قراءة في كتاب.. وجع إمرأة عربية
وجع خاص لـ (كلثم جبر)
محمد الجلواح * - 19 / 2 / 2011م - 9:20 ص - العدد (15)

أغلقت الآن الصفحة الثالثة عشرة بعد المائة من (أضمومة) قصصية بلغت إحدى عشرة قصة سبقتها مقدمة للناقد والأديب المصري المعروف رجاء النقاش.. عنوانها..(وجع إمرأة عربية).. للكاتبة القطرية الدكتورة كلثم جبر.. من مطبوعات عام 1414هجرية-1993م.

-أغلقت هذه الصفحة وبإغلاقها إغلقت المجموعة بعد مكثها مدة طويلة لدي تنتظر دورها حيناً.. وتصدني ظروف أخرى عنها.. حيناً أخر..

وبشيء من الإقتراب والصراحة والوضوح.. تجاه هذه المجموعة.. أترك للقلم العنان ليكتب بكل تجرد.. ودون مجاملة.. فالأدب لا محاباة فيه..

-وجع إمرأة عربية.. عنوان مثير.. يغري باقتناص الكتاب اتكاءاً على المفهوم الرابض في الرأس.. أن: الكتاب يقرأ من عنوانه.. فأنت أول ما تقع عيونك على هذا العنوان.. يتبادر إلى ذهنك من خلاله أن هذه الكاتبة أو المجموعة.. ستتناول.. (أوجاعاً) خاصة.. للمرأة العربية بشكل عام.. لا يمكن أن يقف عليها أو يجسدها.. أحد.. بدقة.. كالمرأة نفسها..

وإذ أنت تقرأ القصة التي حملت عنوان الكتاب، واستهلت بها المجموعة.. لا ترى-حقيقة- إلا قصة تعكس صورة خاصة من صور الترف الاجتماعي والفكري.. لا تعني كل إمرأة عربية، وبوجع لا يصيب كل النساء العربيات.. بل تتحدث عن.. سيدة (مضطربة العواطف).. تسافر وحدها خارج بلادها.ز بل خارج وطنها العربي، مع الإشارة إلى أن هذه السيدة. . هي إحدى المواطنات الخليجيات وسفرها هذا.. يبدو للعلاج.. فتتوالى معها.. أحداث ومواقف، وذكريات.. إلخ، وتعود إلى بلادها.. لينتظرها.. زوجها، وطفلها -وهنا.. قد تكون الكاتبة لبست جلباب الدم، والجنس العربي.. في إطلاقها اسم (وجع إمرأة عربية).. على إعتبار أنها عربية، وهذا هو وجعها.. وهذه النظرة السطحية -على الأقل- للعنوان..

ولكن هذا أمر خاص.. ولا يمكن أن نجعل -دائماً.. أو غالباً- من الأمر الخاص.. هماً عاماً كما يفعل الكثير من الكتاب.. فليس كل النساء العربيات يسافرن إلى أوروبا لوحدهن.. للعلاج.. أو غيره، وليس كلهن يحملن مشاعر (ثانوية).. لأشخاص آخرين..

-وسأعود لبعض الملاحظات على هذه القصة.. في معرض القصص التي حملتها المجموعة بين دفتيها.. بعد قليل..

-وفي رأي القروي المتواضع.. فإن القصص عادية جداً وتفاصيلها.. وإسهابها لا يشد القاريء كثيراً.. بل هي تفقده عوامل الإدهاش، وتنقصها الحبكة والنسق القصصي المعروف، وكذلك المفاجأة، والجذب.. أما الوحدة الموضوعية.. أو العضوية.. كما يسميها البعض.. فهي من أبرز العناصر المفقودة في المجموعة.. بل إنك تصطدم بمقطوعات، وعبارات لا علاقة لها.. أصلاً.. بما قبلها، وما بعدها.. مطلقاً.. وسأقدم بعض الشواهد. في السطور الخاصة بكل قصة..

