من ذكريات.. أدِيب الأديب الشاعر: محمد سعيد الخنيزي
شاعر الوجدان والوطن
عقيل بن ناجي المسكين * - 24 / 2 / 2011م - 2:15 ص - العدد (18)

في البدء نرحب بأديبنا الكبير والشاعر المعروف محمد سعيد الخنيزي ويسرنا أن نستضيفه عبر حلقات (من ذكريات أديب) على صفحات "الواحة".

باعتبارك من أسرة علمية عريقة، كيف تصف لنا هذا الجو العلمي الذي رُبِّيتَ ونشأت فيه ونَمَوتَ أديباً وشاعراً من خلاله؟

مرحباً بالأستاذ عقيل.. وأنا أرحب بكل حوار يدور بيني وبين أهل الفكر.. الجو الذي رُبّيتُ فيه كان جواً مثالياً لا يقيم للمادة وزناً، فأبي الإمام الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي رباني على حب الإسلام والمبادئ المثلى والخلق الرفيع، كان دائماً يتعهدني بالأسئلة عن الدين وعن المعارف المحمدية وعن كل ما يمت للدين، ويعلمني الأخلاق الفضلى.

كيف كانت صحبتك للكتاب منذ صغرك؟ ومن أين كنتم تقتنون الكتب وقتئذ؟ هل كانت هناك مكتبات في القطيف؟ وماذا عن مكتبات العلماء وبالخصوص مكتبة والدكم؟

صحبتي للكتاب كانت منذ الصغر كما ذكرت لك، حيث إن أبي غرس في روحي حب العلم وحب الفكر وحب الكتاب، وكنت أعشق الكتاب والحرف، وكان يقرأ لي الأخ الشيخ عبد اللَّه، حيث نعكف على الكتاب ليلاً حتى نملّ وتكلّ الذُّبالة التي في السراج فتنعس أو ننعس نحن فنذهب إلى النوم، وقد صورت هذا في كتابي "خيوط من الشمس"، أما كيف نقتني الكتب فكنا نبتاعها عن طريق مكتبات البحرين، حيث لا توجد مكتبة في المنطقة الشرقية للبيع أو للتجارة، أما مكتبات العلماء فحسب معرفتي كانت أكبر مكتبة في عصرها هي مكتبة الوالد حيث تجمع بين القديم والحديث، وهناك مكتبة أخرى هي مكتبة الأستاذ الشيخ ميرزا حسين البريكي، وتأتي بعدهما مكتبة الشيخ فرج العمران.

الدور الديني الذي قام به والدكم هل كان يصاحب هذا الدور نشاط أدبي أثرَّ في تكوين شخصية الشاعر لديكم؟

الوالد رحمه الله و قدس الله سره، لم تقتصر حركته الفكرية على ناحية من نواحي الفكر فهو غارس الحركة العلمية والأدبية جنباً إلى جنب، فكان يرشد الطلاب أو من يستقي من جداوله الفكرية ويزودهم بالطاقات العلمية والأدبية والتاريخية إلى غير ذلك من الفكر، فلم تقتصر حركته على ناحية من نواحي الفكر..

وما هو مستوى المشهد الأدبي والشعري خصوصاً في منطقة القطيف وتوابعها أيام ازدهار الحركة العلمية والأدبية فيها؟

هناك حركتان، الحركة القديمة أو التي نعبر عنها بالكلاسيكية كانت تستقي من سماء الشعراء القدامى ومن شعراء النجف الأشرف، وهؤلاء الطبقة القديمة، أما الحركة الرومانسية التي انبعثت وحددت تاريخها فكان الباعث لها هو الباعث للحركة العلمية وهو الإمام الخنيزي، فهي تختلف اختلافاً جذرياً عن الحركة القديمة، فإن هذه الحركة نبعت أو استقت من الشعراء اللبنانيين أو بالأحرى من شعراء المهجر، فهي ذات طابع غير الطابع القديم، ثم عندما يكون الشاعر يبني شخصيته ويستقل يكون له طابع غير الطابع الذي سار فيه في مبدأ حياته الفكرية..

