شاهد أساس بناء مسجد بالقطيف
(القطيف في القرن الثامن الهجري)
محمود بن يوسف سليمان الهاجري * - 23 / 2 / 2011م - 1:45 م - العدد (18)

تمهيد

تزخر القطيف بالعديد من الشواهد التاريخية على عراقتها وصلاتها بجيرانها وتأثيرها القوي على مجريات الأحداث التاريخية، فقد كان ميناء القطيف في القرن السابع والثامن الهجري أحد الأقطاب الرئيسية بالنسبة للموانئ التجارية في الخليج العربي، ويعتبر الثغر الرئيسي لتجارة شرق ووسط الجزيرة العربية، وكانت قبيلة بني عصفور قبيلة من بني عامر هي القوة المسيطرة على شرق الجزيرة العربية من الداخل، أما القوة البحرية على سواحل الخليج العربي فقد كانت في أيدي ممالك جزيرتي قيس وهرمز الواقعة على مدخل الخليج العربي.

يذكر ابن بطوطة أنه في عام 736هـ وفي أعقاب وفاة السلطان الأيلخاني أبي سعيد، استقل حاكم هرمز قطب الدين تهمتن الثاني بالقطيف و أجزاء من السواحل العربية للخليج (قيس والبحرين وقلهات).

ما يهمنا من هذه المقدمة هو العثور على شاهد بناء مسجد من الحجر الجيري في مقبرة (الحباكة) بمدينة القطيف يخص الحاكم الهرمزي قطب الدين تهمتن الثاني.

محتوى الشاهد

أمر بعمارة هذه المسجد المبارك المولى الأعظم العالم

سلطان البر والبحر قطب الدنيا والدين تهمتن بن كردانشاه خلد ملكه

... العظم د...مور المكرم كمال الدولة والدين عبد الرحيم بن إسماعيل (دام معظماً).

الشاهد قياساته 90× 34× 22 سم، نقش في ثلاثة أسطر "بخط النسخ ويماثل نقش كتب بالخط نفسه على كرسي مصحف يعود للقرن الثالث عشر الميلادي بمتحف اسطنبول نصه - عز لمولانا السطان الأعظم ظل الله في العالم مالك رقاب الأمم سيد سلاطين العالم ومولى ملوك العرب والعجم عز الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين - وبمقارنة الخطوط ومحتويات النصين نجد تشابها تاما بينهما، ويلاحظ أن كاتب النقش يجهل العربية الفصحى لاستخدامه اسم الإشارة المؤنث هذه (للمسجد) بدلاً من المذكر هذا(1)، مع ملاحظة أن الجزء الأيمن السفلي مفقود والذي ربما يحوي تاريخ الشاهد أو معلومات أخرى.

التحليل التاريخي للشاهد

من الملاحظ أن هذا الشاهد يمثل فترة من فترات تاريخ الصراع السياسي الاقتصادي في الخليج العربي والتي أغفلها المؤرخون المسلمون في القرن الثامن الهجري، وتتميز هذه الفترة بتسارع الأحداث التاريخية وعدم الاستقرار السياسي، فالشاهد المذكور يحوي شخصيتين رئيسيتين، الأولى قطب الدنيا والدين تهمتن بن كردانشاه والأخرى لكمال الدولة والدين عبد الرحيم بن إسماعيل.

فالشخصية الأولى تعود للحاكم الهرمزي قطب الدين تهمتن وقد ورد اسمه في مخطوطة - الشاهنامة - "قطب الدين تهمتان ابن عز الدين غوردنشاه ابن سلغر وبيبي زينب وحفيد الملوك الأوائل، ويرجع نسب ملوك هرمز إلى محمد ضرغام أحد الأمراء بالجزيرة العربية وهو من نسل ملوك سبا"(2) واسم تهمتن "يعني بالفارسية شجاع - قوي - وتلقب به رستم"(3). وجاء اسم غوردنشاه تحريفاً لاسم كردانشاه الموجود بالشاهد وذلك أثناء الترجمات من الفارسية إلى البرتغالية إلى الإنجليزية ثم إلى العربية.

