سياسات الإصلاح العثمانية وملامح من آثارها على الوضع في الأحساء والقطيف
(1871-1908)
محمد علي المولى - 23 / 2 / 2011م - 8:45 ص - العدد (17)

يلزم قبل الشروع في طرق موضوع الإصلاحات العثمانية وأثرها على منطقة الأحساء والقطيف، ملاحظة عدّة جوانب تتعلق بطبيعة الإصلاحات ذاتها، كما تتعلق في الجانب الآخر بخصوصية المنطقة موضوع البحث.

فقد جاءت الإصلاحات العثمانية متأخرة، بمعنى أنها لم تبدأ إلاّ في القرن التاسع عشر الميلادي، وبالتحديد في عهد محمود الثاني الذي تولى الحكم عام 1807، وكانت ذروة إصلاحاته قد بدأت عام 1839 بما عرف باسم بيان خط شريف غولهانه.

السبب في تأخر الإصلاحات العثمانية عموماً يعود إلى أن القيادة لم تلتفت الى أنها كانت تقود سفينة آيلة إلى الغرق، وأن التفوق العثماني الذي أدّى إلى اجتياح أوروبا أخذ بالتراجع منذ القرن السابع عشر، منذ عهد السلطان سليمان. كان السلاطين يعتقدون بأنهم مازالوا بخير، في وقت بدأت فيه النهضة في أوروبا وتطورت وسائل الحرب لديهم، وأضحت جيوشهم تمخر عباب المحيطات وتستكشف المستعمرات وتسيطر على طرق المواصلات البحرية التي كان بعضها قد اكتشف حديثاً. من الناحية العملية كان العثمانيون يشعرون بأنهم قد تخلفوا عسكرياً واقتصادياً، وإذا كانوا قد التفتوا إلى ضرورة الإصلاح العسكري، باعتباره المقياس الأول في ذلك الزمان، منذ هزيمتهم عند أبواب فيينا، وتطور آلة الحرب الغربية (المدافع بشكل خاص) فإنهم لم يولوا الجانب الإداري والاقتصادي أهمية تذكر. كانوا يعتقدون بأن ما يجري لهم مجرد تراجع محدود وأن الفاصلة ضئيلة قابلة للتضييق في أسرع وقت. بيد أن المسألة كانت أعمق من ذلك بكثير، فإصلاح الجيش يستدعي إصلاحاً واسعاً يشمل المجتمع بأسره، باقتصاده وثقافته وإدارته، وعقلية حاكميه.

السبب الآخر في تأخر الإصلاحات العثمانية عموماً، هو أنها كانت مكلفة، فالتغيير أياً كان يستدعي بروز قوى جديدة، ونهاية أخرى، وكان أهم ما يخيف السلاطين هو الخوف على عروشهم، ذلك أن معارضي الإصلاح من القوى المحافظة في الجيش والمؤسسة الدينية (لم تصبح مؤسسة بالمعنى المعروف إلا في عهد السلطان محمود الثاني) كانوا هم الأقوى، وكان على أي سلطان يريد الإصلاح أن يواجه خطرين حقيقيين: أولهما من معارضي الإصلاح الذين استطاعوا قتل وعزل عدد من السلاطين (السلطان أحمد الثالث أُعدم هو ووزيره، وكذلك السلطان سليم الثالث عزل وقتل عدد من وزرائه في ثورة عسكرية محافظة). وثانيهما، المقدرة على ضبط خطواته تسارعاً أو تباطؤاً، وتفادي آثاره السلبية على المجتمع، وكذلك القدرة على التكيف السريع من قبل الحاكمين مع منتجات التغيير واحتوائها ضمن الجهاز الحكومي.. ذلك أن الفشل في هذا يؤدي في الغالب إلى إصلاح ولكن بدون سلاطين، والنموذج الواضح هنا أن سياسات الإصلاح العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر أدّت، على سبيل المثال، إلى الإطاحة بثلاثة سلاطين (عبد المجيد وعبد العزيز ومراد) قبل أن تدور الدائرة في آخر الأمر على السلطان عبد الحميد الثاني نفسه بعد ثلاثين عاماً من الحكم.

لهذه الأسباب مجتمعة، كان من المستحيل أن تكون الإصلاحات راديكالية كما يريد الراديكاليون، فالتدريج كانت مسألة غاية في الأهمية وبحاجة إلى أجيال حتى تؤتي ثمارها وتوطينها وفق أعراف وقيم المجتمع نفسه. ورغم الطبيعة المحافظة للإصلاحات، وكذلك طبيعتها الدفاعية التي تستهدف حماية الإمبراطورية من الزوال والتفتت، فإن من الضروري التنبيه إلى أنها أمرٌ لا مفرّ منه، فقد يقضي الإصلاح على الإصلاحيين، مثلما يقضي التخلف عليهم وعلى مجتمعهم على حد سواء.