ورغم ذلك كله فلم تخلوا المجموعة-حقيقة - من عبارات شاعرية جميلة، وأفكار شابه ناهضة.. توميء بتمرد ملحوظ، للبحث عن المزيد من الهواء الصافي.. خارج الأشياء البالية التي تكبلنا.. وعن المزيد من اتقاء الإختناق المهيمن على جوانب كثيرة من حياة المرأة الخليجية، والعربية والشرقية بصفة عامة.

ولا شك أن كاتبة مبدعة خليجية نفخر بقلمها وهي الدكتورة كلثم جبر استطاعت أن تقدم للمكتبة العربية مجموعتها الثانية هذه (المجموعة الأولى بعنوان: أنت، وغابة الصمت والتردد).. لهي حرية، وجديرة.. أن تجعل من مجموعتها الثالثة المقبلة.. بصمة فارقة مميزة في القلم الخليجي المبدع.. لأنها -صراحة- تملك كل مقومات الإبداع الحقيقي..

القصص: اقتراب أكثر:

1- وجع إمرأة عربية:

1- في صفحة 25 ترد هذه العبارة: أمد يداً مرتجفة لتناول القهوة.. لكنه يندلق في فتحة صدري. والسؤال: إلى من يعود الضمير في كلمة..(لكنه)؟.

2- ترد كلمة (البوهيمية) في المجموعة كلها، وهي خطأ شائع، والصحيح (البهيمية)..

3- في الحوار الذي جرى بين صاحب الوجه والصوت الذي تعرفه تلك المريضة.. قالت في إحدى إجاباتها بعد أن طلب منها أن تقول له..: (أحبك).. قالت..: غير قادرة..، وهذه العبارة.. تفتح -في ظاهرها- تساؤلات كثيرة.. منها:: هل هي تحبه ، ولكن لأنها متزوجة.. تكون (غير قادرة) أو: هل هي ترغب في خيانة زوجها، ولكن تعيش في داخلها صراعات وتيارات..إلخ، فإن هي لم تكن كذلك.. فلماذا.. لم توصد عليه أول باب قدم منه منذ البداية.. وينتهي الأمر.. رغم محاولاته المتكررة..؟!.

4- أعجبني كثيراً هذا المقطع الذي يضج بالتصوير الرائع..:

(الصوت صدئ.. أبتعد بوجهي، ونظراتي عنه، وأهز جذوع الذاكرة لعل الوجه هذا يسقط منه، وأعيه.. لكن يخذلني رأسي، ويرتفع جامداً.. فأتساءل ببراءة: من أنت؟) صفحة27.

2- الصهد والرحيل:

تشابك أخطبوطي في الفكرة المطروحة.. فلا ربط-فيما أرى- بين روضة الأطفال والموظف الذي عند الوالد، وبين الشاعر الجاهلي (إمرئ القيس) والشعراء الآخرين، وبين رجل الأمن، وبين عبارة: الحق، والعدل، والخير.. إلا إذا نادينا.. التأويل..

وتلك الكلمات الثلاث آنفة الذكر.. هي كلمات رقيقة. وهادئة إلى جانب عظم معناها.. ولا أعتقد أنها توحي بالرعب للأطفال كما ذكرت الكاتبة.. (قد أكون أرعبت الأطفال بهذه الكلمات…) صفحة 35.

- ثم ما هو الربط المعنوي بين تشريح الجثة.. والهرووب إلى المثالية..؟ ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى وجود مقاطع  جميلة، وأحياناً طريفة، ورقيقة في هذه القصة.. مثلاً:

1- (وصدى ضحكات أستاذي الجامعي.. المصلوب ببزته فوق وجهي.. أمسح وجهي من صدى ضحكاته.. االلزجة!) صفحة 36.

2- (أنا رفيقة الصمت.. ولكن معك.. أمقته..) صفحة 36.. هذه صورة رائعة بل جديدة.. فيما أحسب.