ويعتبر الحاكم الثامن عشر لمملكة هرمز منذ بداية إنشائها، وكانت بداية حكمه حوالي عام 720هـ لغاية عام 747هـ، وتخلل حكمه استيلاء أخ له يدعى نظام الدين على السلطة ومن ثم عودة قطب الدين للحكم وبدأ بصراع مع ابني أخيه اللذين فرا إلى جزيرة قيس والبحرين، وقد استطاع قطب الدين من إقصائهما عن جزيرة قيس إلا أن ثورتهما لم تخمد نهائياً إلا في عهد ابنه تورانشاه.

ويمكن لنا أن نضع تسلسلاً زمنياً لأبرز الأحداث الواقعة بفترة قطب الدين تهمتن.

- 720 هـ "تولى الحكم بعد أخيه مبرز الدين بهرام شاه"(2).

- 721 هـ "قافلة حج عراقية تعبر البصرة عبر بلاد البحرين بعد اتفاقية المغول والمماليك"(4) وكان الوسيط تاجر الرقيق العربي الأصل مجد الدين إسماعيل بن محمد السلامي (671 - 743هـ) نسبة إلى سلامة بالموصل، واشتغل لحساب السلطان الناصر محمد بن قلاوون لتوثيق العلاقات مع القان أبي سعيد ملك التتار الذي سمح له بشراء المماليك والإقامة في بلاده.

- 729 هـ تصل صدقات العراق من أبى سعيد الأيلخاني إلى مكة ويخطب له بعد الملك الناصر(6).

- 730 هـ "استولى قطب الدين على جزيرة قيس"(2) والتي تعتبر نقطة تحول في مملكة هرمز باستيلائه على الجزيرة والتي كانت بدورها القوة الرئيسية المسيطرة على موانئ البحرين والقطيف، "ومن ثم توجه قطب الدين إلى احتلال - البحرين والقطيف وديراب"(2).

- 730 هـ - 731 هـ استطاع أخوه نظام الدين أن يستولي على الحكم في هرمز ويفر قطب الدين إلى قلهات بساحل عمان.

- "عودة قطب الدين للحكم بعد موت نظام الدين وفرار ابنيه شادي وشنبه إلى قيس والبحرين"(2) - لم يعرف بالتحديد.

- 732هـ يذكر ابن بطوطة وأثناء مروره بهرمز أن قطب الدين تهمتن بن تورانشاه(6) (والصحيح تهمتن بن كردانشاه) موجود على رأس الحكم في هرمز بعد وفاة أخيه نظام الدين المفاجئة ويستعد للحرب ضد ابني أخيه.

كما يذكر ابن فضل الله "أنه التقى في هذا العام كلبي بن ماجد العامري العقيلي وذكر أنه من أمراء البحرين"(4). وهذا يدل على قوة بني عامر وسيطرتها الأمنية على الجزء الداخلي لشرق الجزيرة العربية.

- 736 هـ "يذكر ابن بطوطة أنه وبعد وفاة أبي سعيد الايلخافي تغلب المتغلبون على ملكه ومنهم قطب الدين تهمتن الذي استولى على قيس والبحرين والقطيف…"(6) فمن سياق الكلام يفهم أن قطب الدين كان يحكم تلك المناطق باسم الايلخانين ثم استقل بحكم مملكته بعد وفاة أبى سعيد (736هـ).

- 741 "وفاة الملك الناصر محمد قلاوون".

- 747 هـ توفي قطب الدين تهمتن وتولى بعده الحكم ابنه تورانشاه. (مؤلف الشاهنامة)(2).