وفيما يتعلق بموضوع انعكاسات الإصلاحات العثمانية على المناطق والممتلكات، نرى تفاوتاً كبيراً في الآثار بين منطقة وأخرى، فالمناطق الأكثر غنى والأقرب إلى الإمبراطورية كانت تحظى بأهمية أكبر، كذلك فإن المناطق التي كانت تعاني من مشاكل أمنية نظراً لطبيعة سكانها واختلاف أعراقهم وأديانهم، أو تلك التي كانت عرضة للتدخل الأجنبي، حظيت باهتمام أكبر. فمنطقة الأحساء والقطيف لم يصبهما إلاّ النزر اليسير من التغيير، وهو في مجمله منحصر في ثلاثة مواضيع أساسية: الوضع الإداري، الوضع الاقتصادي، والعسكري. بديهي أن موضوع الاقتصاد (الضرائب بوجه خاص) كان الأكثر بروزاً، في حين لم يكن يعني الجانب العسكري الكثير، خاصة وأن الخدمة العسكرية لم تكن مطبقة في المنطقة.

سيطر العثمانيون على المنطقة للمرة الثانية عام 1871م، حين سيّر مدحت باشا، والذي كان والياً لبغداد، ويعدّ من الرواد الإصلاحيين الأوائل في عهده، حملة للسيطرة على المنطقة التي كانت تشهد حرباً أهلية طويلة الأمد، كانت في الأساس انعكاساً للصراع على السلطة في نجد بين أبناء الأمير فيصل بن تركي (عبد اللَّه وسعود) حيث انقسمت القبائل والمناطق والوجهاء المحليون على أنفسهم، وبدؤوا بالاقتتال الذي لم ينته إلاّ بدخول القوات العثمانية واستقرارها في حامياتها المحلية، بدعم من الأهالي والقوى المحليّة.

الوضع الإداري

تركز الإصلاح العثماني على تحديث الجانب العسكري، وكان من البديهي أن لا يتم ذلك بدون تحديث النظام الضرائبي، ولكي يكون الأخير فاعلاً استدعى الأمر تحديثاً إدارياً وتعليمياً أُريد منه تأهيل الكادر المناسب. حاول السلطان عثمان الثاني (1618 - 1622) أن يحدّث العسكر، فألغى الإنكشارية ولكنه فشل فقضوا عليه. وبدأ السلطان أحمد بعد قرن المهمة ذاتها عام 1718 ولكنه خسر المعركة مع القوى المحافظة بدعم الإنكشارية. حدث الأمر ذاته مع السلطان سليم الثالث الذي التفت الى موضوع المالية وإصلاحها إلى جانب الإصلاح العسكري، ضمن ما أُسمي بـ (النظام الجديد) ولكن المفتي والإنكشاريين خلعوه. أما السلطان محمود وإن كان قد بدأ بالتحديث العسكري من خلال قضائه المبرم والنهائي على الجيش الإنكشاري وإخضاع القوى الدينية لسلطانه، وكذلك توحيد القوة السياسية في المركز بعد انتزاع سلطة الأعيان والوجهاء في الأناضول والبلقان بشكل خاص، فإن طموحاته كانت تتعدى تأسيس جيش جديد على نمط جيش محمد علي الذي كاد أن ينهي الإمبراطورية العثمانية نفسها.

مع هذا لم تبدأ الإصلاحات الإدارية (المقصود أنظمة المقاطعات وإدارة المناطق) إلاّ متأخراً، ربما لأنها كانت أقلّ إلحاحاً، أو لأنها كانت تأتي بالتساوق مع الإصلاحات الأخرى. حتى إصلاحات (غولهانه) التي أعلنت في نوفمبر 1839 فإنها تطرقت إلى الإصلاحات العسكرية والاقتصادية والقضائية، أما الإصلاح الإداري فلم تأت على ذكره، وإن كانت كل هذه الإصلاحات تستدعي بعض الإصلاحات الإدارية.

من المعلوم أن الإصلاحات الإدارية، لم تأت إلا في أواخر العقد السابع من القرن التاسع عشر، وبالتحديد بين عامي 1869 و 1870، وكان تأثير النظام الفرنسي واضحاً للغاية على النخبة العثمانية في تلك الفترة من خلال ما سُنّ من قوانين. لقد جاءت الأنظمة العثمانية بالشكل المعمول به في فرنسا، فقسمت البلاد الى مناطق Province، تحتوي على أكثر من سنجق County، ويتكون السنجق من عدد من الأقضية (جمع قضاء) District، والقضاء يتشكل من نواحي (جمع ناحية) Rural Community، وكل ناحية يتبعها عدد من القرى Village.

في عام 1871، عام الاستيلاء العثماني على الأحساء والقطيف، وبعد وصول مدحت باشا بنفسه إلى الأحساء والقطيف، وضع أُسس نظام إداري جديد يتماشى مع ما خطط له المركز في إستانبول. يقضي النظام تسمية المنطقة كلها باسم سنجق نجد، ولا نعلم في الحقيقة سبباً لهذه التسمية فحدود نجد معروفة جغرافياً وتاريخياً، ولكن من المحتمل أن الحملة العثمانية كانت تؤمل مواصلة سيرها لتسيطر على الداخل النجدي، وعاصمته الرياض، ولكنها لأسباب مختلفة مالية وعسكرية آثرت البقاء على الساحل حيث فرص التموين كافية.

اعتبر مدحت السنجق متصرفية تتبع لولاية بغداد، وقسّمه إلى ثلاثة أقضية/ مقاطعات هي: قضاء الهفوف جعله مركزاً للمتصرف، وقضاء القطيف مركزاً للإدارة المدنية يديره قائمقام معيّن، وقضاء قطر تحكمه السلطة التقليدية فيه من عائلة آل ثاني.

