رسالة في وجوب الجهاد على جميع المسلمين لتحرير ليبيا الشيخ حسن علي البدر القطيفي 1278 ـ 1334 هـ / 1862 ـ 1914م
دعوة الموحّدين الى حماية الدين
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 1:28 م - العدد (1)

 

مسألة في قيام الأدلّة والبراهين على وجوب الجهاد في هذه الأيام على كافة المسلمين ، للدفاع عن بيضة الإسلام ، والمحامات عن حوزة المؤمنين ، والمسألة وإن كانت من الضروريات، ولكن أردتُ تنبيه الغافلين، فأقول وبه أستعين
 

 

  بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا، بل جعلهم ملعونين أينما ثقفوا أُخذوا وقتّلوا تقتيلاً، وصلى الله على نبيّه الذي أرسله داعياً للحقّ ودليلاً، وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار، بكرة وأصيلاً.

قال الله تعالى : (ألم، أحسبَ الناسُ أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون. ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين) (1) . وقال الله تعالى : (كلّ نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) (2) .

اللهم إنّا نشكو اليك ما أصبحنا فيه من تفرّق الكلمة، وتشتّت الآراء، وشدّة الفتن، واختلاف الأهواء، وحبّ العافية، والركون الى الدنيا، حتى طمع فينا عبّاد المسيح الذين جعلوك ثالث ثلاثة، وجعلوا يشنّون الغارات على أوطاننا، ويوقعون الوقايع بإخواننا، حتى استولوا على الهند وغيرها، والسند والأندلس وتونس، واستعمروا مصر القاهرة، وأنشبوا مخالبهم بالبحرين وعُمان وأغلب سواحل جزيرة العرب، وشوّشوا إيران، وأخذوا قفقازية، وانتزعوا منّا هذه الأقطار العظيمة وغيرها مما يعجز عنها الحاسب، ويكلّ عن تعدادها قلم الكاتب.

ولم يزلْ يجدّون ونتثاقل، ويرصدون لنا ونتغافلْ، حتى بسطوا أكُفّ عدوانهم الى طرابلس الغرب، وأصبحتْ سُحُبَ مدافعهم تُمطرُ عليها الرصاص، حتى ثلّوا سورها، وخربوا دورها، وقتلوا النساء والرجال والأطفال، ودخلوا بعض الإستحكامات وهم آمنون، كأنّهم قد آمنوا ثورة الأمّة المحمديّة، ولم يرهبوا هيجان رجال الدول الإسلاميّة.

ألم يعلموا أن المسلمين عضوٌ واحدٌ إذا أُصيبَ آخره تألّم أوّلُه؟.

ألم يعلموا أن علماء المسلمين، وزعماء الدين، وإن اختلفوا في وجوب جهاد المشركين في بلادهم [أي في بلاد المشركين](3) وقصدهم الى ديارهم، فقد أجمعوا على وجوب دفاعهم عن بلاد المسلمين. وقضتْ بذلك ضرورة وجدانهم، ودلّتْ عليه الأدلّة الأربعة: الكتاب، والسنّة، ودليل العقل، والإجماع.

1 ـ أمّا الكتاب فآيات :

(الأولى) قوله تعالى في سورة البقرة: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (4) .

(الثانية) قوله تعالى : (فقاتل في سبيل الله لا تكلّف إلاّ نفسك، وحرّض المؤمنين على القتال عسى الله أن يكفّ بأس الذين كفروا والله أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلا) (5) .

(الثالثة) قوله تعالى : (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تُظلَمون) (6) .

(الرابعة) قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) (7) .

(الخامسة) قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً) (8) .

(السادسة) قوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله) (9) .

(السابعة) قوله تعالى: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يُغلب فسوف يؤتيه أجراً عظيماً) (10) .

(الثامنة) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين) (11) .

(التاسعة) قوله تعالى: (يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قومٌ لا يفقهون) (12) .

(العاشرة) قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) (13) . الى غير ذلك من الآيات.

(اقول) أما الآيتان الأوليان، فوضوح دلالتهما بمكان لا ينكر، وأما بقيّة الآيات فتشمل المقام بإطلاقها، وقيام الدليل على اشتراط الإبتدائي منه بشرط لا يخرج غيره عن الإطلاق، بل عدم الإشتراط في المقام من الإجتماعيات المسلمات.   

