أضواء على تقارير الرحالة الغربيين عن الواحة
فيصل الناصر - 20 / 2 / 2011م - 6:24 ص - العدد (16)

تقديم

تقارير وروايات الرحالة الذين زاروا الواحة تحمل في ثناياها معلومات ثمينة عن الأوضاع الاجتماعية العامة السائدة في فترات متفاوتة، سيما فيما يتصل منها بالمناشط الاقتصادية وانعكاساتها على أحوال السكان المحليين، وما تمثله تلك المناشط بوصفها ملمحاً مميزاً في هوية المجتمع المحلي للواحة وانفرازه عن باقي المجتمعات المجاورة. ورغم ما يلزم القارئ والمطلع على كتابات الرحالة عرباً وأجانب من حيطة في التعامل مع بعض هذه الكتابات لما فيها من هنّات ومغالطات أحيانا قد يشير الرحالة نفسه إليها، ولربما وقع فيها على سبيل السهو أو لجهل فيما يرويه. فبركهاردت، على سبيل المثال، وهو يتحدث عن قبائل الجزيرة العربية لا يتردد في أكثر من موقع في نسبة بعض أفخاذ من قبائل شمر وحرب وغيرهما إلى المذهب الفارسي (إشارة إلى المذهب الشيعي الاثني عشري). ولا يخفى ما في نسبة المذهب الشيعي إلى الفارسي من مغالطة ليست تاريخية فحسب، بل وعلمية وأيضاً أخلاقية متصلة بصورة مباشرة بأمانة الناقل وشرف مهنته. هذا رغم أن بركهاردت أبلغنا بوضوح بما نصه:"إنني لا أملك المعرفة الكافية التي تؤهلني لتناول موضوع الانقسام بين المسلمين إلى سنة وشيعة كيما أقدم للقارئ تفاصيل كاملة حول الموضوع"[1] .

وتبقى، رغم ذلك، ملاحظات بركهاردت حول الجزيرة العربية في بداية القرن التاسع عشر الميلادي من المصادر المهمة. بدأ بركهاردت رحلته في فبراير سنة 1812، وفي يوليو 1816 وصل إلى الحجاز التي كانت قاعدة انطلاقه للتعرف على القبائل الكبيرة في الجزيرة العربية، حيث أخذ يدوّن كل ما يعرفه عن تلك القبائل وما هي نشاطاتها وفروعها وامتداداتها وعدد أفرادها بل وحتى معتقدها الديني والمذهبي. وجاء بعده رحالة آخرون أفادوا من تجربة بركهاردت وربما نقلوا عنه بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة ولربما تأثروا بالانطباعات والملاحظات التي دوّنها في تقارير رحلته التي انتظمت فيما بعد في شكل كتاب مازال يمثل من المصادر الرئيسية عن الجزيرة العربية في الربع الأول من القرن التاسع.

النشاط الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي في الواحة

جيه. جي لوريمر ترك سجلاً مثيراً للجدل حول منطقة الخليج وعمان ووسط الجزيرة العربية. فما زال لوريمر، رغم علامات الاستفهام التي تحاصر كل تجربته، يفرض بسجله الزاخر بالمعلومات الفريدة سلطة شديدة التأثير على الباحثين والمهتمين بالمنطقة. يقدم لنا لوريمر صورة تكاد تقلب الاعتقاد المتنامي حول أنماط العيش والاستقرار في منطقة الواحة. ففي تقديره لإجمالي عدد سكان سنجق الأحساء متضمناً مدن الهفوف (البالغ عدد سكانها 25 ألفاً) والمبرز (والبالغ عدد سكانها ثمانية آلاف وخمسمائة نسمة) بنحو 67,000 ألفاً. فيما قدّر عدد سكان واحة القطيف، وتشمل مدينة القطيف (البالغ عدد سكانها عشرة آلاف نسمة) بحوالي 26 ألف نسمة، يضاف إلى ذلك قصر الصبيح (ألف نسمة) وجزيرة تاروت (ثلاثة آلاف وخمسمائة نسمة). ويمثل الرقم الإجمالي البالغ نحو 101 ألف نسمة السكان المستقرين في منطقة الواحة.

