ملاحظات حول نسب وتاريخ بني خالد
(2 – 2)
سعود الزيتون الخالدي * - 23 / 2 / 2011م - 9:16 ص - العدد (17)

انقلب الخوالد في العقود الأخيرة من القرن الرابع الهجري على حلفائهم القرامطة في منطقة البحرين، بمساعدة من السلطات العباسية في بغداد. وقد عُرف الخوالد في العراق باسم (عرب عقيل) نسبة إلى شيخهم (عقيل بن عامر بن خالد بن محارب الخالدي) الذي قاد قومه والمتحالفين معهم ضد القرامطة، لم يمنعه من ذلك ولاؤه السابق لهم، وقد كان السبب في انهيار التحالف الخالدي - القرمطي أن القرامطة وبسبب حكام الأزمات الاقتصادية التي ألمت بهم بسبب قطع ما كانت بغداد تجريه لهم ولأتباعهم، الأمر الذي أدى إلى عجز زعماء القرامطة عن دفع المال لحلفائهم القبليين والذي كان العون المادي أساسه، فقد كان للخوالد عادات مفروضة من حاصلات البحرين الزراعية أدّى انقطاعها إلى انقلاب التحالفات، فقام عامر الخالدي بالثورة ضدهم، مما استدعى القرامطة لمطاردته وأتباعه في نجد واليمامة وجنوب العراق، وكانت النتيجة هزيمته وجلاءه عن بعض المواقع والحاميات، كحصن الأخيضر المعروف، مما مهد الطريق لاحتلال الكوفة سنة 375 هجرية.

أمدّ صمصام الدولة عقيل بن عامر الخالدي بجيش قوامه عشرة آلاف مقاتل استطاعوا إيقاف الزحف القرمطي إلى عمق العراق، وتمت في فترة لاحقة عملية إجلائهم عن باديته، وكذلك عن صحارى نجد، فعادت فلول جيش القرامطة إلى الأحساء، وبدأ الضعف يدب فيهم، في وقت علا فيه نجم عقيل الخالدي وأصبح أثيراً لدى العباسيين الذين أرادوا منه أن يشكل حاجزاً يحمي سلطة الخلافة في معاقلها بالعراق.

واعترافاً من بغداد بأهمية الخوالد، جعلوا شيخها أميراً على جميع القبائل في المنطقة، وعرف الجميع آنئذ بعرب (عقيل بن عامر) أو أتباع (عقيل بن عامر) تمييزاً لهم عن قبيلة عقيل بن كعب بن ربيعه بن عامر بن صعصعة بن قيس عيلان، التي انتقل أغلبها إلى أفريقيا بهجرات متتابعة بدأت منذ نهاية القرن الأول للهجرة، حين استجاب الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك لمطلب الوليد بن رفاعة الفهمي عامله على مصر، بأن ينقل جماعة من سليم إلى مصر، فلما قدموا إلى مصر انضموا إلى إخوانهم من بني عامر بن صعصعه وهوزان في شرقي النيل، واستقروا جميعاً في نواحي بلبيس عام 109 هجرية[1] .

في فترة لاحقة بعد نحو ثلاثة قرون، كانت طوائف أخرى من بني هلال بن عامر وبني سليم قد تركوا موطنهم في نجد وما حولها، ومعهم جماعة من بني ربيعه بن عامر بن صعصعة، أغلبها من عقيل بن كعب بن ربيعه بن عامر، واتجهوا شرقاً لينضموا إلى قرامطة البحرين وعمان، وأقاموا هناك حتى تغلبت شيعة أبي عبد الله المهدي على مصر والشام وردت عنها القرامطة إلى البحرين، وحينها تم نقل بني هلال وبني سليم ومن معهم من ربيعه بن عامر بن صعصعة إلى مصر، فنزلوا بالصعيد وشرقي النيل وأقاموا فيه إلى سنة 441هـ، إذ سيّر الخليفة المستنصر الفاطمي بقيادة وزيره أبي محمد الحسن بن علي الباروزي أغلبهم إلى المغرب لإخماد الثورة التي قام بها (باديس) الموالي للعباسيين، والذي خلع طاعة الفاطميين ودعا في خطبة الجمعة لبني عباس سنة 437هـ. وكان الحاكم الفاطمي قد أغرى أولئك بالانتقال حين وعدهم بملك المغرب بعد القضاء على الثائرين فيها.

على صعيد آخر، بقيت بطون من عقيل بن كعب بن ربيعه بن عامر بن صعصعة في البحرين، وحافظت على ولائها للقرامطة، فقد خسرت مكانتها بسقوطهم، فتحللت عصبيتها القبلية وتشيّعت مثلما حصل لبطون من عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر وجمهرة من كلب وكلاب. بقي أن نشير إلى أن بطوناً أخرى لم تفقد عصبيتها القبلية من عقيل بن كعب ما برحت تعيش في منطقة الخليج وجنوب العراق، اشتهر منها بطنان (عبادة) و (خفاجة) وعلى الأرجح فإن كلّ من ينسب لعقيل بن كعب في المنطقة يعود لهما. ومن المعلوم أنه رغم ولاء هذين البطنين السياسي للقرامطة، إلا أنهما لم يتأثرا على الأرجح بمعتقداتهم، وقد برز بعد زوال القرامطة بطن (خفاجة) الذي سيطر على الكوفة بعد أن دخل إليها مع جيوش القرامطة التي احتلتها سنة 375هـ، فأسس إمارة فيها سنة 392هـ واستقلّ بها قرابة قرن من الزمن[2] . وبسبب الصراع المتواصل مع شيوخ بني خالد في الأحساء، ضعفوا فانتزعوها منهم قبل نهاية القرن الخامس الهجري، وبالتحديد سنة 483هـ، وأجلوهم عنها.

