ملاحقة الإبداع.. (زَمَكانيًّا)..
مؤسسة جائزة عبدالعزيز البابطين للإبداع الشعري..
محمد الجلواح * - 20 / 2 / 2011م - 7:31 ص - العدد (16)

تتدفق الموسوعات المعجمية، والتراجمية في السنوات الخمس الأخيرة بشكل محلوظ، في مجالات عامة، وأخرى تخصصية وبطباعة أنيقة، ومتنافسة، وإخراج جذّاب جميل، وأبرز هذه الموسوعات -في رأيي، وربما شاركني في ذلك البعض- هي موسوعة (معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين) المخصص لتراجم الشعراء الذين هم على قيد الحياة فقط.. كتكريم مباشر وملموس يراه الشاعر في حياته.

وقد صدرت الطبعة الأولى من المعجم عام 1995 واشتمل على 1644 شاعر وشاعرة من الوطن العربي وخارجة.

هذا وتقوم المؤسسة بالعمل الدائب الموصول إلى المرحلة الأخيرة لإصدار الطبعة الثانية من المعجم المذكور بمراعاة كل الملاحظات والإضافات والاستكمالات وغيرها.

كما تقوم المؤسسة في الوقت نفسه بإصدار أول موسوعة من نوعها للشعراء الراحلين فقط بعنوان (معجم البابطين لشعراء القرنين التاسع عشر والعشرين).

وحول القيام برصد المعلومات للمعجم الثاني سيكون مدار موضوعنا هذا فيما يتعلق بالتراث بشكل عام.

إن هذا التوجه من المؤسسة هو ظاهرة صحية عالية، ولها إيجابياتها الكثيرة التي لا تخص على المتابع المختلفة متكئة -أي تلك الأسماء- على خدمة التراث أولاً ثم خدمة الوطن، والبيئة ثم دخول ذلك في الإطار الحضاري العام.

وهي إيجابية لأنها تعرّف الأجيال اللاحقة بأعمال ومآثر، ومنجزات الأجيال السابقة، فيُكْمل الابن ما توقف عنده ومعه الأب، ويأخذ الشاب ما ذهب به الشيخ، وهكذا.

وأرى أن هذه الظاهرة هي أيضاً ظاهرة صحية على وجود الوعي المضيء، لما يصاحبه من جهد عظيم ومعاناة شديدة وإحباطات متلاحقة، ومتابعات مُضْنِية، وأموال مبذولة، وأوقات ثمينة، وغير ذلك.

ذلك لأن من يقوم بمثل هذا العمل الضخم سيواجه أموراً كثيرة منها:

1- التعريف بماهية عمله، وهدفه، وفائدته.

2- ملاحقة المعلومات المتناثرة عن الشخص المُتَرْجَم له من مصادر ومراجع، وأشخاص عدّة للوصول إلى المعلومة الأخيرة المؤكّدة الصادقة التي سيرسمها الراصد في المعجم بشكلها النهائي والتاريخي..

3- تذليل العقبات والموانع التي تواجه الباحث من لدن أسرة المترجّم ومعاناة ووعود تفي تارة ولا تفي أخرى.

والمعروف أننا في الخليج عموماً وأجزاء كبيرة من الجزيرة العربية، والوطن العربي، لا يُوْلي آباؤنا وعلماؤنا، ومبدعونا اهتماماً يذكر بأنفسهم، وأعمالهم، ومآثرهم، بل كانوا يُفْرِطُونَ في التواضع والغمْر والظن بأن أعمالهم تلك لا تستحق الكتابة أو التنويه عنها أو متابعتها.. لأن هناك -حسب ظنهم- ما هو أفضل منها.... إلخ.

وهذا الإفراط في التواضع، والتقليل من أهمية الأعمال.. جعلهم -بكل أسف- يُفَرِّطون في القيمة الفعلية، والتاريخية للفكر البشري في المنطقة مما ترك مسؤولية صعبة لدى الباحثين والراصدين والجامعين للتراجم للحصول على ما يمكن الكتابة فيه عنهم..

وهنا.. لا نستبعد -والحال تلك- أن مئات الأعمال ومئات الأشخاص المبدعين.. قد تكون اندثرت، ولم تترك لها أيّ أثر.. أو أي خيط متابعة للكشف عنها.

كما يذهب الظن إلى أن أبرز الأسباب التي جعلت أجزاءً كبيرة من الجزيرة العربية.. كالمنطقة الشرقية: (الأحساء - القطيف - الجبيل) من المملكة وأجزاء أخرى من الخليج تفقد الكثير جداً من تراث أبنائها وفكرهم: هو هذا الجانب، إضافة إلى جوانب أخرى مركزية، وعقائدية، وجغرافية، واقتصادية، واجتماعية..