إذاً يمكننا القول إنه في عهد الملك قطب الدين تهمتن الثاني أقيمت العلاقات بين المماليك والمغول، وتم له الاستيلاء على جزيرة قيس وانتهاء دورها كقوة رئيسية بحرية في الخليج وبالتالي فإن موانئ البحرين والقطيف أصبحت خاضعة لمملكة هرمز "يذكر أن أول اتفاقية خضعت فيها منطقة البحرين لمملكة قيس كان في عهد الأمير الفضل بن محمد بن أحمد العيوني بعد أن وقع اتفاقية ظالمة عام 606هـ يدفع بموجبها لملك قيس غياث الدين الكثير من عوائد المنطقة"(7) وتذكر الشاهنامة بأن تهمتن "أصبح سيد الشواطئ الخليجية العربية والفارسية وأصبح له دخل مادي كبير"(2). والحق أنه لم تستطع أي من الدول القوية المحيطة بالخليج العربي لفترات طويلة من السيطرة البحرية إذ إن أي منها لم يكن يمتلك أسطولاً قوياً بحجم أساطيل مملكتي قيس وهرمز ساعدها على ذلك موقعها السياسي حتى أتت الأساطيل البرتغالية المجهزة بالمدافع والعتاد وذلك عام 1507م - 613هـ.

أما بالنسبة للشخصية الأخرى في هذا الشاهد فهو كمال الدولة والدين عبد الرحيم بن إسماعيل، فلقب (كمال الدولة) تعني أنه يحتل منصب قيادي، ووجود اسمه في ذيل الشاهد يعني أن بناء المسجد تم برعايته، والاسم لم يخلُ من الألقاب مثل المعظم المكرم وألقاب أخرى لم تتضح قراءتها، ولكن المهم من هو عبد الرحيم بن إسماعيل. في الحقيقة أننا لم نستطع أن نصل إلى نص كامل للاسم المذكور، لكن هناك ثلاث شخصيات قريبة من هذه الأحداث ربما يكون أحدها ضالتنا المنشودة.

1- مجد الدين إسماعيل بن عمد السلامي (671 - 743هـ) تاجر الرقيق العربي، سبق أن تحدثنا عنه، وربما يكون أحد أبنائه قد عين نائباً من قبل الملك الناصر للنظر في شؤون البحرين (بني عصفور حلفاء المماليك) بعد الصلح بينه وبين المغول.

2- الشيخ إسماعيل، ورد في مخطوطة الشاهنامة أن الشيخ إسماعيل عينه ملك قيس كرجل دين في جزيرة قارون (هرمز الجديدة) التي وهبت إلى ملك هرمز بمساعدة الشيخ إسماعيل لذلك حظي بمكانة عظيمة لدى ملوك هرمز وخصص له مصروف سنوي لأبنائه وأحفاده وربما حصل أحدهم على منصب قيادي.

3- (وهو الأرجح) كمال الدين إسماعيل.

ورد في مخطوطة الشاهنامة هذا النص "عندما علم شادي وشنبة ابني نظام الدين ما جرى لجزيرة قيس توجها من البحرين إليها بقصد استرجاعها ولكن في منتصف الطريق هجرهما جنودهما وقادتهما وأشهرهم شمس الدين محمود، وكمال الدين إسماعيل، ونصر الدين مصلح وهم من الزعماء الكبار، وانظموا لأسطول ملك هرمز قطب الدين تهمتن"(2) والذي بلا شكك قدر خدماتهم وخبرتهم القيادية واستطاع أن ينتصر على ابني أخيه وبالتالي فإنه من المحتمل أن يكون قد عينهم تهمتن وزراء أو نواباً له في المدن المحتلة وكان كمال الدين إسماعيل (كمال الدولة والدين عبد الرحيم بن إسماعيل) نائباً أو مشرفاً على القطيف أو منطقة البحرين بأسرها (شرقي الجزيرة العربية)، "يرد أحيانا تدوين الشخصيات التاريخية بأسماء الآباء وذلك لشهرة الأب أو الجد أو قد يكون سقط الاسم - عبد الرحيم - لسبب أو لآخر".

لذلك فمن المرجح أن يكون هو صاحب الاسم الموجود بالشاهد لعدة أسباب أهمها:

- ظهوره في فترة حكم قطب الدين تهمتن.

- وجود اللقب (كمال الدين) وكذلك اسم الاسم (إسماعيل).