ولوحظ أن قائد الجيش العثماني في الأحساء والقطيف كان هو بذاته على رأس الإدارة المدنية، حيث تمّ تقليص دور السلطات المدنيّة في السنجق. وهذا الترتيب هو في الحقيقة انعكاس لما تمّ اتخاذه من إصلاحات، فقد وجد العثمانيون أن تشابكاً في الأدوار بين السلطات المدنية والعسكرية في المناطق المختلفة قد وقع وأدّى الى بروز العديد من المشاكل والصدامات أثرت على طبيعة الإدارة الحكومية وضبطها. فاتخذ قرار بتولي الإدارة شخصيات من ذوي الأصول العسكرية تمتلك قدرة إدارية بحيث تستطيع فرض سلطانها على حكومات المناطق المدنية إضافة الى سلطتها على العسكر المتواجدين في الحاميات.

أول متصرف عيّنه مدحت باشا، هو نافذ باشا الذي قاد الحملة العسكرية، ثم تبعه عدّة ولاة كلّهم كانوا خريجي المدارس العسكرية ولهم خبرات إدارية. ومن المهم الالتفات إلى حقيقة أن التعليم النظامي العثماني بدأ بغرض تأهيل العسكريين وتدريبهم على الفنون العسكرية والقتالية الحديثة واستيعاب ما استجدّ من أسلحة، ولذا كان المتعلمون وفق المناهج الحديثة (والتي شملت تعلّم اللغات الأجنبية) هم العسكريون حصراً، ولذا كان من الطبيعي خصوصاً في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، أن يكونوا أداة الدولة في كل المرافق الاقتصادية والسياسية. ولعل من الجدير الإشارة إلى ما أورده المبشر الأميركي بول هاريسون عن انطباعاته حول الموظفين الأتراك، فاعتبرهم أكثر ثقافة من نظرائهم الغربيين، وأكثر إجادة للغات الأجنبية الفرنسية والألمانية إضافة إلى العربية والتركية (انظر الواحة العدد 15، الصفحة 85).

لم تكن السلطات المدنية مفصولة عن العسكرية، وأقرب نموذج إلى ذلك مدحت باشا نفسه، فهو عسكري ووال لبغداد، قبل أن يقود حملة الإصلاحات ويخلع عدداً من السلاطين العثمانيين. والقول بأن حكم العثمانيين عسكري، بالنظر الى القيادة التي كانت تدير المناطق، صحيح بمفهوم الماضي لا الحاضر. فنحن اليوم وبصعوبة نكاد نميّز بين الحكم العسكري والمدني في دول عديدة من الشرق الأوسط. كثيرون هم العسكر الذين يحكمون وهم يرتدون الملابس المدنية، في حين أن الكثير من المدنيين يتزيّون بملابس العسكر، ويبزّونهم عنفاً وترويعاً لمواطنيهم. في الماضي لم تكن الأمور بهذا الوضوح، ولا بذلك الفصل القاطع بين ما هو مدني وعسكري، ولعلنا ندرك أن الطبقة السياسية الأولى الحاكمة في بلدان المشرق العربي بعد الاستقلال، هي طبقة عسكرية، تركية التعليم والثقافة، وإحدى ثمار التطور التعليمي في عهد السلطان عبد الحميد.

ما يهمنا هنا هو، أن نشير إلى أن النظام الإداري العثماني بمستواه المبسّط قد طبّق في الأحساء والقطيف، بل أن التراث العثماني (وإن لم يكن أصيلاً) بقيت له آثار واضحة يمكن تتبعها في نظام المقاطعات السعودي الذي أُعلن عنه في عام 1992، والذي سار على نفس الخطى من حيث التقسيم والى حد ما من حيث المهمات.

الأمر الآخر الذي يجدر ذكره، هو أن مدحت باشا، وبين كل السياسيين العثمانيين المخضرمين، كان يعتقد بأن الإصلاح يتطلب قدراً من اللامركزية، بل كان الوحيد الذي يعتقد بأن النظام الفيدرالي هو الأنسب للإمبراطورية العثمانية وهو الوحيد القادر على أن يقف سدّاً أمام النزعات الانفصالية خاصة في ممتلكات الإمبراطورية في أوروبا (البلقان، اليونان، هنغاريا، رومانيا، وغيرها). ولكن آراءه قوبلت بالرفض، إذ كان ينظر إلى الفيدرالية كمحفّز نحو الانفصال، وليس كمانع له، وهو رأي محتمل الوقوع، ولكن مما لا شك فيه أن المناطق آنفة الذكر، كانت من أول المناطق التي استقلت بالسلاح عن العثمانيين، وقد تسارع الأمر في تفكيك الإمبراطورية، حينما تبنى قادة انقلاب عام 1908، بعد خلع عبد الحميد تعزيز النزعة التركية في بلد متعدد الثقافة والأعراق والأديان، فانقلبت الموازين ضدّهم، وأنهت ما تبقى لديهم من مواقع في أوروبا والشرق الأوسط.