المعروف أن سلطة القرامطة في المنطقة أخذت في الانهيار منذ أن دبّ الصراع بين زعمائها على السلطة وبالخصوص بين ابني الأعصم إسحاق وجعفر، فقامت بينهما حروب ونزاعات استمرت لثلاثين سنة ضعف بسببها حكمهم وأصبحوا لقمة سائغة في فم القبائل التي بدأت تطمع في عرشهم بعد أن كانت في أغلبها تابعة لهم[3] . ومن أهم القبائل الطامحة في ميراث القرامطة ثلاث قبائل عرف عنها أنها تقيم في منطقة القرامطة، وتتمتع بزعامة قوية هي (بني تغلب) و (بني خالد) التي عرفت باسم أسره زعيمها عقيل بن عامر بن خالد بن محارب الخالدي، وقبيلة (بني سليم). عن هذه القبائل ودورها في إنهاء سلطان القرامطة عن المنطقة يقول أحد المؤرخين[4]  أنه لما انقرض أمر القرامطة، غلب بنو سليم على البحرين بدعوة الشيعة لأن القرامطة كانوا على دعوتهم. ويتضح من ذلك أن بنو سليم كانوا أكثر انتشاراً من غيرهم في حاضرة المنطقة وقاعدتها، ولهم من الأفراد مجموعة من المقربين للسلطة، الذين كشفوا عجز القرامطة عن إدارة زمام الأمور، مما مكنهم من تولي الأمر مكانهم في البحرين بتأييد من سكانها الشيعة.

إلا أن قبيلة بني تغلب وبني خالد لم تتركا الأمر في البحرين لبني سليم، فقد اتفق الأصغر بن أبي الحسن التغلبي مع بعض قبائل البصرة واتحدوا في حلف عرف باسم (المنتفق) ضم فيه تغلب عبادة وبعض خفاجة من عقيل بن كعب بالإضافة إلى بعض الأعراب. تزعم الأصغر ذلك الحلف الذي كان نواة لحلف أكبر سُمي (الهبس) شمل بني خالد وأتباعهم في البحرين ونجد، وبني مكرم في عمان، فكان من أكبر الأحلاف العربية التي قامت في منطقة الخليج وقد ضم كثيراً من أهالي المنطقة حاضرتها وباديتها[5] . كان الهدف من إقامة (الهبس) القضاء على ما تبقى من فلول القرامطة وطرد أتباعهم من بني سليم وغيرهم عن البحرين، وقد تمكن الحلف سنة 378 هـ بقيادة زعيم المنتفق الأصغر التغلبي من مهاجمة القرامطة وبني سليم في هجر فحاصرها ولكنه فشل في دخولها، فهاجم القطيف وأخذ ما كان فيها من مال وعبيد ومواش[6]  وسار بها إلى البصرة ليعود ويجتمع مع بني خالد وجموع الهبس حتى تمكنوا من طرد بني سليم عن البحرين باتجاه مواطن إخوتهم الآخرين من بني سليم في منطقة الحجاز حيث أقاموا معهم.

بايعت بنو سليم في الحجاز أبي الفتوح بن جعفر بن محمد الموسوي الحسنى (العلوي) الذي اختلف مع الفاطميين ودعا لنفسه في مكة والمدينة المنورة، وقد لقي تأييداً كبيراً استطاع من خلاله أن يوسع قاعدته ودعوته بين قبائل الحجاز والبحرين أيضاً كبني هلال، وبعد أن جمع أسباب القوة خرج يريد الشام، وتوافدت الأخبار إلى الفاطميين في مصر مثيرة مقلقة[7]  فعمد الحاكم الفاطمي إلى إثارة أبناء عم أبي الفتوح من السلمانيين عليه، وكان في طريقه إلى الشام، فاستولوا على مكة ونصبوا واحدا منهم أميراً عليها، فطلب أبو الفتوح من الشيخ مفرج بن جراج بن شبيب بن مسعود المنيعي الخالدي أمير قبائل الشام، للتوسط والصلح لما له من مكانة عند الفاطميين آنذاك، فانعقد الصلح على أن يتنازل أبو الفتوح عن دعوته بالخلافة لقاء استعادة مكة من بني عمه (السلمانيين) وعاد إلى مكة سنة 403هـ.

هذا وما إن تمكن بنو تغلب وبنو خالد من إخلاء منطقة البحرين من بني سليم، المنافس الأكبر على ميراث القرامطة، حتى بدأت رغباتهم ومطامعهم في المنطقة تبرز بحيث أخذ كل زعيم قبيلة يطمع في الاستفراد بالسلطة لنفسه وقومه، فتخلخل الحلف، وبرزت قوى أخرى محليّة أخذت على عاتقها طرد القرامطة، فاشتعلت المدن بالثورات، مما دعا بني خالد للتحالف مع قبيلة عبد القيس وعتيك الأزد في القطيف الذين استقلوا بها عن سلطة القرامطة بزعامة يحي بن العياش بن سعيد بن يحي بن نبهان بن محارب بن الفضل بن على بن سعد الخالدي.

وفي جزيرة (أوال) ثار أبو البهلول العوام بن محمد بن يوسف الزجاج، وكان عاملاً فيها للقرامطة وضامناً لخراجها[8] ، ولكنه شق عليهم عصا الطاعة وطرد عمالهم عنها، وخطب لنفسه فيها بالأمر، وأنشأ جامعاً للصلاة، وطلب العون من العباسيين لمواصلة القضاء على القرامطة، ولكن ما حدث في هذه الفترة أن البساسيري سيطر على بغداد وأعلن إلغاء الخلافة العباسية. أرسل القرامطة إلى جزيرة أوال وال جديد ليضبط أمرها وينهي تمرد أبي البهلول لكن تحالف الأخير مع أبي العريان مكنه من قتل بعض أصحاب الوالي الجديد وإجباره على الهرب. بعدها بعث أبو عبد الله بن سنبر وزير القرامطة أحد أولاده إلى عمان لجلب السلاح منها، فعرف أبو البهلول والعريان بالخبر فكتماه، وأرسلا جماعة كمنت لهم في طريق عودتهم، قتلت ابن أبي عبد الله بن سنبر وأصحابه وأخذت ما كان معهم. وبلغ ابن سنبر وزير القرامطة ما حدث لأبنه ومن معه فمال إلى ابن أبي العريان وكاتبه سراً، وبذل له الأموال وطلب منه الفتك بأبي البهلول، على أن يولّيه الجزيرة، فمال إلى قوله، وعرف أبو البهلول ذلك فانزعج وجمع أهله وعشيرته وأطلعهم على الحال فوافقوه على قتل أبي العريان غيلة ليأمنوا شرّه وحتى لا يعود القرامطة للجزيرة، فرصدوه حتى نزل إلى عين تسمي (عين ثور)[9]  ليغتسل فنزل إليه رجل من بني عمّه وقتله. فجاء أصحاب ابن أبي العريان فرأوه قتيلاً واتهموا أبي البهلول فحلف لهم أنه ما قتله فصدقوه.

