الأصول الدينية والسكانية
في البحرين التاريخية
فؤاد ابراهيم * - 23 / 2 / 2011م - 9:33 ص - العدد (17)

توطئة

نشرت مجلة "The Moslem World" في عددها 23 الصادر عام 1933 مقالاً بعنوان "الخلاف السني - الشيعي في شرق الجزيرة العربية" بقلم B. D. HAKKEN، تناول فيه مسألة الانقسام المذهبي في الداخل الإسلامي مقاساً على الانقسام في نظيره المسيحي.

وكتصوير للانقسام الحاد في الإسلام ذكر الكاتب بأن "مما هو معلوم تماماً بأن هنالك مذاهب مختلفة في الإسلام تتراوح بين الوهابيين ذوي العقيدة التوحيدية الصارمة، والعلي- اللهية الذي يؤلِّهون علياً". والكاتب، كما هو واضح هنا، اختار مثالين لا يصح التعويل عليهما في الاستدلال على مسألة هي مورد إجماع. فأتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب يتبنون العقيدة السلفية والأحكام الفقهية التي نضّدها الإمام أحمد والمتحدرون من خطه العقدي والفقهي مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهما. وعلى أية حال، لسنا معنيين كثيراً بهذا التصنيف المذهبي إلا بما يساعد على رسم فكرة أولية حول الخلفية المعرفية للكاتب، الذي أراد أن يعكس الواقع الانقسامي على قاعدة مذهبية في البحرين، أي في المنطقة التي كان يعمل فيها. وأقول البحرين لأننا سنجد لاحقاً كيف شوّش نص هاكيم الرؤية بسبب تداخل صور متعددة في هذا النص.

يقول هاكيم "ينقسم السكان وبصورة متساوية تقريباً إلى سنة وشيعة. فالمجتمع السني يتكوّن من العرب، والهنود وقلة، ولكنها مجموعة نافذة، من الفرس. والشيعة مؤلفون من البحارنة، والفرس وقلة من الهنود".

“In the field from which I am writing this article, the population is almost equally divided between Sunnis and Shias. The Sunni community is composed of Arabs, Indians, and a small, but influential group of Persians. The Shias are made up of the Baharina, Persians, and a few Indians” [1] .

ثم تحدث عن الروابط الداخلية لكل جماعة مذهبية. فالسنة - يقول هاكيم - يشكِّلون وحدة مترابطة مع بعضها رغم أن المذهب الوهابي له مساجده الخاصة به. والشيعة، من جهة ثانية، وهم في الغالب اثني عشرية (مع أن هناك مجتمعاً صغيراً للبهرة يذهب مذهباً مستقلاً في إقامة أعياده وصلواته إلى آخره وهم بالتالي يعيشون بصورة منفصلة عن رفاقهم الشيعة). الفرس، كما يقول هاكيم، يمثلون وحدة أيضاً لهم مدارسهم ومساجدهم ومآتمهم الخاصة، ولكن شيخهم الديني هو نفسه لدى البحارنة".

فهذان النصان يعكسان، ودون أدنى شك، وبصورة محددة الحالة المذهبية في البحرين، المكان الذي كتب منه هاكيم مقالته والمكان الذي عناه بصورة مباشرة، كما صرح بذلك في مقدمة الفقرة المنقولة عنه وأيضاً مهر به مقالته.

المثير للدهشة أن الكاتب المصري الدكتور عبد الفتاح أبو علية الذي نقل عن هاكيم وزخم رأيه حاول بعمد أو خلافه تمديد المساحة الجغرافية للنص، بتطبيقه وبصورة قسرية على الأحساء، مستخدماً لغة ضبابية. يقول أبو علية: "إن في المنطقة أصلين أساسيين للسكان هما الأصل العربي والأصل الفارسي" ناسباً هذا الرأي إلى هاكيم، ثم يقيم أبو علية على هذا التقسيم حكمه الغاشم "والسنة في الإقليم يرجعون إلى أصل عربي، وهم أحفاد العرب الأوائل الذين قطنوا هذا الإقليم منذ زمن بعيد..أما الشيعة فيرجعون في أصولهم إلى أصل أعجمي والقليل منهم إلى أصل هندي"[2] .

إذن نحن هنا أمام مخالفة علمية صريحة وخطأ تاريخي. فالدكتور أبو عليّة خرق حريم نص هاكيم وجعله مفتوحاً على منطقة واسعة وهو ما لم يكن قد قرره هاكيم بحال في مقالته. فالأخير صريح في حديثه عن الحالة المذهبية في البحرين الحالية وليس البحرين التاريخية، ولا نظن أن مثل أبو علية بحاجة إلى هذا التفريق. من جهة ثانية، تتأكد صراحة هاكيم هذه في الفقرة التي نقلها عنه أبو علية حول الأصول السكانية لشعب البحرين. فهاكيم لم يتحدث عن "المنطقة" التي تشمل البحرين والأحساء وربما كل شرقي الجزيرة العربية كما يفرضها وبسطوة نص أبو علية. حديث هاكيم باختصار يتمركز حول البحرين البلد الذي كان يخضع للإدارة الإنجليزية، وتفاصيل المقالة تؤكد ذلك. نعم، هناك استطرادات في المقالة حول شيعة القطيف كالتي أشار إليها أبو عليّة حول الضرائب السنوية التي كانت تفرض على شيعة القطيف خلال الدول السعودية المتعاقبة في مقابل استثنائهم من سياسة التجنيد أبان الحروب السعودية[3] .

وإذا كان للدكتور أبو علية أن يتصرف بنص هاكيم وبطريقة الجرّاح فيقتطع منه ما يراه معترضاً مع وجهته، ويحمل بعضه أو كله على رأي قارٍ سلفاً في محفظته، فإن التاريخ يبقى أميناً على مستودع أخباره وحافظاً لمجريات أحداثه. وإذا كان للدكتور أبو عليه أن ينفخ في نص هاكيم ويجعل منه أساساً لتقرير الادعاء القائل بالأصل العربي للتسنن والأصل الأعجمي وربما الهندي للتشيع فهنا تصبح القضية أكبر من كونها تعاملاً مختلاً مع نص (وبخاصة نص إنجليزي قد يغتفر فيه فهم معناه)، ليضعنا الادعاء برمته في حقل آخر ألا وهو التاريخ للتحقق من أصل الادعاء. وحينئذ نكون قد أحلنا كل أوراق القضية إلى التاريخ وليس للذوق الشخصي والميول الخاصة في التعامل مع نص الآخر.

الجذور التاريخية للتشيع في الإقليم

ثمة رأي ساد وسط العلماء المعاصرين حتى نهاية القرن التاسع عشر وربما إلى مطالع القرن العشرين مفاده أن التشيع فارسي المنشأ. وقد تبنى الرحالة الغربيون هذا الرأي واستعملوه أداة لتفسير الوقائع الاجتماعية والسياسية في المنطقة. فالرحالة الدانماركي نيبور رسم صوّرة لطبيعة العلاقة بين العرب الذين يعيشون على الساحل الغربي والفرس على الساحل الشرقي من الخليج. هذه الصورة ترجمت في هيئة عبارات تحمل تحريضاً إلى جانب التسليمية المطلقة من قبيل "هؤلاء العرب هم السنة. إنهم يعتبرون الفرس، أي الشيعة، مورد مقتهم ولذلك تحاشوا أي تحالف معهم. إن الكراهية المتبادلة، على حد نيبور - بين المذهبين كانت أحد أسباب فشل محاولة نادر شاه في إخضاع هؤلاء العرب"[4] .

في تصنيفه للمذاهب الدينية في الجزيرة العربية، يذكر نيبور التشيع بوصفه المذهب"الذي يلتزم به ويمارسه المجتمع الفارسي. وفي الأجزاء الشرقية من الجزيرة العربية - يضيف نيبور - يوجد بعض الملتزمين بهذا المذهب الذي يسود على طول حدود الخليج الفارسي"[5] ، وهذا النص كفيل بزرع انطباع في ذهن القارئ بأن التشيع يتمركز في فارس التي منها انبثاثاته الواسعة نحو الغرب.

وهكذا تتواصل الإنشاءات في وقت لاحقاً لتضع من رأي نيبور مرتكزاً لتفسير الظواهر الاجتماعية - دينية في الجزيرة العربية. يكرس جون لويس بركهاردت رحلته إلى الجزيرة العربية والتي انطلقت في فبراير 1812 لتبدأ من الناحية العملية من الحجاز في يوليو 1816 لرسم خارطة التشكيلات القبلية في الجزيرة العربية بالنظر إلى الانتماء الديني لكل قبيلة. وقراءة سريعة لملاحظات بركهاردت يمكن استخراج وبصورة عاجلة عدد من الأمثلة:

- أن بدو جبل شمر تشمل مجموعة من العشائر التي تزاول الطقوس الشيعية مثل الزيجرت المتحدرين من بني الديغم إحدى القبائل القديمة المعروفة والتي ورد اسم رئيسها عرار في القصص والحكايات البدوية. الزيجرت هم فلاحون في جوار الإمام الحسين" [6] .

- "بنو حسين، القبيلة الرحالة في الجزيرة العربية، هم كما الفرس من أتباع علي. ورغم أنه يفترض تبنيهم للعقائد الوهابية إلا أنهم مازالوا ملتصقين، بصورة سرّية، بالعقيدة الفارسية أو الشيعية"[7] .فهنا يستخدم التشيع والفارسية باعتبارهما مترادفين يرمزان إلى شيء واحد.

"بنو علي وهم ينتمون إلى قبيلة حرب، يعيشون في شرق المدينة المنورة، هم يعتنقون "العقيدة الفارسية وهم أتباع علي"[8] .

