr (“ The Tearer “) who dwelt at Mareb, and much political dissension and trouble was occasioned thereby. vol 1: 18».

وتعريب هذه الفقرة هو:

«وانهياره قد تنبأت به طريفة زوجة عمرو (الممزِّق) التي عزت قرب انهياره المتوقع إلى قرضه بواسطة فئران ذات أسنان حديدية، وعلى كل حال فإن التبع أقرن بن عبد الملك لم يُعِرْ أيَّ اهتمام لهذا التحذير، فلم تتخذ أية خطوات لتقوية السد؛ لأنه ورث العرش عندما كان صغيراً جدًّا، والسلطة قد اغتصبت من قبل اثنين من الأزد هما عمران وعمرو (الممزِّق)، القاطنان في مأرب، الأمر الذي تسبب في كثير من الشقاق والمشاكل السياسية».

لاحظ أنني عربت الاسم الذي رسمه المؤلف: «Dhareefa» بـ«طريفة» بالطاء المشالة المهملة؛ لأنه الصحيح[21] ، وربما وجده المؤلف هكذا في مرجعه، وقد أصاب فيه السيد المترجم، لكنه لم يشر إلى خطأ المؤلف. تبقى في هذه الفقرة لمحتان يحسن التأمل فيهما، أولاهما: (Amr The Tearer)، لقد أغفل السيد المترجم تعريب عبارة «The Tearer»، التي وضعها المؤلف ترجمة للاسم العربي: «مزيقيا»، فمن هو مزيقيا هذا؟ إنه عمرو بن عامر بن مالك، ملك من ملوك اليمن، جَدٌّ لقبيلة الأنصار، يقال إنه لُقِّب بمزيقيا؛ لأنه كان يُمَزِّق كل يوم حُلَّة فيَخْلَعُها على أَصحابه، وقيل: إنه كان يلبس كل يوم حُلَّتين فيُمَزِّقهما بالعشي، ويَكْره أَن يعود فيهما، ويأْنف أن يلبسهما أَحد غيره، وقيل: سُمِّي بذلك؛ لأنه كان يلبس كل يوم ثوباً، فإذا أمسى مَزَّقه ووهبه؛ وقال[22] :

أنا ابن مُزَيْقيا عَمْروٌ، وجدّي

أَبوه عَامِرٌ، ماءُ السماءِ

ومع ما في وضع المؤلف عبارة: (The Tearer) ترجمة لمزيقيا من طرافة فإنها -بدون شك- تبعث في النفس أسى عميقاً حين نضع إحاطة هؤلاء الأجانب بتاريخنا وتراثنا وأعلام حضارتنا، بإزاء جهلنا المطبق بها، نحن ورثة تلك الحضارة والتراث، وما يزيد الأسى حدة أن المؤلف سيعود فيذكر صاحب هذه الشخصية باللقبين: Tearer، وMazeikeya، وبدلاً من أن يستفيد السيد المترجم من تلك الإعادة فإنه تخطاها على عادته من الحذف والشطب.

الثانية: (Tobba Akran bin Abdul Malik) الذي عربه السيد بأكران، وأنه قد أطيح به، متخطيًّا الإشارة -بأي شيء- عن كلمة «Tobba». إن هذا الـ Tobba الذي عربه السيد المترجم بـ«أكران» هو «تُبَّع الأقرن» المسمى «ذا القرنين» الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، وقد مر الحديث عنه في الحلقة الماضية. «التبع»، لقب لملوك اليمن، كما أن «الفرعون» لقب ملوك مصر، و«الشاه» لقب ملوك الفرس.

نوالي مطالعتنا للصفحة 42 فنقرأ: «لقد كان الملك الذي يحكم البلاد في ذلك الوقت هو أكران وكان اسمه الأصلي زيد، وقد حكم من عام 120 إلى 140 بعد الميلاد، بالتالي يمكن اعتبار عام 130 بعد الميلاد هو انهيار السد»، وهي تعريب للنص التالي:

«The reigning Tobba of the Himyarites at this time was Al-Akran, whose real name was Zaid, who ruled from 120 to 140 A.D. The date of the rupture, therefore, may be put down approximately at 130 A.D. Vol 1: 18».

لقد طير السيد المترجم اسم الحاكم وهو تبع، واسم المحكومين وهم الحميريون:

والتعريب الصحيح هو: «كان التبع الحاكم على الحميَريين في هذا الوقت هو الأقرن، واسمه الحقيقي زيد»، وما كان لي أن أقف عند هذه الفقرة لولا خطأ وقع فيه المؤلف، وهو خلطه بين تبع الأقرن، وزيد، فهذا غير ذاك. إن تبع الأقرن بن شَمِر بن يرعش، وهو ذو القرنين المذكور في القرآن، سمي بذلك لشيب كان على قرنيه، وقد مرَّ الحديث عنه في الحلقة الماضية، أما التبع الذي سماه زيداً فهو تبع الأول زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الريش، أو الرائش[23] .

إذا انتقلنا إلى الصفحة 43 نجد الآتي: «وبعد قرن من الزمان قام الساسانيون حكام فارس بإحياء طريق الخليج ونقل تجارة الهند من مصر إلى ريزفون»، وهو تعريب لنص المؤلف:

«a century later the Sassanians, having revived the Persian Gulf route, drew the Indian trade from Egypt to Ctesiphon, Vol 1: 19».

