أخطاء وأوهام شائعة
عدنان السيد محمد العوامي * - 23 / 2 / 2011م - 10:59 ص - العدد (17)

مدخل

إن يكن ثمة عجب فمن هذه القداسة التي يكتسبها التاريخ كلما تقادمت به السنون، وتعاقبت الأيام، حتى أن الشيء، وإن لم يكن في وقته ذا بال، ما أن تمر به بضع سنين حتى يرتدي عباءة الأنبياء وقفطان القديسين. وتكبر قداسة الحدث وتعظم إذا قدر لها أن تدون بلا تمحيص أو تدقيق. وخليجنا الحبيب لم يشذ عن هذه الحالة، فقد اكتنفه كثير من الأخطاء والأوهام، لكننا ليس بوسعنا اليوم أن نتعرض لها إلا بالتمجيد والتبجيل، فحسبها أنها حوادث أو مقولات قال بها الأجداد، أو أنها سجلت في كتاب، فإن أي كتاب وحي مقدس، وأي كاتب صادق موثوق، لا يمذق ولا يمين، فأما من تسوِّل له نفسه التفكير في الشك المجرد، أو التساؤل البريء فهو خارج على الأعراف، كافر بالموروث، وكل موروث مقدس، هذا إذا لم يرم بأشد من هذا وأعظم، فإذا روى سيف بن عمر مثلاً: أن العلاء بن الحضرمي عبر البحر بجيش المسلمين من القطيف إلى دارين فلن يكون بوسعك أن تدعي بأنه إنما عبر مخاضة بين الجزيرة والساحل مما يكثر مثيله في بلاد الله، وأن الناس قد ألفوا أن يعبروا منها منذ استوطن البشر هذه الديار، وإذا قرأت أن العلاء رحمه الله بعد أن مات وألحد في قبره عرضت لدافنيه حاجة لحجر، فنبشوا القبر فلم يجدوه. فهل يجوز لك أن تسأل: هل إن الحاجة لحجر تبرر نبش القبر ؟ ألا يمكن تحصيل الحجر إلا من القبر ؟

وإذا روى هذا الرجل أخبار الردة في بلد آمن أهلها بالرسالة طوعًا فليس علينا إلا أن نصدق حتى ونحن نعلم أن الخليفة الأول لم يؤثر عنه نص واحد يصف الممتنعين عن أداء الزكاة بالإرتداد، وكلما أثر عنه قوله: (والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه).

وليس من قبيل التزيد أن نقول هذا عن مقدسي التاريح فقد بلغت بهم الحال أن صدقوا بعض المأثورات المتعارضة مع النصوص القرآنية، كحديث الذبابة، وحديث تأبير النخل، ونطق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بآيات من وحي الشيطان _ والعياذ بالله – كما في سورة النجم، مع أن هذه السورة تنص على أنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق على الهوى، وكل ما يبررون به رأيهم هو تقييد العصمة بالتبليغ فقط، ناسين أن الوحي إنما يؤخذ عنه وحده وأن الشرط الوحيد لإيماننا بالوحي هو إيماننا بصدق الرسول المطلق.

على كل حال فإن هذه وأمثالها من الأمور ليست مما يدخل في مسار بحثنا، وإنما عرضنا لها لبيان قدسية التاريخ وتأثيره، وسنرى بعد سطور أن كثيرًا من الأوهام والمقولات الخاطئة التي دخلت حرم التاريخ المنيع أصبحت حقائق لا يجوز الشك فيها.

في التاريخ السياسي

1 - الصفويون في الخليج تحالفهم مع البرتغاليين حقيقته ودوافعه

يكاد جلَّة المؤرخين العرب المعاصرين يجمعون على مسلَّمتين غير قابلتين للنقاش أولاهما: أن الصفويين تواطؤا مع البرتغاليين وتحالفوا معهم على ابتلاع بلدان الخليج، والثانية أن العثمانيين هم الذين هبوا لنجدة المسلمين وإنقاذهم من مخاطر ذلك الحلف، فما هي حقيقة هاتين المسلَّمتين؟

في الفِقر التالية استعراض لمسلك الدولتين أرجو أن يكون كافيًا لكشف الحقيقة ورد الوهم والانحياز.