"بنو يام وهم الفلاحون في وادي نجران قبيلة مولعة بالحرب والتي عجز الوهابيون عن العثور على أية وسيلة لاخضاعهم. بعض أعضاء هذه القبيلة تزاول العقيدة الفارسية"[9] .

دوزي Dozyمن بين علماء غرب آخرين، خضع تحت تأثير رواية الرحالة الغربيين، وقرر بأن "الشيعة كانوا في الأساس مذهباً فارسياً" ويلحق هذه الحقيقة المقررة بشرح لخلفية التبني الفارسي للعقيدة الشيعية على قاعدة اختلاف قومي "وهنا يكمن الاختلاف بشكل واضح بين العنصر العربي الذي يعشق الحرية والعنصر الفارسي الذي ألف عبودية الرق. بالنسبة للفرس، فإن مبدأ الانتخاب لخليفة النبي كان شيئاً لم يسمع عنه ولا يمكن الإحاطة به. فهم - أي الفرس - عرفوا مبدأ التوريث فحسب. ولذلك اعتقدوا بأنه طالما لم يخلّف النبي ولداً، فإن ابنه السببي، أي زوج ابنته، يجب أن يخلفه وأن السيادة تكون وراثية في أهل بيته. وكنتيجة لذلك، فكل الخلفاء، باستثناء علي، في نظرهم غاصبون ولا يصح لأحد أن يدين لهم بالطاعة. فالكراهية التي تركوها للحكومة وللسيادة العربية أكّدت هذا الرأي بالنسبة لهم"[10] .

لقد دافع أ. مولر Muller عن هذا الرأي وأضاف إليه بعداً جديداً مستدعياً صورة مفترضة للماضي. يقول بأنه قبل بزوغ فجر الإسلام بفترة طويلة، كان الفرس واقعين تحت تأثير الأفكار الهندية التي كانت تميل إلى الرأي القائل بأن الشاهنشاه كان تجسيداً للروح الإلهية، التي انتقلت من الأب إلى الابن لتلهم القبيلة الحاكمة"[11] .

لقد مثّلت هذه الآراء وأشباهها مرتكزاً قوياً لعدد من الباحثين والرحالة الغربيين الذين درسوا التاريخ الثقافي والديني في هذه المنطقة. فقد افترض زويمر بأن "سكنة القطيف هم في الغالب شيعة من أصول فارسية"[12] . وقد تسمع بين فترة وأخرى عن آراء مشابهة تأتي تارة كخلاصة لأبحاث علمية وأكاديمية ترجو العثور على الحقيقة، وتارة ترمى هذه الآراء جزافاً لا يراد منها سوى تبرير أوضاع سياسية وثقافية واجتماعية معينة.

وأياً كان الحال، فإن الآراء المذكورة سلفاً اعتصمت بمصادر وأدوات تحليلية لم تكن تأخذ في الحسبان مصادر تاريخية رصينة ومنهج تحليلي أكثر شمولية. فقد بدأ اتجاه جديد في الظهور في بدايات العشرينيات من هذا القرن أطاح بالاعتقاد السائد، وسخر من النتائج التي توصل إليها الجيل الأول من الباحثين والرحالة الذين كانت تنقصهم المعرفة التاريخية والتحليل التاريخي العلمي. ويأتي D. G. Hogarth في طليعة العلماء الغربيين المعاصرين الذين وضعوا أساساً جديداً لاستكشاف الأصول التاريخية والاجتماعية للتشيع من زاوية مختلفة. يقول: بأن "عدم التوافق بين شبه الجزيرة العربية والنظام الخليفي القائم سواء كان خاضعاً من الناحية الإدارية إلى سوريا أو العراق يزيد من واقع الانعزال عن الإمبراطورية الإسلامية. فالأمر على درجة من الأهمية، لأن الطابع الديني والسياسي المخادع يحكم عدداً كبيراً من المجتمعات في الوقت الحاضر لشبه الجزيرة العربية. فهناك من العرب أكثر مما يفترض، مازال يمارس عقائد ضد - سنية، وهذا يصدق، على سبيل المثال، على أغلب اليمنيين سواء من سكنة الهضاب أو الزيدية، أو الإسماعيلية، أو الداوودية وأيضاً سكان المناطق النائية من نجران إلى الجوف، وهكذا الحال بالنسبة لجمهرة رجال القبائل في عمان مع أجزاء من الأحساء وعدد من العشائر في مختلف القبائل البدوية، بما في ذلك بنو علي، والتي تقع ديارهم بالقرب من المدينة المنورة وما يدخل في حيازة قبيلة حرب. أما بقية سكان الشرق والوسط، فينتمي قسم منهم من الناحية الاسمية إلى المذاهب السنية الأربعة، وهناك قلة نادرة من أتباع المدرسة الطقسية، أي الحنبلية.."[13] .

ثم جاء جوليوس فلهاوزن ليهدم كل الأسس النظرية التي أقام دوزي ومولر عليها آرائهما قائلاً " ليس ثمة شك في أن الأفكار الشيعية حازت على إعجاب الفرس، ولكن ذلك ليس على سبيل إثبات أن هذه الأفكار نشأت وسط الفرس. فالمصادر التاريخية تتحدث عكس ذلك تماماً. فالتشيع الصريح، على حد هذه المصادر، ظهر بشكل كبير في بيئة عربية، ومن هناك تحديداً انتقلت هذه الأفكار إلى الموالي وأصبحت جزءاً منهم"[14] . يضيف فلها وزن بأن القبائل العربية وليس الموالي هي التي ناصرت الأفكار الشيعية ودافعت عنها. فالقبائل العربية (التي تبنت العقيدة الشيعية) كانت على وجه الخصوص من نهد، خريف، ثور، شاكر، شيبان، همدان.

وفي السياق نفسه ركّز آدم ميز، وبكفاءة عالية، على التطور التاريخي والتمدد الجغرافي للتشيع. تأسيساً على رؤية فلهاوزن بأن التشيع لم يكن كما كان يعتقد سابقاً بأنه رد فعل على الروح الإيرانية المضادة للإسلام، فإن آدم ميز يعتقد بناء على ذلك "أن التوسع الجغرافي للمذهب - الشيعي - في القرن الرابع يقدم دليلاً قوياً" بالاستناد إلى رواية الخوارزمي الذي وصف بابل باعتبارها التربة التقليدية للتشيع وأن الكوفة، التي تضم قبر علي، هي مركز قيادته"[15]  أي قيادة التشيع.

وكمحاولة لتقديم رؤية داخلية لانبثاق النزعة الشيعية وسط القبائل العربية في الكوفة، يتوسل Marshal G. S. Hodgson بأدوات التحليل السيسيولوجي في استكشاف طبيعة تلك النزعات ومحركاتها يقول: إن نزعة الشراكة والتحزب بين الكوفيين تمظهرت بدرجة أساسية في النظر إلى عائلة علي بكونها تمثل الاستقلال بالنسبة لهم. ومثّل ذلك قائلاً "في حالة شهيد كحجر بن عدي، فإن الكوفيين لم يندبوا شخصاً وطنياً فحسب بل وأيضاً ضحية النزعة المتعاظمة لنبذ الإحساس العربي بالكرامة التي لا تنتهك لرجل القبيلة[16] .

مونتغمري وات كرس اهتماماً كثيفاً لبحث الأصول المبكرة لنشأة حركة التشيع وقد لحظ بأن "البدايات الأولى لحركة التشيع كانت في يوم من أيام سنة 658م حين أقسمت جماعة من أتباع علي بأن توالي من يواليه وتعادي من يعاديه، ولحظ أيضاً بأن "عدداً كبيراً من رجال قبائل جنوب شبه الجزيرة العربية كانوا بين الشيعة"[17] .

وخلص وات إلى أن "التشيع انتقل من العرب إلى الموالي وعلى وجه التحديد إلى الفرس"[18] . وإجمالاً، فقد بات واضحاً وبشكل دامغ بأن "الشيعة الأوائل لعلي كان عرباً"[19]  وأن اعتناق غير العرب، وبشكل ملحوظ الموالي، للإسلام ومن ثم للتشيع إنما كان على يد أسيادهم، أي العرب.

بالنسبة لـ Heinz Halm فإن الأمر بات أشد وضوحاً وحسماً ولا يحتمل التشكيك بعد الآن، فقد قرر حقيقة مبدئية بما نصها "إن مركز ونقطة بداية التشيع الديني والسياسي كان حاضرة العراق أي الكوفة على الفراتين، والتي كان يقطنها العرب منذ البداية. فالتشيع، إذن، ظهر في العراق في بيئة عربية خالصة" ومن ثم يخلص قائلاً بأن "هذه الحقيقة يجب التأكيد عليها، سيما وأن ثمة ادعاءا سيتكرر المرة تلو الأخرى بأن التشيع هو ظاهرة إيرانية وأنها أجنبية كلية عن العقلية العربية". ويذكّر هالم بالأسباب التي ساهمت في تبني زعم الأصل الإيراني للتشيع قائلاً بأن "في القرون اللاحقة، وخصوصاً عقب تشييع إيران في القرن السادس عشر، فإن الأعراف والتقاليد الإيرانية القديمة وجدت طريقها إلى العقيدة الشيعية"[20] .

من جانبه ناقش ف. عمر الرواية التاريخية حول الوجود الفارسي في المنطقة. وقال بأنه" لا يجوز للمرء المبالغة في الروابط بين الساسانيين وسكان البحرين، وهي روابط لم تكن قوية على الإطلاق. فالحكم الساساني في البحرين كان اسمياً وفي مناطق ساحلية محددة حيث كانت السفن الساسانية ترسو في الميناء. ويبدو أن اهتمامهم كان بصورة أساسية لمنع العرب من القيام بأعمال عدوانية ضد المصالح الفارسية، وخصوصاً التجارية منها بوجه خاص. فمن المحتمل أيضاً بأن الساسانيين قاموا بمحاولات عقيمة لوقف هجرة العرب إلى الساحل الشرقي من الخليج العربي والتحكم في الصلات بين العرب على الساحلين الشرقي والغربي من الخليج".

