ملاحظات حول نسب وتاريخ بني خالد
سيرة قبائل عرب إيران في خوزستان، للملاّ عبود دهر الخالدي
سعود الزيتون الخالدي * - 20 / 2 / 2011م - 6:51 ص - العدد (16)

الوثيقة التي نحن بصددها – أورد الأستاذ ملاّ عبود دهر الخالدي، في كتابه المسمى (سيرة قبائل عرب إيران في خوزستان)[1]  معلومات وثائقية نادرة لها أهمية تاريخية فيما يتعلق بحقبة من تاريخ بني خالد، ولأهمية تلك المعلومات، رأيت أن أوردها نصاً من كتابه، وأن أضيف عليها بحثاً يتعلق بتاريخ بني خالد، وقد حاولت جهدي أن لا أمسّ النصّ إلا في مواضع جد محدودة، رأيت أن أقوم ببعض التصرف غير المخل بها. فيما يلي نص المعلومات التي قدمها ملا عبود الدهر الخالدي، ويليها الملاحظات والتعليق.

لقد حصلت عليها (على هذه المعلومات) في كتاب قديم - قدم إلى الشيخ ضفر[2]  ابن المرحوم الحاج شاوي شيخ مشايخ بني خالد. وهى تتحدث عن نسب خالد بن الوليد وحياته ونسب ذريته إلى يومنا هذا، وقد أخذت من كتب التاريخ المذكورة - مثل اليعقوبي والمسعودى في مروج الذهب وابن الأثير في الكامل وسيرة ابن هشام وابن خلدون، وكتب الأنساب مثل نهاية الأرب في معرفة انساب العرب وسبائك الذهب[3] .

أما خالد، فهو خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن لوي بن غالب بن فهر، وهو قريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدرك بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان من نسل إسماعيل بن إبراهيم (عليه الصلاة والسلام).

وكان خالد بن الوليد فارسا شجاعا في الجاهلية والإسلام وكان له سهم كبير في فتح العراق وفتح الشام، ومن أعظم الحروب التي قادها حرب اليرموك مع الروم وحرب القادسية مع الفرس وقد لقب بـ(سيف اللّه المسلول) واشترك مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في فتح مكة وغزوة ذات السلاسل وغزوات عديدة، وخاض بعدها حرباً كانت في زمان خلافة أبي بكر (رضي اللّه عنه) مع مالك بن نويرة ومسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة.

وأما ذريته فهي تتحدّر من خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد، وقد كان لخالد ولدان أحدهما عبد الرحمن سمّه معاوية بن أبي سفيان خوفاً من منافسته على الخلافة، وقد انتقم خالد بن المهاجر من الطبيب الذي دسّ لعمّه السمّ، وصار نسب قبيلة بني خالد من خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد.

أما موطن بني خالد وحكمهم فقد كان في الحجاز وفي الأحساء والقطيف وقد نزح بعضهم إلى إيران.

وكان كثير من رؤساؤهم ينتمون الى بيت جاسم، وهو الشيخ حمد بن جاسم بن شاوي بن محمد بن غالب بن مهنا بن برقع بن طوق بن عبد السيد بن ضفر بن ثامر بن عيد بن عريعر بن محمد بن عريعر. وكان عيد رجلاً طاغياً متجبراً، يحكى أنه كان يمشي يوماً ومن خلفه عبده يحمل سيفه إذ مرت به امرأة وتقدمت أمامه فغاظه تقدمها عليه، وكان على كتفها طفل، فصاح على الخادم وقال أعطني السيف، فأخذه وضرب الطفل فشق رأسه نصفين. فلما رأت المرأة طفلها مضرجاً بدمه صرخت ورفعت يدها إلى السماء تدعو عليه: يا رب لست غائبا فتحضر ولا صغيراً فتكبر. فاستجاب اللّه دعاءها وأهلك عيداً وأماته شر موتة[4] .

وأما الشيخ بركات بن عريعر في الأحساء، فقد كان حاكماً عادلاً رحيماً برعيته، حتى طيور البر كانت في حمايته، إذ منع صيد الطيور في أوقات التكاثر، كما منع جمع البيض حتى لا ينقرض نسل طير (الحباري). وكان الشيخ براك أو بركات قد نقش اسمه على العملة (الدرهم) وكان مكتوبا عليه (سلطان البرّ بركات بن عريعر).

 أما سبب خروج الخوالد من الأحساء فقد جرت حرب شديدة بين آل عريعر وآل سعود استمرت لثلاث سنوات انتهت لأسباب مختلفة بعدها إمارة آل عريعر التي كانت تضم مساحات شاسعة بينها الكويت نفسها، وكان نفوذهم يصل إلى أطراف الحجاز وحدود اليمن. وقد اتجه الخوالد من الأحساء شمالاً إلى البصرة في نهاية العقد الأول من القرن الثالث عشر الهجري، وكان بها قوم من الدواسر وكان يحكمها رجل يدعى (قريطم/ كريطم باشا) ويرجع نسب الكراطمة كما تذكر المصادر التاريخية الى الترك وبعضهم يقولون أن جذورهم من (مصر). فلما علم كريطم باشا بهزيمة آل عريعر منعهم من العبور إلى (خوزستان) وكان اكريطم آمراً على السفن التي تعبر الشط، وقد تغلّب شيوخ الخوالد عليه بالحيلة وعبر مع الشيخ (ضفر) نحو سبعمائة عائلة على أن يتبعه الباقون. وقد وصل الركب الأول الى قرية (الهميلي) وحينها طمع فيهم ميرزا علي الطيار، إذ سمع عن المال الكثير والخيل والجمال والخيام الثمينة، فجهّز جيشاً قيل أن عدده وصل الى 25 ألف مقاتل هاجم به الخوالد الباحثين عن مكان للاستقرار، ولكن الدائرة دارت على رجال الميرزا وقتل منهم خلق كثير وأُسر الميرزا نفسه وفرّ بقيّة رجاله.

أما القسم الذي تخلّف عن الشيخ ظفر، فقد عبر بعضهم إلى فارس وكان من بينهم خاطر العلمي الذي سلمه الشيخ ظفر الميرزا نفسه ليحتفظ به أسيراً، ولكنه بدلاً من ذلك أطلق سراحه إذ هاله مكانته ومقامه بين الناس، فاحتال له حيلة يبرر بها هربه، وقال له خذ فرسي (الهيفاء) واضربني بهذا السيف وانج بنفسك، وهذا ما كان. وحين سمع الشيخ ضفر بهذا الخبر أرسل خلف (خاطر) وقال: الويل لك أنعم عليك وتخونني وتطلب المعونة من غيري أخرج ما أريدك ولا أريد ابنتك (وكانت زوجته وله منها ولدان: درباس و عبد السيد). وأمر ضفر رجاله فنهبوا بيت خاطر الذي التجأ وعياله لدى الميرزا علي الطيار، فأكرمه وأنعم عليه وأهدى له شطوطا سمّاها (خاطر وجابر وعزاز و ولي وقرباوي وقرار).