Ctesiphon التي عربها السيد المترجم بـ ريزفون هي مدينة «قطسيفون»، مرت في الحلقة الثانية.

نبقى على الصفحة 43 ونقرأ: «وقد اتجه عمر بن عامر في البداية هو وأتباعه إلى منطقة العق، واحتفت بهم القبائل، وبعد عمر تولى نجله طالب قيادة الجماعة إلى مكة ومنها إلى البحرين». وانظر الفرق بين هذا التعريب والأصل التالي:

«Amr bin Ameer Mazeikeya (or Tearer) with his followers wandered first to the territory of the Akk tribe, the leader of which, Shenluke bin Jubab, received him hospitably. On the death of Amr Mazeikeya, his son Talib led his people on to Mecca, from whence they proceeded to Bahrain.Vol 1: 19».

تعريب النص، كما هو مضمونه في الأصل: «عمرو بن عامر «مزيقيا» مع أتباعه تنقلوا، أولاً، في أراضي قبيلة عك، فاستقبله رئيسها «شملقة بن الجباب[24] » بالترحاب، وغِبَّ وفاة عمرو «مزيقيا»، سار ولده طالب بقبيلته إلى مكة، ومنها واصلوا مسيرهم إلى البحرين».

كان بودي أن ألتمس العذر للسيد المترجم لو لم يقفز على الأعلام الواردة في الأصل؛ بسبب الخطأ الذي وقع فيه المؤلف بوضع الحرف «N» بدلاً من الحرف «M» في اسم (شملقة بن الجباب)، بل وحتى المؤلف يلتمس له العذر فيه؛ إذ ربما وجده هكذا في المصدر الذي أخذه عنه، ومبرر العذر للاثنين، بطبيعة الحال، هو شح المصادر عن «شملقة بن الجباب» هذا مما يضعه في قائمة المجاهيل.

[1]  Persian gulf by Lt, - col, Sir Arnold T. Wison. Hyperson press. Inc. Westport. Connecticut, p:29, 30, 33, 34,44 - 46, 51.

[2]  انظر صفة جزيرة العرب، الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، تحقيق محمد بن علي الأكوع، مركز البحوث والدراسات اليمني، صنعاء، دار الآداب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403هـ، 1983م، ص: 251.

[3]  انظر صفة جزيرة العرب، الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني،مرجع سابق، ص: 277.

[4]  انظر: ويكيبيديا (الموسوعة الحرة)، الرابط:http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D9%88

[5]  new Webster>s dictionary of English Language by Delair publishing co, Inc. USA. 1981.

[6] انظر: من أدب العراق القديم (ترانيم وأدعية سومرية)، د. فيصل الوائلي، دار الوراق للنشر المحدودة، بغداد، الطبعة الأولى، 2007م، ص: 22.

[7]  انظر منتديات عنكاوا، الرابط:http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=186986.0

[8]  انظر: موسوعة المورد، منير بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى، 1983م، جـ8/146.

[9] انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، جـ1/73، 75.

[10]  انظر صفة جزيرة العرب، الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، تحقيق محمد بن علي الأكوع، مرجع سابق، مقدمة الجاسر، ص: 7 - 33.

[11]  انظر: «كتاب صورة الأرض»، تأليف أبي القاسم بن حوقل، دار صادر، بيروت، طبعة مصورة عن طبعة ليدن 1938م، بدون تاريخ، ص: ج.

[12]  Microsoft Encarta, 2007. Microsoft Corporation, DVD.

[13]  انظر: مجلة الواحة، العدد، 36، السنة الثانية عشرة، الربع الأول، سنة 2005، ص: 158 – 159، والهامش 11 منه.

[14]  Microsoft Encarta, 2007. Microsoft Corporation, DVD.

[15]  new Webster's dictionary of English Language by Delair publishing co, Inc. USA. 1981.

[16]  العدد 58 صيف عام 2010م. ص: 11.

[17]  انظر: موسوعة المورد، منير بعلبكي، مرجع سابق، 4/68.

[18]  Microsoft Encarta, 2007. Microsoft Corporation, DVD.

[19]  انظر الواحة، العدد 57، ص:

[20]  انظر: عمان عبر التاريخ، سالم بن حمود بن شامس السيابي، منشورات وزارة التراث القومي والثقافة، بسلطنة عمان، مطبعة سجل العرب، الطبعة الثانية، 1406هـ 1986م، جـ1/5.

[21]  هي طريفة بنت الخير الحجورية، زوجة مزيقياء. انظر: العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية، علي بن الحسن الخزرجي، مرجع سابق، جـ2/22، و23. ووفيات الأعيان، ابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، جـ2/231.

[22]  انظر لسان العرب، ابن منظور، تحقيق عبد الله علي باكثير، محمد أحمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ، (مزق)، جـ6/4194.

[23]  انظر السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام المعافري، قدم لها وعلق عليها وضبطها طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، 1975م، جـ1/16.

[24]  عن شملقة بن الجباب انظر: العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية، علي بن الحسن الخزرجي، عني بتصحيحه وتنقيحه محمد بسيوني عسل، مطبعة الهلال، الفجالة، مصر، 1329هـ، 1911م، جـ1/12.
مدير التحرير
219239