3- (عيناه.. لعينيه سحر عجيب..) صفحة 37.. اللَّه.. هذا الانتقال بليغ وجميل.. ولكن فيما يحاول القارئ أن يلملم خيوط الأحداث في القصة.. كقصة.. يصطدم بمقطع نشاز، ومزعج لا يتواءم مطلقاً مع سابقه، ولا لاحقة.. في السياق العام..

.. (كان منكباً.. فوق الورق بعروق جبته النافرة.. يلتهم الكلمات، وكنت أبحث عن عينيه.. أحرقته نظراتي.. رفع وجهه، رآني وفزع..) إلخ صفحة 38.

4- في هذه القصة وفي أغلب قصص المجموعة.. تقع الكاتبة في بعض الأخطاء الشائعة المعاصرة المنتشرة في أغلب وسائل الإعلام.. مثل.. والذي.. الواو التي لم تسبقها كلمة مشابهة.. مثل: (ويدهش من عدم معرفتي به والذي أستنكره في لحظة وعيي هذه..).. هنا لم تمر قبل كلمة (والذي).. كلمة متشابهة حتى يمكن أن نضيف واو العطف: (والصواب).. (معرفتي به والذي أستنكره..) كما توجد كلمة (بدون).. والصواب.. دون..

وقد وردت في صفحة 43 من القصة مدار الحديث..: رأيت (نزار) -كذا- ينزف، و(بايرون) -كذا-، الوصواب رأيت نزاراً  و بايروناً..

3- ميلاد جديد..

محاولة للبوح عن التمرد، والخروج على المألوف، والتجرد من كل الانتماءات بما فيها الاسم والوطن. في لحظات اللاوعي التي تلبس الإنسان أحياناً حينما يجد نفسه بعيداً عن كل ذلك.. وعلى غير إرادته..

ولكن حينما يعود الإنسان إلى واقعه ووعيه.. يؤول به الأمر إلى (البحث) عن كل ما كان يهرب منه.. ومنها تلك الانتماءات.. بعد السقوط في الغربة، والجوع، والصعلكة، والخوف، والرغبة.. للانتماء.. والوطن.

وعلى ذكر.. الصعلكة.. ففي هذه القصة صور حية. نمارسها جميعاً حينما نريد.. أن (نتصعلك).. كل.. على طريقته الخاصة.

تبقى النقطة الأخيرة هنا…: (قررت أن أسافر.. بدون حقيبة..)، والصحيح.. (دون حقيبة..) كما أشرت إلى ذلك قبل قليل..

4- الصندوق الخامس:

-لم أفهم القصة، وخفقت في إيجاد خط واضح لإمكانية الربط المعنوي العام فيها وإن كانت الكاتبة تستخدم هنا طريقة (الفلاش)- في العرض، رغم وجود ملامح بعيدة تريد أن تسقطها الكاتبة على صور متعددة ومتباينة عن طريق الرسائل، ولكنها خفقت -حسب زعمي- في إيصال ذلك إلى المتلقي وقبل مغادرة القصة.. أطرح هذا السؤال: لم أفهم.. كيف تقطن تلك الفتاة في الصندوق الخامس؟

5- شجرة السنديان العجوز..

هي شجرة سنديان عجوز.. يتماهى فيها الوجع، والفرح، والغضب، والقرية، والعرس.. ليكونوا.. جميعاً.. مهراً لها!

وفي هذه القصة.. قرأت هذا المقطع الوارد في صفحة 68.. ست مرات، ولم أفهمه.. (ولكن اللؤلؤ الذي تداولته أيدي رهط الغرباء، ويداك بتلك الليلة المدلهمة، حبات عقد مهر فرح القرية الذي أعلن عن سرقته، حيث لا فرح يعم القرية باختفائه..) أرجو التوضيح..

6- الحصار..