المعروف أن الغزو البرتغالي للخليج بدأ في سنة 1507م 913 هـ، وهذه السنة كانت الدولة الصفوية في بداية نشأتها على أنقاض إمارة الآق قوينلو، وكانت محاطة بقوى معادية من جميع جهاتها، فمن الغرب العراق وعلى رأس الحكم فيه مراد بن يعقوب آخر أمراء الآق قوينلو، ومن الشمال إمارة البستان، وهي أيضًا من بقايا إمارة الآق قوينلو التي قامت على أنقاضها الدولة الصفوية، ومن الشمال والغرب الدولة العثمانية القوية، ومن الشمال الشرقي قبائل الأوزبك بزعامة محمد الشيباني المسيطر على خراسان وأجزاء من شمال شرق فارس، وإلى الشرق القبائل الأفغانية القوية. وجميع هذه الدول والإمارات متحدة متفقة على محاربة هذه الدولة الناشئة، والحالة معها أشد ما تكون من التوتر، وواحدة منها على الأقل، وهي إمارة البستان، كانت في حالة حرب معها في السنة التي غزا البرتغاليون فيها الخليج[1] ، يضاف إلى ذلك أن الجيش الفارسي ليس لديه أسطول بحري، وأنَّ أسلحته كانت حتى ذلك الوقت بدائية لم تدخل فيها الأسلحة النارية من مدفعية وبنادق، ولهذا السبب وحده تعزى هزيمة الشاه اسماعيل أمام السلطان العثماني سليم الأول في معركة جالديران سنة 1514، وهي السنة التي احتل فيها البرتغاليون البحرين، فقد كان الجيش العثماني وحده مزودًا بالمدفعية والبنادق، أما الجيش الفارسي فالمعروف أنه لم يزود بذلك النوع من الأسلحة إلا في عهد طهماسب بن اسماعيل، حيث استخدم لأول في الجيش الإيراني في معركة (جام وزور آباد) ضد الجيش الأزبكي سنة 1528م[2] . وفوق ذلك فإن البرتغاليين لم يكونوا يتوفرون على جيش من المشاة للمعارك البرية، لذلك اقتصر خطرهم على تهديد المدن الساحلية والموانئ، أما المدن الداخلية فكانت في مأمن من هجماتهم، بخلاف بقية الدول المعادية لها فإنها تمثل تهديدًا على كل أراضيها، أو بكلمة أخرى تهديد وجودها من الأساس.

من هنا فإن القول بتصدي الشاه إسماعيل للأساطيل البرتغالية المزودة بالمدافع والبنادق، وإدارة ظهره للقوى الأخرى تفعل فعلها في أراضيه؛ ما هو إلا ضرب من التمحل والعسف.

فُسِّر هذا الإحجام من جانب ايران عن الإصطدام بالبرتغاليين بإنه انحياز وتحالف ذو دوافع مذهبية، مع أن القائلين بهذا يعلمون أن البلدان التي غزاها البرتغاليون هي بلدان خاضعة للدولة الصفوية وانتزاعها منها لا يعقل أن يكون برضاها واختيارها، فهل كان الصفويون ذوي نوازع مذهبية كما يصفهم الكتاب المعاصرون؟

أتصور أن الموضوع لا يتطلب الركض طويلاً وراء الشواهد؛ لأن موضوعنا لم يكن معقودًا للدفاع عن الدولة الصفوية، لذلك أكتفي باليسير من الإشارات الدالة على حقيقة نوازع الصفويين، وأولى هذه الإشارات ما تحدثت به مصادر التاريخ من أن تيمور لنك (المعروف بالأعرج) وعددًا آخر من قواده تأثروا بدعوة الشيخ صفي الدين مؤسس الدولة الصفوية واعتنقوا مذهبه، ولما انتصر تيمور لنك على الأتراك في معركة أنقرة سعى الشيخ خوجة علي حفيد صفي الدين لدى تيمورلنك لإطلاق سراح آلاف الجنود الأتراك مستفيدًا من مكانته لديه، وفعلاً استجاب تيمور لنك لوساطته، وأطلق الأسرى الأتراك[3] ،. فهل هذه إمارات النوازع المذهبية؟

الثانية: إن الشاه إسماعيل الأول، الذي ينسب له التواطؤ مع البرتغاليين، كان الحليف المعين لبابر امبراطور المغول المسلمين في الهند، وهو سني المذهب، وقد أمده بالجيوش والعتاد لتعينه على مواجهة عدوين من أعتى القادة، وهما شيباني زعم الأوزبك، ثم من بعده خليفته عبيد الله خان، ولا يؤثر في هذه الحقيقة أن يفَسر بعضهم هذا السلوك بأنه التقاء مصالح، فلو كان الشاه ذا نوازع ونوايا سيئة لتركه يواجه مصيره بنفسه، لكن الغريب أن نجدة الشاه لبابر فسرت على أنها دليل على تسامح بابر، وعدم تعصبه مذهبيًا، مستدلين على ذلك بقبوله مساعدة الشاه، وعلى هذا يكون هو المتفضل والمتسامح لقبوله المساعدة من الشاه، لا الشاه[4] .