ولما سمع الموالي بأن بني خالد حاربوا الميرزا وقتلوا رجاله وأسروه خافوا على أنفسهم، وطفقوا يبحثون عن حيلة للتخلص من منافستهم فدعوا شيوخ القبيلة وكبارها إلى وليمة حضرها الشيخ ضفر نفسه وهناك تمّ قتلهم غيلة وغدراً، فتشتت العشيرة بعد مقتل الشيخ ضفر ورجاله، فمنهم من التحق ببني كعب، ومنهم من التحق بـ (بني طرف) وآخرون التحقوا بـ (الباوية) و(بني سالة) وغيرهم ساروا إلى ديار العجم.. وهكذا. ولكن قسماً بقي إلى يومنا هذا في العراق وهم (الثوابت) و (الثوامر)، ومنهم من سار إلى كارون وإلى الخفاجية مثل (البوعكبه) و (الفريسات) و (القوابش) و (المجابسه) و (السحبان) وهم (امجدم). وأما السحبان الذين سموا فيما بعد بـ (المقدام) فكانوا قد عبروا الشط مع الشيخ ضفر وفي حين العبور قال الشيخ قدموا (السحباني) لعظم مقامهم (فسموا مقدام). وهناك عوائل خالدية عديدة متفرقة مثل (الهشوش) و (العناكيد) و (خفايه) وهي غير قبيلة (خفاجه) العراقية المعروفة. وكثير من الخوالد يتواجدون في مدينة بروجن وأردكان وسردشت ولهم رئيس يدعى محمد خان الخالدي، أما من يسكنون في بندر ددك وكناره وديلم وإمام حسن فرئيسهم يدعى تقي خان حياتي/ أو حيات داوودي.

أما ما كان من شأن خاطر العلمي، فإنه كان في مجلس الميرزا ذات يوم وجرى حديث عن الشيخ ضفر وقبيلة بني خالد، فقال الميرزا لقد كان الشيخ ضفر رجلاً شجاعاً (وحسافه ما بقيت له ذرية). فقال خاطر أيها الحاكم أنا أدلك على أولاده إذ أعطيت الأمان. فقال الميرزا لك الأمان، حينها كشف خاطر الأمر، وقال أن أولاد الشيخ ضفر عندي لأن زوجة ضفر هي ابنتي. فقال الميرزا آتني بهم، فلما رآهما قال الميرزا: اطلبوا ما تريدون. فقالوا نريد أرض الهور والحنان والوتان وأرض الزور، فأعطاهم ما أرادوه. ولما كبر (درباس) اجتمعت بعض العشيرة المتفرقة حوله ولكن ليس كلها.

وأما الموالي الذين غدروا بالشيخ ضفر أول الأمر، فقد هجموا على الميرزا وقتلوه وأخذوا الحكم منه، وبقي الحكم كله لهم، وكان ملك الموالي من الحويزة إلى بهبهان. وكان من عادة الملوك الصيد والقنص، وفي أحد الأيام خرج قادة الموالي للصيد، فنزلوا في أرض هوير بن شبيب وتسمى (بير السبع) فلما علم بنو خالد بالأمر، وكانوا يترقبون مجيئهم حتى ينتقموا منهم، هجموا عليهم ليلاً وقتلوهم عن بكرة أبيهم، ونهبوا خيلهم وأخذوا ثأر الشيخ ضفر، وثأر الميرزا. وبعد ذلك، حكم الشيخ (درباس) من إسماعيلي شرق كارون إلى الجراحي ومن الهنديان إلى شط بني تميم، وكانت المدينة المنورة موقع سكناهم القديم، في حين كانت (كعب) في مدينة (القبان) وكان القبان ملك المطور فغلبوهم عليه وأخرجوهم وأخذ القبان منهم قهراً.

ولما استولى بنو كعب على القبان، بقيت مدة جمعت خلالها رجالها وهجمت ليلاً على قبيلة بني خالد بعد أن أظهرت معها صداقة وأخوة وثيقة، فقتلوا رجال بني خالد ونهبوا أموالهم وأخذوا أراضيهم وشردوهم وبقي الحكم كله لبني كعب، وبعد مدة أصبحت عشيرة بني كعب مشتتة فأظهروا الصلح بينهم وبين بني خالد، الذين كانوا ينتظرون الفرصة لأخذ الثار، فأقامت وليمة كبيرة ودعت إليها سبعين أميراً من أمراء بني كعب، وكلهم من بيت (ناصر) وحين أجلسوهم على الطعام قاموا لهم بالسيوف وقتلوهم عن آخرهم، لم ينج منهم سوى الشيخ فرج اللّه الذي هرب جريحاً.

وبعد هذه الواقعة نزل بنو خالد قرية (جسم الصبي) وفي زمان الشيخ (محمد الغالب) جرى صلح بين آل خالد وبني كعب، وكان الشيخ محمد الغالب مدبراً فاجتمعت العشيرة كلها وتضاعف عددها، وفي زمان الشيخ جاسم بن شاوي دخل نظام السلطنة مدينة ششتر وجعل الشيخ (جعفر) أميراً على بني كعب، وبعث معه جيشا. رفضت كعب هذا الأمر وما قبلت بالشيخ (جعفر) بأن يكون شيخاً عليها وحاربوه وهزموه، فلما سمع نظام السلطنة بذلك غضب على بني كعب وجاء بجيش كبير وفتح الفلاحية.

أما الشيخ جاسم (الخالدي) فقد ساعد الشيخ جعفر، ولهذا الأمر أعطى الملك إلى الشيخ جاسم وسلم له نظام السلطنة سنداً بامتلاك الأراضي. وفي زمان الشيخ خزعل أُخذت أراضي بني خالد وأخرجهم خزعل منها وأسكنهم على ضفة شط كارون، ولكنهم عادوا إليها بعد موته. وفي زمان الشيخ حمد الجاسم عظم شأن القبيلة وعلا مقامها أكثر مما كانت عليه في زمان الشيخ محمد غالب. ومن بعد الشيخ حمد استلم الرياسة الشيخ محمود وبعده استلم الرئاسة الشيخ (شاوي) وبعده استلم الرئاسة الشيخ اشنيو بن حمدو والشيخ ضفر بن شاوي.

وكان الشيخ ضفر يركن الى ستة من رجال العشيرة من ذوي العقل الراجح والرأي السديد، وهم كما يلي: مشاري بن عبد اللّه، جد بيت عباس المطر من حمولة الصبيح/ وزامل بن حمود جد بيت احينو من حمولة الصبيح أيضاً/ وخاطر بن ذاري من حمولة العلم/ مخلف بن غضبان، جد بيت عباس الكعود من حمولة الطليحان/ والكشي بن كعود، جد الفريسات/ وحازم بن محمد، من حمولة شيبان.