2 ـ وأمّا السنّة : فأخبار كثيرة نذكر منها طرفاً كافياً.

(فمنها) ما عن أبي عميرة السلمي، قال سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام، فقال إني كنتُ أكثر الغزو، وأبعد في الأجر، وأطيل في الغيبة، فحجر ذلك علي، فما ترى أصلحك الله؟. فقال : إن شئتَ أن أجمل لك أجملت، وإن شئتَ أن ألخص لك لخصت. فقال له : أجمل. فقال : إن الله يحشر الناس على نياتهم .. (الى أن قال الراوي) فقال الرجل : غزوت فوافقت المشركين، أفينبغي قتالهم قبل أن أدعوهم. فقال : إن كان غزواً وقاتلوا فإنك تجزي بذلك، وإن كانوا أقواماً لم يغزوا ولم يقاتلوا، فلم يسعك قتالهم، الحديث(14) .

(ومنها) ما عن محمد بن عيسى عن يونس، قال سأل أبا الحسن رجلٌ وأنا حاضر، أن رجلاً من مواليك بلغه أن رجلاً يعطي سيفاً وقوساً في سبيل الله، فأتاه وأخذهما منه.. (الى أن قال السائل) فإن جاء العدو الى الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع؟. قال : يقاتل عن بيضة الإسلام. قال السائل : يجاهد؟. قال : لا، إلاّ أن يخاف على دار المسلمين .. ـ الى أن قال  ـ وإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل، لأنّ في دروس الإسلام، دروس ذكر محمد .

(ومنها) ما عن الصدوق في (العلل) عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عيسى، مثل ذلك، إلاّ أن فيه: فإن جاء العدو الى الموضع الذي هو فيه مرابط، كيف يصنع؟. قال : يقاتل عن بيضة الإسلام.

(ومنها) ما عن الكليني مستنداً عن الرضا عليه السلام، وهو مثله.

(ومنها) ما عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله قال سألته عن رجل دخل أرض الحرب بأمان فغزى القوم الذين دخل عليهم قوم آخرون . قال : على المسلم أن يمنع عن نفسه ويقاتل عن حكم الله وحكم رسوله، وأما أن يقاتل الكفار على حكم الجور وسنتهم، فلا يحلّ له ذلك.

(ومنها) ما عن قرب الإسناد عن محمد بن عيسى عن الرضا أن يونس سأله وهو حاضر (الى أن قال السائل) فإنه مرابط، فجاءه العدو حتى كاد أن يدخل عليه، كيف يصنع، يقاتل أم لا ؟. فقال له الرضا : إذا كان ذاك كذلك، يقاتل عن بيضة الإسلام، فإن في ذهاب بيضة الإسلام دروس ذكر محمد .

(ومنها) ما في صحيح البخاري، حدثنا ابراهيم بن موسى أخبرنا عبد الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة، أن ابن عباس قال له ولعلي بن عبد الله، ائتيا ابا سعيد الخدري فاسمعا من حديثه، فأتيناه وهو وأخوه في حايط لهما يسقيانه، فلما رآنا جاء فاحتبى، فقال: كنّا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فمرّ به النبي صلى الله عليه وآله ومسح عن رأسه الغبار، وقال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية. عمار يدعوهم الى الى الله ويدعونه الى النار. وفي الصحيح المذكور أيضاً عن أبي موسى، قال جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله. قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله(15) . ويكفيك ما روي مَـنْ إنْ أصبح ولم يهمه أمر المسلمين فليس منهم.

3 ـ وأما دليل العقل : فأما أولاً، فلأنّ الله سبحانه لم يشرّع هذا الدين عبثاً، ولم يقرره جزافاً لما هو الحق، والتحقيق من ثبوت الحسن والقبح العقليين، فلا بد أن يكون لمصلحة عظيمة هان في جنبها تلف النفوس الكثيرة والأموال الخطيرة، وجاز لأجلها تحمّل مثل سيد الأنبياء ما لاقاه من الأهوال العظام، والمشاقّ الجسام، من الإهانة والسخرية والإبتلاء في النفس والذرية.

وهذه المصلحة التي اقتضت الحدوث باقية مستمرة حتى تقوم الساعة، وإلاّ لوجب النسخ، ولم تكن هذه الشريعة خاتمة الشرايع، ولا محمد صلى الله عليه وآله خاتم النبيين، فيجب أن يهون في البقاء ما هان في الحدوث لاتحاد العلّة في المقامين.