وقبل أن يعلم ابن سنبر وزير القرامطة بمصير أبي العريان، سيّر إلى جزيرة أوال جيشاً من هجر بقيادة (بشر بن مفلح) من عامر الخالدي، وأطمعه بولاية الجزيرة على ما كان استقر بينه وبين أبى العريان. وجاء الجيش في مائة وثمانين شداه[10]  إلى الجزيرة فتلقاهم أبو البهلول في مائة شداه، وأمر بضرب الدبادب والبوقات ونشر الأعلام فنفرت الخيول التي حملها جيش هجر في المراكب، وقد ظنّ قادة الجيش المهاجم أنهم سيجدوا العون من أبي العريان الذي لم يعلموا بعد بمقتله[11]  ولكن ما أن حدث ذلك حتى وقع أفراد الجيش من العرب في البحر، وهرب قادته واستولى أبو البهلول على باقي الشداه، ونازل من دخل الجزيرة في الموقع المعروف بـ(كسكول) وانتصر عليهم وظفر بأربعين رجلاً منهم قتلهم جميعا. وبذلك النصر تم لأبي البهلول حكم جزيرة أوال وخلصت من القرامطة وانتظم حكم أبي البهلول فيها، حيث جعل أخاه مسلم بن محمد المكنى بـ(أبي الوليد) أميراً عليها.

غير أن تلك السلطة ما لبث أن تزعزت على يد قائد خالدي آخر، انتزع الجزيرة من أبي الوليد، وهو ذكري بن يحي بن عياش بن سعيد الخالدي. كان والد ذكري قد ثار ضد القرامطة في القطيف واستغل تحالفه مع أهلها من عبد القيس والأزد لتوسيع سلطته، ولكن الموت لم يهمله، فتولى ابنه ذكري الذي خلف والده في تولي حكم القطيف، ثم قاد جيشاً كبيراً باتجاه الأحساء، لكن علاقة والده بالعباسيين قد حالت دون السيطرة عليها. ذلك أن الدولة العباسية كانت تطمع في السيطرة على إقليم البحرين، وشاءت الصدف أن التقى (ابن الزراد) الذي كان يعمل في خدمة (كجكينا) أحد ملوك شاه السلجوقي برجال من أهل القطيف في البصرة، فذكر له أن السلطان لو مدّ صاحبهم ابن العياش بمأتي فارس لاستولى على الأحساء، وخطب للسلطان فيها وحمل له الشيء الكثير من خراجها سنوياً، فوعد ابن الزراد بأن يقوم بالسعي لتحقيق هذا الأمر بعد التأكد من موافقة إبن العياش، فأرسل وفداً إلى القطيف يرافقه أحد البدو ويسمى (غراف) من أصحاب مهارش العقيلي الخالدي، اجتمع بابن العياش وأكد له الأمر، بعدها زار ابن الزراد نفسه القطيف وعاد إلى بغداد بينما كان كجكينا يعد للحملة العسكرية التي تحركت ووصلت إلى مقربة أربعة فراسخ من القطيف.

في تلك اللحظات الحرجة، بدا لوالد ذكري، أن يغير رأيه، حيث خاف على سلطانه، لذا رفض استقبال الحملة واستنكرها، وقال لهم أن الذي تقرر بيني وبين ابن الزراد هو أن يرسل السلطان مائتي فارس من العجم يكونون تحت إمرتي وقيادتي كسائر جندي. أما هذه التبعية العسكرية والطبول والأعلام والمجانيق فلست في حاجة إليها، وبإمكاني أن أحتل الأحساء وأخطب للسلطان وأجمع له الزكوات وأوفي بما تعهدت به دون أي مساعدة. لكن كجكينا قائد الحملة لم يوافق على اقتراحه ودارت بينها مراسلات ومناورات انتهت بالاشتباك المسلح وكادت الدائرة تدور على ابن العياش لولا أنه عمد إلى استمالة قبائل المنطقة من أتباعه فانتهبت معسكر كجكينا وعادت الحملة تجر أذيال الخيبة والفشل إلى البصرة[12] .

لهذا صعب على ذكري أمر الأحساء التي تؤكد الروايات أن خلافاً نشب بين بني خالد (بني عامر بن عقيل بن عامر وبني عقيل بن عامر بن خالد بني محارب وبني العياشى من بني نبهان بن محارب بن الفضل بن على الخالدي وأخوتهم بني معاوية بن إبراهيم بن عبد الله الخالدي) وبني تغلب بعد أن دخل الأصغر التغلبي الأحساء سنة 398هـ وأوقع بالقرامطة ومن يلوذ بهم القتل، فقد كان لتفرده بالسيطرة على الأحساء واستيلائه على أملاك القرامطة، وإلحاقها بالخلافة العباسية، دوراً أساسياً في اشتعال الخلاف[13] .