وبحسب رواية الطبري فإن مملكة فارس أثارت طمع المناطق المجاورة، وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس، فورد جمع عظيم من الأعراب من ناحية البحرين وكاظمة إلى أبرشهر وسواحل أردشير خره، وكان أهل هذه المنطقة من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم وبلادهم، ولسوء حالهم وشظف عيشهم فسار جمع عظيم منهم من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمة، حتى أناخوا على أبرشهر وسواحل أردشير خره وأسياف فارس، وأتى بعض ملوك غسان على الجزيرة في جموع عظيمة حتى أغار على السواد، فمكثت مملكة فارس حيناً لا تتمنع من عدو لوهي أمر الملك[21] . ثم لما قويت شوكة المملكة الفارسية شنت الغارات على المنتجعين في بلاد فارس ثم امتدت إلى البحرين وقد بالغ ملوك فارس في ترهيب سكانها وكأنهم أرادوا إبلاغ سكان البحرين رسالة تحذير من مغبة السير إلى بلاد فارس.

قبل وصول الإسلام، أقام سيبخت، مزربان الساسانيين، في هجر مع حامية قليلة. ومن هناك تم تبادل الرسائل بينه وبين الرسول الاكرم محمد والتي دعاه فيها إلى زيارة المدينة، عاصمة الدولة الإسلامية. وعلى أية حال، فإن سيبخت، حسب ف. عمر، لم يقبل الدخول في الإسلام، ولكنه في ذات الوقت رفض التحالف مع قوى معادية للإسلام، وحتى مع المرتدة في البحرين. وهذا الموقف المحايد الذي أخذه المرزبان لم يرضِ الساسانيين، الذين عزلوه وعيّنوا مكانه مرزباناً جديداً يدعى المكعبر فيروز، وكان قائد الحامية الفارسية في البحرين. مقاومة المكعبر للإسلام لم تدم طويلاً، فقد انهزم وقتل في سنة 13/634، في عهد الخليفة أبو بكر الصديق. وبعد هزيمة المرتدين، أصبحت البحرين جزءاً من دولة المسلمين، وبقي المنذر التميمي حاكماً فعلياً للبحرين، بمساعدة رؤساء القبائل الأخرى. صحيح أن الحاكم المسلم كان مسئولاً عن المحافظة على السلام والنظام، إلا أن نفوذه كان ضئيلاً[22] .

المستند التاريخي

تاريخ التشيع في الواحة يستعيد قصة استيطان عبد القيس في المنطقة، هذه القبيلة التي قدر لها أن تلتحم بالإسلام وبالتشيع منذ بداياته المبكرة. فقبيلة عبد القيس اتجهت من تهامة، موطنها الأصلي، شرقاً ناحية البحرين التاريخية والتي تشمل هجر والقطيف وأوال، وكان بها حينذاك بشر كثير من بكر بن وائل وتميم فلما نزلت عبد القيس زاحمت هاتين القبيلتين في تلك الديار، وقاسمتهما في المواطن. ونشير إلى أن تاريخ عبد القيس يتصل بإمارة اللخميين وكانت أكثر علاقاتهم سلمية أكثر منها حربية، فاتصلوا بعمرو ابن هند وقابوس بن هند والنعمان بن المنذر[23] .

ومع وصول الإسلام، استجابت قبيلة عبد القيس وبصورة سلمية لدعوة الرسول الكريم . وكتب رسول اللَّه إلى أهل البحرين فقدم عليه في السنة التاسعة عشرون رجلاً منهم رأسهم عبد اللَّه بن عوف الأشج، في بني عبيد ثلاثة نفر، وفي بني غنم ثلاثة نفر، ومن بني عبد القيس اثنا عشر رجلاً معهم الجارود، وكان نصرانياً. وحين وصولهم رحّب بهم الرسول وقال"مرحباً بهم، نعم القوم عبد القيس".

وقد اكتسبت أهمية خاصة في عصر الخلافة الراشدة، يظهر ذلك بصورة جلية من خلال هوية الولاة الذين جاءوا إلى المنطقة. هذه الأهمية بقيت حتى انفجار عصر الفتوحات في عهد الخليفة عمر ثم استئنافها بشكل واسع في العصرين الأموي والعباسي. وعلى أية حال، مثّلت البحرين مركز ثقل هام بالنسبة لدولة الخلافة الراشدة. ومع تبدّل مركز الجاذبية من الحجاز إلى العراق منذ حركة التمصير استجاب سكان البحرين لهذا التبدل فانتقل قسم منهم إلى العراق: إلى البصرة والكوفة المصرين المستحدثين في عهد الخليفة عمر ثم تحوّل هذين المصرين إلى قاعدتين صلبتين لحركة التشيع مع انتقال عاصمة الخلافة من المدينة إلى الكوفة في عهد الإمام علي.

ولنا هنا وقفة تحليلية لروايتين حول متى بدأ التشيع في المنطقة. رواية ذكرها الشيخ محمد رضا المظفر في (تاريخ الشيعة) والسيد محسن الأمين العاملي في (أعيان الشيعة)، وقد ارجع كلاهما بداية انغراس التشيع في الواحة إلى أبان بن سعيد بن العاص، ومن بعده عمر بن أبي سلمة ربيب رسول اللَّه [24] . اعتمد المظفر والأمين على روايات تاريخية نذكر أهمها:

- كان خالد وأبان وعمراً بنو سعيد بن العاص رجعوا عن أعمالهم حين بلغتهم وفاة رسول اللَّه فقال أبو بكر: "ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول اللَّه ، ارجعوا" إلى أعمالكم، فقالوا: لا نعمل بعد رسول اللَّه لغيره، فخرجوا إلى الشام فقتلوا جميعاً، وكان خالد على اليمن وأبان على البحرين وعمرو على تيماء وخيبر[25] .

- جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد أن أم خالد بنت خالد ابن سعيد بن سعيد ابن العاص قالت: قدم أبي - خالد بن سعيد بن العاص - من اليمن إلى المدينة بعد أن بويع لأبي بكر فقال لعلي وعثمان: أرضيتم بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟. وأقام خالد ثلاثة أشهر لم يبايع أبا بكر..[26] 

وفي "أسد الغابة" جاء "وكان أبّان أحد من تخلف عن بيعة أبي بكر لينظر ما يصنع بنو هاشم فلما بايعوه بايع"[27] .

إن تفحّص هذه الروايات والتأمل في دلالاتها، رغم ما تحوي من إشارات على موقف سياسي احتجاجي ضد معادلة الخلافة بالشكل الذي استقرت عليه بعد اجتماع السقيفة، فإنها لا تمدّنا بحال بأكثر من إلماحات إلى موقف اعتراضي مناوئ لخط بني عبد مناف الذي ينتمي إليه الخليفة أبو بكر وميل عاطفي إلى علي وعثمان، بل وعلى وجه خاص علي. وبصورة إجمالية، لا تزوّدنا هذه الروايات بدليل أو حتى تساهم في بناء دليل رصين يفيد بأن أبان غرس بذرة التشيع في الواحة، فحتى تلك اللحظة لم تتبلور الاتجاهات السياسية والعقدية في الاجتماع الإسلامي. ثانياً أن الجماعة التي شكلت نواة لشيعة علي في المدينة مثل عمار وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي والمقداد لم تأخذ شكل الحلف السياسي أو الديني - الاجتماعي، بحيث يمكن القول بأن هذه الحلف فرز نفسه بشكل واضح عن التيار العام.

تأسيساً على تلك النتيجة المفترضة، سنحاول التعامل مع التسلسل الموضوعي للأحداث التاريخية لجهة استكشاف بدايات دخول التشيع إلى الإقليم.

ويمكن اعتماد هجرة بعض عبد القيس إلى العراق وتحديداً إلى البصرة والكوفة بداية لتبرعم التشيع في قالب ثنائي سياسي ـ ديني. ويمكن إرساء تورخة تقريبية لهجرة عبد القيس بعد معركة القادسية واندحار الفرس سنة 16هـ وفتح المدائن. ففي هذا العام بدأ الخليفة عمر في ترتيب الأوضاع الإدارية. وفي سنة 18 نزل المسلمون الكوفة واختطوا بها الخطط وبنوا المنازل ونزلها من أصحاب رسول اللَّه ثمانون رجلاً[28] .

وفي هذه المرحلة الحاسمة "أسس العرب ستة أمصار كأساس للجند (المقاتله) وعوائلهم كما أسسوا مراكز إدارية للمناطق المحتلة من قبل جيش ذلك المصر"[29] . والأمصار هي: الجابية، جواثى، المدينة، الكوفة، البصرة، والفسطاط[30] . وفيما تم إلغاء المصرين الأوليين (الجابية وجواثى) شكّلت الأمصار الأخرى مراكز جاذبية اجتماعية للقبائل العربية. فكان إلحاق البحرين إدارياً بولاية البصرة خلال عهد الخليفة عثمان (23 - 35هـ) عاملاً مشجعاً ساعد في زيادة الهجرات القبلية من البحرين إلى العراق[31] .

ونتيجة الملاحظات التي يقدّمها F. M. Donner فإن "العقدين الواقعين بين فتح العراق واندلاع الحرب الأهلية الأولى في سنة 35هـ/656م شهدا هجرة ملحوظة لرجال القبائل إلى الكوفة والبصرة"[32] . ومن هنا بدأ عمليات الهجرة من الجنوب إلى الشمال، حيث انتقلت قبائل من اليمن واستقرت في المدائن والكوفة، كما هاجر بعض وجوه عبد القيس إلى البصرة، وبذلك أصبحت قبيلة عبد القيس منتشرة على طول الساحل الشرقي من الخليج من البصرة وحتى عمان. وهؤلاء المهاجرون شكّلوا نواة المجتمع الجديد في العراق.