اللامركزية لم تكن خياراً محبّذا لدى الباب العالي، وقد جاءت الإصلاحات العثمانية لتزيد من حدة الاستقطاب باتجاه المركز، فالاتصالات والمواصلات التي تسارعت تقنياتها، جعلت المركزية الخيار المتوائم مع نزعات السيطرة، حيث صار بالإمكان استعلام ما يجري عبر التلغراف، وإيصال الجنود عبر البحر أو عبر السكك الحديدية. وفي الأحساء والقطيف، لم تكن حدّة الاستقطاب نحو المركز قويّة، لضعف البنية التحتية، ولكن مع وصول البريد والتلغراف، صار التعاطي مع المركز مباشرة أو مع ولاية بغداد سريعاً فقدت فيه المتصرفية المحلية بعضاً من سلطاتها. وفي الحقيقة، كان لدى المتصرفين في السنجق، وكذلك لدى القائمقامين في القطيف وقطر سلطات كبيرة، ولكنهم لم يستثمروها في تجاوز المشاكل والاضطرابات المتزايدة.

الأمر الآخر المتعلق بالإدارة المحلية، هو أن فترة الحكم العثماني الثاني شهدت انتعاشاً غير عادي لسلطة الأعيان والوجهاء، لا بشكل يتوازى مع سلطة العثمانيين، بل ضمنها، حيث تمّ استيعابها ضمن النظام المناطقي المعمول به آنئذ. ولا شك أن ذلك الترتيب قد آتى الكثير من الثمار والفوائد لمختلف الأطراف، بل كان حلاً إبداعياً في زمن لم يشهد سوى الانحسار والفوضى. اقتضى النظام إشراك الوجهاء في الإدارة، عبر مجالس المناطق والنواحي، بحيث لا يقرر القائمقام أو المتصرّف الأمور بمعزل عن الرأي العام، ورأي ذوي الخبرة. ميزة النظام العثماني أنه استطاع استيعاب ما يعتبر نخباً محليّة من عمد ورجال دين وتجار، بحيث لم تعد تشكل خطراً انشقاقياً يشعل السخط العام، في وقت لم تكن لدى السلطة في المركز وفي الأطراف القدرة أو الرغبة في الاصطدام بالقوى المحلية، وقد أدرك السياسيون العثمانيون أن من الأفضل القبول بالسيادة كاملة وإن تقاسم معهم الآخرون السلطة، إلى حد ما.

ومن هذا المنظار، يمكن تفهّم التغيير السريع في الولاة المحليين في المنطقة بسبب الشكاوى التي يتقدم بها الأعيان والمواطنون. فالقضية، خاصة في عهد السلطان عبد الحميد، هي أن رضا العامة أصبح منهجاً، وسياسة التراضي والمصالحة التي جرّبت في الشام وغيرها آتت ثمارها، وخففت من أعباء المركز. أيضاً فإن اللافت للنظر، هو أن القوى المحلية من وجهاء وغيرهم، كانوا يشعرون بأنهم على أرض صلبة، وأن كلمتهم أو رأيهم واعتراضهم يلقى آذاناً صاغية إلى حد ما، فإذا لم تفلح البصرة أو بغداد في إيجاد الحل، عاد الأمر إلى استانبول، وغالباً ما يأتي الحل وفق ما يبتغيه الناس.

وللحق، فإن الشخصية الكارزمية للسلطان عبد الحميد الذي حكم منذ العام 1878، منعت من تمدد السخط ضد الولاة أو الموظفين المحليين إلى أصل الوجود العثماني والسلطان نفسه. بمعنى أن الاعتراض بقي في حدوده الدنيا، وصار لدى الناس القدرة على التمييز بين سياسة المركز والسياسة المحلية. وهذا أدّى بدوره إلى تشجع المواطنين على الاعتراض والى غلّ يد الموظفين من ذوي النزعات العنفية، حيث لم تشهد المنطقة صراعاً حاداً، وإن أكثر ما وجد هو هجمات القبائل على المدن والقرى والقوافل التجارية، ولهذه الأحداث دوافعها التي لا تتعلق فحسب بسياسة الموظفين العثمانيين في الأحساء والقطيف، بقدر ما تتعلق ببنية القبيلة وعقليتها وطبيعة تصرفاتها. ومن الملاحظ جلياً، أن حجم الاعتراض عبر الرسائل والبرقيات كان كثيراً، حتى في الشؤون الصغيرة التافهة، ويبدو لي أن الحجم لا يعكس درجة السخط بقدر ما يعكس قدرة المركز على الامتصاص. وإلا فإن كثيراً من الحكومات لا تتلقى شكاوى ولكن ذلك لا يعني عدم وجودها، لأن المواطنين ليست لديهم القدرة في الأساس على الاعتراض.

التغييرات الاقتصادية

أمران هامان غيّرا النظرة العثمانية إلى المنطقة (الأحساء والقطيف) حدثا مع تولى السلطان عبد الحميد الثاني الحكم. أولهما، أن مفهوم وظيفة الدولة قد تغيّر، من توفير الأمن والاستقرار وجباية الضرائب، أي اعتمادها على ما يدفعه الناس، إلى شموله أن الدولة يجب أن توفر في المقابل إضافة إلى الأمن والاستقرار، قدراً من الخدمات، كالتعليم والصحة والاتصالات والخدمات البلدية وما أشبه. ومع أن العثمانيين قد بدؤوا بشكل واضح بتوفير مثل هذه الخدمات منذ العقد الرابع في القرن التاسع عشر الميلادي تقريباً، إلا أن آثارها لم تكن ملاحظة إلا في المدن الكبيرة والمناطق المهمة. وباعتبار أن الأحساء والقطيف قد دخلتا متأخرتين تحت عباءة الحكم العثماني، فإن ما شملهما كان قليلاً من الخدمات، ولكنها أعطت إشارات واضحة لما ينبغي على الدولة أن تقوم به.