وأما ثانياً، فلأنّ الغاية من إيجاد الخلق ليس إلاّ شكر الخالق بالمعرفة والعمل كما هو مفاد الحديث القدسي: كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن اُعرفَ فخلقتُ الخلق لكي أعرف، ومفاد قوله تعالى : (وما خلقتُ الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون). وإنّما تحصل المعرفة الصادقة، والعبارة اللائقة بالإرشادات الدينية، وان استقلّت العقول ببعض الأمور، فإذا ارتفع الدين والعياذ بالله من البين، انتفت فائدة وجود المخلوقين، فيجب عليهم المحافظة على ما لا فائدة في وجودهم لولاه، وهل يلزم من الدفاع إلا المخاطرة بذلك الوجود، وأيّ خطر له بعد انتفاء فائدته، وهي التوصّل به الى شكر من أفاضه، فالمخاطر بنفسه في الدفاع عن الدين إنّما يسعى في الحقيقة الى المحافظة على وجوده.

وأما ثالثاً، فلأن غاية العاقل من هذه الحياة ليس إلاّ الترقّي الدنيوي أو الأخروي، وخيرهما الثاني، بل لا خير في الأول إلا بكونه مقدما للثاني. وكيف كان، فمن المعلوم أن استيلاء المشركين على بلاد المسلمين، يمنع عنهم كلا الترقيـيـن. أما الأخروي فواضح: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم. وأما الدنيوي فلأنه أما العز والشرف، وأما الثروة في المال. فأما الأول فيرتفع بمجرد استيلاء المشركين على بلاد المسلمين، بل ينتقل بذلك الى الأعداء، ولو استعملوا معهم كل العدل وعاملوهم بتمام اللطف. وأما الثاني، فيعلم حاله من ملاحظة أحوال أهل الهند ومصر وتونس وقفقازية وما أشبهها من بلاد المسلمين التي أغتصبتها منهم يد المشركين. سلْ عن ذلك من جاس خلال تلك الديار، وشاهد تلك الآثار، بل سلْ عنها أهلها: سلْ عن النار جسم من عاناها.

4 ـ وأما الإجماع : فذلك أمرٌ لا يخفى على من سبر الكتب الفقهية، ولكن حيث يتعسّر أن أنقل لكَ جميع عباير [عبارات] الفقهاء، فأنقل لك جملة كافية من فتاوى الأساطين، تفيدك بإرسالها الحكم بذلك إرسال المسلمات الإعتقاد الجازم، بأن المسألة من الإجماعيات.. فنقول:

(قال الشهيد الثاني في المسالك) اعلم أن الجهاد على أقسام: أحدها، أن يكون ابتداءً من المسلمين للدعاء الى الإسلام، وهذا هو المشروط بالبلوغ والعقل والحرية والذكوريّة وغيرها، وإذن الإمام أو مَنْ نصّبه، ووجوبه على الكفاية إجماعاً. الثاني، أن يدْهَمَ المسلمين عدوٌ من الكفار يريد الإستيلاء على بلادهم أو أسْرِهم، أو أخذ أموالهم وما أشبهه من الحريم والذريّة. وجهاد هذا القسم ودفعه واجبٌ على الحرّ والعبد والذكر والأنثى ـ إن احتيج اليها ـ ولا يتوقّف على إذن الإمام ولا حضوره، ولا يختص بمن قصدوه [قصده الكفار] من المسلمين، بل يجب على من علم بالحال النهوض إذا لم يعلم قدرة المقصودين على المقاومة، ويتأكّد الوجوب على الأقربين فالأقربين (انتهى) (16) .

(وقال الشيخ الطوسي في المبسوط بعد كلام) : [يجب أن يكون ـ الجهاد الإبتدائي ـ تحت إمام عادل، أو من نصّبه الإمام للجهاد] اللهم إلاّ أن يدْهَمَ المسلمين أمرٌ يخالف معه على بيضة الإسلام، ويُخشى بوراه، أو يخاف على قوم منهم، فإنه يجب حينئذٍ دفاعهم، ويقصد به الدفع عن النفس والإسلام والمؤمنين (انتهى) (17) .