والمعروف أن بني نبهان الذين انخزل عنهم (آل عياش) هم الذي مكنوا أبا سعيد الجنابي من دخول القطيف، بعد أن اتخذ منهم زعماء وجعل منهم القادة على قبائل البادية التي انضمت إليه في بداية دعوته، وكان قد ولاّهم الجنابي على بعض نواحيها حيث أقام بنو بنبهان لهم حصناً في عنك في منطقة القطيف، إلاّ أنه فيما يبدو خشي من تعاظم قوتهم فأزاحهم عن القطيف وقتل زعيمهم أبو بكر ذكري بن يحيى بن نبهان الخالدي، وسلم الحصن لأحد أقربائه الذي ما لبث أن ثار عليه أقرباؤه بقيادة منيان بن يحي بن نبهان الخالدي، فاستعاد الحصن في عنك، ومنذئذ أصبحت عنك موطن بني خالد في منطقة القطيف إلى يومنا هذا. وقبل ذلك كان وجود بني خالد في عنك قليلاً، منحصراً في بعض الأسر من بني نبهان، ولكن لحقهم أبناء عمومتهم من بني معاوية الذين يقال أنهم جاؤوا إلى عنك فيما بعد ومعهم ثلة من العلويين من سلالة بني الجون وأصبحوا الأكثرية المطلقة فيها.

ومن المحتمل أن غالبية المنتسبين إلى ذرية الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه من منطقة هجر والقطيف بالإضافة إلى جزيرة أوال اليوم، يعودون في جذورهم إلى بني الأخيضر العلويين الذين حكموا في اليمامة، إلا أنهم تحولوا عنها بعد أن نجح حلفاؤهم من بني عامر بن عقيل بن عامر بن عمرو بن خالد بن محارب من تأسيس موقع قدم لهم في منطقة البحرين. يقول الشيخ أبو عبد الله ابن طباطبا الحسيني[14]  سألت أهل اليمامة من العلويين عن هذا البيت فلم يعرف أحد منهم ولا ذكروا بقية لهم، لكن حدثني الشيخ المولى السيد العلامة الفقيه تاج الدين أبو عبد الله بن معية الحسيني أن إبراهيم بن شعيب اليوسفي حدثه أن بني يوسف الأخيضر مع عامر (بني خالد) وخالد (بني خالد) نحو ألف فارس يحفظون شرفهم ولا يدخلون فيهم غيرهم - ولكنهم يجهلون أنسابهم - ويقال لهم بنو يوسف، وهم آخر ولد يوسف الأخيضر وولد إبراهيم الجون.

ومما يجعل هذه الرواية مقبولة، وجود حي قديم في طرف مدينة عنك الشمالي يعرف باسم (العليوات) (العلويين) تسكنه حتى اليوم، أُسر من الشيعة يختلطون ببني خالد. ومن الواضح أن هذا الحي عرف بهم منذ أن جاؤوا مع بني خالد للمنطقة وأقاموا معهم في عنك.

من جهة أخرى، اشتد الخلاف بين بني نبهان الخالدي وبني الأصغر التغلبي، وأصبح كل طرف يطمع بما لدى الآخر من نفوذ وسلطة في المنطقة، ومع أن الغموض يكتنف فترة تولي الأصغر التغلبي لهجر، إلا أن بعض الدلائل تشير إلى أنه عاد بمن معه لبادية البصرة، وسلم زمام أمرها لأحد أقربائه من بني تغلب من أسرة حمدان بن حمدون. وبموت الأصغر (410 هجرية) طمع بنو العياش حكام القطيف بالأحساء، مما دفع بأحد زعماء تغلب المقيمين في هجر، والذي كان له نفوذ في بادية البصرة إلى التقرب من السلاجقة الذين سيطروا على بغداد، وقد تمكن من دخول هجر بمساعدة من بني أبي الحسين على بن حمدان (بالعيون) وتعزيز مواقعهم فيها.

ومع أن القرامطة باتوا أسارى القبائل المتناحرة، لم يزل لهم بعض نفوذ، الى أن خرج رجل من مشارف (العيون) في إقليم هجر اسمه عبد الله بن على بن إبراهيم وثار على أتباع القرامطة ووقف ضدهم وحاربهم لمدة ثلاثة سنوات استطاع بعدها هزيمتهم في معركة (الخندق) سنة 469هـ التي كانت معركة فاصلة ونهائية لم تقم للقرامطة بعدها قائمة. يقول أحد المؤرخين[15]  تعد موقعة (الخندق) من المواقع الحاسمة في التاريخ لأنها قضت على القرامطة نهائياً بعد أن ظلوا أكثر من قرن من الزمن مصدر رعب وفزع للناس. وبهذا النصر الذي تم لعبد الله بدأ كيان سياسي جديد يطل على الساحة ليغطي بنفوذه كامل إقليم البحرين بل ويتعداه لنجد، وقد عرف هذا الكيان باسم (الدولة العيونية) نسبة إلى (العيون) البلد التي انحدر منها عبد الله بن على بن إبراهيم. وحول نسب مؤسس الدولة العيونيه يرد القول عند بعض المؤرخين أن عبد الله بن على العيوني يرجع لقبيلة عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديله بن أسد بن ربيعه بن نزار بن معد بن عدنان. والمعروف عن قبيلة عبد القيس أنها تحضرت منذ أن ظهر الإسلام في المنطقة وسكن أفرادها القرى[16]  ويرجح أنه لم يبق في المنطقة أحد منهم يزاول حياة البادية في البحرين أو نجد منذ أن تولى القرامطة على المنطقة، مع أن العيونيين في الأصل (أهل بادية) وقد وفدوا على منطقة هجر في زمن (إبراهيم) جد (عبد الله) مؤسس دولة العيونية من صحراء نجد[17]  وأقاموا فيها. يؤكد ذلك شاعرهم ابن المقرب حين يقول:

طعنا به كان إبراهيم والدنا

من قبل أن ينزل البحرين يوصينا

كانوا جبالاً لنجد تستقر بها

عن الزلازل إن ماجت وأركانا

حتى إذا ارتحلوا عن جوها اضطربت

وبدلت منهم خسفاً وخذلانا

وأصبحت بقرى البحرين خيلهم

تجر للعزّ أشطاناً وأرسانا

غير أن سعد الأندلسي الذي ولد في العقد الأول من القرن السابع للهجرة يقول[18]  أنهم يرجعون في نسبهم إلى قبيلة تغلب بن وائل بن قاسط بن أفصى بن هنب بن دعمي بن جديله بن أسد بن ربيعه، وذلك عندما تطرق لتغلب بن وائل في مؤلفه، حيث قال: وبلادها كانت بالجزيرة الفراتية ولعزتها في ربيعه غلبت على السهل في حرب وائل وارتفعت أخوتها بكر إلى الجبل، وكانت النصرانية غالبه على تغلب لمجاورتها النصارى، وهم رهط الأخطل النصراني شاعر بني مروان، ولم يبق لهم الآن في البرية قائمة، وكان منهم بنو حمدان ملوك الجزيرة في الإسلام والشام وكان منهم فرقة عظيمة يقال لهم (بنو أبي الحسين) [العيوني] غلبوا على البحرين وملكوه زماناً فغلب عليهم بنو عامر الذي هو بأيديهم الآن وصاروا فلاحين تحت أيديهم.