وثانيهما، أنه منذ العام 1881م، تشكلت إدارة جديدة للتحصيل الضريبي، غيّرت من مجرى الاقتصاد العثماني جذرياً، وجعلته أكثر ترفّعاً وإلحاحاً في التعسف الضريبي، وأيضاً إلى تقلّص اهتمامهم الاقتصادي بمنطقتي الأحساء والقطيف، بسبب ضآلة ما تشكلانه من مدخولات لخزينة الدولة.

كان الهدف الأساس من احتلال واحتي الأحساء والقطيف، إعادة النفوذ العثماني إلى المناطق التي تخلّى عنها سابقاً، وقد كان الرأي السائد بين الموظفين العثمانيين، أن الحكومة الإمبراطورية قادرة أن تعيد بعضاً من نفوذها، خاصة في المواقع الإستراتيجية. بكلمة أخرى، لم يكن هدف العثمانيين من احتلال المنطقة اقتصادي، وقد كان بقاؤهم في الإقليم مكلفاً أكثر مما كان مجلباً لمنفعة اقتصادية صرفة.

ومن هنا، فإن الضرائب بشكل مجمل لم تكن ثقيلة الحمل، وإن كان بعض المتصرفين والمنتفعين من حولهم قد أساؤوا في بعض الأحيان التصرّف لمنفعة شخصية بحتة، وليس بأوامر من السلطات العليا.

بادر العثمانيون فور وصولهم إلى المنطقة بتغيير النظام الضريبي القائم في أكثره على العرف، فأبطلوا الضرائب الزائدة عن الحدّ الشرعي والمتعلقة في أكثرها بالزراعة، وأعيدت بعض الأراضي المغتصبة إلى ملاكها السابقين، وبقيت مساحات كبيرة من بساتين النخيل - مجهولة المالك - في يد الدولة تديرها عبر إدارة خاصة (الدائرة السنية) حيث تؤجّرها على بعض المزارعين، ويعود ريعها إلى خزينة الدولة. ولكي تكون الفكرة واضحة يجدر ملاحظة المنشور الثاني الذي وزّعه مدحت بعد وصوله إلى الأحساء، حيث جاء فيه: (قد أسقطنا الرسومات التي تؤخذ من الأهالي باسم الجهاد، وخدمات المأمورين على تحصيل الزكاة، والزيادة في الخرص المخالف للأحكام الشرعية، ومراد الدولة العلية ترقية أحوال التبعة وزيادة ثروتهم، وأمرنا بإلغائها وعدم أخذها، ونبهنا المامورين بعد تحليفهم على عدم الزيادة على الواجب الشرعي، والذي يتبيّن منه أنه ارتكب ذلك فقد أوعدناه بالمجازاة الشديدة).

إن المشاكل التي تعرض لها المنشور، تكاد تكون نفسها التي واجهها العثمانيون في كل المناطق الأخرى التي كانت تحت إدارتهم، بما في ذلك الأناضول، فقد كانت طريقة الجباية للضرائب سيئة، ومتعسفة، الأمر الذي أدّى ليس الى زيادة خزينة الدولة كما يمكن أن يتصور بل إلى تقلصها لأسباب عديدة لاحظها السياسيون العثمانيون. ذلك أن الزيادة في الخرص، والتعسف في الجباية، أدّيا الى خراب الكثير من الأراضي الزراعية وهجرة أهلها الى المدن، مما سبب كوارث عديدة، وكذلك أتاح النظام الضرائبي العثماني قبل الإصلاحات فرصاً للإثراء غير المشروع على حساب الدولة. ولذا كان من أهم مبادرات الإصلاح العثماني، زيادة المداخيل، عبر نهج مختلف بحيث تتمكن الدولة من تلبية احتياجاتها خاصة العسكرية منها.

الذي حدث هو أن بيان خط شريف غولهانه، انتقد النظام الضرائبي القائم والذي كان يحمل مسمّى (إلتزام Iltizam) الذي كان يعطي اليد الطولى لمتعهدي الضرائب في تقرير حجم الضريبة، والذي أدّى فيما بعد إلى إفساد النظام الضريبي بمجمله، واستبدل بأن يقوم مأمورو الدولة أنفسهم بالجباية يرسلون من المركز، وقد سمّوا بـ(المحصلين Muhassils). والحل الذي وعدت به إصلاحات غولهانه تضمن فيما تضمن أن تكون الضريبة متناسبة مع الثروة والأدوات، وأنه يجب أن لا يتعرض الفلاحون إلى التعسف، كما وعدت الإصلاحات بتخفيض حجم الضرائب على الأراضي وغيرها. لكن هذه الإصلاحات واجهت صعوبات في سنيّها الأولى، فالتحول من نظام إلى آخر، أدّى إلى المزيد من التدهور في الأوضاع، وقد أصبح النظامان قائمان لم يلغ أحدهما الآخر، وكانت النتيجة أن تمت العودة الى النظام القديم، ضمن وضع أقل سوءً مما كان عليه.