الثالثة: كما وجد بابر العون والنجدة لدى الشاه اسماعيل، وجد ولده همايون ذات النجدة من الشاه طهماسب بن اسماعيل؛ فحينما أطيح به عن العرش سنة 1541م، لجأ للشاه طهماسب ووجد لديه الحفاوة والإكرام حتى لقد أقيمت الإحتفالات لاستقباله[5] . ومما يكشف عن شخصية الشاه طهماسب، وترفعه عن النزعات المذهبية؛ موقفه من الدسائس التي كان الأوربيون يحيكونها لإشعال الفتنة بينه وبين الأتراك بقصد حمله على الدخول معهم في حروب بقصد مشاغلتهم عن فتوحاتهم في أوروبا، فقد أرسلت البندقية إليه بالسير فنسيتيو د، ألسندري Vincetio d” Alseandrii سنة1571م، في محاولة منها للإيقاع بينه وبين العثمانيين، لكنه فطن للدسيسة فطرد المندوب، وكررت إنجلترا نفس المسعى فأرسلت السير أنطوني جنكنسون Anthony Jenkinson سنة 1592م في مهمة مماثلة، لكن الشاه واجهه بنفس الكيفية التي واجه بها السفير البندقي، فقد طرده عندما شعر بنواياه في إلقاح الفتن بين المسلمين[6] .

2 - من طرد البرتغاليين من الخليج؟

تبين مما مضى أن الصفويين ليسوا من ذوي النزعات المذهبية، وأن مواقفهم من إخوانهم السنيين على عكس ما يصفهم بهم ذوو الأغراض و النعرات الطائفية من الكتاب والباحثين، فكيف كانت علاقتهم بالبرتغاليين ؟

لا جدال في أن تراخيهم الشاه عن منازلة البرتغاليين لم يكن إلا من ضعف وقلة حيلة، لأنههم لم يكونوا يملكون الجيش القادر على مواجهة تلك الأساطيل المزودة بالأسلحة الفتاكة، أما وقد توفر السلاح فإنهم لم يذخروا وسعًا في مقاومتهم، بل والقضاء عليهم، ومن يتتبع ما كتبه البرتغاليون أنفسهم عن ضراوة المعارك التي خاضها الشاه عباس الأول معهم سيقدر، بدون شك، تلك الروح الجهادية التي حارب الفرس بها، ومقدار ما شحنت به صدور البرتغاليين من الحقد والكراهية لهم بسببها. يقول روي فيريرا اندرادي، وهو أحد القادة البرتغاليين، في وصفه لإحدى المعارك التي خاضها الفرس ضدهم في قشم: (لقد وعد إمام قلي خان حاكم شيراز بأنه سوف ينتصر على البرتغاليين في خلال عشرة أيام، وسوف يدخل قلعة قشم، ولذا تم تجنيد عشرة من الجنود الفرس لكل جندي برتغالي، وأخذ عهدًا على نفسه بأنه سوف يجبرهم على دخول الإسلام)، ويتبين من حجم المبالغة في التقليل من خسائر البرتغاليين، وتضخيم الخسائر البشرية في الجانب الايراني مقدار الحنق والحقد الذين يشعر بهما البرتغاليون تجاه الفرس، فهذا فريرا يواصل روايته لمعركة قشم فيقول: (في نهاية النهار فقد الفرس ثلاثة آلاف قتيل، أما في الجانب البرتغالي فكان القتلى البرتغاليون ثلاثة.[7] )، وبهذه الرواية صدق المثل العربي: (رجل كألف وألف كما رجل).

لا أريد بطبيعة الحال تتبع المعارك التي خاضها الايرانيون ضد الأساطيل البرتغالية فهذا أمر لا يفي به مقال، لذلك سأقتصر على عرض سريع لأهم إنجازات الفرس ضد الأساطيل البرتغالية في الخليج.

في سنة 1602 م 1011هـ تمكن الشاه عباس الأول من طرد البرتغاليين من البحرين، بقيادة كمال – جمال الدين – الكردي الفيروز ابادي.

في سنة 1615م قام بطردهم من بندر عباس (غومبرون). هذه الميناء أسسها الشاه عباس الأول عوضًا عن هرمز واحتلها البرتغاليون.

في سنة 1616 م بذل البرتغاليون محاولات مضنية لعقد صلح مع الشاه عباس الأول باءت جميعها بالفشل.

في حوالي سنة 1620 قام بطردهم من الساحل الغربي بالتعاون مع العمانيين، وفي ذات الوقت بدأ بعمليات من البر الفارسي لتهديد التموينات القادمة للبرتغاليين في هرمز، ومحاصرتهم في قلعة قشم، التي تمون هرمز بالمياه.