أما بالنسبة للمجتمع البدوي أو غير المستقر، فيقدره لوريمر بنحو 57 ألفاً فقط، وذلك على النحو التالي: قبيلة العجمان ويقدر عددها بنحو 35 ألف نسمة، وبني هاجر (خمسة آلاف نسمة) وبني خالد بعد استثناء قبيلة بني خالد المستقرة في جزيرة المسلمية وجنّه وتاروت والصبيح..) ويقدر عددها بنحو 10 آلاف، وقبيلة المرة ويقدرها تعدادها بنحو 7 آلاف نسمة.

ويظهر من الأرقام الواردة أن نسبة السكان المستقرين إلى غير المستقرين تعادل الضعف تقريباً[2] .

ورغم ذلك تبقى مسألة الإحصاء السكاني للواحة لغزاً لم يسطع الرحالة بل والباحثون حله. لقد سبق زويمر رحالة غربيون آخرون وهم الكابتن ساديلر (1819) وبلجريف (1836) والكولونيل بيلي (1865). الأول أعطى تقديراً لعدد سكان الهفوف بنحو 15 ألفاً وبلجريف تحدث عن 20 ألفاً إلى 30 |ألفاً وفي عام 1871 حين استطاعت كتيبة عسكرية تركية من استرداد المدينة من السيطرة النجدية قدّرت بأن في الهفوف 15 ألف بيت و200 قرية. وقد علّق زويمر على كل هذه الأرقام بالقول "بأن هذا يعكس الاضطراب الكبير في معظم الإحصاءات الخاصة بالجزيرة العربية".

وأياً كان الحال، فإن مما لا شك فيه أن النشاط الاقتصادي لعب ومازال دوراً مركزياً في تقرير الأوضاع الاجتماعية في المنطقة. فالزراعة التي كانت مقتصرة على واحتي الأحساء والقطيف كانت تمثل حافزاً تشجيعياً على الاستقرار الاجتماعي. ونترك للمستشرق زويمر يصف لنا هذه المنطقة. يبدأ بالعيون وينابيع المياه التي تتفجر بغزارة، إنها بحق -على حد قوله- أرض النوافير والعيون التي تفور على مقربة من مياه البحر المالحة. هذه المياه الغزيرة هي الكفيلة بإشباع حقول الأرض والقمح في المبرز. فالمنطقة كما وجدها زويمر كلها صالحة للزراعة، فالإنسان ليس بحاجة لحراثة الأرض فهناك فردوس ترقد قرب القرى. وما يلبث زويمر أن يستدرك وهو يتحدث عن الفلاحة، ليسجل قائلاً أن البدو الغزاة والأتراك يمنعون الفلاحة، ثم يشدد زويمر قائلاً " هذان هما لعنة الزراعة في كل المناطق العثمانية في الجزيرة العربية".

يصف زويمر الهفوف فيقول بأنها محاطة بالبساتين، وأن هيئتها توحي بالصورة العامة لمدن الجزيرة العربية. إن المدينة بما فيها من قلعة أو دار الإمارة والحكم، والسوق والدور المحيطة بها والجدران الطينية التي تسوّرها لغرض الحماية تعكس فلسفة الحياة عند سكان هذه المنطقة كما تترجم -كل هذه المجسدات- النظام الاجتماعي العام. ولعل واحدة من اللفتات المثيرة التي جذبت اهتمام زويمر أنه وجد، على سبيل المثال، أن البيوتات في منطقة الهفوف غير متلاصقة على خلاف العادة التي كانت سائدة في الحواضر السكنية الشرقية. ولكنه ما يلبث أن يكتشف بأن هذا التباعد ليس إلا نتيجة للبساتين العامرة داخل مسورات البيوت والتي تجسد الوظيفة الحيوية الطاغية للمجتمع الأحسائي والتي تجعل من الحقل والمسكن داخل مسوّرة واحدة. ففي داخل هذه الحقول تكثر، إلى جانب طوابير النخيل المتنوعة الأحجام والأنواع، أشجار الرمان والتين والباباي والنبك، كما تكثر حقول الرز والسكر والخضروات سيما البطاطس والبصل والفاصوليا.

القيصرية، أو سوق الهفوف توفر إلى جانب الحاجات الضرورية والأساسية للسكان المحليين إلا أنها أيضا تخبر عن الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية العامة في هذه المنطقة، بالمقارنة مع باقي المناطق الأخرى المجاورة. ففي هذه السوق يتوفر إلى جانب المتطلبات الاعتيادية والكمالية، الأسلحة، والملابس والذهب المصكوك، والتمور، والخضروات، والسمك المجفف، والخشب، والجراد المملح، والفواكه، والصندل، والتبغ، والنحاس، كما تعقد أسواق المزاد بصورة منتظمة في ميدان أو خارج الأسوار.

