ملاحظات على تاريخ القطيف العلمي والأدبي
محمد علي الشيخ علي - 23 / 2 / 2011م - 9:17 ص - العدد (17)

شاع على ألسنة المثقفين والأدباء وحتى العلماء -فضلاً عن العامة- في منطقة القطيف أنها (النجف الصغرى).

ودوّن بعض الباحثين في تاريخ المنطقة الفكري والأدبي تلك المقولة في أبحاثهم ومؤلفاتهم بدون أدنى تحقيق في صحة المقولة وواقعيتها.

وليس غرضي في هذه المقالة المقارنة بين النجف الأشرف الحاضرة العلمية للشيعة منذ ألف سنة والتي تخرج فيها آلاف العلماء على مر القرون وأنتجت عشرات الآلاف من الكتب والأبحاث والرسائل في الفقه وأصوله وعلم الكلام والفلسفة والحديث الشريف وعلومه وتفسير القرآن الحكيم وعلومه فضلاً عن الشعراء الذين حلقوا في سماء الشعر العربي وهم عشرات الشعراء المفلقين.

ولن نتحدث عن معاهد النجف الأشرف العلمية ومدارسه ودراساته العليا ومدرسيه، ولن نعدد مكاتب النجف الأشرف الخاصة والعامة.

لكن حديثنا سيكون عن الحياة الفكرية والأدبية في القطيف، وهي ثمرة من ثمرات النجف الأشرف قطفها أفراد من هذه المنطقة وحاولوا زرعها في باب ساحتنا العلمية والأدبية لعلها تنتج شيئاً تتلاقى مع بقية ثمرات النجف الأشرف في مختلف بقاع العالم الإسلامي.

وحتى لا نبخس القطيف حقها حاولنا أن نلم إلمامة سريعة ومركزة على تاريخ المنطقة العلمي والأدبي عبر القرون، مؤرخين لحياتها العلمية، ملقين الضوء على بعض حلقاتها المضيئة عبر القرون. وليس هدفنا التأريخ بما هو تأريخ، بل نحاول اكتشاف النجوم العلمية والأدبية وتسليط الضوء على أسباب إشعاعها وتجاذبها مع محيطها العلمي والأدبي.

ومن نافلة القول بل مفروضه أن لا ننسى ونحن نسير عبر التاريخ أن جغرافية المنطقة السياسية قبل مائة سنة كان لها الأثر كل الأثر في روافدنا العلمية والأدبية؛ إذ كانت منطقة القطيف جزءاً من ثلاثة أجزاء مما كان يسمى بالبحرين والنسبة إليها بحراني لا بحريني كما شاع وذاع. وكان العلماء والأدباء يتنقلون بحرية كاملة من الخط وعاصمتها القطيف إلى ما يعرف الآن باسم البحرين، ومن البحرين إلى القطيف ويتعلمون ويعلمون ويقيمون هنا وهناك والكل عشيرة واحدة ووطن واحد، بالإضافة إلى هجر وقاعدتها ما يعرف الآن بالأحساء.

العلماء والشعراء

كثيرة -نسبياً- أسماء العلماء والشعراء الذين نسبوا إلى منطقة الخط أو عاصمتها القطيف.

فقد حرص بعض من أرخ للمنطقة أن يحشد ما وقع تحت يده من أسماء ويتسامح في ضم هذا الاسم أو ذاك إلى قائمة العلماء أو الشعراء، بل إن البعض أعطى ألقاباً علمية لا تتناسب مع المستوى العلمي للمترجم إفراطاً أو تفريطاً متناسياً أن الأمانة العلمية تحتم على كل باحث ومؤلف أن يرصد كل شيء كما هو، وأن يبعد عنه أثناء الكتابة ميوله الشخصية ورغباته الذاتية.

وبنظرة سريعة على تراجم المنتسبين للقطيف على مر العصور -مع إسقاط العصر الجاهلي وصدر الإسلام وعصور الأمويين والعباسيين حتى القرن السابع الهجري- من علماء وشعراء وحسب بعض القوائم نجد أن عددهم قارب المائتين.