وبنهاية يوم 23 ابريل من عام 1622م استسلم آخر معقل لهم في الخليج، وهي جزيرة هرمز ذات المجد الباذخ والتاريخ العريق، وبذلك خضدت شوكة أعظم امبراطورية تحكمت بهذه المنطقة مدة تنيف على قرن من الزمان، وبعد ذلك قام بطرهم من صحار وخور فكان في ساحل عمان،[8] .

ولئن استعاد البرتغاليون هاتين المدينتين وأخذوا يوجهون الضربات المزعجة للقوات الفارسية إلا أنها ضربات المذبوح ساعة النزع والإحتضار، إذ سرعان ما أصبحوا عرضة للهزائم بسبب الغارات التي يشنها العمانيون بين الوقت والآخر، حتى استسلموا لهم في 3 كانون الثاني سنة 1650م، ثم جاءت الضربة القاضية بطردهم من ميناء كنك آخر معاقلهم في الخليج.[9] 

كان بوسعنا أن نقول بانقشاع ظل البرتغال من الخليج نهائيًّا بخسارتهم لكنك لو لا تحالف العثمانيين معهم وتأجيرهم ميناء البصرة، ثم السماح لهم بإقامة وكالة تجارية و مركز للتبشير ومدارس لاهوتية فيها، وهذا ما أغضب الايرانيين وحملهم على استهداف البصرة بحملاتهم المتكررة.[10] 

ينبغي أن ننبه إلى ملاحظتين قبل ختام الحديث عن الدولة الصفوية. الأولى أن الصفويين لم يسجل عليهم أي صدام للأتراك في الخليج قد ينسب إليهم فيه إعاقة الأتراك عن تحقيق أهدافهم في نصرة المسلمين، أما الثانية فإن العثمانيين لم يسجل لهم أي احتفاظ بأي مكان من الأماكن التي يحتلونها من البرتغاليين، ولم يحدث مرة واحدة أن سلموا بلدًا لحاكمه بعد طرد البرتغاليين منه، مما يشير بوضوح إلى أن نشاطهم في الخليج ليس أكثر من أعمال قرصنة.

3 - العثمانيون في حلبة الصراع مع البرتغاليين

الأهداف والدوافع

رأينا في ما سبق أن الدولة المتهمة بالتحالف مع البرتغاليين ضد المسلمين هي التي تولت مهمة القضاء عليهم وتخليص المسلمين منهم، بينما رأينا الأخرى الممدوحة بالمبادرة لإنقاذ المسلمين هي وحدها التي قدمت العون والتسهيلات لهم دون سبب أو مبرر، إلا لإحسانهم إليها ببضع سفن يحمون بها البصرة[11] .

بقي أن نعرض مسلك الدولة العثمانية مع أولئك المسلمين الذين هبت لنجدتهم لنرى هل إنها فعلاً هبَّت لمقارعة البرتغاليين غيرة منها على الإسلام ولحماية المسلمين؟

إنَّ قدسية التعصب تأبى على المتعصبين أن يقروا بالحقائق من باب (حبُّك الشيءَ يعمي ويصم)، غير أن الحقيقة تقول إن مبادرة العثمانيين لمواجهة البرتغاليين لم تكن لتتم لو لا التنافس الأوروبي، فمعلوم أن البرتغاليين بعد نجاح فاسكو دي جاما في الوصول إلى الهند سنة 1498م أخذوا في مهاجمتها ابتداء من حملة بدرو الفاريز، ولما فشل في تحقيق أي نصر وعاد منهزمًا عاد السفاح فاسكو دي جامًا إليها ثانية سنة 1502م ليبدأ مسلسل البطش والفتك بدءًا من السواحل الإفريقية وحتى الهند، فهاجم السفن العربية في البحر الأحمر، وتعرض للحجاج فصادر سفنهم، وسبى النساء، وباع الرجال.

فمتى تحرك العثمانيون لمواجهة البرتغاليين، وبأية بواعث ؟

في ما يتصل بتحرك العثمانيين فإن أول حملة وجهوها هي حملة سليمان الخادم من مصر سنة 1537م، أي بعد 31 عامًا من غزو البرتغاليين لسواحل افريقيا والهند المسلمتين، أو بعد 30 عامًا من فتكهم بمسلمي الخليج، أما البواعث فهي معروفة بوضوح، فحين تأكد لحكام البندقية أن البرتغاليين شكلوا خطرًا جديًّا على مصالح البندقية في الشرق، بادروا بتشكيل تحالف مع العثمانيين للوقوف ضد البرتغال، وبجهود مشتركة تكوَّن أول أسطول في مصر سنة 1537م، وأرسل إلى الهند بقيادة سليمان باشا الخادم[12] ، وما يقال من أن الهدف كان إنقاذ المسلمين فسوف نتبين مصداقيته من عدمها من خلال الأعمال الحربية التي قام هذا الأسطول ضد البرتغاليين، وفي ما يلي يتحدث أحد المعاصرين لتلك الأعمال وهو المؤرخ قطب الدين النهروالي (917 – 990 هـ) عن ذلك الأسطول المجاهد في (سبيل الله) لإنقاذ المسلمين والأعمال التي تم تدشينه بالحديث التالي ملخصًا:

أثناء وجود القائد الغظنفر في مصر لإعداد حملة الجهاد التي كلفه بها السلطان سليمان القانوني؛ قام بقتل جانم الحمزاوي وولده يوسف أمير الحاج المصري، وجانم الحمزاوي هذا كان قد أعاد مصر للسلطنة العثمانية بعد تغلبه على أحمد باشا المتمرد على السلطان العثماني، ثم »تملح « – العبارة لقطب الدين النهروالي صاحب الرواية - بصَلب أمير الصعيد داود بن عمر في باب زويلة غدرًا، وأتبع ذلك بقتل عدد من أمراء الصعيد منهم ابن أبي الشوارب، وزُعير. هذا قبل أن يبدأ رحلته الموصوفة برحلة (الجهاد).

بدأ رحلته بالتوجه إلى جدة، فنشر الرعب فيها، وحبس أهلها أنفاسهم حتى غادرها إلى عدن، فقام أميرها عامر بن داود بتزين المدينة استبشارًا بقدوم المنقذ العثماني، لكن القائد استدرجه إلى سفينته فغدره وصلبه ومن في معيته من أعيان عدن القادمين لاستقباله، واستولى على عدن.

توجه إلى الهند تسبقه أخبار (بطولاته) التي اقترفها في مصر وعدن، فكان من الطبيعي أن يقابل بالريبة والحذر، فعمد الهنود إلى تخويفه من البرتغاليين، وكان - كما يصفه النهروالي – (خوَّارًا، خوَّافًا لم يعهد منه شجاعة ولا إقدام، وإنما كان يفتك بمن يقع في يده مأسورًا مربوطًا)، فدب الخوف إلى جنوده فتخلوا عنه، والتحقوا بخانات الهند.

يقول النهروالي معلِّقًا على الحال التي آل إليها جنود سليمان باشا في الهند: (وتفرقت عساكره، وصاروا يخدمون خوانين » خانات؟ « الهند طمعًا في العلوفة » المعاش؟ « فإن واحدًا من أفراد العسكر إذا كانت علوفته عشرة عثامنة » ليرة عثمانية؟ « كل يوم يجعلون له دينارًا ذهبًا كل يوم، فازداد بذلك خوف سليمان باشا، وترك المدافع الكبار لخداوند خان وركب في أغربته وعاد إلى اليمن).

ألقى مراسيه في المخا من اليمن، وأرسل إلى أميره الناخوذة أحمد يستدرجه إلى سفينته، وحذَّر أحمد معاونوه من مغبة الإنخداع بوعود سليمان باشا، لكنه لم يصغ لتحذيراتهم، وحمل إليه الهدايا، وكان بصحبته ولداه، وهما صبيان دون سن المراهقة، وما أن وصل إليه حتى أمر بقتله، وقتل ولديه ومن معه من العبيد. واستولى على اليمن، وعين لها واليًا من قبله.

بعد مغادرته اليمن توجه إلى جدة لأداء مناسك الحج.

ونترك وصف هذا القائد الحاج المجاهد إلى معاصره النهروالي يقص علينا في مقتطفات من مسلك القائد البطل في المشاعر المقدسة، بعد حذف السجع وما ليس له صلة بموضوعنا: (وأظهر سليمان باشا جبروته بمكة، وعمل ديوانًا في مقام الحنفي، ونصب له كرسيًّا وجلس عليه، وكان قاضي مكة - يومئذٍ - مصلح الدين أفندي، المعروف بمصدر مصطفى، وهو أول قضاة الأروام الذين تولوا قضاء بيت الله الحرام، فطلبه إلى ديوانه بمقام الحنفي، وأجلسه تحت الكرسي في الأرض).

لنترك النهروالي يواصل نقله السيناريو الذي دار بين الباشا وبين شخص من الأروام صوفي يقال له موسى، وينبز بقزل آشك، فالذي يهمنا منها أنه أمر بضربه - دون رعاية لحرمة بيت الله - لا لشيء إلا لأنه ينبز بنبز لم يستسغه الباشا، ولنواصل الإستماع إلى النهروالي يتم لنا سيرة البطل: (واستعظم الناس بعض أوضاعه الجبروتية، وطلع إلى عرفات الحج مع سائر الحجاج، وهو في غاية الإعوجاج …. بل يقال إنه دار في أرض عرفة بخيم الناس ومضاربهم، فمهما أعجبه منها كتبه عنده، وكتب اسم صاحبها في دفتر، فلما عاد من الحج أرسل إلى أصحابها لطلبها منهم[13] ).