وفيما يتصل بهجرة عبد القيس إلى العراق، تشير أحد المصادر إلى أن هجرة عبد القيس الفعلية بدأت إلى حامية العراق، بما في ذلك الكوفة، في سنة 21هـ. وبخلاف الرأي القائل بأن البصرة بنيت لإسكان جيش عتبة بن غزوان فإن رأياً آخر معارضاً يقول بأن خلفية بنائها جاء "لتوفير مستوطنة للمسلمين المهاجمين لفارس من شرق الجزيرة العربية (البحرين)..وهجرة المسلمين من الأخيرة إلى البصرة بعد الفتوحات بقليل، قدّر لها أن تتحول إلى عامل هام في تطوّر هذه المدينة"[33] .

فبينما فضّل كثير من رجال القبائل العربية المهاجرة من الجنوب الاستقرار في المدائن والكوفة، قررت جموع كبيرة من عبد القيس تكثيف وجودها في البصرة (سيما بعد الإلحاق الإداري للبحرين بها)، وهذا من شأنه أن يفسّر، جزئياً على الأقل، انتشار عبد القيس على طول الساحل الغربي من الخليج، من البصرة إلى عمان.

ومن الوجوه البارزة في عبد القيس التي انتقلت إلى البصرة كان عمرو بن تغلب العبدي، عدّ من أهل البصرة، وهو في الأصل من أهل جواثى[34] . وكان ورد فيه عدد من الأحاديث منها أن رسول اللَّه قال: "جاءنا الليلة شيء فآثرنا به قوماً فخشينا هلعهم وجزعهم، ووكلنا قوماً إلى ما جعل اللَّه في قلوبهم من الإيمان، منهم عمرو بن تغلب". وكان عمرو بن تغلب يقول: ما يسرني بها حمر النعم.

وقد سُجّل عمرو بن تغلب العبدي في عداد المهاجرين. وقيل: هاجر من بكر بن وائل أربعة: رجلان من بني سدوس: الأسود بن عبداللَّه من أهل اليمامة، وبشير بن الخصاصيّة، وعمرو بن تغلب من النمر بن قاسط وفرات بن حيان من بني عجل[35] .

وورد في (الطبقات الكبرى) لابن سعد أسماء عدد من العبقسيين الذين نزلوا البصرة، ومنهم من كان في الوفد الذي التقى الرسول مثل الزارع بن الوازع العبدي، وعمرو بن المرجوم وقد جاء في ترجمته "وهو الذي أقدم عبد القيس البصرة"[36] . ففي غضون فترة زمنية قصيرة، حظيت عبد القيس بمكانة متميزة سيما بعد نزول بعض وجوهها البصرة.

النقطة الجدير بالاهتمام هنا، أن الأمصار وبدرجة أكبر البصرة والكوفة تحولت إلى مراكز نشطة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للعرب طيلة القرن الهجري الأول[37] . فالقبائل العربية التي استوطنت العراق شكّلت البيئة الاجتماعية الخصبة التي تولّدت فيها حركات اعتراضية وسياسية وفكرية تركت بصمات واضحة في تكوين المسلمين السياسي والاجتماعي والثقافي. وفي هذه البيئة على وجه التحديد، أخذ التشيع يجسد نفسه في بنية مجتمع المهاجرين في الكوفة والبصرة والمدائن، ليستكمل بفعل التطورات السياسية السريعة إجراءات تشكله التنظيمي والسياسي في ظروف التوتر الاجتماعي خلال عهد الخليفة عثمان، وليمهد التجسيد السياسي للتشيع لأشكال أخرى قانونية وكلامية لاحقة.

فهذه القبائل التي استقرت في البصرة والكوفة مثّلت، في حقيقة الأمر، خط الدفاع الأول عن قضية علي وبنيه. وقد ظهر ذلك بوضوح أولاً في الحركة الاحتجاجية الواسعة النطاق التي تفجرت من داخل هذه القبائل ضد الخليفة عثمان، في تعبير اعتراضي على المركزية القرشية التي أخذت شكلاً تفاضلياً في هذه الفترة وأكّد نفسه في حوادث حرب الجمل.

المناصرة المستميتة التي أظهرها مقاتلو عبد القيس في حرب الجمل سنة 36هـ[38] ، كانت تعبيراً شديد الوضوح على مناهضة لخط القبيلة الحاكمة والأثيرة أي قريش.

إن هذه المناصرة في لونها التضحوي ظهرت أولاً في موقف الحكيم بن جبلة العبدي وابن عبّاد العبدي. المصادر التاريخية تذكر بان البصرة تعرّضت إلى غارة من بعض أنصار أم المؤمنين عائشة، في موقف وصف بأنه كسر للهدنة المقررة بين الفريقين، فقاموا بقتل والي البصرة عثمان بن حنيف وصادروا بيت المال. وفي رد فعل من جانب وجوه ورجال البصرة، قاد الحكيم العبدي، وكان يعرف بأحد سادة عبد القيس[39] ، ثلاثمائة من رجال عبد القيس وهاجم جيش عائشة. وقد أبدى حكيم، كما تقول المصادر، شجاعة نادرة حين قطعت ساقه. تقول المصادر بأنه زحف كي يلتقط ساقه ثم رمى بها قاطعها فأصابت جسده وأطاحت، ثم أجهز حكيم عليه[40] . وواصل حكيم القتال حتى آخر رمق من عمره[41] . وقد احتسب الموقف البطولي لحكيم علامة علامة فارقة وفضيلة تذكر في سيرة عبد القيس.

يذكر المؤرخون أيضاً تقارير عديدة عن الدور المركزي لقبيلة عبد القيس في أحداث الجمل وصفين. فبعد مقتل سبعين رجلاً من عبد القيس دفاعاً عن البصرة أي قبل اندلاع حرب الجمل، أبدى علي حزنه العميق لمقتل هذه المجموعة، وقال ناعياً "يا لهف نفسي على ربيعة ربيعة السامعة المطيعة"[42] .

وفي مثل هذه الحوادث، برز من عبد القيس رجال مثل المثنى بن مخربة الذي وصف بأنه "صاحب علي"[43] ، كما برز رشيد الهجري كأحد أقرب الحواريين من شيعة هجر إلى الإمام علي. وكان رشيد من أصحاب علي الذين يحملون عنه العَلَم - علم الحرب - إلى جانب الحارث الأعور وأبو الطفيل عامر بن واحلة، وحبة العرني، وحويزة بن مسهر، والأصبغ بن نباتة، وميثم التمار، والحسن بن علي[44] .

ففي معركة صفين، أصبحت عبد القيس وبشكل واضح قوة حاسمة. وحسب المسعودي: "وقد كانوا أنصاره وأعوانه والركن المنيع من أركانه".وهذا ما يفهم أيضاً من فحوى كلمة علي فيهم "أنتم درعي ورمحي"[45] .

ويبرز من قيادات جيش علي العبقسيين صعصعة بن صوحان العبدي وأخواه زيد وسيحان. فقد وقفوا جميعاً في جبهة علي في الجمل وصفين. فقد رفض زيد، على سبيل المثال، العرض الذي تقدّمت به عائشة لتحريض أهل البصرة ضد علي، ونصح أم المؤمنين بعدم المضي في قرار المواجهة العسكرية مع علي[46] . وحين اندلعت شرارة حرب الجمل، كان زيد من قادة جيش علي، وقد قتل زيد في هذه الحرب.

أما صعصعة فقد عرّف عنه بأنه أحد صانعى الخطط والسياسة في الكوفة، كما عرّف بطلاقة لسانه حتى وصف بـ "الخطيب الشحشح". وقد نفي إلى سوريا بأمر من الخليفة عثمان، وهو قرار لم يلق ترحيباً من معاوية، الحاكم المطلق في بلاد الشام، فقرر التخلص منه بعد أن فشل في استمالته إلى صفه. وحين تولى علي الخلافة صعصعة كان من بين الحواريين المخلصين له. وفي المقابل، أوكل علي لصعصعة دوراً رئيسياً في فصل الخصومة بينه وبين معاوية، فقد عيّنه في مرتبة الموفد الشخصي له إلى معاوية. وكانت مهمته تحديداً هي إقناع معاوية بتقديم البيعة إلى علي، وفي نفس الوقت تحذيره من نوايا إعلان الحرب ضد الخليفة الشرعي. معاوية بدوره كان معجباً بالطريقة التي كان صعصعة يدير فيها دبلوماسية التفاوض معه، وقد صرح بذلك حتى لرجاله: "مثل هذا، فتلكن الرجال"[47] .

وفي عقب شهادة علي، ومن ثم وصول الحسن إلى الخلافة، دافع صعصعة عن موقف الحسن، مستنكراً محاولات معاوية المتكررة لمصادرة الخلافة[48] .

وبصورة إجمالية، فقد كانت عبد القيس من القبائل الشيعية في البصرة التي كانت موضع ثقة الإمام علي والإمام الحسن، كما كان من وجوهها من كاتبه الإمام الحسين لنصرته في نازلة كربلاء. فقد كتب الإمام الحسين بن علي كتاباً إلى شيعته من أهل البصرة مع مولى له يسمى سليمان نصها: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى مالك بن مسمع، والأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، سلام عليكم، أما بعد، فإني أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع فإن تجيبوا تهتدوا سبل الرشاد، والسلام[49] . وهناك من رجال عبد القيس من اختلط دمهم بدماء سيد الشهداء وأهل بيته في سنة 61هـ.