(انتهى ما كتبه عبود الدهر)

ولكي نوضح بعض الغموض الذي لا يزال يعاني منه المهتمون بأخبار ذرية خالد بن الوليد بن الغيرة المخزومى القرشي، وبداية انتشارهم وبروزهم، ومتى عرفوا بإسم (بني خالد) كقبيلة وغطوا باسمهم على مسمى بني مخزوم فرعهم الذي انحدروا منه، يأتي تعليقنا هذا على هامش ما أورده الملا عبود على النحو التالي:

لقد كان لإسلام خالد بن الوليد دوراً بارزاً ومميزاً في تاريخ الإسلام، فهو أحد أفراد المجموعة التي قال عنها الرسول عندما أسلموا (رمتكم مكة بأفلاذ كبدها)[5] . لهذا لم تكن حفاوة الرسول بخالد وتقديره له من قبيل المجاملة، وإنما كان تقدير البصير الخبير بالجوهر النفيس في معدنه الخفي[6] . فهو الذي قال عنه الرسول (نعم عبد اللّه وأخو العشيرة وسيف من سيوف اللّه، سلّه على الكفار والمنافقين)[7] . ويعتبر خالد بن الوليد علم من أعلام المجاهدين في سبيل اللّه وعالم وحده في فن القيادة وإدارة الحرب، اكتسب شهرة واسعة فأحب المسلمون سيفه وذعر أعداء المسلمين من بطشه، فهو الذي شارك في غزوة مؤته وفتح مكة، وغزوة بني جذيمة ويوم حنين وغزوة الطائف، وغزوة بني المصطلق وتبوك ودومة الجندل. كما قيل أنه كان له دوراً في نجران واليمن. وجاء في أسطورة فتوح اليمن الكبرى[8]  القول بأنه شارك الأمام على بن أبي طالب كرم اللّه وجهه الحروب التي خاضها في اليمن لنشر الإسلام، كما كان له دوراً قيادياً في بعض حروب الردة مع (طليحة ومالك بن نويرة ومسيلمة الكذاب في اليمامة).

وتولى خالد قيادة الجيوش التي اتجهت لفتوح العراق[9]  وإدارة معارك (المزار) و (الولجة) و (أليس) و (مغيشيا) و (الحيرو) و (الأنبار) و (عين التمر) و (دومه الجندل) و (المصيخ) و (الثني والزمل) و (الفراض) بالإضافة إلى الجيوش التي تحركت وحاربت في (قراقر) و (سوى) و (تدمر) و (قصم) و (مرج راهط) و (بصرى) و (اليرموك) و (فتح دمشق) و (فحل).. كما كان له الدور البارز مع أبي عبيده الجراح في معارك (مرج الروم) و (حمص) و (قنسرين) و (مرعش) و (حصن الحدث) وما وراء الدروب. إذ كان خالد بن الوليد أمير أمراء الجيوش الإسلام - والقائد الذي لم يهزم قط، وعلى يديه اندحرت فلول الردة، وتحطمت اكبر إمبراطوريتين عرفهما العالم في عصره، فهو الذي قهر الفرس ومزق إمبراطوريتهم، وحارب الروم ودك حصونهم وأذلّهم في إمبراطوريتهم.

وعرف عن خالد بن الوليد بن المغيرة أنه كان مزواجاً، وقد تزوج نساء من قريش وقبائل عربية أخرى مختلفة وذلك لكثرة ثرائه، وأنجب أبناء كثيرين قيل أن بعضهم[10]  مات في طاعون عمواس، ومن تبقى منهم تشكلوا في قبيلة بني خالد المعروفة اليوم والمنتشرة في مواقعها المختلفة في عالمنا العربي والإسلامي. وقد تطرق المؤرخون إلى مجموعة من أبنائه وحفدته جاء منهم (سليمان) وكان به يكنى، و(المهاجر) و(عبد الرحمن) و(الوليد) و(عبد اللّه) و(محمد) و(أحمد) و (وعبداللّه الثاني) شقيق المهاجر من أمه وأبيه، وغيرهم.

وقد أكد المؤرخون[11]  القول بأنهم تعرفوا على ثلاثة من أبناء خالد بن الوليد عاشوا من بعده جاء منهم سليمان والذي سقط في المعركة في الجزء الأخير من حملة مصر، والمهاجر، الذي قاتل واستشهد في (صفين) تحت راية الإمام على بن أبي طالب كرم اللّه وجهه، وعبد الرحمن الذي يقال أنه كان موهوباً ويماثل صفات والده العسكرية، وقد تولى حمص في عهد الخليفة عثمان، وقد استطاع أن يخرس الساخطين على حكم عثمان بعد أن فشل معاوية في ذلك، وكان يخشى من انفلات الأمر في الشام فطلب من الخليفة أن يعفيه من وجود الساخطين المنفيين لديه[12]  فأمر الخليفة بتسييرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في حمص، حيث تلقاهم بالعنف والشدّة وأجبرهم على السكوت وعلى إعلان الطاعة، وأرسل واحداً منهم إلى عثمان بطاعتهم.

هذا الأمر أثار خوف معاوية الذي ما لبث أن استغل موقعه في الشام وانطلق بالخلافة الأموية ليتولى الزعامة على المسلمين، ولكن عليه قبل ذلك أن يصفّي عبد الرحمن بن خالد قبل أن يخلو له الجو، إذ كان منافساً من داخل معسكر الشام، وكانت مكانته بينهم معلومة، وإن وجوده سيعيق معاوية من تحويل الخلافة إلى أبنائه، فما كان منه إلا أن انتهز الفرصة فدسّ له السم، فمات عبد الرحمن بن خالد مسموماً سنة (46 هجرية). وقد تطرق صاحب المنمق[13]  لقصة وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فقال: ذكر ابن الكلبي عن خالد بن سعيد عن أبيه، أن معاوية لما أراد أن يبايع ليزيد قال لأهل الشام أن أمير المؤمنين قد كبر سنه ودنا أجله، وقد أردت أن أولي الأمر من بعدي فما ترون؟ فقالوا عليك بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة، فسكت معاوية وأضمرها في نفسه. ثم أن عبد الرحمن اشتكى من علّة، فدعا معاوية بن أثال، وكان من عظماء الروم، وكان متطبباً يختلف إليه معاوية، فقال ائت عبد الرحمن فاحتل له. فأتى عبد الرحمن فسقاه شربة فانحرق عبدالرحمن ومات. فقال معاوية حين بلغه موته: لأجد الأمن أقعص عنك من تكره.