وبنو عامر المذكورين في قول أبي سعيد ما هم إلا بنو عامر بن عقيل بن عامر بن عمرو بن خالد بن محارب، المعروفين (بالعماير). وما ذكره ابن سعيد والخلافات التي نشبت بين أمراء بني حمدان وحروب بعضهم مع القرامطة ومطاردة عضد الدولة البويهي لبعض من أمرائهم تؤكد أن العيونيين من سلالة بني حمدان بن حمدون من قبيلة (تغلب) وأن إبراهيم أحد أجداد عبد الله مؤسس الدولة العيونية في المنطقة الذي ذكره ابن المقرب في إحدى قصائده ببيت شعر (انظر أعلاه) كان يقيم في صحراء نجد، وقد جاء بأسرته إلى نجد بعد الخلاف الذي تم بين أمراء بني حمدان، فسكن صحاريها وتحالف مع بعض أسر بني خالد فيها إلى أن تحول أبناؤه إلى هجر برفقة بني معاوية الخالديين. والأقرب إذن، أن العيونيين من قبيلة بني تغلب من بطن (الأرقم) من بني حمدان بن حمدون.

ما أن استتب لعبد الله العيوني زمام الأمور في منطقة الأحساء حتى بدأ كيان الدولة العيونية يبرز متخذا الأحساء قاعدة لحكمه فقوي شأنه وخافته القوى المجاورة، وقد حاول بنو خالد مهاجمته لكنه قضى عليهم واستولى على القطيف وجزيرة أوال. وقد بدأ الأمر بمهاجمه حسن بني يحي بن عياش آل نبهان الخالدي بقوات من القطيف للأحساء، إلا أن عبد الله العيوني تمكن من هزيمته بعد أن قتله مما دفع بأخيه ذكري، حاكم القطيف، لإعداد سرية أخرى فلما بلغت قرية (ناضرة) واستقرّ فيها، بلغ الأمر حاكم الأحساء العيوني الذي ركب هو وأهله وجنوده لملاقاة السرية الخالدية فهزموها وتبعوها إلى القطيف فسيطروا عليها بعد أن هرب منها ذكري لظنّه أنها غير منيعة وتوجه إلى أوال، لكن قوات العيونيين تبعته بقيادة الفضل بن عبد الله العيوني فقاتله ذكري بمن معه وقتل رجلٌ من أتباع الأخير يقال له (العكروت) يعد من أشجعهم[19] . تخلى ذكري عن مواقعه في الجزيرة وركب إلى البحر وتوجه إلى العقير، واجتمع ببعض القبائل وجهز حشوداً أغار بها على القطيف فلقيه عبد الله العيوني مرة أخرى بقوة كبيرة سنة 467 هـ، وبمساعدة السلاجقة بقيادة (أرتق بك) تمكن من هزيمة ذكري الخالدي وقتله.

وبمقتل ذكري توحدت السلطة في شرق الجزيرة العربية بيد العيونيين، وكان من نتيجة ذلك، أن رحلت العديد من الأسر الخالدية وبعض الأزد يقال لهم بني العتيك وبعض بني نهد، واتجهوا جنوباً الى بينونة في عمان، ويذكر أحد الباحثين[20]  أنه كان في بينونة قرى لبني محارب، وبقيتهم اليوم في الإمارات تعرف بآل (بو محارب).

في سنة 483هـ، استطاع شيخ بني خالد الشيخ عامر بني عقيل بن عامر الخالدي حشد نحو عشرة آلاف رجل من قبائل المنطقة، وزحف بها نحو البصرة فطوّع (عبادة) ووضع على رأسها رجل من بني معروف من قومه، كما أدب (خفاجة) وأمّر عليها منيع بن حسان الخالدي، ثم دخل البصرة ونهبها نهباً شنيعاً، وعاد إلى الأحساء مطالباً العيونيين بدفع جزء من حاصلات البحرين مقابل الحماية والخفارة لطرق الحج والتجارة، إلا أن عبد الله العيونى رفض أن يعطيهم (العماير) شيئاً، وتطور الأمر إلى المواجهة خسر العماير فيها، ورحل الناجون إلى البصرة مع شيوخهم كأحمد بن مسعر وأبو فراس بن شبيب، أما من أسر منهم فقد نفوا إلى عُمان حيث أبناء عمومتهم الآخرين من بني نبهان وغيرهم. تجدر الإشارة إلى أن بني نبهان ما لبث أن أسسوا لهم موقعاً وحكماً ودولة عرفت بدولة بني نبهان. قال أحد شعرائهم[21] :

آل نبهان يا بني عمر

لكم سواد الدنيا وسؤددها

أنعمكم للأنام شاملة

لا يستطيع الكفور يجحدها

أيضاً فقد استقرّ بعض العماير وأبناء عمومتهم في نزوى، وكان لهم حصن في (بهلا) عرف بهم ذكره أحد الشعراء بقوله:

خليلي هل حصن العميري عامر

وهل عقر نزوى مخضبات مرابعه

وعلى ضوء ما جرى لبني خالد (العماير) في البحرين، وقع العداء بين بني عمومتهم في مناطق أخرى كالعراق ضد التغلبيين ومن ناصرهم من السلاجقة، فقد أرسل من العراق، مسلم بن قريش الخالدي المعروف بالعقيلي محاربين من الخوالد سنة 478 هجرية لمواجهة قتلمش السلجوقي، إلا أنه هزم وقتل، فتولى أخوه إبراهيم الزعامة، ولكنه استبدل سياسة المواجهة بالتقارب مع السلاجقة، فصاهرهم وتزوج منهم (صفية خاتون) عمّة السلطان ملك شاه، غير أن الأخير ما لبث وأن قبض على إبراهيم وعيّن محمد بن مسلم بن قريش زعيماً على قومه، وأقطعه الرحبة وحرّان والرقة وسروج والجزيرة، ثم زوجه أخته (زليخة خاتون) سنة 479 هـ[22] .