وإن ما يمكن تقريره كنتيجة مستخلصة من كل ما سبق عرضه، أن عبد القيس إلى جانب القبائل العربية المهاجرة من جنوب الجزيرة العربية مثّلت الحواضن الأولى الكبرى للتشيع، كما شكّلت جزءا من الرأسمال الاجتماعي الذي وظّف لصالح توطين التشيع في العراق والبحرين واليمن ومن ثم استثمر لجهة نشر التشيع لمناطق أخرى مجاورة. ولهذا السبب ليس غريباً، أن تكون الكوفة وهجر وصعدة البؤر الأولى في تاريخ التشيع، وهذا كان واضحاً حتى في العلاقة بين هذه البؤر ومراكز السلطة في بلاد المسلمين.

ففي ظل الحكم السلالي الأموي والعباسي، تفجّرت الحركات الاعتراضية بصورة متصلة في البحرين بقيادة رجال من عبد القيس (انظر هذا العدد)، حتى بات واضحاً أن إقليم البحرين ظل بنزعته الشيعية الصريحة شديد العداء لحكام بني أمية وبني العباس. هذه النزعة الشيعية لسكان إقليم البحرين انعكست في مذكرات المؤرخين والرحالة العرب والمسلمين من القدامي والمتأخرين.

تحدث المقدسي (335 - 390هـ) عن الحالة المذهبية في الجزيرة العربية، وفيما عدّ سواد صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شراة غالية، قال "وبقية الحجاز وأهل الرأي بعمان وهجر وصعدة شيعة"[50] . يشرح آدم ميز رواية المقدسي حول جغرافية التشيع ويقول "باستثناء المدن، فإن شبه الجزيرة العربية كانت بكل تأكيد شيعية، وحتى بين المدن مثل عمان وهجر وصعدة فإن الغالبية العظمى فيها شيعة" [51] . مثل فلهاوزن، فإن ميز يعتقد بأن "التشيع، في جذوره، كما الإسلام عربي الأصل"[52] ..

نشير هنا إلى أن المقدسي رغم تقريره بأن سكان هجر من الشيعة، إلا أنه استدرك لاحقاً بأن عملهم كان "على مذهب القرامطة"[53] ، وهذا يقودنا إلى تسليط بعض الضوء على هذا المقطع التاريخي المضطرب الذي قدّر لأن يتجند له بعض الرحالة المسلمين القدامى مثل المقدسي وناصر خسرو وغيرهما.

نذكر أنه في نحو 880م، كان العرفاني اليمني همدان القرمطي الذي تلقى تعليمه الديني في الكوفة يطوف في شرق وجنوب شبه الجزيرة العربية بحثاً عن مؤيدين لحركته الجديدة التي حاول أن يثبت قواعدها في المراكز الشيعية. وكان عبيد الله، ابنه، يمثل الروح الفاعلة في الحركة الجديدة. فمن بين ثلاث حركات مذهبية أنشأها عبيد اللَّه بالاضافة إلى الإسماعيلية والفاطمية، اخترقت القرمطية شرقي الجزيرة العربية في آخر عقد من القرن التاسع الميلادي. وفي نحو 900 فرض أبو سعيد الجنبي سيطرته السياسية على الحركة القرمطية واحتل القطيف ونقل عاصمة البحرين الإقليمية إلى واحة الأحساء ومن ثم قام بتحصين المدينة الجديدة. وبطبيعة الحال ليس من مهمة هذا البحث مناقشة تفاصيل الاحتلال القرمطي للمنطقة. الغرض الأساسي من هذا العرض المقتضب هو فهم الأسباب التي دفعت أبا سعيد الجنبي لاختيار الأحساء قاعدة حصينة لانطلاقته. وفي حقيقة الأمر أن أبا سعيد الجنبي عوّل كثيراً على أن دعوته ستلقى قبولاً وسط الشيعة، الذين يمثلون الأغلبية السكانية الساحقة في واحة الأحساء.

نقل ناصر خسرو في "سفرنامه" خلال إقامته التي دامت حسب روايته تسعة شهور بعضاً من القوانين التي فرضها القرامطة على السكان المحليين فقد منع الحاكم وكان يدعى الشريف الناس من مزاولة فروض الإسلام وأسقط عنهم الواجبات مثل الصلاة والصوم زاعماً بأنه السلطة النهائية في مثل هذه الأمور، حتى بدأ يرسي حركة باسمه البوسعيدية. وكان أبو سعيد قد أخبر أتباعه بأنه سيعود بعد موته، وأن ستة من أبنائه يجب أن يتناوبوا الحكم من بعده على أساس العدل والمساواة وأن لا ينشب خلاف فيما بينهم إلى حين عودته من بعد الموت. صورة أخرى هي نقل الحجر الأسود من البيت الحرام في مكة المكرمة إلى الأحساء. وحسب ناصر خسرو فإن القرامطة قالوا بأن الحجر كان "مغناطيساً بشرياً" يجذب إليه الناس، دون إدراك بأن مقام ووجاهة النبي محمد هي التي جذبت الناس إلى هناك[54] . ورغم ما تثيره المصادر التي تناولت تاريخ القرامطة من استفهامات كثيرة نظراً لاضطراب المعلومات حول القرامطة وتبعاً لضعف نزاهة المؤرخين نتيجة الميول السياسية المناهضة للقرامطة لصالح الخلافة العباسية، إلى جانب العامل المذهبي الذي يلعب دوراً خفياً في توجيه المعلومات والتساهل فيما ينشأ عن ذلك التوجيه من ترتيب آثار نهائية، إلا أن كل ذلك لا يلغي حقيقة كون القرمطية حركة تخريبية لم تتردد في استعمال كل وسائل التدمير والقتل.

ومما يبدو من مصادر أخرى، أن القرامطة دخلوا في مواجهة مباشرة مع السكان الأصليين الشيعة في المنطقة. وتذكر المصادر بأن أبا سعيد لما دخل هجر عام 300هـ أرسل على جميع الرؤساء والأعيان والقراء للتشاور معهم في إصلاح البلاد فلما اجتمعوا أضرم عليهم النار ومن فرّ أخذته السيوف. وقد ثبّت الشاعر ابن المقرب العيوني هذه الحوادث في قصيدة له جاء فيها:

سل القرامط من شظّى جماجمهم

فلقاً وغادرهم بعد العلى خدما

من بعد أن جلّ بالبحرين شأنهم

وأرجفوا الشام بالغارات والحرما

وحرّقوا عبد قيس في منازلها

وصيّروا العز من ساداتها حمما[55] 

ولعل ما ذكره المقدسي وناصر خسرو حول سيطرة المذهب القرمطي يأتي عقب سلسلة حملات الكراهية التي شنها الحكام القرامطة ضد السكان المحليين لإخضاعهم للحركة الجديدة تحت ضغط التهديد والتوعيد. وما يلزم ملاحظته هنا أن القرامطة لم يكن يلقوا ترحيباً من السكان الشيعة المحليين، بل على العكس واجهوا مقاومة عنيفة. وفي نهاية الأمر، فإن القرامطة كسلطة سياسية وكمذهب ديني "اختفى في القرن الحادي عشر"[56] ، على يد الأمراء العيونيين الشيعية، الذين أقاموا دولة شيعية لمدة 190 عاماً أي حتى عام 636هـ، ثم تلا ذلك قبائل بني عصفور بنو جروان التي حكمت المنطقة حتى 821هـ.

ويبدو واضحاً مما سبق أن التشيع نشأ على تربة عربية خالصة، وأن العرب هم المتبنون الأوائل له والناشرون لتعاليمه. بل ويجب التذكير أيضاً بأن التشيع لم يصبغ منطقة البحرين فحسب، بل أن المصادر التاريخية القديمة تؤكد على أن التشيع غطّى أغلب مساحة الجزيرة العربية بما في ذلك منطقة نجد.

فقد أوردت مصادر تاريخية عديدة تقارير حول شبه الدول الشيعية التي كانت قائمة في وسط الجزيرة العربية، وأبرزها دولة بنو الأخيضر المتحدرة، حسب الحسن الهمداني، من أخيضر بن يوسف العلوي[57] . ويصف ناصر خسرو اليمامة في "سفر نامة" بأن حكام اليمامة، من قديم الزمان، علويون، وبقيت كذلك حيث لا ملك مناس ولا حاكم يحيط بهم. وأن هؤلاء العلويين أقوياء، وأنهم يمتلكون ما بين 300 - 400 فارس. وأن مذهبهم الزيدية، ويقولون في إقامتهم للصلاة "محمد وعلي خير البشر وحي على خير العمل"[58] .

وفي المنطقة الغربية من الجزيرة العربية، فقد كان للتشيع سيطرة شبه تامة. ففي ينبع على سبيل المثال، في شمال غرب المدينة، كان للكيسانية السلطة السياسية والدينية الكاملة. والكيسانية هم أتباع محمد بن بن علي بن أبي طالب الذي يمثل القيادة الروحية بالنسبة لأتباعه الذين يعتقدون بأن ابن الحنفية قد اختفى في جبل رضوى في ينبع. وأن المناطق المحيطة بالأخيرة كانت عادة تحت حكم أشخاص متحدرين من الحسن بن علي بن أبي طالب، وأيضاً حكم القبائل الشيعية المهاجرة من اليمن مثل قبيلة حرب. وإضافة إلى ذلك يمكن القول بأن المنطقة الواقعة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة كانت واقعة تحت سيطرة قبائل مضر التي ينتمي إليها الحسنيين والجعافرة[59] .

