الشيخ علي نقي الأحسائي
لمحات من سيرته وأدبه
عقيل بن ناجي المسكين * - 20 / 2 / 2011م - 7:36 ص - العدد (16)

نقف في هذا المقال مع أحد علماء المنطقة الأعلام الذين وصلوا لمرتبة الاجتهاد والفتيا في القرن الثاني عشر.. وسنستعرض بعضاً من الجوانب التي تطرق إليها في شعره وإبداعه الأدبي ومنها اللطائف والطرائف، حيث سنجد أن هذا العالم الكبير لم يتنكر لهذا الجانب الإنساني في أدبه حتى أن ديوانه -وهو بغالبه يحتوي على قصائد جادة في موضوعاتها ومضامينها كالغزل والمدح والهجاء والرثاء والوصف وغيرها- يوجد فيه أيضاً مقطوعات فكاهية ضاحكة تنم عن أريحية هذا العالم وانشراح صدره بالفكاهة والدعابة المباحة مع مريديه ومتلقي علمه وأدبه والآخرين من حوله.

قبل الشروع في استعراض بعض ما جاد به من هذا اللون الأدبي نتعرف عن كثب على هذا العالم الكبير من خلال هذه الترجمة التي اقتطفناها - بتصرف وشيء من الاختصار - من ديوان الشاعر والذي قام بتحقيقه والتعليق عليه محمد كاظم الطريحي، وهذه الترجمة وضعت هذا الرجل الكريم والعالم الفذ في مكانه الذي يستحقه ومقامه الرفيع، وقد رأينا أن نوردها لتعريف القارئ الكريم بمكانة هذا العالم الكبير وكيف أنه يتعامل مع الفكاهة والضحك في أدبه وشعره لغرض نبيل يحبذه الشارع المقدس وتقره تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

نسبه

"هو العلامة الجليل التقي الشيخ علي نقي المعروف ببدر الإيمان بن الشيخ الأوحد الشيخ أحمد بن زين الدين بن إبراهيم بن داغر بن راشد بن دهيم بن شمروخ آل صقر المطيرفي الأحسائي"[1] .

تحصيله العلمي

"ولاشك أن ولادة المترجم كانت في الأحساء (هجر) وقد تتلمذ على أبيه وعلى جمع من العلماء والأدباء، قال القزويني في رجاله: الشيخ علي بن الشيخ أحمد الأحسائي وهو على ما سمعت كان جليل القدر عظيم المنزلة يوقرونه كمال التوقير، ويبجلونه كما هو الحال في أكثر من انتسبوا إلى الشيخ والده"[2] .

مكانته العلمية

"… ذكره كل من تعرض لترجمته بالإكبار والإجلال، وعظم المنزلة، ورفعة الشان، وقيل عنه أنه كان يحفظ اثني عشر ألف حديث مع السند، وما يتلى عنده شعر إلا قرأه من أوله إلى آخره، والمشهور عن أبيه أنه قال: علي أحفظ مني"[3] .

" وقال السيد كاظم الرشتي: ولقد سمعت أنا من الشيخ التقي الصالح العلي الشيخ علي بن شيخنا وأستاذنا - أعلى الله مقامه -، وكان من العلماء المبرزين، والفضلاء المتبحرين، وكان من حملة الأسرار…"[4] .

" وقال الميرزا محمد تقي الشريف الممقاني عند تعرضه لكتاب نهج المحجة: كتاب نهج المحجة في إثبات الإمامة للشيخ الأعظم، والطود الأفخم بقية الأوائل، ومجمع فنون العلوم والفضائل علي نقي بن أحمد بن زين الدين الأحسائي -أعلى الله مقامهما، ورفع في الخلد أعلامهما- كان -قدس سره- من تلامذة أبيه جامعاً لجل العلوم العقلية والنقلية، حائزاً للكمالات الصورية والمعنوية، حاملاً للأسرار، حافظاً للأخبار، حتى سمعت جماعة ينقلون عنه: أنه كان يقول: أحفظ أثني عشر ألف حديث بأسانيدها، وله قدس سره في كل من علميّ المعقول والمنقول مصنفات أنيقة متقنة تشهد لصاحبها الغوص في تيار لا يساحل، والبلوغ إلى ذروة فضل لا يحاول…"[5] .