وليس لنا اعتراض على هذا الكم الهائل من الشعراء والعلماء بل نتمنى أنهم كانوا ألوفاً مؤلفة نباهي بهم الزمان ونرصدهم للتاريخ السياسي -قبل التاريخ العلمي والأدبي- منائر تهدي المبحرين إلى بحر القطيف رغباً أو رهباً. فلنلقِ نظرة سريعة على ما حفلت به القرون السبعة المتأخرة من العلماء ونرى ما أنجبت القطيف من تراث علمي خلال هذه القرون ثم نقول كلمتنا.

القرن الثامن

أثبت المؤرخون خمسة أسماء منها أربعة من علماء الدين والخامس من الشعراء والعلماء، وهم -مع حفظ الألقاب العلمية-: الشيخ حسين بن راشد، والشيخ عبد اللَّه بن شبيب، والشيخ علي بن حسن بن جعفر بن عثمان، والشيخ يوسف بن حسين بن أبي، وخامسهم الشيخ حسن بن علي النح.

وقد أثبت صاحب أدب الطف ما وجده أو بعضه من أشعار النح وبذلك حفظ أثراً من آثار القطيف كان ضائعاً.

وأما الأربعة الآخرون فمنهم من وقع في سلسلة الإجازات كابن راشد وبن أبي، ومنهم من عرف بأنه تلميذ لابن المتوج البحراني.

القرن التاسع

الشيخ حرز بن الحسين كان معاصراً للشيخ مفلح بن حسن الصيمري.

القرن العاشر

في هذا القرن سطع نجم قطيفي في سماء العلم والعلماء، وهو بحق مفخرة القطيف، والمنوه به من خلال علمه ومؤلفاته التي ما زالت معتمدة في المحافل العلمية وأراؤه محل درس بين الفقهاء.

وهو الشيخ إبراهيم القطيفي.

ولم تذكر كتب التاريخ أو الإجازات غير هذا العَلَم من العلماء أو الشعراء في هذا القرن ويكفي القطيف عالمها هذا.

القرن الحادي عشر

حلق في هذا القرن أبو البحر الخطي بشعره فملأ دنيا الشعر والأدب في المحافل الأدبية في البحرين الكبرى وبلاد فارس.

ولا يستطيع الباحث وهو يرصد تاريخ الحركة الأدبية في منطقة الخليج والجزيرة العربية أن يتجاهل هذا الشاعر العبقري الذي رفع بشاعريته المفلقة اسم القطيف أدبياً.

كما سطّر المؤرخون أسماء لبعض العلماء من أسرة آل عمران أشهرهم الشيخ حسين العمران الذي أثبت له الشيخ علي المرهون قصيدة في كتابه شعراء القطيف.

ومنهم الشيخ عبد علي القطيفي الذي ترجم له الحر العاملي في آمل الأمل وينقل عن كتابه مطالع الأنوار في الهداية وترجم له صاحب الرياض والذريعة.

القرن الثاني عشر

كان هذا القرن كريماً على منطقة القطيف فقد جاد عليها برجال سبحوا في بحور العلم والأدب وأناروا طروس تاريخ المنطقة بعلمهم وشعرهم.

أبرزهم الشيخ أحمد المقابي، والشيخ عبداللَّه الشويكي، والشيخ علي بن حبيب، وشاعر الخط في هذا القرن الشيخ فرج المادح، والشيخ محمد المقابي، والشيخ ناصر الجارودي، والشيخ يوسف أبو ذيب الشاعر العالم.

وهذا القرن هو في نظري البداية الحقيقية للمدرسة العلمية التي تناثرت شظاياها في ربوع القطيف بعد أن مهد لها علماء القرن السابق وحفروا أساسها.

القرن الثالث عشر

جاد الدهر بنوابغ ازدهرت بهم حاضرة القطيف في القرن الثالث عشر الذي تواصل مع القرن السابق وأوصل الشعلة إلى القرن الرابع عشر.

وكان من حسنات هذا القرن ثلة من الأعلام مثل الشيخ إبراهيم بن عرب آل عرفات، والشيخ أحمد بن طوق، والشيخ أحمد بن منصور العمران، والشيخ حسن بن مرهون التاروتي الشاعر الشهير، والشيخ حسن الصفواني، والشيخ سليمان العبد الجبار المسقطي، وابنه الشيخ سليمان العبد الجبار المينائي، والشيخ ضيف اللَّه بن طوق، والشاعر الشيخ عبد العزيز الجشي، والشيخ عبد علي العبد الجبار، وعبد علي القاروني، وشيخ شعراء القطيف في هذا العصر عبداللَّه الذهبة، وشيخ علماء عصره في القطيف الشيخ محمد بن علي العبد الجبار، والشيخ يحي العوامي، والشيخ مرزوق الشويكي، والسيد محمد بن مال اللَّه بن معصوم، والسيد محمد بن مال اللَّه الفلفل.