إن الصورة التي يمكن رسمها من خلال هذه التقارير التاريخية تتمثل في أن للتشيع كان في بعض فترات التاريخ الإسلامي ولاسيما القرن الرابع الهجري متمركزاً في اليمن والحجاز واليمامة والبحرين. وهذا حدث في زمن كان فيه التشيع في بلاد فارس رمزياً للغاية. فباستثناء المناطق المتاخمة لبلاد العرب، والعراق تحديداً، والمدينة الدينية قم، والتي كانت عوائل شيعية هاجرت إليها من العراق مثل الأشعريين، لم يكن التشيع هذه المكانة التي تجعل منها المركز الشيعي الرئيسي الذي اكتسبته منذ العصر الصفوي.

بطبيعة الحال، فإن الخارطة الجغرافية للتشيع خضعت لتبدلات سريعة، ولكن إقليم البحرين التاريخي حافظ على صفته كحاضنة مركزية للتشيع. فثمة أصالة واستمرارية التشيع في المنطقة الشرقية تكشف عنها بجلاء كتب الرحال والمؤرخين.

ففي غضون حكم بني جروان الشيعة، نجد وصفاً - ولكن متحاملاً - للحالة المذهبية في إقليم البحرين، سجّله الرحالة المشهور ابن بطوطة الذي فرغ من تقييد رحلته في 13 ذي الحجة 756هـ/ 9 ديسمبر 1355. يقول عن مشاهداته في القطيف بما نصه: "ثم سافرنا إلى مدينة القطيف وضبط اسمها بضم القاف كأنه تصغير قطيف وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير يسكنها طوائف العرب، وهم رافضية غلاة يظهرون الرفض جهاراً لا يتقون أحداً: ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين: أشهد أن علياً ولي الله، ويزيد بعد الحيعلتين: حي علي خير العمل ويزيد بعد التكبير الأخير: محمد وعلي خير البشر، من خالفهما فقد كفر"[60] .

بداية التشيع في إيران

كانت إيران حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي ما تزال ذات أغلبية سنية ساحقة، باستثناء المناطق الساحلية التي تتصل اتصالاً وثيقاً بالعراق وخصوصاً بالعرب المتشيعين. فجميع المشرق كان الغلبة فيه لأهل السنة إلا أهل قم. فالمصادر التاريخية تجمع على أن إيران ظلت سنية حتى القرن العاشر الهجري[61] ، وأن أكثر أهلها كان على مذهب الإمام الشافعي[62] ، وحين اعتلى الشاه إسماعيل العرش في تبريز أقر المذهب الشيعي الإمامي مذهباً رسمياً لجميع إيران، وأعلن قراره في خطب الجمعة. ولكن القرار لم يحقق نجاحاً سريعاً وفاعلاً ويرجع هينز هالم ذلك بشكل كبير إلى "حقيقة كون قلة من العلماء الكفوئين كانت قادرة على نشر التشيع. فشاهات الصفوية وبخاصة الشاه طهماسب (1524 - 1576) - خليفة إسماعيل - اعتمدوا - في وقت لاحق - على مساعدة علماء من البلاد العربية من جنوب العراق، جنوب لبنان والساحل الغربي من الخليج. وهكذا ولأسباب سياسية ودينية سعى الصفويون ومنذ بداية عهد الشاه إسماعيل الصفوي المؤسس لترويج وتدريس التشيع وتشجيع هجرة علماء الشيعة من المناطق الأخرى لفارس. فكان هؤلاء العلماء من المناطق العربية من جبل عامل والبحرين، والتي تشمل الأحساء والقطيف والمناطق الساحلية المحيطة. وقد أتى الشيخ يوسف البحراني في "لؤلؤة البحرين" والحر العاملي في "أمل الآمل" على طائفة كبيرة من العلماء الذين شاركوا في حركة نشر المذهب الشيعي في إيران[63] . فقد أحضر الحكام - الصفويون - عدداً كبيراً من علماء الشيعة من هذه المناطق لوضع البنية الأساسية للتشيع في إيران" [64] . وهكذا تحمل عبء مسئولية نشر التشيع في إيران 120 داعية من علماء الشيعة العرب قدموا من جبل عامل والكرك (لبنان) والقطيف (شرق الجزيرة العربية) والبحرين[65] . ثم بدأت موجات من علماء الشيعة العرب تهاجر من جبل لبنان والبحرين والقطيف ساعد ذلك أولاً الاضطهاد الذي تعرض له بعض علماء الشيعة في بلاد الشام على يد السلطات المحلية الحاكمة باسم الدولة العثمانية، ثم دخول البحرين في الحيازة السياسية الصفوية ثم القاجارية والتي تطلب انتقال عدد من علماء الشيعة في البحرين إلى إيران لتولي مناصب قضائية، وهكذا انخراط هؤلاء العلماء في حملات الدعوة التشييعية في إيران وفي بيروقراطية الدولة الصفوية، وأخيراً شكلوا البنية الأساسية للجهاز الديني والقضائي الصفوي[66] .

إن خلاصة ما يمكن قوله مما سبق، أن المعادلات السكانية والدينية الراهنة هي - بالنسبة للفريق الأول - الحاصل النهائي للقراءة العكسية للتاريخ، وبالتالي سيكون عسيرا بالنسبة لأولئك الذين يفترضوا بأن التشيع هي غرسة إيرانية أن يقبلوا بأن القبائل العربية وفي القلب منها قبيلة عبد القيس كانت الوعاء الأول للذي احتضن التشيع وتمرر عبره إلى فارس، كما سيكون عسيراً أيضاً على أولئك القبول بأن عالماً مثل الشيخ إبراهيم القطيفي أن يكون ثاني اثنين من علماء الشيعة يستعين بهم الشاه الصفوي لقيادة حركة تشييعية ضخمة في إيران. إن كل ذلك يجعل من قراءة التاريخ عملية صعبة بالنسبة لأولئك الذين قرروا سلفاً الركون إلى الوقائع الراهنة دون النظر إلى نقاط التحول لحركة التاريخ والعوامل الفاعلة في الحوادث الاجتماعية والسياسية والدينية.

الأصول السكانية للشيعة المعاصرين

السؤال حول أصول الشيعة المعاصرين يبدو في غاية الأهمية نتيجة للغموض الكبير الذي يحيط بها. وفي حقيقة الأمر، فإن هذا الجانب لم يحظ باهتمام كاف وخصوصاً من قبل الباحثين في موضوع الشيعة في الخليج.

فبناء على J. Shaw and D. Long فإن "الشيعة السعوديين وإن انتموا مع الإيرانيين إلى نفس المذهب، إلا أنهم عرب. ويقال عنهم أحياناً بحارنة وأنهم من الناحية الأثنية أقرب إلى مجتمع البحارنة في البحرين، والذي يحتمل منه جاء المصطلح" ويضيف الكاتبان "بأن الشيعة السعوديين هم على صلة وثيقة بالمجتمع الشيعي في الكويت"[67] .

يجدر التنويه إلى أن مصطلح "بحارنة" هو، من الناحية اللغوية، جمع الكلمة العربية الكلاسيكية لبحراني، والتي تستعمل عادة لنسبة من يقطن البحرين[68] . وعلى أية حال، فإن المصطلح اكتسب دلالات وقعاً متناقضاً في البحرين والسعودية، فبالنسبة لشيعة البحرين، عنى مصطلح البحارنة الشيعة العرب الخالصين في مقابل الشيعة من أصول فارسية أي الشيعة العجم.

وليس ثمة شك أن الشيعة العرب والبحرين يندرجون في نفس التصنيف الايثني نتيجة للتداخل الشديد والتزاوج بينهم والذي يعود إلى قرون بعيدة. وثمة حقيقة أخرى أيضاً وهي أن ثمة تاريخاً مشتركاً يضم كلا المنطقتين، وهذا الواقع قدّر له أن يستمر حتى وصول المستعمرين البرتغال إلى منطقة الخليج في القرن الخامس الهجري ثم سيطرتهم الكاملة عليها في العقد الأول من القرن السادس عشر.

وقد ظهرت قوى استعمارية جديدة في الخليج، كانت الأحساء والقطيف خاضعة للإدارة العثمانية الاسمية والتي استمرت قرابة 120 عاماً حيث ظهور القوة السعودية والتي نجحت في تصفية الوجود العثماني فيما تقرر خضوع البحرين للادارة البريطانية حتى مطالع السبعينيات من القرن الماضي.

وما هو جدير بالملاحظة، أن فترة التحول السياسي هذه شهدت عمليات هجرة لعوائل شيعية من الأحساء والقطيف إلى البحرين ومناطق أخرى مثل الكويت والعراق. فالشيعة في الكويت يطلق عليهم الحساوية نسبة إلى موطنهم الأصلي الأحساء، كما استعمل مصطلح الحساوية للتمييز بين الشيعة العرب والشيعة العجم.

وباستثناء المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، فإن دول الخليج ضمت في داخلها مجتمعات شيعية من اثنيات متعددة، عربية، إيرانية، وهندية. والسبب في ذلك أن هذه الدول شكلت، ولقرون عديدة، مناطق جذب اقتصادية لكثير من عوائل التجار الإيرانيين والهنود الذين بدؤوا في ترتيب أوضاعهم على أساس الاستقرار والانضواء داخل المجتمعات المحلية. وعلى الضد من ذلك، أن النشاط الاقتصادي في المنطقة الشرقية كان مقتصراً بدرجة كبيرة عـلى الـزراعة وحـسب J.G. Lorimer[69] . وباستثناء تجارة التمور بأنواعها المختلفة باعتبارها الرابط التجاري الوحيد بين المنطقة وأسواق الهند وغيرها، فإن النشاط التجاري في المنطقة لم يشكل عامل جذب قوي من قبل التجار الأجانب، والإيرانيين والهنود بوجه خاص، الذين قررا منذ البداية تركيز جهودهم على البحرين والكويت حيث كانت تجارة اللؤلؤ وتبادل البضائع بارزة. ثمة عامل سلبي آخر وهو المستويات المعيشية السائدة في منطقة الخليج، حيث كان التجّار الهنود والإيرانيون يفضّلون العيش في مناطق تتمتع بمستوى معيشي معتدل، ومناخ اجتماعي منفتح نسبياً، ولعل في الكلام الشعبي "ما خلو شي أهل البحرين" تحمل دلالة على تطور المستوى الاقتصادي والمعيشي فيها قياساً إلى المنطقة الشرقية التي كانت منصرفة كلية إلى النشاط الزراعي وصيد الأسماك وقليل من اللؤلؤ.