أسفاره

"رافق أبيه في أكثر أسفاره إلى العراق وإيران، وحصلت له أسفار بمفرده إلى بعض المدن العراقية والإيرانية نظم في بعضها أبياتاً"[6] .

مؤلفاته

" نهج المحجة في إثبات إمامة الاثني عشر عليهم السلام" في مجلدين طبع الأول في النجف سنة 1370 هـ مع مقدمة ضافية كتبها العلامة المجتهد الحاج ميرزا علي الحائري، وطبع الثاني في تبريز سنة 1373هـ.

منهاج السالكين في السلوك والأخلاق، ذكر الطريحي أنه بوشر في طبعه بتبريز سنة 1374هـ.

مشرق الأنوار في الحكمة، ذكره الميرزا موسى الأسكوئي في إجازاته ص 31.

رسالة في رد من اعترض على والده في المعاد، وقد فرغ من تسويدها في يوم الجمعة ثالث شهر جمادى الأولى سنة 1233هـ وذكر محقق ديوانه محمد كاظم الطريحي في الهامش أن لديه نسخة منها.

رسالة في تفسير قاب قوسين،وذكر الطريحي في هامش تحقيقه للديوان أن لديه نسخة منها.

رسالة في شرح توحيد الشيخ عبد الكريم الجيلاني.

رسالة موسى والخضر، وذكر الطريحي في هامش تحقيقه للديوان أن لديه نسخة منها.

رسالة في علمه تعالى وتسمى الرسالة العلمية أيضاً، وقد فرغ من تأليفها في الليلة التاسعة من شهر جمادى الأولى سنة 1241هـ.

رسالة كتبها بأمر أبيه في أجوبة بعض المسائل، ذكرها الأسكوئي في إجازاته ص31

ديوان شعره

كشكول في مجلدين، يقول الطريحي أنه رأى المجلد الثاني منه في مكتبة العلامة الفقيه الشيخ محمد باقر المازندراني، وهو بخط المؤلف، وقد كتب في آخره نظام العلماء: هذا المجلد الثاني من كشكول جناب الشيخ علي نقي الشهير بالشيخ علي بن الشيخ أحمد الأحسائي .

صاحب شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، انتقل إلى ابنته بالإرث وهي وهبت هذه المجموعة مع مجلد آخر لولدي العزيز الشيخ علي الشهير بجناب - سلمه الله - وهاتين المجلدين أمانة شرعية عندي، وكتب بيمناه الجانية الفانية محمود بن محمد التبريزي الشهير بنظام العلماء عفا عنه وعن والديه في شهر جمادى الثانية سنة 1271هـ"[7] .

وفاته

" ذكر وفاته تلميذه المازندراني الآنف الذكر قال ما نصه: تاريخ وفاة مولاي وسيدي وسندي الحكيم العارف الزاهد المرحوم المغفور له الشيخ علي نقي بن المرحوم الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي صبح يوم الأحد الثالث والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة 1246هـ في كرمنشاهان[8]  ودفن في خارج البلد في الطريق الذي يروحون منه إلى كربلاء بوصية منه لأنه كان ممن لا يجوز نقل الجنائز، ومات بمرض الطاعون، وقد عاش بعد والده خمس سنوات و أحد عشر يوماً"[9] .

شعره

" وشعر الشيخ علي نقي متفرق في مجاميعه، وفيما كتبه من مؤلفاته (10) على أنه جمع ديوانه في حياته، وأصلح الكثير من أبياته، وديوانه الذي تم العثور عليه من قبل المحقق الطريحي هو النسخة الوحيدة - على الظاهر - التي استكتبها لنفسه، وقد أجرى قلمه في تصحيح ما فات ناسخها من أغلاط وتتكون … من 126 صفحة مسطرتها 17 سطراً مكتوبة بالقلم النسخي المشوب بالثلث وعليها إصلاحات كثيرة …، ولم تخلو من الأغلاط الإملائية واللغوية كما أنها غير منظمة في التبويب ولا الترتيب لذلك التزم المحقق تبويب الديوان، وتنسيق قوافيه حسب ما تطرق إليه من فنون الشعر وجمعها في سبعة أبواب: الغزل والنسيب، المدائح والمراثي، الأمثال والحكم، الفخر والحماس، الذم والهجاء، الألغاز والأحاجي، وباب آخر جمعت فيه ما تفرق من الفنون الشعرية الأخرى".