القرن الرابع عشر

تميز هذا القرن بميزة لم تكن ملحوظة في القرون السابقة إذ كان في أوائله زاخراً بالعلماء خاصة المجتهدين وذوي الفقاهة، وكان أغلب هؤلاء ممن قضى شطراً من عمره في القرن السابق الذي هو بحق والذي قبله قرنا الازدهار العلمي والأدبي في المنطقة.

أما بعد منتصف هذا القرن وخاصة بعد العقد السابع منه فقد انطفأ بريق القطيف العلمي، ولم يبق بها ممن يشار إليه بالبنان إلا فرد أو فردان لا يبلان شفة لصادي ولا يخلقان ربيعاً.

وكان الشيخ أحمد آل طعان هو أستاذ علماء القطيف في هذا القرن ونافخ الروح العلمية فيها. وقد تتلمذ على يديه ابنه الشيخ محمد صالح، والشيخ جعفر العوامي الستري، والشيخ عبد اللَّه المعتوق، والشيخ علي البلادي، والشيخ محمد النمر.

ومن علماء هذا العصر المبرزين -أيضاً- الشيخ حسن علي البدر، والشيخان العليان الخنيزيان العم وابن أخيه، والشيخ محمد حسين العبد الجبار، والشيخ علي الجشي، والسيد ماجد العوامي، والشيخ محمد صالح المبارك، والشيخ حسين البلادي القديحي.

تحليل للمسيرة العلمية في المنطقة

بعد أن تصفحنا وجوه المنطقة العلمية خلال سبعة قرون ونشاطها العلمي والأدبي لا يستطيع الباحث إلا أن يخرج بملاحظات لا تخفى على المتتبع وهي كالتالي:

أولاً: أن العلم -مع أن الواجب الشرعي يقضي بنشره على أوسع رقعة ممكنة- صار علامة مسجلة يتوارثها الأبناء عن الآباء جيلاً بعد جيل وصار لدى أبناء المنطقة عرفاً أن من يريد أن يطلب العلوم الدينية لا بد أن يكون من أسرة علمية دينية.

فقد كان هم العلماء تنشئة أولادهم ليأخذوا محلهم في المجتمع بعد رحيلهم من هذه الدنيا ولذلك لا نجد عالماً من أسرة ليس لها امتداد علمي طويل، اللهم إلا أن يكون والده من الوجهاء الأثرياء ويستخدم دالته الوجاهية لدى هذا العالم أو ذاك ليتلقى ابنه العلم على يديه.

وكان أبناء الطبقة الاجتماعية المتوسطة لا يحلمون بأكثر من أن يكون ابنهم خطيباً أو معلماً في (كتاب)، أو كاتباً لدى أحد التجار أو العلماء.

وكان محظوراً على هؤلاء تجاوز دراسة أو قراءة كتبٍ بعينها.

لهذا وذاك نلاحظ أن أغلب علماء منطقة القطيف من أسر علمية وراثية احتكرت الدراسة العلمية والدينية، ووظائف رجال الدين في المجتمع من إفتاء وإمامة صلاة، وقضاء وخطابه ووعظ وإرشاد وتوثيق عقود الخ.

ولقد خسر أولئك العلماء وخسرت معهم المنطقة جراء هذا الاحتكار، حيث ظل العلم والأدب محصوراً في تلك الأسر وضمن أسوارها لا يخرج إلى ساحة المجتمع وطرقاته، ليخلق مجتمعاً أديباً ومحيطاً يتداول المسائل العلمية والقضايا الأدبية، وهو يكسب معاش يومه كما هو الحال في الحواضر العلمية.

ثانياً: تبعاً لما سبق فإن الكتب والمكتبات ظل يتوارثها الخلف عن السلف بما فيها من مؤلفات علماء تلك الأسر، وظل أكثر تلك المؤلفات حبيس الأدراج تتلفها عوامل الطبيعة وتقتات عليها العثة، وتغلفها العنكبوت بأنسجتها حتى الموت، خاصة بعد انتهاء التسلسل العلمائي في تلك الأسر، وزهداً في العلم والأدب، وخوفاً من وجود آثار العلم بين أيدي غير مستحقيها.