فبلغ إبن أخيه خالد بن المهاجر بن الوليد الخبر، فقال لمولى له يقال له (نافع) وكان رومياً، وكان من أشد الناس قلباً، وخالد بن المهاجر يومئذ بمكة وكان يسئ الرأي في عمه عبد الرحمن، وذلك أن المهاجر كان مع الإمام علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه فقتل يوم صفين، وكان خالد بن المهاجر مع بني هاشم في الشعب زمن ابن الزبير.. فقال لمولاه انطلق معي. فخرجا حتى أتيا (دمشق) ليلاً، وسألا عن ابن أثال فقيل هو عند معاوية، وإنما يخرج في جوف الليل، فجلسا حتى خرج في جماعة، فشدّ خالد فانفرجوا عنه فضربه بالسيف فقتله وانصرفا فاستخفيا. فلما أصبح معاوية قصّوا عليه القصة، فقال هذا واللّه خالد بن المهاجر، وأمر بطلبه حتى وجدوه هو ونافع، فلما دخل على معاوية قال: أقتلته لا جزاك اللّه من زائر خيرا. فقال خالد: قتل المأمور وبقي الآمر. وأمر معاوية بضرب نافع فضرب مائة سوط، ثم أمر بهما فأخرجا من دمشق.

ولعبد الرحمن بن خالد أبناء منهم خالد، ويقال أنه شارك ابن عمه خالد بن المهاجر في قتل ابن أثال الذي غرر به معاوية[14] . وكان بنو مخزوم سباقين في الإقامة بديار الشام، ومن الدلائل ما يشير إلى أن أبناء خالد بن الوليد وعمومتهم وذريتهم وكثير من بني مخزوم انتقلوا إلى الشام (خاصة حمص) خاصة بعد أن عيّن الخليفة أبو بكر رضي اللّه عنه خالد أميراً عليها[15]  وقد ورث عبد الرحمن ولايتها من أبيه. والمعلوم أن بني مخزوم وذرية خالد بن الوليد وأخوته بالخصوص ملكوا من دور الشام وقصورها ومزارعها وحدائقها ما أغناهم عن ممتلكاتهم في الحجاز من دور وأشياء أخرى لا تقاس بما وجدوه في بلاد الشام من خيرات وأنعام، حتى أن أملاكهم في الحجاز أُهملت واستولي عليها، إذ يقال عن دار أبناء خالد في المدينة المنورة أنها صودرت من قبل أيوب بن سلمة لما كان عاملاً للشرطة فيها، وقد عرف عن أيوب أنه من كذابي قريش[16]  وأخذه لدار عيال خالد بدعوى الإرث ثبت بطلانها[17]  حتى لو لم يكن لخالد ذرية لان القاعدة في الشرع الإسلامي أن ابن العم القريب يحجب ابن العم البعيد مما يدل على أن الحكم بالإرث لأيوب غير صحيح لأنه يوجد من بني (المغيرة) آنذاك من هو أقرب من أيوب لخالد من غير أبناء خالد.

ولا يستبعد أن يكون أيوب بن سلمة قد حصل على الدار بأمر من معاوية، ليكسب ولاءه بعد مقتل عبد الرحمن بن خالد، تلك الحادثة التي كان لها الأثر السيئ على علاقة بني مخزوم بمعاوية بن أبي سفيان والأمويين عموماً. أما ما جاء به مصعب بن عبد اللّه بن مصعب الزبيري المولود سنة (156 - 236هـ) من انقطاع ذرية خالد، بدليل إرث أيوب بن سلمه دارهم، فقد بطل لأن المعروف عن أن خالد بن الوليد أوصى بأن تكون داره في المدينة (صدقة)[18] .

أما مؤرج بن عمر السدوسي (ت 195هـ) فلم يقل بانقطاع ذرية خالد بن الوليد بل أشار إلى ابنه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقال عنه انه كان يلي الصائفة ويشتو فيها[19] . وقد أصبح امتداد ذرية خالد بن الوليد واضحاً، فقد ترجم لكثير من أكابر رجالها، عامة المحققين من النسابين والمؤرخين، كابن السمعاني وعبد الغافر والبقاعي والحموي وغيرهم، حيث أكدوا على وجود الذرية الخالدية. والمتتبع لأخبار أولاد خالد بن الوليد وأحفاده في المطبوع من كتب المؤرخين في مختلف فنونها يجد عدداً من الأعلام ينتهي نسبهم إلى خالد بن الوليد رضى اللّه عنه، وقد كان لهم نصيبا من تاريخ أمتنا الإسلامية في عدد من الأمصار والأعصار. وبمقتل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد استجدت ظروف سياسية تحول على ضوئها كثير من بني مخزوم وغالبية أبناء خالد بن الوليد وأحفاده عن سكناهم في الشام وعادوا إلى المدينة المنورة وبلاد الحجاز، وجاهروا بمعارضة بني أمية، وانضموا إلى ابن الزبير وأبناء علي بن أبي طالب.

وكان عبد اللّه بن أبو عمر بن حفص بن المغيرة بن عبد اللّه المخزومي - أول من خلع البيعة عن يزيد بن معاوية، واستشهد يوم الحرة. ومن بني مخزوم: عبد اللّه وعبد الرحمن ابني السايب بن أبي السايب بن عايد بن عبد اللّه بن عمر المخزومي قتلا يوم (الجمل). كما كان من ذرية خالد بن الوليد: المهاجر بن خالد وشقيقه عبد اللّه قتلا في العراق مع الإمام على بن أبي طالب كرم اللّه وجهه (يوم صفين). وحين سيطر ابن الزبير، عين من بني مخزوم عبد اللّه بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي والياً له على اليمن[20]  بعد أن عزل عن ولايتها الضحاك بن فيروز الديلمي، كما ولّى الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعه المخزومي على البصرة[21] . وانضم من بني مخزوم إلى ابن الزبير خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان من أشد بني مخزوم معارضة لبني أمية، وكان شاعراً وهو الذي يقول يخاطب بني أمية بعد أن قتل سيط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأمام الحسين بن علي رضي اللّه عنه في موقعة كربلاء:

أبني أمية هل علمتم أنني

أصبت وما بالطف من قبر

صبّ الإله عليكم عصبا

أبناء جيش الفتح أو بدر

ويتضح مما ذكر أن معارضة بني مخزوم لبني أمية ظلّت قائمة لم تنته بالقضاء على ابن الزبير سنة (73هـ) والذي انضم إلى حزبه أغلب بني مخزوم[22] . وحين تولى الحجاج العراق حاول التقرب لبني مخزوم وذلك بمصاهرة المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، ولكن معارضتهم بقيت مستمرة حيث هجروا المغيرة بن الحارث بسبب تزويجه ابنته من الحجاج وكان في مقدمتهم أبو بكر، أخ المغيرة[23] . وبقيت النفور ملازماً الطرفين، حتى بعد استيلاء البيت المرواني على الحكم[24]  إلى أن ذوت دولة الأمويين وانهارت.