وبعد اكتشاف النفط بكميات تجارية والتغيرات الملحوظة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مناطق الخليج، بدأت كثير من العوائل الإيرانية والى حد ما الهندية في التكامل مع المجتمعات المحلية بصورة نهائية وهكذا تعزيز مواقعها الاجتماعية والاقتصادية. كتب J. Bill عام 1984 عن الشيعة الإيرانيين في الخليج وقال "بأن أعدادهم كبيرة في الكويت والإمارات العربية المتحدة. كما أن لهم حضوراً بأعداد أقل في البحرين وقطر"[70] .

وفيما نصل إلى نقطة الحسم في هذا البحث، فإن السؤال يظل قائماً: فإذا كان الشيعة في المنطقة الشرقية والشيعة البحارنة في البحرين من أصول عربية، فكيف يمكن التحقق من هذه الأصول وما هي المعايير التي يمكن استعمالها للتثبت من كل ذلك؟

يجب القول بأنه من المؤسف أن المؤرخين المعاصرين والدراسات الحديثة عن المجتمعات الخليجية فشلت في تزويدنا بمعلومات موثوقة بخصوص هذا الموضوع. ولعل حالة اليأس التي أصابت بعض الباحثين هي انعكاس مباشر لهذا الفشل. فبعد أن شعر Sir Robert Hay بأن لا سبيل لإكمال البحث في تحديد هوية الشيعة البحارنة، أقفل النقاش بتقرير كونهم "شيعة عرب بلا نسب"[71] . ولعل في هذه النتيجة أراد الباحث إيصال رسالة لمن يخلفه في أن يستكمل البحث في تحديد النسب العربي لهؤلاء الشيعة.

 ثم جاء من بعده باحث آخر فقرر اعتبار المجتمع الشيعي في الأحساء "متحدرين من قبائل عربية كانت سائدة في الجزيرة العربية منذ ثلاثة آلاف سنة"[72] .

في اعتراضه على فرضية الأصول الأعجمية للشيعة في البحرين، يقرر الباحث الكويتي د. محمد الرميحي عروبة هؤلاء الشيعة، ولكنه ينسبهم إلى أصول عراقية، بناء على "أن اللهجة العربية التي يتحدث بها البحارنة قريبة جداً من اللهجة التي يتحدث بها عرب العراق"[73] . وهذا الرأي، على كل حال، يواجه صعوبة كبيرة، فالمطلعون على اللهجات الخليجية بإمكانهم وببساطة التفريق بين اللهجتين البحرانية والعراقية، بل أن المشتركات في اللهجتين العراقية والكويتية هي أكثر مما هي عليه في الأوليين.

بالنسبة لـ Yann Richardفيقترح أصولاً لشيعة البحرين كما يلي: "يرجع البعض في أصوله إلى المخزون الاجتماعي المحلي القديم، وبعض من المستعمرات الإيرانية السابقة (بحارنة البحرين)، والبعض الآخر وصل مؤخراً من قبائل عراقية فقيرة"[74] . وهذا الرأي، على أية حال، لا يستند على أساس تاريخي. فالحقيقة أن هذا الرأي يقوم على أوهام أكثر منه على حقائق. فمن المستحيل تقريباً، من وجهة تاريخية، العثور على مثال واحد على انخراط قبيلة عراقية في التركيبة السكانية للبحرين أو المنطقة الشرقية والعكس صحيح. فهناك عوائل شيعية عديدة وهكذا قبائل عديدة من مناطق مختلفة من الجزيرة العربية هاجرت إلى العراق وأصبحت جزءا من تركيبة المجتمع العراقي وفي حياته السياسية والاجتماعية. فقد شهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر هجرة أقسام من قبائل معروفة في الجزيرة العربية إلى العراق وذلك بين عامي 1791 - 1805[75] . وعلى حد باحث عراقي فإنه خلال الحملات العسكرية السعودية دفعت قبائل آل ظافر، وأجزاء من قبيلة عنزة وحرب (بما في ذلك الجبور) وشمر جربا للهجرة إلى العراق[76] .

وبالنسبة للقبائل الشيعية، فإن حنا بطاطو يلقي الضوء على أنواع الأراضي الزراعية في جنوب العراق والتي كانت تدعى حساوية من الأحساء والتي إليها، حسب بطاطو، ترجع أصولهم[77] . ولا حاجة لتكرار القول بأن بحارنة، كما يتحدث المصطلح عن نفسه، يشير إلى كل من سكن البحرين، ولهذا فيمكن استعماله كعامل تمييز بين العرب، أي البحارنة، والعجم، وليس كما خيّل لـ Yann Richard.

وأياً كان الأمر، فإن التداخل الثقافي والاجتماعي بين شيعة البحرين والجزيرة العربية يعتبر حقيقة غير قابلة للإنكار. ولكن، يبدو مستحيلاً تقريباً الحديث عن نمط من التفاعل الاجتماعي بين العراق وشرق الجزيرة العربية، فقد ظل هناك اتصال من جانب واحد تعكسه الهجرات المتكررة من الجزيرة العربية إلى العراق.

مما سبق يدعو للجزم بأن الأصول السكانية للشيعة للبحارنة والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية هي عربية خالصة، وأن الغموض المحيط بهذه الأصول يمكن إرجاعها إلى عاملين أساسيين:

الأول: هو الانتماء الديني للشيعة، بمعنى أن التشيع في بعده الاجتماعي، مثّل هوية بديلة ومنافسة للهويات التقليدية القائمة على أساس رابطة الدم والروابط العائلية والعرقية. وهذا لا يعني القول مطلقاً بأن هذه الروابط فقدت تأثيرها نهائياً في الحياة الاجتماعية للسكان الشيعة. وبالإمكان هنا إدراك أهمية الدور الاجتماعي للتشيع باللجوء إلى الخطاب الاثني، بمعنى أن التشيع نجح في تطوير هوية قادرة على استيعاب المعتقدين به. وبمرور الوقت، تعززت هذه الهوية بفعل عوامل عديدة ذاتية وموضوعية. أما العامل الآخر، فله علاقة بنمط الاستيطان والنشاط الاقتصادي للسكان الشيعة. فثمة ميزتان بارزتان في هذا الصدد، الأول أن سكان المنطقة تدخل في نطاق المجتمعات المستقرة (في مقابل المترحلة)، وثانياً النشاط الزراعي الذي كان يشتغل به سكان المنطقة. إن الانعكاسات التي تتركها هاتان الميزتان على هوية وتركيبة السكان. ولابد هنا من الاستعانة بالرؤية السيسيولوجية الخلدونية والتي تمدّنا بتفسير عقلاني لاختبار نقاونة النسب عند المجتمعات المترحلة والمستقرة.

يقدّم ابن خلدون مقارنة بين أجيال البدو التي نشأت في بيئة صحراوية، حيث استطاعت تأكيد خصائصها وصفاتها الطبيعية، حيث لم تصادف احتكاكاً من قبل أمم أخرى تشاركها شروطها، كما لم يشعر أي عضو من مجتمعات أخرى بالانجذاب إلى خطها السلالي، فإذا صادف أحدهم وسيلة ما أو طريقة تمكّنه من هجرة بيئته الصحراوية فإنه يفقد وبصورة طبيعة تلك العلائق الطبيعية التي تربطه بمجتمعه الأصلي. ولذلك يمكن الوثوق بأن نسب هذا المجتمع لم يتعرض للاختلاط، فقد حافظوا على نقاوة أصولهم الاجتماعية. ويسوق ابن خلدون أمثلة على ذلك: قريش، كنانة، ثقيف، بنو أسد وآخرين، الذين، حسب ابن خلدون، "عاشت حياة صعبة في أماكن حيث لم تكن هناك زراعة، أو تربية حيوان". في المقابل، هناك هؤلاء العرب الذين عاشوا في التلال وعند مصادر الرعي الخصبة والحياة الوفيرة. فهؤلاء العرب، كما يرى ابن خلدون، لم يعتنوا كثيراً في المحافظة على نقاوة الأصول النسبية لعوائلهم وجماعاتهم. ويضيف أيضاً بأن العرب في الحقول الخصبة تأثروا بالاتجاه الإنساني العام الرامي إلى التنافس على الأراضي الخصبة والمراعي الصالحة[78] .

إن تطبيق هذه الرؤية الخلدونية يفتح نافذة معرفية على التحولات الهيكلية التي تعرضت لها المجتمعات البدوية التي قدّر لها تبديل أنماط استيطانها ونشاطها الاقتصادي. ففي العراق، على سبيل المثال، "أن انتقال بعض القبائل من الحياة البدوية إلى النشاط الزراعي ساهم في تمزيق نظامها القبلي وخلق أزمة كبيرة وسط رجالها، اضطرتهم لإعادة بناء هويتهم"[79] .

وهذا المثال يقرّب كثيراً صورة التحولات التي جرت في البنية المجتمعية للسكان الشيعة في المنطقة الشرقية، حيث يتحدر الكثير منهم من قبائل عربية مشهورة مثل قحطان وعنزة وبني هاجر، وسبيع، وشمر إضافة إلى بني خالد ذات التاريخ العريق في المنطقة الشرقية[80] .