وما نجا من هذه المعركة تلاقفته أيدي الباعة في التركات ووصل بعضها إلى شرق الأرض وغربها في غفلة ونسيان من أبناء منطقة القطيف، أو انتهبته أيادي لصوص الليل ظلماً وعدواناً.

ويرى المتابع لإصدارات المطابع في العشر سنوات الأخيرة أن توجهاً محموداً أخذ على عاتقه نشر ما يصل إلى أيدي أصحاب ذلك التوجه -كثر اللَّه أمثالهم ووفقهم- من مؤلفات علماء المنطقة بعد تحقيقها، ونشر مؤلفات المعاصرين.

والبعض راح يرصد مؤلفات أبناء المنطقة في المكتبات العامة في الحواضر الإسلامية، أو ما تضمنه فهرسات المكاتب والتراجم والكتب الخاصة بتعداد المؤلفات كالذريعة.

وتبقى أمنية في نفوس المهتمين بتراث المنطقة العلمي والأدبي أن يفتح أصحاب المكتبات الخاصة من أبناء (البيوتات) العلمية أبواب تلك المكتبات للباحثين والمحققين، وأن يؤدوا إلى الأجيال الأمانة التي تحت أيديهم حتى تتكئ عظاميتهم على ما هو موجود بين أيدي الناس.

وليبعد حراس التراث توهمهم أن تراث سلفهم ملك لهم وأنه أفضل ما ألف، وليدعوا بعد نشره الأيام تقول كلمتها في جودته وفضله.

ثالثاً: يلاحظ الباحث أن بعض العلماء تبنى -كما تقول التراجم- التدريس وفتح مدارس، وكان البعض يلقي بحوث الخارج في علمي الفقه والأصول.

ولا يعنينا البحث عن تدريس المقدمات أو حتى علوم السطوح لأن وجود ذلك من المسلمات في السيرة العلمية للعلماء والفضلاء والمجتهدين.

ولكن ما يعنينا هو التحقق من وجود درس بحث الخارج في المنطقة -ومع عدم الإشارة إلى أسماء بعينها- فهل خرجت تلك المحاضرات -إن وجدت- مجتهدين استغنوا عن الرحلة إلى حواضر العلم الأخرى؟ وهل شهد أحد علماء المنطقة لأحدهم أو لأي أحد بالاجتهاد؟

ليس بأيدنا ما يؤيد ذلك سوى بعض جمل كتبت في سيرة هذا العالم أو ذاك أو ذكراه. وبالبحث في تراجم بعض علماء المنطقة لم نجد لها مصاديق في الخارج -حسب تعبير أهل المنطق- وإن وجدت تلك المصاديق فكان جلُّ ما وصلت إليه إنهاء دراسة السطوح على يد أصحاب تلك (الدراسات العليا).

بل إن كتب التراجم تثبت عكس ذلك. فإن أغلب علماء المنطقة منذ بداية دراستهم للمقدمات حتى البحث الخارج كانوا عالة على علماء ومدارس البحرين والنجف وكربلاء وشيراز إلا القلة ممن درس في المنطقة -على يد علماء المنطقة- المقدمات.

وما برز من برز منهم إلا بعد أن رحل إلى طلب العلم في تلك الحواضر ثم عاد منها متوجاً بالعلم والفضيلة والشهادات والإجازات.

هذا بالإضافة إلى أن قلة من العلماء من تصدى للتدريس بالشكل المذكور آنفاً، كان منهم الشيخ حسين الماحوزي في القرن الثاني عشر، ومعاصره الشيخ ناصر الجارودي. وفي القرن الثالث عشر الشيخ أحمد بن طوق، وأستاذه الشيخ أحمد العمران، والشيخ سليمان بن أحمد العبد الجبار، وابنه الشيخ سليمان، والشيخ عبد علي القاروني، والشيخ مبارك جد الأسرة العلمية المعروفة، والشيخ يحي العوامي.

وفي القرن الرابع عشر تصدى للتدريس الشيخ أحمد آل طعان، والشيخ حسين البلادي، ووالده، والشيخ علي أبو حسن الخنيزي، والشيخ عبد اللَّه المعتوق، والشيخ محمد النمر.