وتشير الروايات إلى مساعدة المخزوميين العباسيين في ثورتهم[25] . فعلي بن مهاجر بن خالد ابن المهاجر بن خالد بن الوليد دُعي من قبل العباسين مع بداية علو نجمهم، واستحثوه بخطاب بعثوا به إليه من خراسان عندما كان يقيم في قصر له في هجر، وطلبوا منه الخروج على بني أمية، فما أن قتل الوليد بن يزيد الخليفة الأموي سنة (126 هجرية) حتى وجد ابن المهاجر الفرصة مواتية فدعا للعباسين في المنطقة، وأيده في دعوته بعض من القرشيين وقبائل أخرها أكثرها من كلاب وقشير، وعارضه آخرون أكثرهم من بني حنيفة، فواقعهم (بقاع الحجر) إلا انهم تمكنوا منه بمساعدة الأمويين وأخذوا منه (اليمامة) ووليها من قبل الحنفيين (المهير بن سلمى الحنفي)[26] .

وتشير روايات أخرى إلى مشاركة محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كقائد من قواد العباسيين، الذين قاموا بمطاردة جيوش مروان بن محمد المعروف بمروان الحمار آخر خلفاء بني أميه. وإلى محمد بن منيع ومهنا بن فضل يرجع نسب (أل صبيح) من بني خالد اليوم كما يشترك مع آل صبيح في منيع بن خالد غالبية (الأسلم) من قبيلة شمر و(آل جراح)[27]  الذين انخذل عنهم (بنو فضل بن ربيعة) الذين دخلوا مع (طي) بالحلف لينسبوا إليهم.

من المؤكد في هذا السياق أن التقارب الذي تم بين خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي وعدي بن حاتم الطائي أصبح نواه لحلف شجّع بعضاً من أسر بني مخزوم وقريش إلى مرافقة طيئ والنزول معها في ديار بني أسد التي ورثوها عنها بعد هزيمتها في حروب الردة. وقد ضلت طيئ على ولائها لخالد بن الوليد وبني مخزوم في حروب الفتوحات، إلى أن قامت الفتن بين المسلمين[28]  فامتزجت بطيء أسر بني مخزوم وذرية خالد بن الوليد كآل (جراح) وأصبح من الصعب مع مرور الزمن على مؤرخي الأنساب الفصل بينهما، ونسبت في مجملها إلى طيئ، مع أن آل جراح قدموا من نجد[29]  ودخلوا في طيئ قبل نهاية القرن الرابع الهجري. والتقارب الذي حدث بين بني مخزوم وطيئ مع بداية حروب الردة لا تزال ذيوله باقية حتى اليوم، وقد انعكست في العلاقة الطيبة التي تربط شمر الطائية ببني خالد المخزومية. حتى أن هناك من يقول[30]  أن غالبية شمر في نسبها تعود لبني خالد.

عاد المخزوميون كما قلنا إلى الحجاز من حمص، وأصبح الحجاز موطناً للنقمة على الأمويين ومركزاً للطامحين والطامعين، وبيئة خصبة للحركات المناهضة لطغيان السلطة الأموية. وأخذت مكانتهم في البروز شيئاً فشيئاً واصطبغت بطابعها السياسي عندما اتخذوا من (القرن) بمنطقة الحجاز قاعدة لهم انطلقوا منها بسلطانهم ليمتد[31]  إلى مخلاف (عثر) ومدينة (بيشة) و(ترج) و(تباله) و (المراغة) وليشمل وادي (الأمان) ووادي (بيش) ووادي (عتود) ووادي (بيض) ووادي (ريم) ووادي (عرمرم) ووادي (زنيف) ووادي (العمود).. وذلك بعد أن كسبوا ولاء قبائل المنطقة، من خولان وكنانة والأزد ومن خالطها، وقد انضوت تحت سيادتهم ومنها امتد سلطانهم على منطقة نجد[32] . وكانت السيادة محصورة في أسرة ينتهي نسبها إلى أبناء عمومة خالد بن الوليد حتى نهاية القرن الثاني من الهجرة، بعدها انتقلت مقاليد الأمور في نجد لذرية خالد المخزومي إذ تولاها منهم: محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي.

شهدت الخلافة العباسية في عهد المعتصم (218-227هـ) اضطرابات واسعة أثرت على الأوضاع السياسية في اليمن وما جاوراها، مصحوبة بدعوات دينية متنوعة[33]  وعمت الفوضى المناطق المحاذية لليمن كمخلاف بيشة الذي كان تواجد المخزوميين فيه ملحوظاً في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وكذلك بعض مواقع تهامة وأطراف نجد المحاذية للحجاز. في هذا الخضم وردت إشارات الى دور بني مخزوم مثل مناوشاتهم لبني زياد[34]  عندما انفصلوا باليمن عن العباسين. كما كان لبني مخزوم مشاركة في الصراعات المذهبية التي عانى منها اليمن والحجاز وفي التكتلات السياسية والدويلات التي نشأت على حساب مركزية الخلافة العباسية، إلا أن تبعية بني مخزوم ظلت قائمه للعباسين منذ بداية خلافتهم.

وباستقرار سلطة العباسيين سلّم العباسيون لبعض من المخزوميين بالولاية على بعض الأقاليم وقيادة العسكر، فقد كان لهم الولاية على بيشة، واستعان بهم العباسيون في قمع بعض الحركات المناهضة لهم والتي قامت خاصة في اليمن والحجاز وعالية نجد وذلك لقرب مواطنهم منها. وكانت للمخزوميين مكانة لدى العباسيين ويتضح ذلك مما قام به محارب بن الفضل بن على بن سعد بن هشام بن معاوية بن إبراهيم بن عبد اللّه بن موسى بن سليمان بن عبد اللّه بن المهاجر بن خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد، عندما كان والياً على بيشة حيث أرسل مجموعة من وجوه قومه بني مخزوم بزعامة ابنه (عياض) بن محارب الخالدي من الحجاز إلى العباسين في العراق[35]  طالبين أرضاً لهم في الطائف، ضاعت منهم أمام قوة بني أمية، فنفذ طلبهم وعادوا إلى ديارهم في الحجاز.