(وقال العلاّمة الحلّي في التذكرة) مسألة: ولو كان الجهاد للدفع وجب مطلقاً، سواء كان هناك إمام أم لا، ولو كان الإمام جايراً جاز القيام معه إذا قصد الدفع عن نفسه وعن المؤمنين، كما لو كان المسلم في دار الكفر في أمان، ودهمهم عدو وخشي على نفسه منه، وجب عليه مساعدتهم (انتهى) (18) .

(وقال في موضع آخر منها) الثاني: إذا نزل بالبلد الكفار، تعيّن على أهله قتالهم ودفعهم.

(وقال في: القواعد) إذا وطأ الكفار دار الإسلام وجب على كل ذي قوّة قتالهم، حتى العبد والمرأة، وانحلّ الحجر عن العبد (الى أن قال) ولو بذل للفقير حاجته وجب(19) .

(وقال في التبصرة) ولا يجوز [الجهاد مع الحاكم الجائر] إلا أن يدهَمَ المسلمين عدوٌ يُخشى عليهم منه فيدفعهم (الى أن قال) والعاجز يجب أن يستنيب مع القدرة، ويجوز لغير العاجز (20).

(وقال السبزواري في الكفاية) ويجب الجهاد إن دَهَم المسلمين عدوٌ يُخشى منه على بيضة الإسلام، وإذا وطأ الكفار دار الإسلام، وجب على كل ذي قوة قتالهم، حتى العبد والمرأة، وانحلّ الحجر عن العبد مع الحاجة اليه (الى أن قال) ويجب المهاجرة عن بلاد الشرك على من يعجز عن إقامة شعائر الإسلام، ولم يكن به عذر من مرض أو غيره.

(وقال المحقق الحلّي في كتاب الشرايع) ويجب المهاجرة من بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعائر الإسلام مع المكنة (الى أن قال) ومع المكنة من إقامة الشعائر، يُستحبّ له المهاجرة لئلاّ يكثر به سواد المشركين(21) . (وقال في المسالك) المراد بشعائر الإسلام: الأمور التي تختص بشرعية الأذان والإقامة وصوم شهر رمضان..الخ.

(وقال السيد في الرياض، بعد نفي الجواز في مواضع) : إلاّ أن يدهم المسلمين عدوٌ يُخشى منه على بيضة الإسلام، فيجب حينئذٍ [الجهاد] بغير إذن الإمام، أو نائبه. أو يكون بين قوم مشركين ويغشاهم عدو، فيجاهد ويقصد الدفاع عن الإسلام وعن نفسه في الحالين (انتهى) (22).

(وقال الشيخ أحمد الجزائري في كتابه : قلائد الدرر. في آيات الأحكام، في أول كتاب الجهاد): وقد يجب عيناً كما إذا دَهَمَ المسلمين العدو، ولم يكن في البعض قوّة على مدافعته (انتهى) (23).

(وقال في تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم) : ولكن قد يجب الجهاد دفاعاً عن بيضة الإسلام إذا غشيهم العدو، أو عن جماعة من المسلمين كما أشرنا اليه (انتهى).

(وقال أيضاً في موضع آخر) : والحكم بوجوب الهجرة من بلاد الشرك التي لا يمكنهم فيها إقامة شعائر الإسلام مستمر، لعموم الأدلة ووجود المقتضى وهو الكفر الذي يعجز معه من إظهار شعائر الإسلام، وبذلك صرح في (النهاية والقواعد) وغيره من علمائنا (انتهى) (24) .

(وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم) : وبها استدلّ الفقهاء على عدم جواز استيطان المشركين مكة وأرض الحجاز كالمدينة والطائف وما والاهما، بل قيل لا يجوز استيطانهم جزيرة العرب لشرفها بكونها منزلاً للعرب، الذين منهم النبي صلى الله عليه وآله، وقد روي عن ابن عباس أن النبي أوصى بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وقال لا يجتمع دينان في جزيرة العرب. وقال لاخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ولا أترك فيها إلا مسلماً.

(وقال الشيخ في: الجواهر) الثاني: أن يدهم المسلمين عدو من الكفار يخشى منه على البيضة، أو يريد الإستيلاء على بلادهم وأسرهم وأخذ أموالهم، وهذا [الجهاد] واجب على الحر والعبد والذكر والإنثى، والسليم والمريض والأعمى والأعرج وغيرهم من احتيج اليهم، ولا يتوقف [هذا الجهاد] على حضور الإمام أو نائبه، ولا يختص بمن قصدوه من المسلمين، بل يجب على من علم بالحال النهوض إذا لم يعلم  قدرة المقصودين على المقاومة، ويتأكد الوجوب على الأقربين فالأقربين (انتهى) (25) .