ومع وجود أولئك العلماء في المنطقة وتلك المدارس إلا أن الجهل والأمية كانت تضرب بجرانها في القطيف وضواحيها وقراها؛ إذ أن تلك المدارس -كما سبق وأشرت- كانت حكراً على طبقة مخصوصة من الناس لا تتعدى إلى غيرهم إلا ما خرج بدليل الثروة والوجاهة.

ولا نبالغ في القول إذا قررنا أنه لولا وجود المنبر الحسيني والمناسبات الدينية التي كانت سوقاً مربحة لتلك الطبقة لما كان لأحد من (عوام الناس) علم أو معرفة أو دراية بشيء من أمور دينه العقائدية والتاريخية. وكانت المعرفة الضئيلة جداً جداً وغير الدقيقة أيضاً تلقيناً لا يقيناً.

وتلك المعلومات مستقاة في مجملها من مجموعة الوفيات ومنتخب الطريحي وما شاكله من كتب في النوعية والمنهج. أما المسائل الفقهية التي يحتم الشرع وجوب تعلمها على المكلفين فإن تعليمها كان خارجاً عن اختصاص الخطباء. والعلماء لا يرون غضاضة في أنفسهم إذا ما بقي الناس العوام بغير تفقيه.

رابعاً: إن من يحقق في تراجم العلماء والشعراء المنسوبين إلى القطيف يستوقفه أن كثيراً منهم أو على الأقل بعضهم تم نسبته إلى علماء القطيف تجوزاً، وهؤلاء يتم تصنيفهم إلى مجموعات ثلاث:

المجموعة الأولى: علماء من أهالي البحرين اضطرتهم ظروفهم إلى الرحيل إلى القطيف أو بطلب من أهاليها مثل: الشيخ أحمد المقابي وأخويه، والشيخ محمد أبي مجلي المكي، والشيخ عبد علي القاروني، والشيخ عبداللَّه الستري العوامي، والشيخ أحمد آل طعان، والشيخ علي البلادي.

المجموعة الثانية: علماء كانوا أصلاً من القطيف لكنهم نزحوا إلى مناطق أخرى وعاشوا وأبدعوا وأنتجوا فيها كالشيخ جعفر الخطي، والشيخ عبداللَّه الذهبة، والشيخين سليمان العبد الجبار المسقطي وابنه سليمان المينائي، والشيخ ضيف اللَّه بن طوق الحائري.

المجموعة الثالثة: علماء نسبوا إلى القطيف لا لأنهم ولدوا فيها ثم نزحوا منها وإنما لأن أهلهم وعشيرتهم من أهالي القطيف وعاشوا كل حياتهم أو جلها خارجها، منهم الشاعر أحمد بن منصور القطان القطيفي البغدادي، والشيخ إبراهيم القطيفي والشيخ حسن علي البدر.

خامساً: يلاحظ المتتبع لتراجم علماء القطيف وشعرائها أن جلهم بل كلهم إلا ما شذ وندر -يستكينون إلى الدعة ومن ينشط منهم فينشط في التأليف الذي تحتويه خزانات كتبه ولا يطلع عليه عالم آخر سوى أبنائه الذين يمجدونه ويرفعون من شأنه وهو حق واجب عليهم.

وكان البعض منهم يزيد نشاطه فيلقي دروساً على طلاب العلم والمعرفة من أبناء أسرته وأبناء الأسر العلمية الأخرى وربما راسل بعضهم بعض معارفه من العلماء في البحرين أو غيرها مراسلات علمية ملؤها المدح والثناء، وإن احتوت على مادة علمية فهي إلى الزبد أقرب منها إلى ما ينفع الناس، وقصد بعضها الحصول على ألقاب علمية من المرسل إليه في طي جوابه له، أو طلب إجازة بالرواية، أو بقصد ما يعرف بالاستعراض العلمي، أو للتأييد العلمي في الصراع مع الغير.

سادساً: ويلاحظ المتتبع أيضاً أن بعد الشيخ إبراهيم القطيفي وأبو البحر الخطي لم يطر صيت أحد من علماء أو شعراء القطيف إلى غيرها، وإن هذين العلمين حلقا في سماء غير قطيفية.