ويمكن التعرف على أهمية منطقة الهفوف أيضا من خلال الاهتمام المتزايد من جانب الذين طمعوا في احتلالها أو السيطرة عليها ومن خلال أيضاً ما شيّدوه على ترابها. ففي الهفوف كان هناك مستشفى عسكري يضم جراحاً وطبيباً عاماً في الوقت الذي كانت المناطق الأخرى تفتقر إلى أبسط الإسعافات الأولية. ورغم ذلك فإن هذا المستشفى الذي شيّد خصيصاً لمعالجة الجنود لم يفد منه السكان المحليين. فقبيل وصول زويمر إلى المنطقة كانت الكوليرا قد عصفت بالمناطق وامتدت إلى الساحل، بل أن مرض الجدري كان عدوى أصابت عدداً كبيراً من الأطفال.

الوضع الإداري في الواحة

حكومة منطقة الأحساء يمكن تشخيصها على النحو التالي: السنجق ( وهي كلمة تركية تستخدم للتقسيمات الإدارية) وهي منقسمة إلى ثلاثة مراكز: نجد، وقطر والقطيف، وهناك حامية صغيرة تحافظ على كل منطقة. فهناك 600 رجل في الهفوف، و300 رجل في قطر والقطيف. والحاكم، الذي يدعى متصرفاً، يقيم في العاصمة والقائم مقام أو الحاكمان الفرعيان يقيمان في المركزين الباقيين. وهناك محاكم تركية اعتيادية ولكل قبيلة عربية ممثل أو وسيط لتسيير شؤون هذه القبائل مع الحاكم. القبائل الرئيسية والتي اعترفت بالاحتلال التركي وسلّمت بالحكم التركي هي: العجمان والمرة، وبني هاجر، وبني خالد، بني حسن، المطير، الحرب، الجعافر. وقد افتتحت السلطات التركية ثلاثة مدارس في المنطقة، وقد بلغ عدد الطلبة حسب تقرير تركي رسمي نحو 3,540 طالباً. وفي هذا التقرير قدّر عدد سكان المنطقة بـ 250 ألف نسمة. ويعلق زويمر على ذلك بالمقارنة بين حجم السكان وعدد المتعلمين قائلاً "إن ذلك يكشف عن تخلف التعليم في منطقة كانت دائماً مشهورة بالكتّاب". ورغم ذلك فإن المسجد الكبير يمتلئ بالشباب التواقين إلى تعلم قواعد اللغة العربية والتفسير والحديث. فقد كان التعليم الديني منتشراً في الواحة، فكان للمذهب الشافعي مدارسه ومساجده وعلماؤه وهكذا المذهب المالكي. وكان أيضا للمذهب الشيعي مدارسه ومساجده وعلماؤه حيث يتجمع طلاب العلوم الدينية ويتعلمون القراءة والكتابة والمسائل الدينية كما يذكر فيدال في "واحة الأحساء"[3] .

لقد كانت تلك الصورة تعكس إلى حد كبير الاستعداد الكامن للأحساء كيما تتحول إلى واحة للتسامح الديني والتعايش المثمر بين المدارس الفكرية الإسلامية المتنوعة.

صورة أخرى وإلى حد كبير سلبية للجانب الإداري في الواحة، يتذكر زويمر أيضا مروره بالقطيف وهو في طريقه إلى البحرين، يتذكر ـ إلى جانب الحمى التي أصابته في الطريق نتيجة لحرارة الشمس الشديدة - أنه توقف في التاسعة صباحاً من يوم الأربعاء عند قرية أم الحمام التي وصفها بأنها تخلو من الحمامات العامة (ويقصد العيون) والأشجار والحشائش باستثناء مياه ضحلة ملوثة وشجيرات نخل صغيرة. وفي يوم الجمعة صباحاً توجه إلى القطيف حيث استقبلته بساتين النخيل والينابيع والآثار القديمة والتحف المعمارية مع أبراج الاستطلاع. وعبر بساتين القطيف بمسافة طويلة نسبياً وصل زويمر إلى شاطئ البحر. وفي دار الجمارك توقف زويمر للراحة والاستجمام.

