انعكاساً في العيون..
د. ثريا العريض - 23 / 2 / 2011م - 9:46 ص - العدد (17)

سألتني ببساطة طفل: من هو توأم الروح؟

وبقدر ما يأتي السؤال بسيطاً ومباشراً.. بقدر ما تستحيل الإجابة عليه ببساطة ومباشرة.

ما الذي يجعل من فرد واحد، بين الآلاف الذين تجايل خطاهم خطانا، والملايين الذين نلمح ملامحهم في تقاطعات دروبنا، حقيقة متجذرة تتنامى فينا؟

أن نرى فيه توأماً للروح!.

وكيف تعرف الروح توأمها؟

حين يتكلمان لغة واحدة.. لا تحتاج إلى تفسيرات تترجم بينهما..

أعتى رهبة هي رهبة السكون والصمت.

أن لا تجد من يحاور فيك تعطشات الروح للمعرفة الأزلية.. وليس لما يحدث كل يوم ولكل الآخرين.. ولست تسمع عبر الكلمات ذاتها بل عبر تهدجات الصوت الذي يحتويها.. تسمع فيه صدق تباريح الروح.. ثم ليس بالصوت وحده يأتي الكلام.. أوضح اللغات هي لغة العيون حين تنفذ من خلالها إلى كل ما يعتري الروح من أسئلة.. ولذلك هي لغة كونية تتخطى لغات البشر.

العين شرفة ترى عبرها ما يسكن الروح عتمة أو ضياء.. ولا تماريك حين ترسم التصحر أو الارتواء.

وأقول ذلك.. أقسى تعطش هو تعطش الروح للروح.. وأنت عليم بذلك مثلي.. منذ يبزغ الوعي الذات والوجود المنفصل عنها في الطفولة نبدأ نبحث عن اكتمال للروح.. ذلك التعطش الأزلي الذي قد لا يجد جواباً

لماذا؟ لأننا حين نصرخ من أعماق الروح "وجهك وجهي.. صوتك صوتي" نبحث عن حقيقة أنفسنا الجوهرية.

ولذلك فتوأم الروح ليس بالضرورة توأم الجسد.. لا حقيقة ولا مجازاً..

المؤسي أن ينهك التعطش لأن تحاور توأم الروح.. ثم تتأمل كل الوجوه عن قرب فتجد أنها لا تتكلم لغتك.

والمؤسي أن تضطر إلى الاعتراف بأن أغلب هؤلاء الذين أطلوا عبر شرفتك المفتوحة على داخل النفس.. لم يكونوا يبحثون عن توأم للروح.. بل عن مرآة تقنعه أنه جميل.. ويستحق الوجود.

بعضهم يطل شوقاً لأن يسمع صدى يحاوره حين يطارده السأم

وبعضهم يحتاج من يجيب أسئلة وجوده الحائر..

وبعضهم كان يطلب من يطمئنه لأنه يخاف من وحدته..

وبعضهم لمجرد الفضول.. وبعضهم.. وبعضهم.. لا أستطيع حصر كل الدوافع.. ولكن لا أحد منهم جاء ليروي بقدر ما جاء ليرتوي

ولذلك تتكرر فجيعة الاكتشاف الحزين بالتوحد في الصمت.. وتتنامى المعرفة باحتمال كون السكون الحالة التي تستباح ولا يتعايش معها.

وكنت أتوقع أن تسأل: وهل تتوأم روح مع أكثر من روح؟

وكنت سأجيب لو سألت.. ولكنك لم تسأل.

لعلها انتفاضات في الزمن المتحرك تعطينا صوراً متغيرة لوجوهنا التي لا نراها منعكسة في أحداق الغير.

عندما يجتاح نفسي شوق نفسي..

هل أراها انعكاسا في العيون؟.

ربما..!

في زمن التوحد والتآخي مع الصمت والسكون..

هل يهم حقاً من ينعكس في العيون توأماً للروح..؟

ما يهم جداً أن نحس بذلك حين يحدث..

371308