" والشاعر في ديوانه مطبوع غير متكلف، مقل لا ينظم إلا في المناسبة وأكثر ما نظمه ما كان مرتبطاً بحياته، لذلك يمكننا تصوير عصره الذي عاش فيه، وما صادفته من العقبات، والنكبات، والأزمات النفسية التي خلقت منه شاعراً محلقاً".

"وهو عالم أديب أكثر من كونه شاعر مفلق لعدم تمرسه في الصناعة الشعرية ليكون شاعراً فحسب بل كان حكيماً إلهياً، ومرجعاً دينياً، ذكره من أرّخ له بأنه كان أديباً رجالياً، وحكيماً فقيهاً عارفاً، ولم يذكر عنه أنه كان شاعراً يعد في الطليعة لذلك تراه فيما نظمه لا يتعدى أسلوبه الخاص في نظرته إلى الحياة والمجتمع، فلم يحلق كغيره من الشعراء ليقتطف معنى خيالياً مبتكراً، على أنه إذا عدّ شعراء عصره يمكننا أن نجعله في الرعيل الأول منهم، إلا ترى المعاني تتسابق لديه فيما تطرق إليه من المنظوم والمنثور، والشاعر الذي يسمو محلقاً في قوله:

يا سقى الله زماناً قد مضى

وتباريح الهوى هزلٌ وجِدُّ

قد تولى و النوى يسعفه

ولقلب الصب تبريحٌ ووجدُ

ما لأهل الحب من أسر الهوى

وتباريح النوى و الوجدُ بدُّ

إلى غير ذلك مما ضم هذا الديوان من فصيح القول، ومليح الإشارة، وحسن التضمين، والإجادة في التعبير، وبعد هذا ألا يحق لنا أن نعده من فرسان هذا الميدان …"[10] .

نماذج من موضوعات شعره:

قال في الوصف:

أضاء الليل وابتسم النهارُ

وضوء النيرين به معارُ

أرى شمساً تجلى جنح ليلٍ

وبدراً ليس يمحقه النهارُ

وأنجم ثرها لما بتدتْ

وشمس الحسن طالعة أنارُ

إذا لبست أديم الحسن يوماً

تكاد الشمس إن غربت تغارُ

ورنحها الشباب بغصن قدٍ

كغصن البان زينه الوقارُ

وسلست المراشف من لماها

عقاراً لا يمازجها عقارُ

وغيرني الوشاة بوصل ليلى

وما علموا بأن جفاك عارُ[11] 

وقال في مدح آل البيت عليهم السلام:

شموس هدى تجلو الغواية والعمى

بحور طمت والبحر يغرق سابحه

غيوث ندىً إن أجدب المجد والحيا

ليوث وغىً يوماً تعالت صوائحه

رجال أشاد الله في الذكر مدحهم

فمن يحصى مدحاً للذي الله مادحه

إذا جاء في التنزيل مجمل فضلهم

فإن رسول الله في الخلق شارحه[12] 

وقال يرثي أحد أولاده:

رماني زمابي بالبلا والمصائبِ

وأوقفني غرضاً لسهم النوائبِ

وماكرني في مستفز صروفه

وعاملني من صفوه بالشوائبِ

وأخنى عليّ الدهر فيمن رجوته

كفيلاً لأيتامي وذخر العواقبِ

وأضنى فؤادي واستجد مصائبي

أخي وابن عمي والرجال الأطايبِ

وكدر عيشي واستحال شبيبتي

وألبسني ثوب الأسى بالمعاطبِ

وصاحبني بالعذر حتى ألفته

وما كنت أدري أنه شرّ صاحبِ[13] 

ومما قال في رثاء (زوجته) من قصيدة طويلة:

فيا لهف نفسي حين قرب نعشها

ويا ويح روحي كم تقاسي من الشرِّ

جرت لي الأمور الحادثات فروعتْ

وما كنت أدري قبل فرقاك ما يجري

تجود الغوادي المدلجات بمائها

وتنهل عيني من مدامعها الحمرِ

" نوار " لقد حلت بترك رحمة

تعطر منها ساكن البر والبحرِ

" نوار " خذيها بالتحية واعلمي

بأن الليالي وصلها ليلة القدرِ

سقى الله قبراً يا " نوار " إكتنفنه

هواطل غيث ضم قلبي من قبرِ[14] 

وقال مشطراً قول الشاعر:

(كانت قريش بيضة فتفلقت)

عن خالص الأعراق والأحلافِ

إن كان تيم مع عدى قشرها

(فالمح خالصه لعبد منافِ)[15] 

ومما قال في النصيحة من منظومة طويلة:

اسمع حسين ترشدِ

واقبل مقالي تهتدي

ليس الصديق من ملق

في قوله وما صدق

أخلف من عرقوب

في وعده المكذوب

لو قيس بابن عامر[16] 

في البخل أو بمادر[17] 

وقال مفاخراً بعض أعرابا نجد:

إذا افتخرت قومي بمجد مؤثلٍ

ففخركم شغر[18]  وحلب عشار[19] 

فوا أسفاً للمجد يكبو جوادَهُ

ووا عجبا البرذون[20]  كيف يجارى

لقد كانت الأنساب في جنب وائل[21] 

كمثل سراج في ضياء نهارِ

فمن ذا يدانى للمكارم غيرنا

ومن ذا يدانى غيركم لشنارِ

أقول له كف الفخار فإنما

مفاخركم بين الأنامِ عواري[22] 

لقطات من لطائف و طرائف أشعاره

غزليات لطيفة:

لكثير من العلماء الذين يقرضون الشعر غزليات عفيفة صاغتها يد الخيال ولم تنمّ عن حقيقة تزري بشخصياتهم كعلماءٍ أتقياء، ومن لطائف غزليات الشيخ علي نقي الأحسائي قوله على طريقة " قالت وقلت " - ويلاحظ في هذا النوع من الشعر مقابلة السؤال بجواب لطيف:

قالت: تراخيت عن وصلي، فقلت لها:

قد كان وصلكِ موقوفاً على تلفي

قالت: فأغراكَ واشي الهجر، قلت لها:

لما أتى عنكِ واشي الجورِ بالسرفِ

قالت: عليّ فعدْ يوماً، فقلتُ لها:

عودي أعودُ وأحي العود بالرشفِ

قالت: فخذْ لك ما ترضاهُ، قلتُ لها:

أرضاكِ لا أرتضي وعداً بلا نَصفِ

قالت: فها مهجتي رهناً، فقلت لها:

ومهجتي فخذي نقداً بلا سَلفِ

قالت: بقربكَ فابعثني، فقلت لها:

من رقدة الياس لا من رقدةِ الشغفِ[23] 

وقال مرتجلاً يصف خداً لإحدى الحسناوات على سبيل الخيال فيما أظن أو أنه يصف خدَّاً لطفلة جميلة،وإلا فإن الشيخ علي أحد العلماء الأعلام والمشهور بتقواه وورعه كما جاء في ترجمته:

قلتُ لها لما بدا خدها

مثل هلالٍ طالعٍ من خلال

هذا جمال الله سبحانه

سبحان من حلاّكِ هذا الجمال[24] 

في المصاحبة:

هنا يستخدم عدة معاني تبدأ بحرف الصاد وفي هذه الطريقة صناعة واضحة إلا أنها لا تخلو من اللطافة والطرافة.