والذي أعتقده أن القطيف بطبيعتها الجغرافية ومناخها الحار الرطب في أغلب أيام السنة والبرد القارس المشبع بالرطوبة أيام الشتاء، وانغلاقها على نفسها أخذاً وعطاءً بالإضافة إلى العوامل المحيطة الأمنية والسياسية: أن تلك الظروف الطبيعية والاجتماعية جعلت القطيفي مربوطاً إلى أرضه، متمسكاً بترابها، يخاف أن يأخذه أحد منها أو يأخذها منه. وتولد من ذلك حبه للدعة وخوفه من المغامرة، وشاع بينهم المثل القائل: "ما لك بالبحر وأهواله ورزق اللَّه على السيف".

هذا بينما النبوغ العلمي والأدبي لا يتولد إلا في محيط ملؤه العلم والأدب، يتنافس فيه الأقران، ويبذل كل واحد منهم كل جهده وجده للتحصيل والرقي والكمال خوفاً من العجز والفشل وغلبة الرجال، ورغبة في المجد والخلود. هذا بالإضافة إلى العامل الأساسي في الإبداع وهو الحرية التي تفقدها المنطقة.

ولذا نرى أن القطيف كانت وما زالت تستورد إنتاج الآخرين العلمي والأدبي والفكري ولم يكن لها مشاركة في خلق موجة جديدة أو إبداع في رأي أو استقلال في نظرية.

فمعظم ما لدينا من مدارس فقهية هو إنتاج علماء البحرين أو النجف وكربلاء.

ومعظم ما لدينا من نظريات كلامية مستوردة من البحرين والأحساء أو النجف وكربلاء.

فالأحساء مثلاً تفتخر بالشيح أحمد الأحسائي، وأما البحرين فحدث ولا حرج عن رموزها العلمية على مر العصور أمثال: الشيخ ميثم، والسيد ماجد، والسيد هاشم، والشيخ سلمان الماحوزي، والشيخ يوسف العصفوري، ممن أثروا الفكر الشيعي فقهاً وحديثاً وتفسيراً ومعقولاً.

والتجربة الحاضرة لأبناء القطيف في القرية العلمية أصدق شاهد على صحة ما ندعيه.

سابعاً: وكانت تجربة الشيخ علي أبو حسن الخنيزي وابنه الشيخ الخطي عندما اجتمع حولهما ثلة من الأدباء يتبادلون العلم والمعرفة، ويتسابقون في نقد نتاج بعضهم البعض الآخر وأساتذتهم لبلوغ الأفضل وإنتاج الأجود؛ خير تجربة فرضت –على الأساتذة قبل الطلاب- التحدي والاستجابة فأبدعوا.

فظهر منهم مؤرخ القطيف الأستاذ محمد سعيد المسلم، والشاعر المبدع الأستاذ محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي، والمؤلف القدير الشيخ عبداللَّه الخنيزي، والأستاذ الشاعر محمد سعيد الجشي.

وقد سبقهم شاعرا القطيف ورائدا التجديد الأدبي الشيخ عبد الحميد الخطي، الذي يأبى نشر شعره الذي يعد من الطبقة الأولى الرفيعة، تطبيقاً لقول القائل: "إن الشعر بالعلماء يزري". وفي رأينا أن الذي سيخلده على مر الأيام هو الخطي الشاعر إن ذاع شعره وخرج من أخبيته، وأما الخطي رجل الدين والقاضي فسينسج عنكبوت الزمن عليه خيوطه حتى يغيبهما عن الوجدان الشعبي.

والشاعر الآخر الأستاذ عبد اللَّه الجشي الذي أصدر حتى الآن مجموعتين شعرية وأخرى نثرية سيبقيه الزمن بهما وسيوشحه برداء الخلود.

إن هذه التجربة -أي تجربة المنتدى العلمي والأدبي الذي أرسى قواعده الشيخ الخنيزي كما ينص من أرخ له ويصدقه ممن تخرج على يديه أمثال البريكيين والشيخ فرج وابنه الشيخ الخطي وغيرهم ثم سار على الدرب ابنه الشيخ عبد الحميد الخطي- لهي بحق تجربة رائدة فرضت على جميع روادها النبوغ والعطاء والتحليق عالياً -بفعل التحدي وحب الظهور- ولا ضير في ذلك إن أعطى نتائج مشرفة تعرض نفسها على المجتمع العلمي والأدبي في محيطها ولدى المحيطات الأخرى، وقد فعلت ذلك فأصدر عبد الواحد الخنيزي ديواناً، وحلق محمد سعيد الجشي شعراً وغيرهما في الشعر والأدب.