ينقل زويمر بأن القطيف لم تكن لها سمعة طيبة بين الأحسائيين العرب، والسبب في ذلك -حسب رأيه- بأن موقعها منخفض ومستنقعي وينقل عن بعضهم قائلاً "أن هيئات سكانهم في الغالب هزيلة، وبشرتهم شاحبة، ويعانون باستمرار من الملاريا. وأن المدينة نفسها قد بنيت بصورة سيئة وحالتها الصحية بائسة للغاية ومناخها خانق يساعد على انتشار الأمراض. ولكن رغم كل ذلك يستدرك زويمر بأن أهلها أناس طيبون وأن منطقة القطيف تتمتع بتجارة نشطة".

الأصول الأعجمية لسكان الواحة!!

كان الاعتقاد سابقاً أن مشاهدات الرحالة للمناطق التي وطئوها نقلت غالباً بأمانة ودونما زيادة. إلا أن تطور آليات البحث العلمي ومناهج التحقيق ساعد في إعادة تقويم تلك التقارير بل وتشريحها للفصل بين ما هو مشاهدات عينية وبين ما هو نظرة شخصية للأمور، وبين ما هو عنعنات تنتهي في نهاية المطاف إلى مصادر غير محايدة وأخيراً بين ما هو انفعالات وفرضيات ساذجة. فمثلاً شكك البعض فيما نقله لوريمر عن المنطقة ونسبته إلى نفسه دون واسطة لوجود تقارير سابقة وجدت طريقها إلى سجلاته دون إشارة إلى أصحابها مما اعتبر تعدياً على حقوق الآخرين.

ونحن هنا سنثير قضية قد تبدو فيها العاطفة الدينية دافعاً وراء إثارتها إلا أن للتاريخ أيضا حقه في تسوية ما يراه تجاوزاً عليه.

أزعم بأنني من أنصار الفصل بين العقيدة والتاريخ، فلكل مجاله رغم التلاحم الكبير في تأثير كل منهما في الآخر، إلا أن ما وقع فيه المستشرق زويمر[4]  وآخرون كان سبباً كافياً لتسليط الضوء على مسألة جذور التشيع في هذه المنطقة ونسبة ذلك إلى أصول السكان القومية. هذه المسألة بلا شك تتطلب بحثاً موسعاً لأن في النصوص المستفيضة في تقارير الرحالة وبعض الباحثين المتخصصين في الواحة ما يصلح أساسا لمشروع بحث واسع، ولكن سنكتفي -هنا- بإشارات سريعة لما صدفناه على أمل إشباع البحث في مراحل لاحقة بإذن اللّه.

إن ما وقع فيه زويمر، وربما زيّن له هذا التحليل الذي استبنته في مذكراته أنه خلّط ما بين مشاهداته والروايات التي نقلت له حتى وجدته بلا مرشد من تاريخ ولا أثر من جغرافيا يقول تعضيداً لما سبق نقله عن موقف الأحسائيين العرب من سكان القطيف بأن "سكان - القطيف - هم في الأغلب شيعة من أصول فارسية"[5] . ولا ندري هل زويمر ردد ادعاءً اصطنعه من كان قبله من الرحالة مثل بركهاردت الذي أشرنا إليه سابقاً أم ردد ما قاله -قبل ذلك- وبصورة حرفية تقريباً الرحالة نيبور في كتابه "رحلات في الجزيرة العربية" والذي وضع وبكل ثقة واطمئنان تصنيفاً مذهبياً يجعل التسنن سمة مذهبية للعرب والتشيع سمة مذهبية للعجم والفرس[6] . الغريب أن هؤلاء جميعاً وبدلاً من أن يمارسوا دور الرحالة الذي يسجل مشاهداته كما هي مع بعض الانطباعات التي تعتمل في أذهانهم، انتحل بعضهم صفة المؤرخ والتيولوجي والعالم بالأديان. ولكن لا بركهاردت ولا نيبور ولا زويمر ولا من كان قبلهم أو عاصرهم أو من جاء بعدهم قرر التوسل بالمصادر التاريخية لإثبات ما يفترض كونه من مهمة المؤرخين أمثال آدم متز وكوربان وفلهازون وغيرهم والذين سخروا كثيراً من مثل هذه الآراء المتسرعة والساذجة. بل قد يفاجئ هؤلاء فيما لو علموا بأن التشيع الإيراني هو من أصول عربية وأن القطيف كان لها يد طولى في غرس نبتته على الأرض الإيرانية منذ مطالع القرن العاشر الهجري ونهاية القرن الخامس عشر الميلادي.