إن نلتَ في العمرِ صاداتٍ ثمانية

نلتَ المنى وأنلتَ القلبَ ما طلبا

صحبٌ وصدقٌ وصفرٌ ثم صافيةٌ

وصوب غيثٍ وصدرٌ والصفا وصبا[25] 

في إذاعة السر للنساء:

على ما يبدو أن الشاعر يستحضر الحديث القائل: " استعينوا على أموركم بالكتمان " و الحديث الذي يقول: " سرك من دمك فلا يجرين في غير أوداجك "، أما بخصوص نصيحته بعدم استيداع السر للنساء فإنه في محله خصوصاً عندما يكنّ غير أمينات على السر فحكمهن حكم الرجال أيضاً، وهنا يركز الشيخ على النساء لشهرتهن بالثرثرة وكثرة القيل والقال كما هو متعارف عند كل الشعوب لذا فإنه يخص المرأة هنا بهذين البيتين ويصورها بطريقة فكاهية في عدم حفظها للأسرار وفيهما نقد واضح لهذه الظاهرة الاجتماعية:

إن تجعل السر مكشوفاً لذاتِ حرٍ

فإن سرك بين الناسِ مفضوحُ

أضعتَ سرك في بيتٍ بلا غلقٍ

ولا مقاليد فيه وهو مفتوحُ[26] 

وقال في بدء بيتين للصفدي وهو صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، أديب مؤرخ كثير التصانيف ولد في صفد بفلسطين سنة 696 وتوفي في دمشق سنة 764 للهجرة:

لقد ضلّ شيخٌ يبتغي الدهرَ مطعما

وقد خابَ مما يرتجي وهو متعوبُ

يقولُ ويرجو أن ينالَ مطالبا

وفي قوله عتبٌ عليهِ وتأنيبُ

(ثمان إذا جاد الزمان لنا بها

فما لي عليها بعد ذلك مطلوبُ)

(مقامٌ ومفروشٌ ومزحٌ ومأكلٌ

وملهاً وملبوسٌ ومالٌ ومحبوبُ)[27] 

وقال أيضاً بيتاً في بدء بيتين للصفدي أيضاً:

يقولُ شيخٌ تمادى في غوايتهِ

إذ هو بذلك عند اللهِ مفتونُ

(إن قدّر الله لي بالعمرِ واجتمعتْ

سبع فما أنا باللّذاتِ مغبونُ)

(قصرٌ وقدرٌ و قوّادٌ و قحبتهُ

وقهوةٌ وقناديلٌ وقانونُ)[28] 

في هجاء رجل اسمه سليمان:

وفي هذا الهجاء شيء من القسوة على الرجل ولا أدري ما قصته معه حتى يستحق هذا الهجاء اللاذع ولم يذكر الشاعر أو الطريحي محقق الديوان أي شيء عن هذا الرجل:

إن سليمان إذا شمتهُ

رأيتَ خبثَ الأصلَ في جبهتهْ

ليس لهُ أصلٌ فيدعى بهِ

وأمُّهُ أعهرُ منْ جدَّتهْ[29] 

في قومٍ أخلفوهُ وعداً:

خلف الوعد من علامات النفاق كما جاء في الأحاديث، والشيخ علي هنا يزدري ممن أخلفوه وعداً ويهجوهم بطريقة طريفة:

ما كنتُ أرجو منكمُ بغيةً

لا والذي شقّ عيونَ الورى

لكنما سيري إلى نحوكم

كرهاً كسيرِ الدهرِ يسعى ورى[30] 

في مائدة حضرت:

هذا النوع من الشعر يكثر في مجالس العلماء والأدباء وأكثر ما يقال من هذه الأشعار يأتي في لحظته على سبيل الارتجال السريع أو الارتجال بالتروّي وإعمال الملكة الشعرية عندهم، وعادة ما يتم وصف الأطباق وألوان الطعام وشوق الحاضرين في المجلس إلى هذه المائدة وما إلى ذلك:

ومائدةِ الكرامِ أتتْ ببشرٍ

مكللةً فلا تأتي ببؤسِ

إذا حضرت بأطباقٍ تهادى

إلى الأضيافِ تحمل بالرؤوسِ

من العسلِ المصفى حين تهدى

تميل لوصلها كل النفوسِ

فلو نظرت لها العباد يوماً

لصلاها المزمزمُ بالمجوسِ[31] 

وقال في مائدة حملت لهم:

ومائدةٍ أتتنا من كريمٍ

كمائدةِ المسيحِ أو الكليمِ

تبشرُ بالخلودِ إذا أتتنا

تزف لنا بجناتِ النعيمِ

مجاج النحلِ أدناها مذاقاً

تهشّ لوصلها نفس الحليمِ[32] 