من الأمور المؤسفة، أن الأوضاع الاقتصادية العثمانية تدهورت بسبب الحروب، وانتشرت المجاعة في الأناضول بين عامي 1873-1874، وزاد الأمر سوءً الفيضانات من جهة وكذلك الجفاف، وانتهى الأمر بالاعتماد أكثر على القروض الأجنبية، في وقت تصاعدت فيه حدة الاضطرابات بسبب تدهور الأحوال. لم يأتِ الحلّ إلا متأخراً في عهد عبد الحميد الثاني، فيما عرف بإعلان محرم 1881، حيث شكل تحت الضغط الغربي إدارة لحل مشكلة الديون (Public Debt Administration – PDA) أعطى بموجبه الأوروبيين لكونهم (دائنين) يداً طولى في استيفاء الضرائب، وقد نجحت تلك الإدارة في تدريب الموظفين واستيفاء عائدات كبيرة دون أن تسبب أزمة أو فساداً. ولهذا لم يعاني عهد عبد الحميد من أي أزمة اقتصادية، أو تقع دولته فريسة الإفلاس، بل كان يجد على الدوام المال الكافي لمشاريعه الطموحة في الاتصالات والمواصلات والمنشآت العسكرية، رغم أن عدد السكان زاد في عهده بأكثر من الثلث، كما لم تقع في عهده مجاعات أو كوارث طبيعية أو حروب أو أوبئة كانت في الغالب تأتي على مئات الألوف من السكان، وترهق الباقين بالمزيد من الضرائب.

من هنا، لم تكن دولة السلطان عبد الحميد بحاجة كبيرة إلى مدخولات الأحساء والقطيف، فهي من الضآلة بمكان لا يمكنها أن تثير معه أي رغبة في الإلحاح عليها. أيضاً تنبغي الإشارة إلى أن مجال عمل إدارة الديون لم يشمل في حقيقة الأمر منطقة الأحساء والقطيف، اللَّهم إلاّ في شأن تحديد حجم الضريبة على البضائع القادمة من الهند، وهذا التحديد إمبراطوري، بمعنى أنه يستند الى نظام مكتوب هو النظام التجاري الذي بدء العمل به سنة 1856. أما رجال الضرائب فقد كانوا أبناء المنطقة أنفسهم (ابن فارس وابن أخوان وغيرهما في القطيف).. وإذا كان هناك من تعدّ، فإنه بالقطع لم يكن سياسة عامّة، بل تعديات من الموظفين الكبار الذين كانوا قادرين في أغلب الأحيان على تغيير القائمقام في القطيف، وأحيانا المتصرف نفسه في الهفوف، والأمثلة عديدة ليس هنا مجال ذكرها.

ما كان يأمله العثمانيون هو أن تتمكن واحتا الأحساء والقطيف، بعد أن يعود إليهما الأمن والاستقرار، من توفير دخل يغطي رواتب الجند وعددهم جدّ محدود بالمئات، خاصة في السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية. ورغم هذا لم يغط المدخول في معظم السنوات الثلاثين (1871-1913) حجم النفقات، لا لأن الأخيرة كانت كثيرة بل لأن الضرائب كانت محدودة للغاية، وكانت السلطة المركزية قادرة إلى عام 1908 على الأقل على تغطية العجز.

تشير مذكرات مدحت باشا إلى أن إيرادات منطقة الأحساء والقطيف في بداية استيلاء العثمانيين عليها، كانت تكفي مرتبات الموظفين والعساكر والضباط، ويبقى منها جانب لخزينة الدولة، لكن بعد عودته إلى بغداد عاد خلفاؤه إلى نهجهم القديم فأحدثوا رسوماً جمركية إضافية وأثقلوا كاهل المواطنين بالضرائب، مما أدّى إلى استيائهم وطرد موظفي الحكومة، وحين عادوا أصلحوا شيئاً مما أفسدوه وأبقوا الضرائب ضمن حدود ما وعد به منشور مدحت المذكور أعلاه (يوسف كمال حتاتة، مذكرات مدحت باشا، ص182).

أدّت الإصلاحات العثمانية إلى إلغاء بعض الضرائب وتعديل بعضها واستحداث جديد منها، وكان لها كلها صدى وأثراً واضحاً على الوضع الاقتصادي في المنطقة حتى بعد رحيل العثمانيين منها بزمن طويل. فعلى سبيل المثال كانت هناك ضريبة رمزية على سفن الغوص قدرها نصف ليرة تركية عن كل سفينة صيد مهما بلغ حجمها، وقد بقيت هذه الضريبة فيما بعد ولكنها كانت أكبر بكثير مما كانت عليه في العهد العثماني، ولم تنته إلا بانهيار تجارة صيد اللؤلؤ في بداية الثلاثينات الميلادية. أيضاً كانت هناك ضريبة على الأغنام Sheep Tax تمّ في عام 1856م تعديلها لتشمل كل الحيوانات، ويحتمل أن تكون تلك الضريبة موازياً للزكاة الشرعية، مع ملاحظة أنه لا توجد إشارات بشأن زكاة الأنعام في المنطقة، ربما لعدم توافر نصابها بين الأهالي المقيمين، أما جباية الزكاة من البدو فقد كانت صعبة، ولا يبدو أن العثمانيين كان بإمكانهم فرضها عليهم.. جلّ ما استطاعوه هو فرض رسم ضئيل عن حمل كل بعير يأتي من البادية بغرض بيع المنتجات في أسواق الحضر.