ومما يدعو للغرابة أن يستجيب باحث مثل الدكتور عبد الفتاح حسن أبو علية لمثل تصنيف نيبور وزويمر مضيفاً بعداً تحليلياً جديداً على أساس أن الاحساء كانت منطقة سكانية مفتوحة بحسب موقعها الجغرافي لينتهي لنتيجة "أن في المنطقة أصلين أساسيين للسكان هما الأصل العربي والأصل الفارسي"[7] . ثم يقرر حقيقة نهائية "وتعود هذه النسبة العالية للسكان الشيعة في الإقليم من بين الأقاليم الأخرى الخالية من الشيعة في جزيرة العرب عدا اليمن إلى اتصال السكان وقرب الإقليم من كل من البحرين والعراق وإيران، إذ يشكل الشيعة نسباً كبيرة في هذه البلاد"[8] . ويستطرد الباحث أبو علية إلى حد المصادقة على ما نقله عن مجلة (The Moslem World) في عددها رقم 23 حول "الخلاف السني الشيعي في شرق الجزيرة العربية" والذي خلص فيه الكاتب إلى أن السنة في الإقليم -الأحساء- يرجعون إلى أصل عربي "أما الشيعة فيرجعون في أصولهم إلى أصل أعجمي والقليل منهم من أصل هندي"[9]  رغم ما في نقل أبو علية من انتقائية وبتر للنص الإنجليزي وإعادة تركيبه. كيف يروق للأستاذ أبو علية هذا الرأي وقد عمل أستاذا في الهفوف واختلط بسكانها فكيف تحقق من هذه الاثنينية في الأصول القومية في الأحساء.

وليس غريباً إذن أن ينسب "محمود الفارسي" قاضي القطيف في الدولة السعودية الثانية إلى الشيعة فأسمه كما أشار جاكوب جولدبرج في "التشيع والمقاومة الاجتماعية" يوحي بتشيعه، مستعيناً بما أشار إليه ويندر في كتابه حول المحاربين من أجل الإسلام في القرن التاسع عشر. لقد أفاد كل منهما مما ذكره ابن بشر في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد" بتعيين محمود الفارسي قاضياً في القطيف إبان الدولة السعودية الثانية[10] .

ورغم أن نسبة الفارسي إلى الشيعة، بالنظر إلى منصب القضاء وما يتطلب من إتقان القاضي -على وجه فرض العمل بالأحكام الفقهية لكل مذهب- يشجع مثل تلك الاستنتاجات السريعة إلا أن وظيفة المؤرخ هي على الضد من هذه الاستنتاجات، فنحن هنا نتعامل مع حقائق ومعطيات تاريخية وليس ملاحظات ساذجة وظاهرية.

فالمصادر التاريخية القديمة ترشدنا بجلاء إلى أن الواحة كانت شديدة الولاء لأهل البيت النبوي وشديدة العداء لبني أمية. وقد كان للأحداث التي اندلعت في عهد الإمام علي (عليه السلام) وحمل عبد القيس ألوية الحروب ضد خصوم الإمام دلالات قوية على عمق ولاء أهل الواحة لبيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث اكتست الواحة طابعاً شيعياً واضحاً، يقول ياقوت الحموي في (معجم البلدان):"وأهل البحرين.. كلهم روافض..وليس عندهم من يخالف هذا المذهب إلا أن يكون غريباً"[11] . كما جاء في (معجم القبائل ص 728):"وأهل البحرين كلهم شيعي إمامي"، وكان من عظمائهم وشيوخ القبائل مسمع بن عبد الملك الذي روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) كثيراً وهو من المحدثين الإمامية، ومنهم أيضا خيثمة بن عدي الهجري الكوفي[12] ومحمد بن المشمعل الهجري الكوفي والوليد بن عروة الهجري[13] .