في القهوة:

هنا أبدع شاعرنا عندما أنطق " القهوة " مبتدئاً بقوله: " قالت لي القهوة … " أي وجهت الخطاب له، وليس ذلك فقط بل جعلها تخطب بين الجالسين عندما قال: " وخاطبت قائلة بيننا.." ثم يجعل من القهوة تتغزل بثغور الحسان عندما قالت " أحظى برشف من ثغور الحسان ":

قالت لي القهوة لما بدتْ

في الكأسِ تفترُّ بأيدي الجمانِ

وخاطبت قائلةً بيننا

مقال صبٍّ معربٍ باللسانِ

لم أحترق بالنارِ إلا لكي

يحترق الساقي بكأس الدنانِ

وما سكنت الكأس إلا لأن

أحظى برشفِ من ثغور الحسانِ[33] 

في علة رفع زيد ونصب عمر:

هنا يوظف الفكاهة في موضوع تاريخي عقائدي يدور حول الولاية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في قالبٍ نحوي جميل.. وكم في تراثنا العربي من النكات اللطيفة في المسائل النحوية والصرفية حيث برع أدباء التراث في مقاربة عدة مواضيع مختلفة في المنحى والاتجاه ولكنها متوحدة في الفكرة والمضمون وهذين البيتين من مصاديق ذلك.

أتسألُ دائماً عن رفعِ زيدٍ

فزيدٌ كان اسماً للولي

وعمرٌ نصبهُ لا شكَ فيهِ

علامةُ نصبهِ بغضُ الوصي[34] 

الألغاز والأحاجي... صورة أخرى من الفكاهة والتسلية

كانت مجالس العلماء والأدباء في زمن الشيخ علي نقي الأحسائي منشغلة بكثير من الآراء والمعتقدات وقد مثلها في مدائحه ومراثيه وأهاجيه، ومن الأمور التي كانت هذه المجالس منشغلة بها في ذلك الزمن هي الألغاز والأحاجي التي برع فيها عدة من الشعراء والأدباء وقتئذ ومنهم الشيخ علي، والغرض الأساسي من هذه الأحاجي والألغاز لدى هؤلاء العلماء وطلبة العلوم الدينية هو قتل الفراغ والترويح عن النفس من عناء الدروس والمراجعة العلمية، وتأتي هذه الألغاز والأحاجي على سبيل النظم الخليلي الخالي من أركان الشعر الحقيقي كالخيال والصور البيانية والمضامين الشعرية المتعارفة.. ومن هذه الألغاز والأحاجي نورد بعض الأمثلة المنظومة والمنثورة مع أجوبتها، ومن أمثلة الألغاز المنثورة ما يلي:

(1)

ما سائرٌ يمشي على رأسهِ

ونطقه في عدّ أنفاسه

يخطرُ تيهاً في الورى راكباً

وهو ذليلٌ بين جلاَّسه

فارس لا يركب ذا أربعٍ

وذو ثلاث خيرُ أفراسه

رجلاه في فيهِ وذا عينهُ

تبصرُ أحياناً بأنكاسه

ينطقُ مأموراً وفي نطقهِ

أشبه ما يأتي بأخراسه

تأتمرُ الأملاكُ من أمرهِ

إذ كان مأموراً لحرَّاسه

يرجو و يخشاهُ جميع الورى

في جدِّهِ يوماً ووسواسه

في كفِّهِ قوس ولكنهُ

حكم فيه كفّ قوَّاسه

أوله يشمل كل الورى

من آدمِ الخلقِ و نسناسه

ظمآن لا يروى وذا دأبهُ

والماءُ من فيه إلى راسه[35] 

الجواب: القلم

(2)

يا علماء العصر ما مفرد

أشمل من جمع إذا ما أنبسطْ

إن نال تثليثه معنى الهوى

أدرك ثلثاً مع ثلث النمطْ

ثلثاهُ ثلث الثلث فأفهم لهُ

وثلث عدّ الثلثِ نصف الوسطْ

وثلثهُ الآخر في بسطهِ

ثلث لبسطِ أما يخطْ

وبعضه يهلك من حلهِ

في قلبهِ المهمل خالي النقطْ

فهل مجيب عنه يشفى الضنا

أو حاذق يكشف وهم الغلطْ[36] 