- قضى فترة من الزمن في البحرين وربما في شرق الجزيرة العربية كقائد لابني نظام الدين، مستفيداً من ذلك في تكوين علاقات اجتماعية، ومطلعاً على أمور المنطقة وربما كان من أهاليها.

فترة الشاهد

تكاد تكون المصادر والمراجع تتعارض في بعض الأحداث والتواريخ ولكن تشير الدلائل لعام 730هـ لتاريخ هذا الشاهد وهي فترة احتلال قطب الدين تهمتن للقطيف، ثم استولى أخوه نظام الدين على الملك، ربما يكون ذلك في أواخر سنة 730هـ أو بداية سنة 731هـ لما ورد في مخطوطة الشاهنامة "أن قطب الدين فر إلى قلهات بعد ضياع ملكه وبقي فيها لمدة سنة" وقد أغفل المؤلف تاريخ هذه الأحداث، ويذكر ابن بطوطة عام 732هـ عند مروره بهرمز أنها كانت تحت حكم قطب الدين تهمتن، ولكن جزيرة قيس والبحرين كانتا تحت حكم ابني نظام الدين (شادي وشنبة) اللذين فرا إلى الجزيرتين، ومن الطبيعي أن تكون القطيف تحت تصرفهما إذ إن البحرين والقطيف قريبتان ومرتبطتان ببعضهما، وقد حاول تهمتن استرجاع الجزيرتين ونجح في الاستيلاء على جزيرة قيس، وفر شادي إلى البحرين بجوار أخيه شنبة وبقيا بها حتى وفاة عمهما تهمتن عام 747هـ.

من خلال ما تقدم يتضح أن البحرين والقطيف ومنذ حوالي عام 731هـ كانتا تحت حكم نظام الدين ثم من بعده ابنيه (شادي وشنبة) وحتى بداية حكم تورانشاه ابن قطب الدين 747هـ والذي استطاع الاستيلاء على البحرين.

إذاً فالاحتمال كبير جداً بأن تكون سنة 730هـ هي تاريخ الشاهد لأنها السنة الوحيدة التي كانت لقطب الدين تهمتن السيطرة فيها على القطيف، وذلك من خلال ما ورد في مخطوطة الشاهنامة (والتي وردت فيها بعض المعلومات مشوشة على حد قول صاحب الترجمة العربية د. عيسى أمين). وهذا الرأي يتعارض مع ما ذكره ابن بطوطة عند ذكره للمتغلبين على حكم أبي سعيد الايلخافي بعد وفاته عام 736هـ وذكر منهم قطب الدين تهمتن انه استولى على قيس والبحرين والقطيف،6 وهذا يعنى أن قطب الدين كانت له لسيطرة على القطيف في ذلك العام أي 736هـ وحتى وفاته عام 747هـ وهي الفترة المقترحة لتاريخ الشاهد (حسبما ورد عن ابن بطوطة) والتي تتيح لقطب الدين أن ينقش الشاهد باسمه و إغفال اسم أبي سعيد الايلخاني.

لكننا نرى أن أدق تحديد لفترة الشاهد ربما تكون في أواخر حكم الملك قطب الدين وهي فترة التحاق القائد كمال الدولة إسماعيل عند عودته من البحرين بجيش قطب الدين (746 - 747هـ) كون اسميهما مجتمعين بشاهد تأسيس المسجد، وهي الفترة المقترحة لتأريخ الشاهد.

المصادر

(1) ملاحظة الأستاذ/ علي زعل الخمايسة، أستاذ اللغة العربية بكلية المعلمين بالدمام تاريخ الخليج والبحر الأحمر (شاهنامة تورانشاه) ترجمة د. عيسى أمين.

(2) المعجم العربي الفارسي.

(3) إمارة العصفوريين، د. عبد اللطيف الحميدان.

(4) المماليك - د. السيد الباز العريني.

(5) تحفة النظار، ابن بطوطة مجلة الوثيقة العدد 2 - 4.

(6) تاريخ هجر، الأستاذ / عبد الرحمن الملا.

كاتب - متحف الدمام الإقليمي - السعودية
302166