ومع بداية القرن الرابع الهجري، برز اسم (بني خالد) كقبيلة حجازية، منتشرة في أماكن عديدة، واستمرت تحمل هذا الاسم حتى اليوم. وقد صعد نجمها من خلال دورها في الأحداث المذهبية التي تعرض لها اليمن والحجاز، وشاركت بأفرادها في معارك إلى جانب العباسيين خرج بسببها أو على ضوئها اليمن والحجاز عن سيطرة الخلافة العباسية[36] . هذا الحدث أدى إلى ولادة قبائل أخرى[37] . كما وأدت تلك الصراعات إلى قيام أحلاف قبلية جديدة وتفكك أخرى قديمة وقيام كيانات سياسية مختلفة نتج عنها نشوء دول شملت بصراعاتها مختلف قبائل الجزيرة العربية[38] . وتشير الروايات التاريخية إلى أن الخوالد رحلوا عن بعض مواقعهم في تهامة والحجاز بعدما خسروها في الصراعات المذهبية والسياسية وانتقل على ضوئها مجموعة منهم إلى نجد وأقاموا في ربوعها[39]  فكانت بداية لهجرات أخرى تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية. فقد كان لمعارضتهم محمد بن زياد، الوالي العباسي الذي استقل لنفسه باليمن وأعلن دولة بني زياد وذلك بسبب ميله الأموي (فهو يتصل بعبيد اللّه بن زياد الذي قام بدور رئيسي في مقتل الإمام الحسين بن على رضي اللّه عنه) الأثر في هجرتهم من تهامة[40] .

انحاز النازحون في بداية الأمر إلى بيشة (مركزهم آنذاك) ودخل بعض منهم في صراع مع الإسماعيليين، كما حالفوا بني الحارث[41]  بن كعب بسبب العلاقة الطيبة والتاريخية التي بدأت منذ وجود خالد بن الوليد على رأس الوفد الذي بعثه رسول اللّه إليهم في نجران لدعوتهم إلى الإسلام، وحينها استجابوا لخالد ولدعوة الرسول، وقدم بوفد منهم على رسول اللّه [42] .

وكان بني خالد قد اشتركوا مع بني الحارث في حروب العلويين، وبرز منهم: الوليد بن حميد من ذرية خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد[43] ، وأحمد بن عبد اللّه من ذرية المهاجر بن خالد بن الوليد[44] . ومع نهاية القرن الثالث للهجرة انحصر تمركز بني خالد في منطقة بيشة - وكانت الأمارة لهم فيها - وكانت الأمرة فيهم بارزة في بيت محارب بن الفضل بن علي بن سعد بن هاشم بن معاوية بن إبراهيم بن عبد اللّه بن موسى بن سليمان بن عبد اللّه بن مهاجر بن خالد بن مهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي القرشي. هذا وتشير بعض الروايات[45]  إلى القول بأنه في عهد الأمير محارب المذكور على بيشة اختلف بنو خالد فيما بينهم على أمور تتعلق بعلاقتهم والعلويين في الحجاز، وبني العباس في العراق، ليخرج بسببها قسم منهم عن منطقة بيشة وينفصل عن قومه ويقيم في نجد. وفيها تحالف بنو معاوية بن إبراهيم بن عبد اللّه الخالدي إلى اليمامة وانضموا لبني الأخيضر من العلويين فيها ليبرزوا في نجد، وذلك من خلال تقربهم من زعماء بني الأخيضر العلويين في اليمامة ومشاركتهم الأحداث. أما آل فضل بن عيسي بن عبد الكريم بن مصلت بن مهنا بن فضل بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فرحلوا بدورهم أيضاً من نجد إلى شمال الجزيرة وانضموا مع من قبلهم لطيئ[46] .

هذا وما أن أخذ دور القرامطة يبرز على الساحة، حتى امتدت حركتهم من منطقة البحرين ووصلت لليمن والحجاز والعراق والشام، مما كان لها الأثر الكبير في تغيير الوضع السياسي والاقتصادي للقبائل العربية وحركتها في القرن الرابع الهجري. شاركت قبائل من اليمن والحجاز ونجد وشرق الجزيرة وبادية الشام والعراق حروب القرامطة منذ نهاية القرن الثالث الهجري - وكانت[47]  مشاركة بعض هذه القبائل نتيجة لاعتناقها مذهب القرامطة مثل بعض بطون كلب، في حين أن البعض الآخر وجد من هذه المشاركة مجالاً في تحقيق مكاسب مادية كمخزوم القرشية التي انخذل عنها بنو خالد وطيئ، اللتان شكلتا باتحادهما جزءً هاماً من جيش القرامطة.

ويتضح مما يقال[48]  أن بني خالد انضموا للقرامطة بعد ما دان لهم العلويون بني الأخيضر في اليمامة، والذين كانوا على علاقة طيبة مع البعض من ذرية خالد بن الوليد. ومن الخوالد جاء (بنو جروان) الذي كان لهم شأن في أحداث الجزيرة[49]  في القرن الثامن وقيام دولة في البحرين امتد سلطانها على نجد ليصل إلى اليمامة ويتوغل إلى أطراف الحجاز، هذا وتوضح بعض المراجع[50]  أن بني خالد خرج اغلبهم من منطقة بيشة أمام صراع قبائل اليمن والقرامطة، وانتشروا في نجد ضد معارضيهم من قبائل المنطقة، والتي بسببها انتقل كثير من أهالي اليمامة إلى مصر وكذلك بر العدان ومنطقة الخليج وخاصة أهل (قران) الذي هرب أغلبهم عام (310 هجرية) إلى منطقة البصرة[51]  وخرجوا عن اليمامة بعد هزيمتهم من قبل بني الأخيضر ومن يواليهم من بني خالد وغيرهم.

ويتضح أن بني الأخيضر العلويين في اليمامة، سلموا من خطر القرامطة في منطقة البحرين، بل وسادت بينهم علاقات مودة وتفاهم، وكانوا متفقين على هدف واحد وهو الثورة ضد بني العباس والخروج على سلطتهم. وقد ازدادت هذه العلاقة رسوخاً، بما تم بين إسماعيل بن يوسف بن محمد الأخيضر والذي كان يحكم في اليمامة في العقد الثاني من القرن الرابع للهجرة، وأبي طاهر، سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابي من اتفاقات وعلاقات. وعندما قام الأخير بمهاجمة (الكوفة) ساعده عرب الأخيضر باليمامة وعهد إليهم[52]  أبو طاهر ولايتها سنة (315 هجريه) في حين أقام الأخيضريون حصناً في صحراء العراق يزاولون من خلاله الإشراف على سلطة القرامطة في الكوفة. وقد أقام في الحصن أسرة خالدية تنتمي إلى بني معاوية، لتنفذ الأوامر بشأن الكوفة وكذلك بشأن القبائل التي توالي الأخيضريين أو تدين لحكم القرامطة. وبهذا التقارب الذي حدث بين القرامطة في منطقة البحرين وبني الأخيضر العلويين في اليمامة، قوي مركز بني خالد وأتباعهم في نجد، وذلك بسبب تواجدهم في منطقة تقع بين نفوذ السلطتين[53] .