الجواب: الشمس

(3)

ما اسم بلادٍ في الورى عاليهْ

مهملة الأحرف في ناحيهْ

يضحى بثلثيها معنى الهوى

من شفه المحبوب في عافيهْ

وان تكرر ثلثاها بها

أو تبقى ريح بينهم عاتيهْ

وان يشدد بعضها فلتكنْ

وصف معادٍ أمه هاويهْ

وان تصحف فهو شخص بهِ

تفخر كل العرب و الباديهْ[37] 

الجواب: مصر

(4)

قال مجيباً للغز قاله السيد مهدي الطالقاني النجفي، وقد ذاكره بلغز للشيخ البهائي فظن أنه له، وذلك عند رجوعهم من المشهد المقدس بمنزل يقال له ده محمد ولغز الشيخ البهائي هو:

وبلدة مهملة الأحرفِ

فثلثها من سور المصحفِ

وثلثاها إن ينله فتىً

من شفه المحبوب يوماً شفيْ

وان يشدد وسطها فلتكنْ

مأكولة فأفهم لها واعرفِ

وما يلي هو جواب الشيخ علي وأعقبه بلغز آخر:

يا سائلاً بالنظمِ مستوصفاً

عن بلدةٍ مهملة الأحرفِ

هاك جواباً للذي للذي قلتهُ

مثل لمى المحبوبِ كي تشتفي

تلك بقرب الشام فافهم لها

دار خناً تعزى ولم توصفِ

تدعى بحمص لا سقاها الحيا

كم علمٌ للحق فيها طُفي

ثم أجلت الفكر مستفصحاً

عن بلدةٍ معجمة الأحرفِ

فثلثها يمشي على وجههٍ

وهو إذا من سور المصحفِ

وباقي الأثلاث وصف لما

عاش به الأول يا ذا الصفي

وان تصحف فهي وصف لمنْ

خامره الحبّ داء خفي

وقلبها فيه يرى ظاهراً

داء لعمر الله لا يختفي

أنل جواباً منك نلت المنى

واعذر كميت الفكر إن لم يفِ[38] 

الجواب: نجف

من الألغاز المنثورة

الألغاز المنثورة تعتمد في تركيبها على السجع وهو كما تعرفه كتب البلاغة العربية " توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد " ويكثر هذا النوع أيضاً عدة أشكال من الخطاب الأدبي وقتئذٍ كالرسائل والخطب، ولا تخلو هذه الألغاز والأحاجي المنثورة من الفكاهة والدعابة أيضاً إضافة إلى كونها جاءت للتسلية المباحة والترويح عن النفس، ومن ألغاز الشيخ علي نقي الأحسائي نورد هذين المثالين:

(1)

خبروني أيها الأخوان عن اسمٍ كريمٍ بهيٍ، شريفٍ سنيٍ، بوجوده ظهر الخير والبركات، إذ هو منبع السكون والحركات، أوله أس الإيجاد وثانيه ثاني الآحاد، وبعضه في رتبة أول الأعداد، إن حذف بعض أحرفه فهو لله الصمد ومع ترك آخر منه يكون تميزاً لكل أحد، في حذف طرفيه تعفن الأخلاط، وبحذف أوليه يكون في الوجود ارتباط، ما سواه آخره نفي وزوال، وبزيادة آخر بينات آخره يصير شيئاً محال، أوله بالسكون مذكور، وليس له جذر ولا كسور، وثانيه في الأعداد مشهور، ثالثه ثاني رابعه في الرتب، وهو عكس نفسه في كل حال، وبينات رابعه أهلة بلا انتقال، وبأوله تكون المحبة والاجتماع، وتصحيف ثانيه يحصل للغائب ارتجاع، هذا ما جرى بقلم الفقير، وحله على الفطن اللبيب غير عسير، والله سبحانه المصير[39] .