هناك ضريبة أخرى تتعلق بالخدمة العسكرية، وقد كانت تسمى قبل الإصلاحات ضريبة الرأس (Pull Tax) وهي تخصّ غير المسلمين فحسب مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية. وحين جاءت إصلاحات غولهانه كان أول نتائجها إلغاء هذه الضريبة، واستبدالها بضريبة تحمل عنواناً آخر وهو البدل العسكري Bedeli Askeri، والسبب في إلغائها مهم، وهو أن الإصلاحات كانت تستهدف خلق (هوية وطنيّة عثمانية) تجمع الأعراق والأديان المختلفة، ولا يمكن أن تخلق هذه الهوية على أسس التمييز الطائفي أو الديني أو المناطقي، خاصة بالنسبة لإمبراطورية كان المسيحيون يشكلون نحو ثلث سكانها. لذا كان التغيير جوهرياً وليس في الشكل فحسب، فضريبة البدل العسكري لم تشمل المسيحيين بل المسلمين أيضاً ممن لا يريدون الخدمة وبإمكانهم دفع ما يوازيها مالاً، وصار بإمكان المسيحيين أن يخدموا في الجيش شأنهم شأن الآخرين، وكذلك في مؤسسات الدولة الأخرى، حيث تصاعدت أعدادهم بشكل كبير في العقود الأربعة الأخيرة من عمر الإمبراطورية.

تجدر الإشارة إلى أن ضريبة البدل العسكري لم تفرض على سكان المنطقة، شأنها شأن التجنيد الإلزامي. ويبدو أن هناك أسباباً مختلفة وراء هذا الأمر. فرغم أن إصلاحات غولهانه أكدت على ضرورة التجنيد من مختلف المناطق، وعلى أن تكون هناك مدة محددة للخدمة (4-5 سنوات) إلا أن أثر ذلك لم يكن واضحاً في الأحساء والقطيف، على عكس ما كان في العراق أو الشام مثلاً. لعلّ الكثافة السكانية الضئيلة في المنطقة، وموقعها الجغرافي المتقدم في الخليج في مواجهة النفوذ البريطاني، إضافة إلى عدم الحاجة للجند بسبب تضاؤل الحروب في عهد السلطان عبد الحميد الثاني كانت من بين الدوافع وراء إهمال موضوع الخدمة العسكرية ومتعلقاتها الضريبية.

بيد أن أثر التغييرات العثمانية استمر إلى الثلاثينات الميلادية، فقد عادت ضريبة الرأس (الروسيّة) أو (الجهادية) وكذلك ضريبة الأغنام بيعاً وشراءً، وكذلك ضريبة الأسماك (السماكية) إضافة الى الزكوات ورسوم الموانئ التي وصلت الى 10% بعد أن كانت 5%.

يبقى أن نشير أخيراً، إلى أن الدولة العثمانية خاصة في عهد السلطان عبد الحميد عنيت بتقديم خدماتها إلى المواطنين في مجالات مختلفة. ومعلوم أن عهد عبد الحميد كان يعد بحق عهد الثورة الثقافية، حيث انتشرت في عهده الصحف والمجلات المختلفة وبكل اللغات وفي كل المناطق كالعراق والشام والحجاز وغيرها، وكان المشاركون فيها نساءً ورجالاً، بل وجدت مجلات متخصصة أيضاً. ورغم أن المنطقة لم تصدر منها أية صحيفة أو مجلة، لكنها كانت متابعاً متأثراً لما ينشر، خاصة بين النخب الدينية والتجارية، وهناك إشارات كثيرة على تداول الصحف والمجلات، حتى المعارض منها الذي كان يطبع في باريس ولندن من قبل المعارضة العثمانية. للإشارة فحسب، نذكر بما نشرته الواحة في عددها الأول حين أراد طالب النقيب متصرف الأحساء الإيقاع بمنصور بن جمعة من خلال وضع صحف معارضة (الخلافة) في منزله ليتهمه بالعداء للدولة وليصادر أمواله.

انتشار التعليم كان هو الآخر سمة من سمات العهد الحميدي، فبعد أن كانت المدارس النظامية شبه مخصصة لتأهيل الكادر البيروقراطي والعسكري للدولة، أخذت الدولة على عاتقها بناء مدارس للمواطنين في كل المدن الكبيرة في الإمبراطورية، ومن المدهش حقاً أن أول مدرسة نظامية أسسها العثمانيون في المنطقة كانت في الهفوف عام 1902م/ 1319هـ، وقد بنيت على طراز معماري بديع، ويقول الشيخ الجاسر: إن السلطات اختارت لها موقعاً متوسطاً في حي الكوت وبنتها على طراز حسن يليق بها كمدرسة حيث كانت منعزلة من جميع جهاتها عن البنيان وكان يحيط بها فناء واسع أعد لمزاولة التمارين الرياضية. وكانت المواد التعليمية تشمل اللغة العربية والرياضيات والتاريخ، إضافة إلى اللغة التركية (انظر الحياة العلمية والثقافية والفكرية في المنطقة الشرقية، للدكتور عبد اللَّه ناصر السبيعي، ط 1، 1987، ص 46). وأشار المبشر المسيحي زويمر الذي زار المنطقة عام 1900م في كتابه: الجزيرة العربية مهد الإسلام (الواحة العدد الأول، ص 61-70) أشار إلى وجود ثلاث مدارس، حين قال: (افتتحت الحكومة التركية ثلاث مدارس في المنطقة، وطبقاً للتقرير التركي الرسمي، فإن مجموع عدد التلاميذ هو 3540 تلميذاً، إلا أن التقرير ذاته يقول بأن العدد الإجمالي للسكان هو ربع مليون نسمة). إن هذا كلّه يشير إلى حقيقة أن التعليم النظامي جاء إلى المنطقة على يد العثمانيين مبكراً قبل أي موقع خليجي آخر، وقد استمرت المدارس العثمانية بالعمل حتى زوال مواقعهم عام 1913، 1331هـ، ولم تؤسس أية مدارس حكومية إلا في العام 1356هـ.