وبذلك التقارب مع السلاجقة، تمهد الطريق لمصالحة التغلبيين في البحرين (أي العيونيين) فعاد (العماير) من بني خالد من مواقعهم في نجد وجنوب العراق ونزلوا بادية البحرين، وتقربوا من أمراء العيونيين وصاهروهم، وذلك في عهد أبي محمد الفضل بن عبد الله العيوني، الذي ساد في عهده الأمن والاستقرار. وبعد مقتل أبي محمد الفضل في (تاروت) برزت قوة العماير في عهد ابنه أبو سنان محمد العيوني، ونزلوا بجموعهم القطيف سنة 543 هـ[23] .

لكن بعض المناوشات وقعت بين العيونيين والعماير سنة 586هـ، قيل أن الأخيرين طلبوا على أثرها نجدة من أقربائهم في مختلف البلدان والمواقع، كالحجاز ونجد وبادية العراق والشام[24]  فجاء المدد والعون مما عزّز مواقعهم في القطيف، وإضعاف الأمير العيوني فيها. وفي عهد أمير العماير راشد بن عميره بن سنان بن عقيل بن شبيب بن عامر الخالدي استطاعت القبيلة انتزاع جميع ما للعيونيين من أملاك مالية ودور وأراضي ومزارع في واحة القطيف وقام راشد بتوزيعها على قومه حاضرة وبادية[25]  وذلك إثر نجاحه في اغتيال الحاكم العيوني محمد بن أبي الحسن لصالح أحد أفراد الأسرة العيونية الطامع في السلطة (وهو عزيز بن الحسن). وقد كان الاتفاق بين الطرفين، أن يتولى عزيز الحكم في القطيف، وأن يكون نصيب راشد أملاك المقتول. ويقال أن تلك الأملاك لا تزال تتوارث إلى هذا اليوم بين عدد من أسر العماير، وبعض بني خالد الآخرين.

ومع إطلالة القرن السابع الهجري بدأ نجم الدولة العيونية بالأفول، وتزايد دور بني خالد (العماير) في الساحة السياسية بالمنطقة، فقد بدأ الأمر باشتراكهم في إدارة شؤون القطيف إلى جانب الحكام العيونيين، إلى أن أجلى العصفوريون العيونيين عن القطيف إلى جزيرة أوال على يد عصفور بن راشد بن عميرة. وقد قام الأخير بالزحف على الأحساء بمساعدة الجروانيين (آل جروان) أبناء عمومته فسيطر عليها وجعلها قاعدة لحكمه، وانطلق منها لينهي آخر موقع للعيونيين في جزيرة أوال التي استولى عليها سنة 633هـ.

عين عصفور بن عميرة أحد أقربائه (عاصم بن سرحان بن محمد بن عميرة) على القطيف، إلى أن قتل على يد الأتابك أبي بكر السلغري، الذي نجح في الاستيلاء على قلعة (تاروت) وانتزع سلطانها من العصفورين عام 641هـ. ورغم غارات العصفوريين المتكررة إلا أنها لم تفلح في استعادتها، وخلال هذه الفترة وصلت إلى المنطقة أفرع من بني خالد، عززت مواقع العصفوريين، حيث وصلت بعض أسر (آل نبهان) من الجبور التي كانت تقيم في نجد وبادية البحرين، و(الدعوم) وغالبية (الجناح) الذين جاؤوا من عالية نجد والذين يعرفون اليوم في الخليج (بالجناحي). كما قدم في تلك الفترة غالبية (صبيح) نجد كآل مياس (كتب) منهم آل بوعينين والضبيبات (الحميدات) وكذلك صبيح الشمال كبني (عمران) الذين كانت لهم الزعامة ومشيخة الصبيح في شمال الجزيرة وبادية العراق وأطراف الشام، فتعزز وجود الخوالد في البحرين وأطراف البصرة[26] . يضاف إلى ذلك قدوم المهاشير من بني خالد الحجاز وحلفائهم من بني زبيد إلى البحرين، وقد كان للمهاشير مشيخة على بعض من زبيد الحجاز التي واصلت رحلتها من البحرين إلى العراق.

وقد حاول أبو بكر السلغري استمالة القوة الخالد فدفع لهم بعض الأتاوات التي لم توفق في تخفيف نزعتهم الطامحة للسيطرة على منطقة البحرين. وفي عام 648هـ تخلّى السلغريون عن مواقعهم في القطيف وأوال، فعادت إلى يد العصفوريين من جديد، فتولى القطيف مانع بن علي بن ماجد بن عميرة، وبذلك دانت أهم مناطق الخليج لهم، ووصل تأثيرهم إلى نجد وعمان.

أما الأجنحة المتعددة من الخوالد، فقد دبّ فيها الاختلاف، بعد مقتل أحد زعمائهم (صالح) على يد المغول، فولد فرعان من الصبيح هما (المخاصم) و(الظهيرات) ودخل في الصبيح في الشمال بنو طليحان (الهدهود) وكان لهم شأن في مشيخة الصبيح، ولحقت بهم أسر من (آل رميزان) و (الزبن). وقد رحلت كثير من الأسر فيما بعد الى الشمال العراقي.

والعوائل التي تنتسب إلى بني خالد وكان لها نفوذ سياسي في المنطقة هي:

أولاً: بنو عياش بن سعيد بن يحي بن نبهان بن محارب بن الفضل بن على بن سعد بن هشام بن معاوية بن إبراهيم بن عبد الله بن موسى بن سليمان بن عبد الله بن مهاجر بن خالد بن مهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي القرشي. بدأ حكمهم مع نهاية القرامطة وزال ببروز العيونيين وقد ارتدت هجرتهم إلى نجد وعمان.