وبهذا بقي بنو خالد يأخذون مكانتهم بين قبائل نجد، رغم قلة عددهم، وبرزوا على غيرهم من في المنطقة، بسبب تقرب زعمائهم من السلطتين السياسيتين في نجد والأحساء، وكان هذا شأنهم إلى أن ثار جعفر بن محمد الحسنى الموسوي على العباسيين، وخرج من مكة سنة (356 هجرية) بمساعدة من الفاطميين، واستولى عليها بأمر من المعز الفاطمي، وقد كان واليها آنئذ: عمرو بن خالد بن محارب بن الفضل بن علي بن سعد بن هشام بن معاوية بن إبراهيم بن عبد اللّه بن موسى بن سليمان بن عبد اللّه بن مهاجر بن خالد بن مهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي القرشي[54] .

وأمام تلك الثورة العلوية، تقلّص شأن بني الأخيضر في اليمامة التي أصبحت في قبضة القرامطة أكثر فأكثر. وفي بلاد الحرمين وقعت فتنة بين بني الحسن والحسين بن على بن أبي طالب على الأمارة، وعلى ضوئها استغل الأمر جعفر الموسوي العلوي بمكة سنة (358 هجرية) فخطب باسم الفاطميين بعد أن تم له الأمر فيها، إلا أن الأمر لم يدم طويلاً، فسرعان ما نافسه على ذلك العباسيون والقرامطة[55] . وبسبب تلك المنافسة السياسية على شؤون مكة المكرمة، أخذ نجم بني خالد في الصعود مرة أخرى في منطقة نجد، حين اعتمد القرامطة على زعماء من بني خالد في ولاية نجد والبصرة حين أحكموا قبضتهم عليهما، ودان الأخيضريون لحكم القرامطة السياسي. وبسبب تمدد نفوذ القرامطة إلى أطراف الحجاز، سلم بنو خالد من عمليات التهجير التي قام بها المعز الفاطمي، الذي نقل بعض قبائل الجزيرة العربية والشام إلى بلاد الصعيد في مصر، كبني هلال بن عامر بن صعصعة بن قيس بن عيلان، وبني سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان، وبعض من بطون ربيعه بن عامر أخوة هلال بن عامر[56] . وبسبب خروج هذه القبائل اشتدّ ساعد بني خالد في نجد، فاعتمد عليهم القرامطة في قيادة بعض الجيوش وولاية بعض الأقاليم. ويقول بعض المؤرخين[57]  أن القرامطة ولوا عامر بن خالد بن محارب الخالدي على نجد، وعمرو بن خالد بن محارب أميراً على بيشة، ورئيساً على قبائل تهامة التي توالي القرامطة، والمسيب بن رافع بن المقلد الخالدي على حصن الكوفة بمساعدة بعض من بني الأخيضر العلويين، وعلى قبائل البصرة وخاصة المعروفة باسم (الخلط) بعد أن هاجرت غالبيتها إلى أفريقيا. كما عيّن جراح بن شبيب بن مسعود بن سعيد بن حسان بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي على حصن الجبلين مع بني جعفر الطيار من ذرية علي بن أبي طالب، ورئيساً للقرامطة على قبيلة طي وكلاب في شمال الجزيرة وبادية الشام. كما عين القرامطة أيضاً رؤساء لهم من العلويين وبني خالد على حصونهم في عمان وعلى بعض قبائلها.

وبهذا النهج القرمطي تجاه العلويين وبني خالد المخزومين، قوي شأنهم وفازوا بولاء الكثير من القبائل العربية وخاصة التي تميل في تبعيتها للعلويين وبني خالد وحازوا على رضا الفاطميين، وصاروا يهددون الخلافة العباسية في معقلها، إلى أن توفي زعيم القرامطة المعروف (بالأعصم) والذي بوفاته سنة (366 هجريه) بدأ الضعف يدب في دولتهم، فاختلفوا وقاموا بانقلاب ضد أسرة أبي سعيد الجنابي[58]  ونفوهم جميعاً إلى جزيرة (أوال) وشكلوا مجلساً مؤلفاً من ثمانية أعضاء يسمي مجلس (السادة) لإدارة الدولة، أسندت رئاسته إلى اثنين من زعماء القرامطة هما (إسحاق) (وجعفر) حيث تولى الأخير الحكم ورأى أن ينفرد به، فظهر منافسون جدد على الساحة السياسية كان أبرزهم عقيل بن عامر بن خالد بن محارب الخالدي في نجد، حيث اكتشف ضعف القرامطة، وفرض عليهم جزء من حاصلات البحرين مقابل خفارة الحجاج وحماية التجارة[59] . وقد رضخ القرامطة بسبب ضعفهم لطلب شيخ بني خالد[60]  عقيل بن عامر والتزموا به ليصعد بعد ذلك نجم بني خالد في منطقة الخليج أمام ضعف القرامطة، حيث ما لبث أن تحالف الخوالد مع بني تغلب الحمدانيين، وذلك بعد لجوء إبراهيم بن محمد بن أبي الحسين على بن حمدان بن حمدون التغلبي إلى بني خالد في نجد وذلك في زمن شيخهم والد عقيل بن عامر[61]  على أثر الخلاف الذي وقع بينه وبين بني عمه من الحمدانيين، وحينئذ تحول بنو إبراهيم الحمدانيين وبنو معاوية الخالديين عن الإقامة في نجد فرحلوا عنها إلى (هجر) تاركين حياة البداوة، وأقاموا فيها مع نهاية القرن الرابع للهجرة.

[1]  طالع الجزء الثاني من كتاب ملا عبود الدهر، سيرة قبائل عرب إيران في خوزستان، ص ص199 - 206. وكذلك ص232.

[2]  لا يزال الكثير من كتب التراث العربي مخطوطة ومجهولة بمواقع تواجدها.

[3]  طالع من الكتاب المشار إليه في الوثيقة، ص189.

[4]  لعيد المذكور بقية في عمان عرفت منهم الشيخ سالم بن محمد بن عيد الخالدي (بصلالة).

[5]  صادق إبراهيم عرجون، خالد بن الوليد، ص46.

[6]  عباس محمود العقاد، خالد بن الوليد، ص (هـ).

[7]  بسام العلي، خالد بن الوليد، ص7.

[8]  فتوح اليمن الكبرى، الشهير براس الغول، للمؤرخ القصصي الشهير أبي الحسن عبد اللّه البكرى ص90.

[9]  بسام العلي، خالد بن الوليد، ص16 - 17.

[10]  محمد بن عبد اللّه بن قدامة، أنساب القرشيين، ص (494). عندما تطرق المؤلف لآل المغيرة قال أنه مات من ذرية خالد بن الوليد وإخوانه عشرون فتياً، بينما ذكر ابن قتيبة في المعارف، ص267، ما تعرضت له ذرية خالد بسبب طاعون عمواس وقال أنه تسبب في وفاة أربعين رجلاً، وهذا يؤكد أن هناك بقية من الذرية.