كل هذه الفظائع يسميها إخواننا المؤرخون المعاصرون جهادًا، ولنجدة المسلمين، وحمايتهم من البرتغاليين، وما ينبغي أن نشير إليه هنا هو أن البرتغاليين عجزوا عن تحقيق أي نصر لهم في اليمن لأسباب معروفة أهمها حصانة المواقع الدفاعية، والجبال، أما العثمانيون فقد استغلوا ثقة اليمنيين بهم، وفرحتهم باستقبالهم ففعلوا ما لم يفعله البرتغاليون.

اليمنيون ليسوا وحدهم من خدع بالعثمانيين، وعلقوا عليهم أمل الخلاص من قبضة البرتغاليين، فقد خدع أهل القطيف أيضًا حينما انتقضوا على الوالي الهرمزي الخاضع للبرتغاليين، وأخرجوه، وسلموا بلدهم إلى العثمانيين، إذ سرعان ما تبين لهم خطأهم، وأدركوا أنهم بلجوئهم إلى الأتراك صاروا كما قال الشاعر:

المستجير بعمر عند كربته

كالمستجير من الرمضاء بالنار

فالبرتغاليون – في تلك الآونة - قد هدأت شرتهم، وتخلوا عن وحشيتهم التي مارسوها عند بدء غزوهم المنطقة، أما الأتراك فبرهنوا على أنهم أكثر شراسة وعنفًا، فقد أرهقوا الناس بالضرائب والعنف والمصادرات، ونسوق فيما يلي شذرًا من ممارساتهم في القطيف والبحرين بعد أن نمهد بسطور نعرف من خلال كيفية دخول العثمانيين في المنطقة.

في سنة 1521م قام البرتغاليون بانتزاع البحرين من الجبريين بعد تغلبهم على مقرن بن زامل الجبري، ثم ألحقوا بها القطيف، وانحصرت إمارة بني جبر في الأحساء، وما لبثت أن انتزعها منهم راشد بن مغامس حاكم البصرة، وعندما استولى السلطان العثماني سليمان القانوني على بغداد سنة 1534م بادر راشد بن مغامس فتنازل عن الحكم، وسلم مفاتيح البصرة إلى السلطان العثماني، فأنعم عليه بولاية البصرة، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الأحساء ولاية عثمانية بحكم خضوع حاكمها للعثمانيين.

في سنة 1539م قام أهالي القطيف بطرد الوالي الهرمزي الخاضع للبرتغاليين، مستنجدين بالأتراك، فألحقت القطيف بولاية الأحساء تحت إمرة (مانع بن راشد بن مغامس الذي كان يحكم الأحساء من قبل الأتراك نيابة عن والده، (اعتبر المؤخون تاريخ طرد القطيف للوالي الهرمزي سنة 1550م، لكن الوثائق البرتغالية تحدد الحادثة بالتاريخ الذي ذكرناه) راجع بحثنا بعنوان؛ شيئ عن الوثائق. العدد الثاني من الواحة.

قريبًا من سنة 1545م عقد مانع النية على احتلال البحرين وضمها للأتراك على ما يبدو، فأغضب ذلك أهالي المنطقة فثاروا عليه، وشارك في الثورة عليه حتى أتباعه وقادته من القطيف والأحساء، وهذه أول بادرة سخط على العثمانيين وولاتهم.

في البداية تمكن مانع من التغلب عليهم ففر كثيرٌ منهم إلى البحرين مع عوائلهم، ومن بين الشخصيات التي نزحت إلى البحرين الشيخ عبد الله بن مسلم من الأحساء، وحسين بن رحال - الظاهر أن آل رحال من القطيف – ثم زحف على القطيف لكنه وجد مقاومة عنيفة فتخلى عنها، وتوجه إلى إلبصرة حيث واجه ذات المقاومة، وطرده الأهالي فعاد إلى الأحساء، وكان قبل ذهابه إلى البصرة قد بنى قلعة في القطيف (لا توجد لدى معلومات واضحة عنها). وهذه الحركة أيضًا أولى محاولات التحرر من العثمانين.