ثانياً: بنو عامر بن عقيل بن عامر، وهؤلاء يجتمعون مع بني العياش في جدهم محارب بن الفضل الخالدي، الذي كان حاكماً على بيشة، وتولى باسم العباسين أمر مكة في القرن الثالث الهجري، كما جاء في كتاب النجوم الزاهرة[27] . وقد استمر نفوذهم إلى منتصف القرن الثامن الهجري.

ثالثاً: بنو نبهان بن عمر بن نبهان الخالدي، أهل الحكم في عمان. وهم إخوة بني العياش، ويعتقد أنهم من ذرية منيان بن نبهان بن محارب الذي ثار على القرامطة. كان لبني نبهان دولة في عمان امتدت لقرون، وقد ساعدها على الاستمرار ولاء زعمائها لحكام منطقة البحرين. وقد تطرق مؤرخون لأسماء زعماء منهم، ذكر الستالي بعضهم وقد كان شاعرهم وقال فيهم القصائد الطنانة.

رابعاً: الصبيح، و قد تحول أغلبهم للمنطقة الخليجية من الشمال العراقي بعد وصول المغول. ومع أفول نجم العيونيين كان غالبية الصبيح يقيمون في البطائح ما بين البصره والكوفة، وكان لهم نفوذ في مشهد الامام الحسين بن علي، وكانوا يلقبون بـ(جمال المشهد) [28] . من أهم مشايخهم في البطائح عمران بن موسى بن مهنا، الذي برز قبل نهاية النصف الأخير من القرن الثامن للهجرة، وكان له دور في أحداث البحرين التي كان يحكمها العصفوريون، وكان له أيضاً كلمة في المشهد/ النجف، والبصرة. وبعد موته تولى إبنه صالح مشيخ الصبيح وقبائل البطايح، وكان له تطلعات سياسية استثمرها حين انهارت سلطة العماير في البحرين واستيلاء الفرس عليها، حيث أقنع التتار بمساعدته، وبسط نفوذه على البحرين والبصرة[29] . وتشير بعض الكتب إلى أن صالحاً جعل من موقع (العمران) مركزاً لنفوذه في هجر، وقد أصبحت فيما بعد قرية تنسب إلى والده، ويتولاها ابنه (عيشان)، في حين جعل من ابنه (قنان) أميراً في البصرة ونائباً له فيما حولها.

استمر نفوذ الصبيح لأكثر من نصف قرن، وكانوا يلقبون بـ(حماة المشهد)، لكن ذلك النفوذ زال بهجوم تيمورلنك سنة 795هـ ومقتل الشيخ صالح بن عمران الخالدي[30]  فتزعزع سلطان القبيلة، واختلف أبناؤه وتفرقوا في كل الأنحاء. لكن سلطتهم انبعثت مرة أخرى بولادة فرعين من فروع الصبيح، أحدهما ينسب إلى (قنان) الذي أقام بعد مقتل والده في بادية البصرة، ويعرف بنوه ومن انضاف إليهم من بعد باسم (المخاصم) الذي ينتمي لهم (العجران)، والآخر ينسب إلى (عيشان) الذي بقي في (هجر) فعرف بنوه ومن انضم إليهم بعد ذلك باسم (الظهيرات) ومنهم (آل زيتون) شيوخ من بني خالد لهم مقامهم بين زعماء الصبيح وقد كان منهم شيخ الظهيرات زيتون بن شديد بن على الشويش[31]  الذي امتدحه أحد شعراء النبط بقوله[32] :

ياهل الركايب لا بغيتوا تمدون

تريضوا واللي فهيم يوصيه

ردوا سلامي حين تلفون زيتون

سعد ابن عمه وعنا من يماريه

اللي يشب النار من قبل يبنون

بيته كبير ومنزله ما يغبيه

حاول آل مغامس السيطرة على البحرين وانتزاعها من العصفوريين لكن الجروانيين حسموا الأمر لصالحهم سنة 705هـ بعد أن قتلوا شيخهم سعيد بن مغامس في معركة الرقيقة، فتم لهم الاستئثار بحكم المنطقة فترة غير قليلة من الزمن، وبعد فترة برزت قوة الجبور التي تصاعدت على حساب الجروانيين، فاقتطعوا الأحساء ثم أنهوا آخر أمراء بني جروان في القطيف سنة 873هـ. وفي عهد الجبور انتشر المذهب المالكي، واتسع سلطانهم خاصة في عهد (أجود بن زامل بن جبر بن حسين) الذي قتل على يد أول استعمار شهدته منطقة الخليج، ألا وهو الإستعمار البرتغالي الذي سيطر على أوال وبعض من القطيف كقلعة تاروت، إضافة الى عمان ومناطق خليجية أخرى.

حاول آل مغامس في البصرة العودة للبحرين والإستيلاء عليها مرة أخرى، ونجح شيخهم راشد بن مغامس من القبض على زمام السلطة في الاحساء والقطيف سنة 932هـ وطرد من تبقى فيهما من الجبور، الذين لم يبق لهم من المواقع الإسمية سوى عمان[33] . وإثر سيطرة آل مغامس، حدثت هجرة لبعض الفروع الخالدية المؤيدة للجبور باتجاه نجد وعمان وإيران، فيما هاجرت بعض البطون والأسر إلى الشام والعراق. وخلال حكم آل مغامس، جاء العثمانيون إلى الخليج لأول مرة لمقارعة الاستعمار البرتغالي، وذلك بدعوة من الأهالي، فاعتمدوا إلى شيوخ بني خالد من آل حميد في إدارة المنطقة، لكن الأخيرين ما لبث أن طردوا الحاميات التركية، واستولى على الأحساء لحسابهم سنة 1080هـ. واستمر حكم بني خالد من آل حميد مدة قرن ونصف متواصلة وقد كان حكمهم قوياً بدون منافس تقريباً. بل أنهم مارسوا نفوذاً مباشراً على عدد من المناطق الخليجية ونجد، واليهم يعود الفضل في تأسيس الكويت الحديثة، التي لم تكن تعد مصيفاً لآل عريعر، البيت الخالدي الحاكم.