الجواب: أحمد

(2)

أخبروني عن اسم عظيم، وهو في القرآن الكريم موصوف بالحكيم، ثلاثي الحروف ولم يزل بالسمّو معروف، بأوله تحقق الوجود، وبه يحصل الشهود، لأنه منبع الكرم والجود، وبثانيه يعرف كل مجهول، وبمقلوبه يدرك كل سؤل، وآخره كل نسبة إليه تؤول، وبه يستجاب الندا لأنه تمام الهدى، إذا نزلت أحرفه رتبة من العداد كانت كلها في مرتبة الآحاد، لأن بعضها كامل العدد، وآخر منها أول فرد يعد، وبعض منها بداية كل أحد، وإن جمع آخر بينات بعضها مع الزبر كان ذلك بعض ما يجزم أو يجر عدد أوله في بسطه يزيد على عدد مجموعه بمثلي آخره، ومجموعه بينات آخره يساوي عدد بسط تلك البينات على أن يحصل منه جمع الشتات، فهل من لبيب أديب يكشف عن هذا العجب العجيب[40] .

الجواب: علي

فيما سبق استعرضنا أمثلة من أدبيات الفكاهة والتسلية في أدب الشيخ علي نقي الأحسائي، وهي تعتبر نماذج عن أساليب الفكاهة والدعابة الأدبية لدى العلماء في ذلك الزمن بمنطقة الأحساء والساحل الشرقي بشكل عام، وتكثر هذه الأدبيات في مجالس العلماء والفضلاء وطلبة العلم لقربهم من متون العلوم وبطون الكتب الفقهية والأصولية والأدبية والتصاقهم باللغة العربية والبلاغة وفنونها، ولإيمانهم بأن الفكاهة والتسلية مباحة إذا كانت بقدرٍ معقول لا تقرب من الحرام ولا تبعّد من الحلال، ولأنهم يؤمنون أيضاً بالحديث القائل " إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكم ".

[1]  ديوان الشيخ علي نقي الأحسائي المتوفى سنة 1246هـ عني بتحقيقه والتعليق عليه محمد كاظم الطريحي - شركة طباعة تابان.

[2]  المصدر ص 46 و (رجال القزويني) مخطوط مكتبة ملك رقم 3513.

[3]  المصدر ص 46 و إجازات الحاج ميرزا موسى الأسكوئي مخطوط ص 30 - 1، نهج المحجة ج 1 ص3.

[4]  المصدر ص 46 و شرح القصيدة ص 283.

[5]  المصدر ص 46 و 47 و صحيفة الأبرار ص 456، مقدمة نهج المحجة ص 2-3.

[6]  المصدر ص 47.

[7]  المصدر ص 48

[8]  هكذا في المصدر ونوه لها المحقق الطريحي في التعليق بأنها كرمنشاه.

[9]  المصدر ص 48.

[10]  المصدر ص 52.

[11]  المصدر ص 19- 20.

[12]  المصدر ص 35.

[13]  المصدر ص 34.

[14]  المصدر ص 41 - 42.

[15]  المصدر ص 52.

[16]  عرقوب: رجل من العمالقة يضرب في المثل في خلف الوعد وقصته معروفه.

[17]  ابن عامل ومادر شخص واحد مشهور بالبخل ويقال أبخل من مادر.

[18]  الشغر: يقال شغر الكلب رجله إذا رفعها ليبول وفي المثل ذهب الشغار بالفخار.

[19]  العشار: الناقة.

[20]  البرذون: دابة الحمل الثقيلة.

[21]  وائل: من القبائل العربية النزارية.

[22]  المصدر: ص 87.

[23]  المصدر ص 22.

[24]  المصدر ص 25.

[25]  المصدر ص 75.

[26]  المصدر ص 76.

[27]  المصدر ص 95.

[28]  المصدر ص 103.

[29]  المصدر ص 95.

[30]  المصدر ص 101.

[31]  المصدر ص 116.

[32]  المصدر ص 117.

[33]  المصدر ص 117.

[34]  المصدر ص 118.

[35]  المصدر ص 108.

[36]  المصدر ص 108.

[37]  المصدر ص 109.

[38]  المصدر ص 109.

[39]  المصدر ص 110.

[40]  المصدر ص 111.
عضو هيئة التحرير
294633