(وقال سيدنا السيد محمد الهندي في شرح الشرايع) : ويجب المحاربة على وجه الدفع من دون وجود الإمام ولا منصوبه، إذا خُشي من عدو على بيضة الإسلام أو على النفس، أو كان العدو مريداً للإستيلاء على بلادهم أو أسرهم، أو أخذ أموالهم. (الى أن قال) بل عن ظاهر غير واحد، كون الدفاع عن بيضة الإسلام مع هجوم العدو ولو في زمن الغيبة من الجهاد (انتهى) (26) .

(وقال الشيخ الكبير في كشف الغطاء، بعد أن قسّم الجهاد الى أقسام) خامسها: محاربة المشركين للدخول في الإسلام، واشترط في هذا القسم وجود الإمام، ولا يشترط في الأقسام الأربعة المتقدمة ذلك، فإن الحكم فيها أنه إن حضر الإمام عليه السلام، وثنيت له الوسادة، توقف على قيامه أو قيام نائبه الخاص، وإن حضر ولم يتمكن أو كان غائباً، وقام مقامه النائب العام من المجتهدين، الأفضل فالأفضل، فهو أولى. فإن عجز المجتهدون عن القيام به، وجب على كل من له قابلية السياسة وتدبير الحرب، وجمع العساكر، إذا توقّف الأمر على ذلك، القيام به. وتجب على المسلمين طاعته، كما تجب عليهم طاعته طاعة المجتهدين في الأحكام، ومن عصاه فكأنما عصى الإمام.

(وقال في كشف الغطاء أيضاً)ثانيها: الجهاد لدفع الملاعين عن التسلّط على دماء المسلمين وأعراضهم، بالتعرض بالزنا بنسائهم واللواط بأولادهم، ويجب على من غاب أو حضر، مع عدم قيام الحاضرين به، ويجوز للرئيس المطاع في هذا القسم أن يأخذ من أموال المسلمين ما يتوقّف عليه دفع عدوهم مع قيامهم بالدفع مع حضور الإمام عليه السلام، وعدم تسلّطه أو غيبته، وحضور المجتهد وغيبته، وطلب الإذن أولى. (ثالثها) الجهاد لدفعهم عن طائفة من المسلمين التقت مع طائفة من الكفار فخيفَ من استيلائهم عليها. (رابعها) الجهاد لدفعهم عن بلدان الإسلام وقراهم وأراضيهم، وإخراجهم منها بعد التسلّط عليها وإصلاح بيضة الإسلام بعد كسرها، وسدّها بعد ثلمتها، والسعي في نجات المسلمين من أيدي الكفرة الملاعين، ويجب على المسلمين الحاضرين والغائبين، إن لم يكن في الثغور من يقوم بدفعهم عن أرضهم، أن يتركوا عيالهم وأطفالهم وأموالهم ويهاجروا الى دفع أعداء الله عن أولياء الله، فمن كان عنده جاه بذل جاهه، أو مال بذل ماله، أو سلاح بذل سلاحه، أو حيلة أو تدبير صرفها في هذا المقام لحفظ بيضة الإسلام، وأهل الإسلام، من تسلّط الكفرة اللئام. وهذا القسم أفضل أقسام الجهاد، وأعظم الوسائل الى ربّ العباد، وأفضل من الجهاد لرد الكفار الى الإسلام، كما كان في زمان النبي عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، ومن قتل في تلك الأقسام يقف مع الشهداء يوم المحشر. هذا هو والله الشهيد الأكبر، والسعيد من قتل بين الصفوف، فإنه عند الله بمنزلة الشهداء المقتولين مع الحسين عليه السلام يوم الطفوف، وقد زخرفت لهم الجنان، وانتظرتهم الحور والولدان، وهم في القيامة أضياف سيد الإنس والجان. فمن علم بأنه يجب عليه أن يقبل مني الكلام، ويأخذ عني الأحكام الواردة عن سيد الأنام فليخرج سيفه من غمده، ويرفع رمحه من بعده، وينادي بأعلى صوته: أين غيرة الإسلام؟. أين الطالبون بثار شريعة سيد الأنام؟ أين من باعوا أنفسهم بالجنان والحور والولدان في رضاء الرب الرؤوف الرحمن؟ أين الطالبون لأن يكونوا مع شهداء كربلاء؟ أين المدافعون عن شريعة سيد الأنبياء؟(27) .