في بداية القرن الثالث عشر الهجري بدأت ضغوطات الحكم السعودي الأول، والذي تبنّى الدعوة السلفية، فاحتلت الأحساء ثم القطيف، وتضعضعت مكانة بني خالد، واختلفت أفرعها وقادتها، فحلت بهم هزائم كثيرة، بعد أن كانوا السباقين في الحرب والمهاجمة. وبسبب تلك الهزائم هاجرت أسرهم إلى مناطق مختلفة كعمان وإيران والعراق والشام، وانتقل البعض الآخر للداخل الصحراوي النجدي، كما أن بعض الأسر انتمت بسبب الضعف لقبائل لا تمت لها بصلة.

حاول العثمانيون في عهدهم الثاني في الأحساء والقطيف، بعد احتلاله سنة 1871م، أن يعيدوا الروح لحكم بني خالد، فتولى بعض شيوخهم متصرفية الأحساء ولكنهم عجزوا عن كبح جماح القبائل الجديدة المهاجرة ذات العصبية القوية كالعجمان، الأمر الذي أضاع فرصة عودتهم ثانية للحكم. وبسيطرة الملك عبد العزيز على حكم الأحساء عام 1913م، ضعفت القبائل وأدمجت المناطق لتشكل مملكة كبيرة مترامية الأطراف، وتبدأ حقبة جديدة من تاريخ البحرين، بل تاريخ الجزيرة العربية بأسره.

واليوم، يتمثل الوجود السياسي ذو الأصول الخالدية في أسرتين خليجيتين حاكمتين هما (القواسم) حاكم الشارقة ورأس الخيمة، والذين ينتمون إلى الجبور من العماير[34] ، والأخرى (آل مكتوم) حكام دبي، وهم من آل الصبيح[35] ، والإمارات الثلاث تشكل جزءً من دولة الإمارات العربية المتحدة.

[1]  د. عبد العزيز مطر - لهجة البدو في الساحل الشمالي لجمهورية مصر العربية، ص (22).

[2]  المحامي فرحان أحمد سعيد - ربيعة الطائيون، ص (27).

[3]  محمد سعيد المسلم - القطيف واحة على ضفاف الخليج، ص (212).

[4]  الشيخ محمد على التاجر - عقد اللآل في تاريخ أوال، ص (84).

[5]  إبراهيم على الحفظي - تاريخ عسير، ص (38).

[6]  د. سهيل زكار - أخبار القرامطة، ص (398).

[7]  أحمد السباعي - تاريخ مكة، ص (198).

[8]  محمد عبدالله الأنصاري - تحفه المستفيد بتاريخ الأحساء، ص (98).

[9]  د. سهيل زكار - أخبار القرامطة، ص (83).

[10]  المصدر السابق - (الشداه نوع من مراكب البحر).

[11]  محمد عبد الله الأنصاري - تحفه المستفيد في تاريخ الأحساء، ص (98).

[12]  محمد سعيد المسلم - واحة على ضفاف الخليج، ص (214).

[13]  الشيخ محمد على التاجر - عقد اللآل في تاريخ أوال، ص (85).

[14]  حمد الجاسر، الأخيضريون في اليمامة - العرب - عام (1399) ص (108).

[15]  القرامطة ودورهم في تغيير التركيبه السكانيه - الواحه عدد (6) ص (35).

[16]  خالد الغريب - منطقة الأحساء عبر أطوار التاريخ، ص (71).

[17]  د. فضل العماري - ابن المقرب العيوني وتاريخ الإمارة العيونية، ص (21).

[18]  أبي سعيد الأندلسي - نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب - ج/2، ص (639).

[19]  عبد العزيز العويصي - ديوان بن المقرب (طبعه الهند) ص 450 - 451.

[20]  فالح حنضل - المفصل في تاريخ الأمارات العربيه المتحده - ج/1، ص (31).

[21]  عز الدين التنوخي - ديوان الستالي - شعر أبو بكر الخروصي، ص (172).

[22]  عبد الرحمن السويداء الخالدى - الألف سنه الغامضه في تاريخ نجد، ص (350).

[23]  مجلة الوثيقه - البحرين - عدد (3) - ص (62).

[24]  إبراهيم بن على الحفظي - تاريخ عسير، ص (51).

[25] على الخضيري - ابن المقرب العيوني، ص (43).

[26]  د. عبد اللطيف الحميدان - التاريخ السياسي لأمارة (الجبور) ص (36).

[27]  محمد بهجت سنان - البحرين درة الخليج العربي، ص (80).

[28]  مجلة الشرق - الدمام - العدد (646) ص (32).

[29]  مجلة الوثيقه - عدد (3) سنه (1983) البحرين - ص 59 إلى 73.

[30]  د. عبد اللطيف الحميدان - التاريخ السياسي لأمارة الجبور، ص (36). ومجلة كلية الأدب في جامعة البصره عدد (16) سنه (14).

[31]  ج - ج - لوريمر - دليل الخليج - القسم الجغرافي - ج/3، ص (1255).

[32]  الشاعر هو مرشد بن مصلح العوران الخالدي ذكر صاحب دليل الخليج أبنه جربوع وقال عنه أنه كبير اللحيه من الظهيرات.

[33]  د. عبد اللطيف الحميدان - الصراع على السلطه في دولة الجبور، ص (83). جامعة الملك سعود - كلية الأداب - مركز البحوث عدد (56). كذلك طالع كتاب إمارة ال شبيب في شرق الجزيرة - للدكتور / عبد اللطيف الحميدان - الرياض 1418 هجريه.

[34]  عبد الكريم الوهبي - بنو خالد وعلاقتهم في نجد، ص (81).

[35]  بنو خالد قرون من الاستقرار في منطقة القطيف - الواحه - العدد (3). رجب سنه 1416 هجريه، ص (127). وطالع كذلك موسوعه القبائل العربيه - للمؤلف الطيب ج/3، ص (319).
عضو هيئة التحرير
302167