قام الفارون الى البحرين بزعامة ابن مسلم وابن رحال بتمويل أسطول برتغالي بقيادة القبطان البرتغالي برنالدين دوسوزا لانتزاع القطيف من مانع، وتمكن هذا الأسطول من الإستيلاء على القطيف، وعين عليها أميرًا من قبل هرمز اسمه نور الدين بن شرف الدين (هو أبو ركن الدين محمود حاكم البحرين من قبل هرمز وممدوح الشيخ جعفر الخطي)[14] ، وبهذا عادت القطيف - مضطرة –إلى البرتغاليين بعد تجربة مرة عاشتها في ظل العثمانيين، لكن العثمانيين لم يقر لهم قرار حتى استعادوها مرة أخرى.

في حدود سنة 966 هـ حاول الوالي العثماني مصطفى باشا أن ينتقم من آل رحال فقام بمصادرة أموال أحد أثريائهم واسمه جمعة بن رحال من القطيف، فلجأ هذا إلى البحرين ويبدو أنه حظي بتضامن واسع من قبل تجار اللؤلؤ القطيفيين الناقمين على العثمانيين؛ فتبعوه إلى البحرين مع ما يملكون من سفن صيد اللؤلؤ فأدى ذلك إلى أزمة حادة في تجارة اللؤلؤ في القطيف، ولم يكتف مصطفى باشا بذلك، بل وجه حملة عسكرية لاحتلال البحرين باءت بفشل ذريع، ولم ينج من جنوده إلا نفر قليل عادوا إلى القطيف على سفن برتغالية مستأجرة، وبسبب هذا الفشل عزل من منصبه فانتحر[15] .

مرت بعد ذلك عقود من الصراع الدامي بين الأهالي في الأحساء والقطيف وباديتيهما، وبين العثمانيين، حتى بلغت الصدامات ذروتها في سنة 999 هـ حيث استجمع العثمانيون كل قواهم وحشدوا جيشًا لملموه من بغداد والبصرة والموصل وشهرزور، وأسندوا قيادته إلى حاكم البصرة العام، وقد استطاع الأهالي انتزاع الألوية كافة من أيديهم ولم يتمكن الأتراك من السيطرة إلاَّ على القطيف وصفوى، وفي غمرة هذا الصراع تكرر فرار أهالي القطيف وأعيانها للمرة الثالثة، والإلتجاء إلى البحرين وهي تحت السيطرة البرتغالية[16] .

بوسعنا أن نتبين ماهية العلاقة بين الأهالي والعثمانيين من جهة وبينهم وبين البرتغاليين من الجهة الأخرى إذا ما لاحظنا اتجاه الأهالي في هجراتهم الجماعية، فمن الواضح أنهم يلجأون دائما إلى البحرين الواقعة تحت سيطرة البرتغاليين فرارًا من العثمانيين، مما يشير بوضوح إلى اطمئنان الأهالي للبرتغاليين وتفضيلهم على العثمانيين، إذ لم تسجل حادثة واحدة نزح فيها الأهالي من البحرين ولجأوا إلى القطيف إبان السيطرة البرتغالية، ولا أثناء الحكم الصفوي للبحرين، ولم يلحظ مثل تلك الهجرات إلا في فترات لاحقة بعد الإضطرابات التي نشأت عن ضعف الدولة الصفوية، وهي الفترة التي غزا فيها الهولة البحرين وطردوا منها العتوب، وكذلك الفترة التي تعرضت فيها لغزو العمانيين واحتلالهم [17] ، ثم استمر النزوح الجماعي لأهالي البحرين تلقاء القطيف منذ ذلك التاريخ حتى مطلع القرن العشرين بسبب ما يتعرضون له من اضطهاد، حتى لقد اعتبرت هذه الوسيلة من العلامات الأساسية على طبيعة العلاقة بين المواطن وحكومته[18] .

بعد كل هذا ينبغي أن نعطي الدور الآن للعثمانيين ليطلعونا على لسان أكبر شخصية في الدولة العثمانية، وهو السلطان سليمان القانوني، ويتحدث عن أهدافه ونواياه من غزواته في الخليج ضمن أمر أصدره إلى واليه على الأحساء ننقل نصه كاملاً في ما يأتي: (وصلت إلينا رسالة من قاضي الحسا أنه يخبر في رسالته أن في البحرين أكثر من ثلاثمائة قرية، ويكتب أحوال البحرين وسهولة فتحها، ولكنكم ما كتبتم في رسالتكم كيف يمكن فتحها، وفي أي وقت يسهل، وكم عدة يلزم لفتحها. نأمركم أنه حينما وصل (يصل؟) إليكم حكمي تتبَّعوا الأحوال، وادعوا القاضي واسألوا عنه هل هذه الأخبار صحيحة؟ وهل عساكر الجزيرة ضعيفة؟ وكيف يمكن فتحها ؟ هل يجب إرسال العسكر من عندنا؟ إذا وجب؛ في أي وقت أنسب وصولهم إليكم ؟ بكم جندي يتيسر فتحها؟ كيف يجب الإستعداد لفتحها؟ كيف ما هية المسألة؟ ومحصول الجزيرة؟ اكتبوا إلينا أجوبة هذه الأسئلة، وسائر الأحوال المتعلقة للجزيرة[19] ).