(وقال في: الأحكام) (رابع عشرها) انه يجب على العلماء إعانة الرئيس المتوجه لدفع الكفار وحفظ بيضة الإسلام مع ضعف المسلمين، ووعظ الناس ونصحهم وأمرهم بالمعروف والإجتهاد في الجهاد (الى أن قال) وأن ينادوا في الناس: أين غيرة الإسلام والمجتهدون في نصرة خاتم الأنبياء أين الآخذون بثأر شهيد كربلاء؟. أيها الناس: الدنيا دار الفناء ليس لكم فيها مقر، والموت أمامكم ولا خلاص لكم منه، فبيعوا أنفسكم برضا الله والجنة، قبل أن تموتوا مع الخيبة والخسران والحرمان من الجنة ونعيمها والحور والولدان (انتهى كلامه رفع مقامه).

(أقول) انظر الى كلام هؤلاء الأساطين، وبمثله أفتى بقية العلماء الماضين، وعلى هذا المنوال نسجت مشاهير علمائنا الباقين من علماء النجف الأشرف، يؤمهم في ذلك شيخ الطائفة وصدوقها حضرة آية الله العلاّمة الثاني الشيخ ملا كاظم الخراساني، مدّ الله ظلّهم العالي على العالمين، وأيّد بهم شريعة سيد المرسلين، بما حكته عنهم كتابتهم الصادرة عنهم في هذه الأيام المطبوعة في النجف الأشرف في (مطبعة الحبل المتين) استنهضوا فيها كافة أهل الإسلام للدفاع عن الشريعة المحمديّة، والذبّ والمحامات عن الجامعة الإسلامية، وفق الله المسلمين الى الإنتفاع باستماعها، والأخذ بحظّهم من العمل بمضمونها، ونعوذ بالله أن نكون نحن الذين وصفهم سيد المرسلين بقوله : يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة الى قصعتها. قال قائل: أومن قلّة ذلك يا رسول الله؟. قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله عن قلوب عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن. قال: وما الوهن؟ قال : حب الدنيا، وكراهة الموت.

وفي هذا القدر كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

وقع الفراغ منها يوم 25 شوال 1329هـ، وطُبعت في ثامن ذي القعدة.
 

 

ملحق: فتوى علماء النجف للجهاد ضد الطليان المستعمرين لليبيا

  بسم الله الرحمن الرحيم

الى كافة المسلمين الموحدين، وممّن جمعتنا وإيّاهم جامعة الدين، والإقرار بمحمد سيد المرسلين.

السلام عليكم أيّها المحامون عن التوحيد، والمدافعون عن الدين، والحافظون لبيضة الإسلام.

لا يخفى عليكم أن الجهاد لدفع هجوم الكفار على بلاد الإسلام وثغوره، مما قام إجماع المسلمين وضرورة الدين على وجوبه. قال الله سبحانه (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله).

هذه كفرة ايطاليا قد هجموا على طرابلس الغرب، التي هي من أعظم الممالك الإسلامية وأهمّها، فخربوا عامرها، وأبادوا أبنيتها، وقتلوا رجالها ونساءها وأطفالها.

ما لكم تبلغكم دعوة الإسلام فلا تجيبون؟. وتوافيكم صرخة المسلمين فلا تغيثون؟ أتنتظرون أن يزحف الكفار الى بيت الله الحرام، وحرم النبي والأئمة عليهم السلام، ويمحوا الديانة الإسلامية عن شرق الأرض وغربها، وتكونوا معشر المسلمين أذلّ من قوم سبأ؟.

فالله الله في التوحيد، الله الله في الرسالة، الله الله في نواميس الدين، وقواعد الشرع المبين. فما بعد التوحيد إلاّ التثليث، ولا بعد الإقرار بمحمد إلاّ عبادة المسيح، ولا بعد استقبال الكعبة إلاّ تعليق الصليب، ولا بعد الأذان إلاّ قرع النواقيس.

فبادروا الى ما افترضه الله عليكم من الجهاد في سبيله، واتفقوا ولا تفرّقوا، واجمعوا كلمتكم، وابذلوا أموالكم، وخذوا حذركم، وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم، لئلا يفوت وقت الدفاع وأنتم غافلون، وينقضي زمن الجهاد وأنتم متثاقلون (وليحذر الذين يخافون من أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).