وتبقى لنا ملاحظة على هذا المنتدى -كما سميناه- وهي أن رواده كان اهتمامهم منصباً على الشعر والأدب وأغفلوا الأبحاث العلمية الأخرى إلا إلمامه بالتاريخ السردي. وملاحظة أخرى أن هذا المنتدى لم يخرج عن نطاق مسوّرة القلعة فلم يمتد إلى قرى علمية وضواحي القطيف ويلملم شتات الأدباء والشعراء والعلماء -وليته فعل لكان أعطى وأنضج وفاحت روائح الشعر والأدب في جنبات القطيف ولم تقتصر على أفراد قلائل تربطهم في الأغلب وشائج القربى والجوار- وصارت تلك المنتديات أشبه بالديوانيات الخاصة تجمع الأصدقاء وذوي القربى في شللية منسجمة لا يعنيها من الشأن العام العلمي إلا ما رجع صداه عليها ولامس أعطافها المزهوة بالترف الأدبي في مجتمع يتحرق إلى العلم والأدب بطبيعته واستجابته لتحدي محيطه.

ثامناً: نلاحظ في تراجم بعض العلماء أنهم عرفوا بغيرهم فقط -إما لوقوعهم في سلسلة الإجازات أو لمعاصرتهم لهذا العلم أو ذاك أو تتلمذهم على هذا الشهير أو ذاك- والمحصلة أن هؤلاء البعض لم يكن لهم شخصية علمية ذات استقلال واضح تعنيها بنفسها. ومرد ذلك -في نظرنا- إلى أن أولئك العلماء كانوا مجرد طلبة علوم دينية لا تحصيل لديهم يعمق شخصيتهم العلمية ككثير ممن طلب العلم وعاش ومات وهو بين دراسة وتدريس أو مهمات حوزية إدارية ولم يعد في عرف الحوزات (محصلاً).

تاسعاً: نسبة لا بأس بها من العلماء (المحصلين) ممن ولدوا في القطيف وبعد تحصيلهم العلمي غادروا المنطقة إلى مناطق أخرى.

والسؤال المطروح هنا: لماذا هذه الظاهرة وقد كانت المنطقة في حاجة ماسة إلى وجودهم؟

هل كان ذلك بسبب ضيق المعيشة في المنطقة ورغدها في مواطن هجرتهم؟

لا نعتقد ذلك وتغنينا الأوقاف التي ما زالت موجودة بيد أولاد العلماء عن النبش في ماضي المنطقة الاقتصادي.

إذن هل كانت الهجرة لعدم استتباب الوضع الأمني والسياسي؟

هجرة علماء البحرين إلى منطقة القطيف بسب (الفتن) -حسب ما كان مصطلحاً عليه قديماً- تنفي هذا السبب أيضاً.

هل كان (صراع المتعاصرين) السبب في انسحاب البعض من المواجهة والرحيل إلى مناطق يلقى فيها التقدير والاحترام؟

ربما كان سبب هجرة البعض، ذلك مع ما في النفس من عدم الاطمئنان لذلك؛ لعدم وجود ما يدعم هذا السبب بأيدينا، ولكنه يبقى احتمالاً قائماً.

والذي نعتقده أن هذه الهجرات كانت لأسباب علمية بحتة، فإما تم الاستدعاء من قبل أهالي تلك المناطق لهؤلاء العلماء (ليهدوا الضال ويرشدوا الناس) وإن كان لا يوجد لدينا ما يقوي هذا الاحتمال إلا مقارنة مع ما كان سائداً في المنطقة من طلبة الشيخ عبداللَّه الستري وغيره.

وإما لوجود مناخ علمي يتناسب مع طموحات المهاجر في محل هجرته ويفتقد هذا المناخ في منطقتنا التي كانت وما زالت موطناً غير خصب للعلم والعلماء. وهذا ما يقوى في النفس ونميل إليه كل الميل نظراً للسطوع العلمي لأولئك النفر المهاجرين وجودة إنتاجهم وغزارته المفيدة.