هذه حي الحقيقة على لسان ذات الرجل الذي قيل أنه هب لنجدة المسلمين غيرة على بيضة الإسلام، ونحن لا ننكر عليه التفكير في (محصول الجزيرة)، فهو ليس بدعًا بين الحكام والسلاطين، وإنما ما ننكره هو التقول عليه بأمور لم تكن دارت بخلده في يوم من الأيام، وهي كدعوى حماية المسلمين من البرتغاليين.

 للبحث صلة…

[1]  الشعوب الإسلامية . عبد العزيز سليمان نوار . دار النهضة العربية . بيروت . 1411 هـ . ص : 222 – 223 .

[2]  نفسه . ص : 226 .

[3]  العلاقات العراقية الإيرانية خلال خمسة قرون . سعد الأنصاري . دار الهدى . بيروت . ط1 . 1407 هـ 37، والشعوب الإسلامية . مصدر سابق ص: 218 .

[4]  الشعوب الإسلامية . مصدر سابق ص : 228 – 231 .

[5]  دائرة المعارف الإسلامية . أحمد الشنتناوي ، وابراهيم زكي خورشيد ، وعبد الحميد يونس .دار الفكر جـ 15 / 307 .

[6]  نفس المصدر , ص : 307 ، والشعوب الإسلامية ، مرجع سابق . ص : 242 . وأطلس التاريخ الإسلام . د، حسين مؤنس . الزهراء للإعلام ، ط 1 - 1407 هـ ص : 244 .

[7]  الموسوعة البرتغالية ، يوم سقطت هرمز ، مذكرات القائد البحري روي فيريرا اندراردي . ترجمة د. عيسى أمين . مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع . دولة البحرين . 1996 م . ص : 70 .

[8]  الخليج العربي. أرنولد ويلسون . ترجمة عبدالقادر يوسف، منشورات مكتبة الأمل، الكويت، بدون تاريخ، ص : 244، و255، ومخطوطة ديوان الشيخ جعفر الخطي ، المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم 3365 شعر.

[9]  نفسه ص : 269.

[10]  نفسه ص: 266 . ودليل الخليج . ج . ج لوريمر . منشورات الديوان الأميري بدولة قطر . بدون تاريخ . القسم التاريخي . جـ 1/ 55 و 66.

[11]  دليل الخليج . ج. ج. لوريمر . مرجع سابق. جـ 1 / 55 و66.

[12]  الخليج العربي بلدانه وقبائله، س.ب. مايز. ترجمة محمد أمين عبدالله، وزارة التراث القومي والثقافة، عمان. ط4، بدون تاريخ، ص : 167 .

[13]  البرق اليماني الفتح العثماني . قطب الدين النهروالي المكي . بإشراف حمد الجاسر . دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر . الرياض . ط 1 . 1387هـ ، ص : 70 – 92 .وتحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين . الشيخ أحمد بن زين الدين المعبري المليباري . تحقيق محمد سعيد الطريحي . مؤسسة الوفاء . بيروت . ط 1 . 1405 هـ . ص : 164 – 66 . وتاريخ عمان . وندل فيلبس . وزارة التراث القومي والثقافة . سلطنة عمان . ط 3 . 1409 هـ ص : 40 – 45 .

[14]  راجع بحثنا (شيء عن الوثائق ، مجلة الواحة ، العدد الثاني ، ربيع الثاني 1416 هـ .

[15]  مجلة الوثيقة ، مركز الوثائق التاريخية بالديوان الأميري بالبحرين . ع 1 . رمضان 1402 هـ ص: 144 – 148 ، وع 10 حمادى الأولى ، 1407 هـ 120 – 123 .

[16]  بنو خالد وعلاقتهم بنجد . عبد الكريم بن عبدالله المنيف الوهبي . دار ثقيف للنشر والتأليف . الرياض . ط 1 . 1410 ص: 119 - 140 . وديوان الشيخ جعفر الخطي . (مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق , رقم 3365 أدب .

[17]  لؤلؤة البحرين . الشيخ يوسف بن عصفور البحراني . تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم . دار الأضواء . بيروت . ط 2 ض406 هـ . ص: 332 – 443 .

[18]  دليل الخليج . ج، ج ، لوريمر . مرجع سابق . القسم الجغرافي. جـ 1/ 314 .

[19]  مجلة الوثيقة ، ع 1 رمضان 1402 هـ ص: 147 .
مدير التحرير
302166