[1]  The Moslem World, Issue 23, 1933, Vol.XXIII, p.303

[2]  الدكتور عبد الفتاح أبو علية، الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبد العزيز، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز الرياض 1976 ص 47.

[3]  المصدر السابق ص 48 نقلاً عن Vidal (K. S.), The Oasis of Hasa, p.97 وانظر: The Moslem World, Issue 23 p.304.

[4]  - M. Niebuhr (1792), Travels Through Arabia, translated into English by Robert Heron, EDINBURGH, Vol. II p.139.

[5]  - M. Niebuhr, p.185.

[6]  - John Lewis Burckhardt, Notes on the Bedouins and Wahabys, reprinted in Reading 1992, p.27.

[7]  - J. L. Burckhardt, p.28.

[8]  - Burckhardt, p.32.

[9]  - Ibid, p.47.

[10]  - Dozy, R. P. A., Essai sur 1’Histoire de 1’Islamisme. (Trans. By V. Chauvin), Leiden and Paris 1879, p.220, quoted from J. Wellhausen (1975), The Religio-Political Factions in Early Islam, Oxford, pp149-150.

[11]  - Muller, A., Der Islam im Morgen-und Abendland, Berlin, 1885-87, quoted from J. Wellhausen, The Religio-Political Factions, p.150.

[12]  - S. W. Zwemer, F. R. G. S (1900), Arabia: The Cradle of Islam, New York, p.118.

[13]  -D. G. Hogarth (1922), Arabia, Oxford, p.76.

[14]  - J. Wellhausen (1975), The Religio-Political Factions in Early Islam, Oxford, p. 150.

[15]  - Adam Mez, The Renaissance of Islam, Translated from Germany by Salahuddin Khuda Bakhsh and D. S. Margoliouth, PATNA 1937, p. 59.

[16]  -Marshal G. S. Hodgson, “How Did The Early Shi’a Become Sectarian?”, Journal of the American Oriental Society, 1955, LXXV, p.3.

[17]  - W. Montgomery Watt (1961),Islam and The Integration of Society, Northwestern University Press, Great Britain, pp.104-105.

[18]  - op. Cit. p.109.

[19]  - Yann Richard (1995), Shi’ite Islam, Translated by Antonia Nevill Oxford p.23.

[20]  - Heinz Halm, (1997), Shi’a Islam: From Religion to Revolution, translated from the German by Allison Brown, Princeton USA p.17ff; also see: Heinz Halm,(1991), Shi’ism, Edinburgh, p.156.

[21]  الطبري، تاريخ الأمم والملوك، الجزء الثاني ص 55.

[22]  - F. Omar, The Islamization of the Gulf, in C. E. Bosworth, Charles Issawi, Roger Savoy, and.A L. Udovitch (eds) (1989), The Islamic World, Princeton, New Jersey p.252.

[23]  عمر رضا كحالة، معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، مؤسسة الرسالة بيروت الجزء الثاني ص 726.

[24]  السيد محسن الأمين العاملي - أعيان الشيعة، بيروت 1986 الجزء الاول ص 26، وأنظر" الشيخ محمد رضا المظفر، تاريخ الشيعة، بيروت 1987 ص 255.

[25]  ابن عساكر (499 - 571) - تاريخ مدينة دمشق، دار الفكر بيروت 1997 ج46 ص 25.

[26]  ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار صادر بيروت (د.ت) ج4 ص 97.

[27]  ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار إحياء التراث العربي - بيروت (د.ت) المجلد الاول ص 37.

[28]  تاريخ اليعقوبي ج2 ص 150.

[29]  A. H. Hourani and S. M. Stern (eds), The Islamic City (1970), Oxford pp.88-9.

[30]  - محمد اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي المجلد الثاني ص 150.

[31]  F. Omar, The Islamization of the Gulf, in C. E. Bosworth, Charles Issawi, Roger Savoy, and.A L. Udovitch (eds) (1989), The Islamic World, Princeton, New Jersey p.252.

[32] Fred Mcgraw Donner (1981), The Early Islamic Conquests, Princeton, New Jeresy, p.231.

[33]  Donner, ibid p.230.

[34]  القرطبي - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، بيروت 1995 الجزء الثالث ص 251-252.

[35]  القرطبي - الاستيعاب، المصدر السابق ص 251 - 252.

[36]  ابن سعد - الطبقات الكبرى، الجزء الخامس ص 563.

[37]  Saleh Ahmad al-‘Ali , The Foundation of Baghdad, in The Islamic City, p.90.

[38]  عمر رضا كحالة، قبائل العرب القديمة، مؤسسة الرسالة بيروت الجزء الثاني ص 727.

[39]  المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجواهر، بيروت 1970 المجلد الثالث ص 103.

[40]  The History of al-Tabari, Translated by Aadrian Brockett, New York, Vo. XVI, p.71.

[41]  ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، بيروت المجلد الثاني ص 50.

[42]  الطبري، تاريخ الطبري، بيروت 1998 الجزء الخامس ص 242.

[43]  القلقشبندي، نهاية الأرب ص 338.

[44]  تاريخ اليعقوبي ج2 ص 214.

[45]  المسعودي، مروج الذهب الجزء الثالث ص ص 133، 244.

[46]  ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، بيروت 1990 الجزء الرابع ص 126.

[47]  المسعودي، مروج الذهب، مصدر سابق الجزء الثالث ص 231.

[48]  المسعودي، هامش ابن الأثير، الجزء السادس ص 7.

[49]  أحمد بن داود الدينوري، الأخبار الطوال ص 231.

[50]  محمد بن أحمد المقدسي - أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، اختار النصوص وعلق عليها وقدم لها غازي طليمات، دمشق 1980 ص 105-106.

[51]  - Adam Miz, The Renaissance of Islam,..p.60; see also: Al-Muqaddasi (1994), The Best Divisions For Knowledge Of The Regions, Translated by Basil Anthony Collins, Reading U. K. P.88.

[52]  - Adam Miz, The Renaissance of Islam,..p.74.

[53]  المقدسي، أحسن التقاسيم، ص 106.

[54]  - Naser-e Khosraw’s Book of Traveles (Safarnama) New York 1986, Translated from Persian by W. M. Thackston, Jr pp. 87, 88-9.

[55]  الشيخ على البلادي، أنوار البدرين في تاريخ علماء القطيف وهجر والبحرين، ص 394.

[56]  -Hogarth, Arabia, p.81.

[57]  الحسن بن يعقوب الهمداني، صفة جزيرة العرب، جمعها محمد بن علي الأكوع الحربي، الرياض 1974 ص 309.

[58]  سفرنامة، رحلة ناصر خسرو، ترجمها إلى العربية د. يحي الخشّاب، بيروت 1970 ص ص 141-142.

[59]  ابن حوقل، صورة الارض، بيروت 1979 ص ص 40 - 41.

[60]  رحلة ابن بطوطة، تحقيق د. عبد الهادي التازي، الرباط 1997 المجلد الثاني ص 151-152.

[61]  انظر: عبد اللَّه فهد النفيسي (1967)، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، الكويت ص 70.

[62]  Peter Jackson and Lawrence Lockhart (eds), The Cambridge History of Iran (1986), Cambridge, CUP, Vol.6, p.656.

[63]  Peter Jackson and Lawrence Lockhart (eds), The Cambridge History of Iran, Vol.6, p.661.

[64]  - Heinz Halm, Shi’a Islam.., p.107.

[65]  فهمي هويدي (1408ه-)، ايران من الداخل، القاهرة ص 58 نقلاً عنSaid Arjomand, Shi’ite legitimate Domination in Iran .

[66]  ينظر كتاب الشيخ يوسف البحراني (لؤلؤة البحرين) وكتاب (أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين) للشيخ حسن علي البلادي للاطلاع على قصص بعض علماء الشيعة المهاجرين إلى ايران في العهد الصفوي ومزاولتهم لمناصب قضائية عليا في فترات متفاوتة.

[67]  John Shaw and David Long (1982), Saudi Arabia Modernization, the Impact of Change and Stability, New York, p.89 .

[68]  M. G al-Rumaihi (1976), Bahrain, Social and Political Change since the First World War, London, P.26 .

[69]  J. G. Lorimer, C. I. F, (1915), Gazetteer Of The Persian Gulf, Oman and Central Arabia, Calcutta (India), p.665 .

[70]  James A. Bill, Islam, Politics, and Shi’ism in the Gulf, Middle East Insight No.3, 1981, p.7.

[71]  M. G. Rumaihi, Bahrain, Social and Political Change since the First World War, op.cit p.26.

[72]  يوسف محمد السميط، الخليج العربي: دراسة في أصول السكان، القاهرة 1970 ص 26.

[73]  M. G. Rumaihi, op.cit, p.26.

[74]  Yann Richard (1995), Shi’ite Islam, Translated by Antonia Nevill Oxford, p.119.

[75]  Yitzak Nakash (1994) The Shi’is of Iraq, Princeton, New Jersey, p.26.

[76]  Yitzak Nakash, ibid, p.28.

[77]  Hanna Batatu (1978), The Old Social Classes and The Revolutionary Movements of Iraq, New Jersey, p.140.

[78]  Ibn Khaldoun (1967), The Muqddimah, An Introduction to History, translated from Arabic by Franzy Rosen Thal, London,pp.99-100.

[79]  Yitzak Nakash, op.cit, p.28.

[80]  للمزيد من الاطلاع على معرفة أصول السكان الشيعة في المنطقة الشرقية انظر: حمزة الحسن، الشيعة في المملكة العربية السعودية، بيروت 1993 الجزء الأول ص ص 32-67.
كاتب
307007