وأقصد بالجانب المركزي هنا.. هو بُعْد هذه المناطق عن العواصم والحواضر، ومُدُن صنع القرار التي تتمتع بالأقلام المتعددة التي تدوّن وتوثق كل ما هو قريب من الحاكم والسلطة.. إلى جانب عدم اهتمام أولئك الحكّام أنفسهم.. بالجانب الفكري.. إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة..

فقبل حوالي أربع سنوات كُلِّفْتُ رسمياً، ومجموعة من الزملاء في الأحساء والدمام من قِبَل (مركز ا لتراث الشعبي) التابع للأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي الذي يتخذ من العاصمة القطرية (الدوحة).. مقراً له.. لجمع وتسجيل وكتابة (الحكايات الشعبية) الشفهية التي كانت تروى، وتقال بين الناس في جلسات السمر، أو في المناسبات، أو التي تقال للأطفال قُبَيل النوم.... إلخ.

ويعلم اللَّه وحده كم لاقينا جميعاً من المتاعب والمعاناة للقيام بذلك وكيف واجهنا ذلك عملياً وميدانياً، ولا حاجة هنا للقارئ الكريم أن يعرف التفاصيل في هذا الأمر....

المهم.. أننا خرجنا -بعون اللَّه وتوفيقه- بِمُحَصِّلة ممتازة من تلك الحكايات، ولكن هذه المحصِّلة طحنت الكثير من أعصابنا، ووقتنا، والأهم من ذلك أننا قدّمنا على قدر استطاعتنا.. خدمة تراثية هامة لأحد وجود الإبداع في خليجنا العزيز..

وتتكرر المسألة ذاتها الآن في المساهمة بمشروع مؤسسة البابطين لإبراز معجم الراحلين للقرنين التاسع عشر والعشرين في المنطقة الشرقية من المملكة.

صحيح أنك تجد متعة كبيرة في ذلك، ولكنها متعبة جداً.

وما أريد قوله والدعوة إليه هو أن يبادر كل من يقرأ هذه السطور وهو في موقعه، وبلده، ومنطقته، وبغضّ النظر عن العمر.. أن يبدأ، ويواصل البحث عن هذا التراث العربي الذي لا يقتصر على المنطقة الشرقية فحسب، بل تعيشه معظم مناطق ومدن وقرى الخليج.

كما أن مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري: لم، ولا، ولن تألوا جهداً في إبراز ذلك سواءً فيما يتعلق بالمعاصرين الأحياء.. أو الراحلين.

وأتذكر هنا شيئاً في هذا المضمار.. فإلى ما قبل حوالي عقد من الزمن وما قبله من العقود، كان الكثير من الأدباء والمهتمين بالتراث الإبداعي (وبخاصة الشعري) يحلم بوجود من يقوم ويتولى جمع هذا التراث، وتوثيقه وإبرازه.

.. أمَا وقد هيأ اللَّه هذه المؤسسة الجادة التي برهنت على أقوالها بالأفعال والإنجازات، بل وملاحقة ذلك فأعتقد أنه لا يجب أن نفوّت هذه الفرصة الذهبية، وأن لا نركن إلى الأمنيات والأقوال التي تتردد في المجالس والديوانيات وغيرها دون الأفعال وأن نبقى في دائرة التمني والكلام.. حتى إذا ما جاء من يحقق أمنياتنا ركنا إلى الكسل وقمنا (ببهدلته) حتى (تطلع روحه)، وهو يركض، ويتابع، ويلاحق و (يستجدي).... إلخ.

إلى جانب ما قد يتبع ذلك من بعض التكاليف المادية في الاتصالات وغيرها.. خدمة للإبداع وأهله في منطقته.

فيا أيها الأبناء عليكم إبراز تراث آبائكم وأجدادكم الشعري الفصيح، عبر هذه المؤسسة وغيرها من الإبداعات الأخرى.. فالكُرة الآن –كما يقول أحبتنا الرياضيون- في ملعبكم أنتم..

وبصفتي مندوب لمؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود  البابطين للإبداع الشعري في المنطقة الشرقية من المملكة فإنني على استعداد وللتعاون مع أي شخص يريد أن يطرق هذا الباب.. سائلاً اللَّه للجميع العون والتوفيق.

قُبْلة للآباء.. من بُعْد:

آباؤنا شمعة الأيام ما بَرِحَتْ

تُضيئُنا حيثما كانوا وما قَطَنُوا

هم، عَبَّدُوها دُوُرباً في كفاحهم

كَيْمَا نسير فيحلو الدربُ والسَّكنُ

وقدّموا زهرةَ العمر الجميل لنا

وقدّموا الحبّ رقراقاً فما دُفِنُوا

بلاديَ اليوم عطر الأمس فرشفُهُ

لا نرتوي منه مهما عضّنا الزمن

 

 

محمد الجلواح

مندوب مؤسسة جائزة

عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري

بالمنطقة الشرقية

ص.ب: 35045 –الأحساء- 31982

جوال: 055924439

شاعر وكاتب
323500