عاشراً: لم نحاول التطرق كثيراً إلى الحياة الأدبية في المنطقة وتقييمها؛ لعدم وجود ما يكفي لذلك من الدواوين والمجموعات الشعرية بين أيدينا، وافتقارنا إلى مكتبة تضم بين أيدينا كل أشعار شعراء المنطقة، وليس الشعر الديني رثاءً ومدحاً الذي يتواجد بعضه في بعض المجموعات والدواوين المطبوعة والمخطوطة. هذا بالإضافة إلى أن كل علماء المنطقة تقريباً قرضوا الشعر، وتعاطى بعضهم الأدب، وكثير من خطباء المنبر الحسيني نظموا في النبي وأهل بيته. وتختلف طبقات هؤلاء وأولئك شعرياً.

خاتمة

في الختام أتمنى ويتمنى معي كل قطيفي أن ترتفع الأنانية عن نفوسنا، وأن نفتح خزانات ما بقي من مكتبات الأسلاف للباحثين والمحققين.

ونتمنى أن نخلع وشاح الشح المالي والأدبي، وتتكاتف الأيدي على إخراج مؤلفات علماء المنطقة أو من انتسب إليها من زوايا الخمول والنسيان ونشرها ليس في المنطقة وحسب، بل علينا نشرها في أصقاع الأرض لتحيا القطيف بدلاً من خنقها بالجهل والتنكير؛ لعدم وجود الإنتاج العلمي والأدبي بين أيدي الباحثين ورواد العلم والمعرفة.

ولا بد أن يكون ذلك عمل لجان لا أفراد، فإن العمل المؤسساتي إنتاجه أقوى من إنتاج الأشخاص وأسرع انتشاراً، خاصة مع وجود الدعاية والإعلان اللازمين لكل إنتاج وعمل.

وإن الظروف الخارجية كانت وما زالت هي الرافد الحقيقي لبنيان القطيف العلمي والأدبي، والغربة كانت وما زالت من أقوى الأسباب في التحصيل العلمي ونشر الإنتاج الفكري والأدبي وبلورته.

وما المجلات التي يصدرها أبناء المنطقة في الخارج حالياً، ومؤسسات النشر والتحقيق والمدارس العلمية (الحوزات) الخارجية؛ إلا منائر العلم والمعرفة لإقامة فرائض العلم والأدب ونوافل الفكر والشعر زرافات ووحداناً.

نتمنى لها الاستمرار ودعمها دعماً أدبياً بالأبحاث والمقالات والمخطوطات والكتب الدواوين الشعرية والدراسات العلمية والأدبية.

بل نتمنى دعمها بالاشتراكات والتبرعات والهبات وبعض من الحقوق الشرعية التي تستفيد منها البنوك المحلية والغير، مع أن صرفها في تنشيط الحالة العلمية في المنطقة من أوجب الواجبات بل هو مما متعين شرعاً.

لعل وعسى بعد هذا وذاك أن يأتي اليوم الذي يقول فيه أبناء القطيف: (إن القطيف النجف الصغرى) ولو تجوزاً، ويجدون ما يدعم مقولتهم من العلماء الجهابذة في كل مجال والشعراء العباقرة والمحققين والصحفيين وحسن أولئك رفيقاً.

المصادر:

حتى لا يتشتت ذهن القارئ بين المتن والهامش استغنينا عن الإحالات اعتماداً على ذكر المراجع في الخاتمة.

1- الأزهار الأرجية، الشيخ فرج العمران.

2- الذريعة، الشيخ أغا بزرك الطهراني.

3- لؤلؤة البحرين، الشيخ يوسف البحراني.

4- شعراء القطيف، الشيخ علي المرهون.

5- ساحل الذهب الأسود، محمد سعيد المسلم.

6- وحي الشعور، ملا علي الرمضان.

7- أنوار البدرين، الشيخ علي البلادي.

8- الشيخ علي البلادي، الشيخ حسن الصفار.

9- الشيخ حسن علي البدر، فؤاد الأحمد.

10- أدب الطف، السيد جواد شبر.

11- من أعلام القطيف عبر العصور، مجلة الموسم، العددان 9 و 10، المجلد الثالث 1411هـ/1991م.

12- المكتبات الأهلية في القطيف، مجلة الواحة، العدد السادس، لسنة 1417هـ.

13- مدرسة الإمامية في القطيف والأحساء، مجلة البصائر، العدد 12 و 13، السنة السابعة 1414هـ.

14- الشيخ إبراهيم القطيفي وعصره، مجلة الواحة، العدد السابع، رجب 1417هـ.

302162