تواقيع / 1 ـ خادم الشريعة المطهرة، محمد كاظم الخراساني 2 ـ الأحقر الجاني، عبد الله المازندراني 3 ـ الجاني، شيخ الشريعة الأصفهاني 4 ـ الأقلّ، علي رفيش 5 ـ أقلّ خدّام الشريعة، محمد حسين القمشة 6 ـ أقل خدّام الشريعة الغرّاء، حسن بن المرحوم صاحب الجواهر 7 ـ الأحقر الجاني، السيد علي التبريزي 8 ـ الأقلّ الجاني، مصطفى الحسيني الكاشاني 9 ـ الراجي عفو ربّه الغفور، محمد آل الشيخ صاحب الجواهر 10 ـ الراجي عفو ربّه الغفور، محمد جواد الشيخ مشكور 11 ـ الأحقر، جعفر بن المرحوم الشيخ عبد الحسن 12 ـ بسم الله الناصر المعين.. وبه نستعين، محمد سعيد الحبوبي.
 


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) سورة العنكبوت، آية 1-2

(2) سورة الأنبياء ، آية 35

(3) يختلف الفقهاء في موضوع الجهاد ضد المشركين من حيث قسميه: الجهاد الإبتدائي والجهاد الدفاعي. والأول: بأن يقصد المسمون المشركين في بلادهم للحرب. والثاني: بأن يجاهد المسلمون في دفع المشركين عن غزو بلاد المسلمين. وقد اختلف الفقهاء بالنسبة للقسم الأول من الجهاد الإبتدائي، فقال بعضهم أنه في حال غاب الإمام جاز الجهاد مع الفقيه الجامع للشرائط، وذلك لإطلاقات أدلّة الجهاد، ولا مانع ولا مخصص لها. وبعض آخر من الفقهاء قال أن الجهاد لا يتمّ إلا مع الإمام أو نائبه الخاص. أما بالنسبة للجهاد الدفاعي، فقد اتفق الفقهاء جميعاً بأنه لا يلزم إذن الفقيه، بل يكفي حصول الأذى وتحقق الضرورة في الدفاع عن ثغر من ثغور الإسلام أمام هجمة الكفار.

(4) البقرة، آية 190

(5) سورة النساء ، آية 84

(6) سورة الأنفال 60

(7) سورة التوبة، 36

(8) سورة النساء، 71

(9) سورة النساء، 75

(10) سورة النساء 74

(11) سورة التوبة ، 123

(12) سورة الأنفال، 65

(13) سورة التوبة 73

(14) الوسائل للعاملي، جزء 11، ص 30. والفروع للكليني، جزء 5، ص 20. والتهذيب للطوسي، جزء 2 ص 47

(15) صحيح البخاري، الجزء الرابع، ص 250، باب (مسح الغبار عن الناس في السبيل).

(16) مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي الجعبي، الجزء الأول، ص 116.

(17) المبسوط في فقه الإمامية، الطوسي، الجزء الثاني، ص 8.

(18) تذكرة الفقهاء، تصنيف العلامة الشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف الحلّي (ت ـ 726هـ).

(19) قواعد الأحكام، للحسن بن يوسف بن علي المطهر، الجزء الأول، ص 100و 101

(20) تبصرة المتعلمين في أحكام الدين، للعلامة الحسن بن يوسف الحلي، شرح السيد صادق الشيرازي، الجزء الأول (كتاب الجهاد).

(21) شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، المحقق الحلّي، الجزء الأول ص 232

(22) رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، آية الله المحقق السيد علي الطباطبائي.

(23) قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر، الشيخ أحمد الجزائري، جزء 2، ص 132.

(24) المصدر الصابق، جزء 2، ص 135

(25) جواهر الكلام في شرائع الإسلام، موسوعة فقهية للشيخ محمد حسن النجفي، الجزء 21.

(26)  شوارع الأعلام في شرح شرائع الإسلام، باب الجهاد، للسيد محمد الهندي النجفي.

(27) كشف الغطاء عن خفيات مبهمات الشريعة الغراء، باب الجهاد، للشيخ جعفر ابن الشخ خضر الحلاوي النجفي (توفي 1228هـ).

 

 

319914