[11]  الجنرال أ. أكرم، سيف اللّه خالد بن الوليد، ترجمة العميد الركن صباحي الحالي، ص523.

[12]  د/ أحمد إبراهيم الشريف، دور الحجاز في الحياة السياسية في القرنين الأول والثاني للهجرة، ص307.

[13]  محمد بن حبيب البغدادي، المنمق في أخبار قريش، ص449، و ص452.

[14]  ابن الكلبي، جمهرة أنساب العرب، ص58.

[15]  ابن قدامه المقدسي، أنساب القرشين، ص207.

[16]  محمد حبيب البغدادي، المنمق في أخبار قريش، ص503.

[17]  محمد سعيد العرفي، سيرة خالد بن الوليد، ص110.

[18]  الأمام الشيخ حسن الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2، ص247.

[19]  مؤرج بن عمر السدوسي، كتاب حذف من نسب قريش، ص71.

[20]  محمود كامل، اليمن شماله وجنوبه، ص140.

[21]  أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، الأشتقاق، ص99.

[22]  عارف عبد الغني، تاريخ أمراء مكة المكرمة، ص145.

[23]  ابن قدامه المقدسي، التبيين في أنساب القرشيين، ص361.

[24]  د. احمد شلبي، مؤسسة التاريخ الإسلامي، الدولة الأموية، ج2، ص30.

[25]  مخطوطة في تاريخ هجر، مؤلف مجهول، ورقة 14.

[26]  ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج3، ص110.

[27]  جاء القول في مخطوطة تاريخ هجر عن سلسلة نسب آل جراح على النحو التالي: قال هم: بنو جراح بن شبيب بن مسعود بن سعيد بن حسان بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي. وأضاف: وقد اختلف أبناء عبد الرحمن بن خالد في زمن كل من عبد اللّه بن محمد بن منيع ومهنا بن فضل بن محمد بن عبد الرحمن على ولاية حصن لهم في بيشة يعرف باسم حصن (صبيح) وحدث بينهما شجار على ضوئه تحول غالبية بني مهنا بن فضل آنذاك مع بعض من قومهم مخزوم ولجؤوا إلى قبيلة طي، ليلحق بهم بعد فتره بنو جراح، عندما أتخذ منهم القرامطة رؤساء لهم في حصن الجبلين، وزعماء على قبائل شمال الجزيرة وبادية الشام مع بعض أفراد من بني جعفر الطيار، ليكثروا بعد ذلك باخوانهم بني مهنا بن فضل في طي، ويسودوا بكثرتهم في البادية على قبائلها، وليعرف الكل من ذرية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بعد ذلك بآل (صبيح) نسبة لحصنهم في بيشة، الذي خرجوا منه (المصدر: مخطوطة مجهولة المؤلف، ورقة رقم 6).

[28]  مجلة الواحة، العدد (10 – 11) الربع الثاني والثالث، عام 1418 هجريه، ص67.

[29]  د. مصطفى الحباري، الأمارة الطائية في بلاد الشام، ص45.

[30]  جبر بن سيار، مخطوطة في أنساب أهل نجد.

[31]  الحسن بن أحمد الهمداني، صفة جزيرة العرب، ص259.

[32]  إبراهيم بن على الحفظي، تاريخ عسير، ص38.

[33]  د. محمد عبد العال أحمد، بنو رسول وبنو طاهر، ص23.

[34]  إبراهيم بن على الحفظي، تاريخ عسير، ص36.

[35]  ملا عبود بن دهر، سيرة قبائل عرب إيران في خوزستان، ج1، ص39.

[36]  د. محمد عبد العال أحمد، بنو رسول وبنو طاهر، ص20.

[37]  عاتق بن عيث البلادي، بين مكة وحضرموت، ص331.

[38]  أحمد حسين شرف الدين، اليمن عبر التاريخ، ص188.

[39]  محمد عبد العال أحمد، بنو رسول وبنو طاهر، ص24.

[40]  المسعودي، التنبيه والأشراف، ص278.

[41]  عاتق بن عيث البلادي، بين مكة وحضرموت، ص252.

[42]  عاتق بن عيث البلادي، المصدر السابق، ص60.

[43]  مخطوطة في تاريخ هجر، مؤلف مجهول، ورقة7.

[44]  محمد حبيب البغدادي، المنمق بأخبار قريش، ص450.

[45]  مخطوطة في تاريخ هجر، مؤلف مجهول، ورقة (8).

[46]  ابن الساعي، علي بن أنجب، تاريخ الخلفاء العباسين، ص176.

[47]  د. مصطفى الحباري، الأمارة الطائية في بلاد الشام، ص44.

[48]  انضمام بنو الأخيضر بعد انهيار دولتهم في اليمامة لبني عامر من بني خالد يؤكد طيب العلاقة مع حي العلويين الموجود اليوم في مدينة عنك المنسوب إليهم عندما جاؤوا إلى المنطقة برفقة بني عامر بن عقيل الخالدي مع بداية انهيار القرامطة وبروز بني خالد في بادية البحرين ونزولهم بعد ذلك القطيف.

[49]  د. عبد اللطيف الحميدان، التاريخ السياسي لأمارة الجبور، مجلة كلية الآداب، جامعة البصرة، العدد (16) السنة الرابعة عشرة، ص41.

[50]  مخطوطة في تاريخ هجر، مؤلف مجهول، ورقة (12).

[51]  عبد اللّه بن يوسف الشبل، الدولة الأخيضرية، من تاريخ اليمامة، ص463.

[52]  المسعودي، التنبيه والأشراف، ص347. وقد جاء القول عن المسعودي في الكتاب المشار إليه أن أبي طاهر بعد أن استباح الكوفة سلم أمرها لإسماعيل بن يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بالأخيضر صاحب اليمامة.

[53]  عبد اللّه بن يوسف الشبل، الدولة الأخيضرية، من تاريخ اليمامة، ص462.

[54]  أحمد السباعي، تاريخ مكة، ص194.

[55]  المصدر السابق، ص194.

[56]  د. عبد العزيز مطر، لهجة البدو في الساحل الشمالي لجمهورية مصر العربية، ص22.

[57]  مخطوطة تاريخ هجر، مؤلف مجهول، ورقة (16).

[58]  محمد سعيد المسلم، واحة على ضفاف الخليج، ص211.

[59]  د. عبد اللطيف الحميدان، أمارة العصفوريين، مجلة العرب ج1، 2 السنة 15، عام 1400هـ، ص78.

[60]  الشيخ عبد الرحمن أل كريع – هدية الأصحاب في جواهر أنساب منطقة الجوف، ج2، ص127.

[61]  د. مصطفى الشكعه، سيف الدولة الحمداني، ص37.
عضو هيئة التحرير
239424