قصة عادية استهلكت ست صفحات لحدث واحد فقط في ثرثرة طاغية لتقول لنا في السطر الأخير من القصة..: (الحب هو أن لا أغتالك في زمن الجدب والقحط..) صفحة 89، وهذه العبارة هي أروع ما في هذه القصة.

7- البريء..

هذه القصة الأولى من ثلاث قصص فقط أعجبتني كثيراً في هذه المجموعة.. كلها.. فهي قصة تجبرك على مسايرتها، وتقدم لك صور التحفز للمتابعة، وتتناول هما.. عربياً عاماً، وفيها تفوقت الدكتورة كلثم جبر على قلمها المترف، وأفكارها المتناثرة، وهمومها الأخطبوطية..

لكن يبقى المقطع الأخير محل تساؤل، ولا يقبل هنا (الفنتازيا).. وهو أنه كيف يقال لهذا البريء.. (أنت بريء)، وهو خارج مبنى المطار..، والحال أن يقال ذلك قبل مغادرته المبنى.. أليس كذلك؟!.

8- الحلم..

هذه اللوحة الثانية التي تصالحت معها، وتصالحت معي بعد (البريء)، وبخاصة.. أن السيدة كلثم جبر.. تتفوق على قلمها مرة أخرى في (التكثيف) و (الاختزال) و (الاختصار) وجميع العبارات (الكيميائية) الأخرى اللازمة!، فلقد برعت في إيصال المعنى إلى المتلقي بتناول موقف في هذه القصة.. ابتداء.. من اختيار اسم القصة حتى نهايتها..

9- باقة العشب البري..

لا يمكن إلا أن تكون خاطرة خاصة.. عادية.. تجيش في داخل الكاتبة.. لكونها تمارس مهنتها الإنسانية من واقع عملها في الميدان الطبي! فقط.

10- الانكسار..

القصة الثالثة الرائعة والأخيرة في المجموعة محل إعجابي.. تناول جيد، موضوع إنساني رفيع، هم.. يماشي صاحب القصة، إسقاطات اجتماعية رائعة.. في عمل يتصالح التوفيق فيه مع الكاتبة.

11- الوجه الآخر..

ما قالته عن قصة (الحصار).. ينسحب على هذه القصة التي لا تخرج أيضاً -كمعظم قصص المجموعة- عن محيط العمل الطبي الذي تمارسه الكاتبة بيد أن هنا.. انعكاس آخر يعرض بعض ضحايا التجارب المختبرية، وهي فقد أحد أعضاء الجسم، أو تشويهها، أو تعطيلها، وما يصاحب ذلك من معاناة، وألم على كل المستويات. وفي هذه القصة تتناول الكاتبة -بعد عرض طويل- جملة تريد أن تقولها.. في النهاية.. وهي..

لن أتزوج يا أمي من رجل يرى وجهي.. محروقاً..

أو.. هكذا.. فهمت نهايتها..

وتبقى الملاحظة الأخيرة..

وهي أن معظم قصص المجموعة تبدو ملامحها، وأحداثها في آخرها، وفي رأيي.. أن هذا هو سلاح ذو حدين بالنسبة للمتلقي..

فمن جهة قد يكون الإسهاب الأولي في أحداث متعلقة بالقصة.. (فرشا) للأحداث اللاحقة المقتربة من النهاية وتشويقاً لها، وهذه حسنة يرى بعض النقاد وجوبها في النص، وبخاصة الرويات والأعمال المسرحية، ولمن يعشقون القراءة..

ومن جهة أخرى يرى آخرون أن الكاتب المعاصر يجب أن يأخذ القارئ مباشرة إلى ما يريد قوله دون عرض أو تطويل.. لإمكانية ملاحقة إيقاعات الأشياء الكثيرة المتسارعة في الحياة…

….

أخيراً.. وجع امرأة عربية.. محاولة.. لتقديم بعض الأحلام في صورة.. ننتظر من مبدعتها.. أختاً ؟أجمل منها.. وهل لا شك قادرة.

شاعر وكاتب
323502