وهكذا استمر ولاء عبد القيس لأهل البيت (عليهم السلام)، ومما يروى أن علباء بن دراع الأسدي تولى البحرين أيام بني أمية، ولكنه كان شيعياً وقد أفاد سبعين ألف دينار ودواب ورقيقاً، وحمل ذلك ووضعه بين يدي الإمام جعفر الصادق أبي عبد اللّه (عليه السلام) وقال: إني وليت البحرين لبني أمية، وأفدت كذا وكذا، وقد حملته كله إليك، وعلمت أن اللّه عز وجل لم يجعل لهم من ذلك شيئاً.." فأخذه أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثم وهبه إياه مرة أخرى[14] .

وفي العهد العباسي، حيث كان للبحرين موقف صلب ضد الخلافة العباسية التي نظروا إليها بوصفها مشروع قرصنة ومصادرة لحق أهل البيت برفعهم شعار (الرضا من آل محمد)، ولذلك ناهضوا العباسيين، وتعاطفوا مع العلويين، وهذا ما كان سبباً للجوء بعضهم إلى البحرين.

من بين المؤرخين المعاصرين الذين نقّبوا في الجذور التاريخية لظهور التشيع كان د. هـ. هوجارث من خلال تتبعه لتنامي الاحتجاج في مراكز الدعوة الإسلامية ضد الدولة الأموية في الشام. يصف هوجارث الواقع الديني والسياسي في الجزيرة العربية قائلاً بأن هناك عرباً أكثر مما يفترض ما زالوا يعتنقون مذاهب على خلاف مع المعتقدات السنية. فعلى سبيل المثال، فإن اليمنيين من سكنة الهضاب، سواء الزيدية أو الإسماعيلية أو الداوودية، وسكان أقاليم المنطقة الخلفية من نجران إلى الجوف، وهكذا الحال بالنسبة لجمهرة من رجال القبائل في عمان وأجزاء من الأحساء مع بعض أفخاذ عدد من القبائل البدوية بما يشمل بني علي حيث تقع أراضيهم بالقرب من المدينة المنورة والتي تشمل بني حرب تعتنق التشيع. بينما باقي السكان في الوسط والشرق هم من الناحية الاسمية ينتمون إلى أحد المذاهب الأربعة السنية المعروفة"[15] .

وكان لآدم متز وقفة طويلة مع المراكز الرئيسية للتشيع في التاريخ الإسلامي والمواقع التي كانت يتخندق فيها التشيع ومنها يحقق انتشاره في المناطق المجاورة. فقد عرفت هجر والبحرين وصعدة وعمان بوصفها مراكز شيعية قديمة في الجزيرة العربية قبل أن يتعرف الفرس وغيرهم على التشيع بصورته الحالية.

[1] - John Lewis Bukhardt (1992), Notes on the Bedouins and Wahabys, Reading p.105

[2] - J. G. LORIMER, C. I. F, GAZETTEER of The Persian Gulf, Oman and Central Arabia, Calcutta 1915 II A P.604

[3] - F. S. Vidal, The Oasis of Hasa, p.96

[4]- يعتبر زويمر من الرحالة القلائل الذي تجاوزت اهتمامهم منطقة معينة فقد تعدت زيارته منطقة الخليج إلى الصين واليابان. وربما كان لمجلته The Moslem World محركاً وراء ذلك الاهتمام الواسع بشؤون العالم الإسلامي وأحوال ما أسماهم بـ"المحمديين" أي أتباع الرسول محمد ، المسلمين.

[5] - S.M. ZEWMER, F. R. G. S. (1900), ARABIA, THE CRADLE OF ISLAM, NEW YORK , P.118

[6] - M. NIEBHUHR (1792), TRAVELS THROUGH ARABIA, Translated into English by Robert Heron, Edinburgh Vol.II p.139

[7]- الدكتور عبد الفتاح حسن أبو علية، الاصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبد العزيز ، الرياض 1976 ص 46

[8]- المصدر السابق ص 47

[9]- المصدر السابق وانظر The Moslem World :”Sunni-Shi’aa Discord in Eastern Arabia” Vol.23, p.303

[10]- ابن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، المجلد الثاني ص 84

[11]-ياقوت الحموي ، معجم البلدان، البحرين

[12]- محمد الاردبيلي، جامع الرواة، مج1 ص 299

[13]- المصدر السابق مج2 ص 301

[14]- الكشي، رجال الكشي ص 200

[15] - D. G. HOGARTH (1922) ARABIA, OXFORD,p.76
302163