ومن الملاحظ أيضاً، أن السلطات العثمانية في أواخر عهدها، بدأت بإيلاء عناية خاصة بأبناء الطبقات الحاكمة والأعيان بغرض تأهيلهم لتولّي المناصب الإدارية في المناطق، واستحدثت من أجل ذلك مدارس خاصة في العاصمة إستنبول، على غرار ما كانت تفعله - وربما لا تزال - عدد من الدول الأوروبية، وقد كان - على سبيل المثال - ابن منصور بن جمعة (عبد العلي) واحداً من أولئك الذين تعلموا في تلك المدارس الخاصة. وتشير بعض الدراسات، إلى أن السلطان عبد الحميد الثاني كان حريصاً في العناية والاهتمام بهم، خاصة وأنهم ينتمون إلى بيئات ومدارس فكرية مختلفة، وقد اعتاد على استقبالهم في قصره، وفي كثير من الأحيان يمضي هؤلاء هم ومن معهم أشهراً عديدة.

يضاف إلى هذا كلّه، عرفت المنطقة في العهد الحميدي خدمات البلدية والبريد والتلغراف، فقد أسس العثمانيون عام 1902 بلدية في الأحساء وعيّنوا وجيهاً على رأسها، وبطلب من الأعيان تمّ ترئيس محمد أحمد الشعيبي الذي استمرت رئاسته لها حتى عام 1913، ولم تؤسس بلدية جديدة إلاّ في العام 1928. أيضاً أسس العثمانيون بلدية في القطيف على نفس الأسس ولتؤدي نفس المهام.

أما مكاتب البريد فقد كانت متعددة في الجبيل والقطيف والهفوف، وكان مأمورو البريد يرسلون الرسائل إلى مختلف أصقاع الإمبراطورية كل أسبوع أو أسبوعين، حسب حركة السفن المتنقلة بين البصرة من جهة والعقير والقطيف من جهة أخرى.

وبشأن الإصلاحات العثمانية الأخرى، كالإصلاح القضائي وغيره، فلم تنعكس على المنطقة، لخصوصيتها المحليّة وطبيعة مؤسساتها البسيطة وثقافتها السياسية المتواضعة، فاعتمد العرف إلى جانب الشرع، وكان العثمانيون يعيّنون بادئ الأمر قضاة من عندهم، ثم ما لبثوا أن اعتمدوا القضاة المحليين المختارين من قبل الناس أنفسهم، سنّة كانوا أم شيعة. ولا ننس أن الإصلاح العثماني اعتمد على احترام خصوصية المناطق الدينية والمذهبية، ضمن ما عرف بالنظام (الملي) ثم جاءت (العثمنة) لكي تضع لكل مذهب أو طائفة دينية تمثيلاً في أجهزة الدولة، بحيث يدير المواطنون شؤونهم بأنفسهم تعليمياً وقضائياً وغير ذلك، وكان همّ السلطات العثمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل، منحصراً في استيعاب الاختلاف مع احترام حرية التعبير الديني والتأكيد على المساواة في المواطنة، حتى لا تثار النزعات القومية الانفصالية عن السلطنة. ومن هنا نلحظ وبصورة مثيرة، ذلك الاحترام الشديد بين علماء الشيعة في المنطقة وكذلك علماء الشيعة في العراق وإيران للسلطان عبد الحميد، الذي حاول الكثير من الطائفيين جرّه إلى معارك طائفية مع مواطنيه، ولكنه كان حريصاً على توحيد الصف الديني الداخلي لحماية الإمبراطورية، ضمن سياسة الجامعة الإسلامية التي تبنّاها في الجوهر. من اللافت حقاً كثرة المديح شعراً ونثراً للسلطان، ويحوي كتاب (شعراء هجر) العديد من القصائد، كما أن شعراء الشيعة (انظر مثلاً شعر الزهيري - الواحة العدد 15) الذين عادة لا يخوضون في مديح الحكومات، امتدحوا العثمانيين والسلطان عبد الحميد بالخصوص.

مراجع استخدمت في البحث

1- Selim Deringil, The Well-Protected Domains: Ideology and the Legitimization of Power in the Ottoman Empire 1876-1909, (London 1998).

2- Roderic H, Davison, Essays in Ottoman and Turkish History, 1774-1923: The Impact of the West, (U.S.A, 1990).

3- Selim Deringil, Legitimacy Structures in the Ottoman State: The Reign of Abdulhamid II (1876-1909), in International Journal Middle Eastern Studies, 23, (U.S.A 1991).

4- Erick J. Zurcher, Turkey: A Modern History, (London, 1993).

5- Richard D. Robinson, The First Turkish Republic: A case Study in National Development, (Cambridge, 1963).

6- Bernard Lewis, The Emergence of Modern Turkey, (London, 1967).

7- Justin McCarthy, The Ottoman Turks, (London, 1997).

307004