نريد تحديداً للحركة الأدبية في تلك الفترة.. كيف كان مستواها؟

في الحقبة التي ُنشأت فيها الحركة الرومانسية والحركة الأدبية كانت في مبدأ فجرها لم تكن الشعراء تخرج عن محيط دائرة القطيف أيام الوالد الشيخ علي أبو الحسن، إنما انطلقت من قمقمها بعد الأربعينيات في الخمسة والأربعين أو السبعة والأربعين، فسارت إلى الصحف الكبرى كالكتاب المصرية والعرفان والألواح والأديب والمنهج اللبنانيات، وفي طليعة الشعراء العلامة الشيخ عبد الحميد الخطي، وفضيلة الأخ الشيخ عبد الله الشيخ على الخنيزي، ومحدثك، والأستاذ محمد سعيد المسلم رحمه الله، وعبد الله الجشي، هؤلاء من الرواد الذين لمعت أسماؤهم نجوماً في كبريات الصحف..

كما قلت إن البعض من الجيل الرائد في القطيف انتهج الأسلوب النجفي في القصيدة والبعض انتهج الأسلوب المهجري لشعراء مصر ولبنان، فكل له مدرسة ينتمي إليها.. كيف توضح لنا معالم هذه الانطلاقة لتشكيل خارطة القصيدة القطيفية منذ انطلاقة الجيل الرائد حتى العصر الحاضر؟.. وهل شكّلت القصيدة القطيفية خصوصيات معينة بحيث يصح أن نطلق عليها " قصيدة قطيفية "؟..

هناك - كما قلت - مدرستان؛ مدرسة تستوحي من سماء النجف الأشرف؛ ومدرسة تستوحي من الأدب المهاجر أو من الأدب اللبناني أو الرومانتيكية الحديثة، فالذين سكنوا النجف الأشرف أصبحوا يمارسون أفكارهم وألوان أشعارهم من السماء النجفية ما عدا فضيلة العلامة الخطي فإنه سبق قبل أن يسافر إلى العراق كان يمارس الشعر المتلوّن، وعند نضوجه لم يقلد الشعراء العراقيين رغم جلوسه بين ظهرانيهم، وخذ مثلاً عبد الله الجشي فهو في مطلع نظمه كان يقلد الجواهري؛ وأمثاله من الشعراء وعندما عاد مع أبيه العلامة الجشي إلى القطيف تحوّل مساره إلى الحداثة الرومانتيكية؛ ولا أقصد بالحداثة التفعيلة إنما أقصد بالحداثة الرومانتيكية، ونهج على نهج الأسلوب الذي سارت عليه شعراء مدرسة القطيف، وألغى أو هجر أسلوبه القديم، وفي وسعك أن تقرأ ما نشره من الشعر في النجف وما نشره هنا، وهو يعد من الرواد، أما بقية الشعراء الذين عاشوا في القطيف فأكثرهم لم يتأثروا بشعر العراق وإنما تأثروا في مطلع حياتهم الأدبية بالشعر المهجري والشعر اللبناني وشعراء مدرسة أبولو ما عدا الأستاذ محمد سعيد الجشي فكان له دور في مبدأ شعره متأثراً بشعر أمير الشعراء أحمد شوقي.

وأما سؤالك الأخير هل للقصيدة كقصيدة مستقلة بخارطتها الفكرية.. هل يطلق عليها - أو يميزها - " الشعر القطيفي ".. ليس للفكر حدود حتى نقول إن هذا شعر قطيفي أو عراقي أو سوري أو لبناني، إنما في رأيي أن الشاعر عندما يبني نفسه ويستقل عن مبدأ أيامه الأولى فيكوّن طابعاً خاصاً يميزه وأسلوب خاص يعرّفه بين الشعراء، وهذا هو الشاعر الذي يتفاعل مع التجارب النفسية والتفاعلات الروحية.

وماذا عن النشر.. سابقاً كان الرواد الأوائل من القطيف ينشرون في أمهات الصحف والمجلات العربية، حبّذا لو أعطيتمونا لمحة عن هذا البُعد من تاريخ هؤلاء الشعراء؟..

سبق أن أوضحت لك أنه بعد السابعة والستين هجرية أي قرابة سبعة وأربعين أو ثمانية وأربعين ميلادية أنطلق الفكر القطيفي من قمقمه ليسير مع ضوء الفجر أو أنوار الشمس على أمهات الصحف الكبرى وهنا نشرت ثلة من شعراء القطيف في طليعتهم محدثك والعلامة الخطي وفضيلة الشيخ عبدالله ومحمد سعيد المسلم وعبدالله الجشي ومحمد سعيد الجشي.. كانوا هؤلاء هم الروَّاد وهم أول من فتح باب النشر إلى النشء فكانت هذه الثلة هي التي تنشر في ذلك الوقت.

وفي أي الصحف كانوا ينشرون نتاجهم الأدبي؟..

" الكتاب " المصرية للأُستاذ عادل الغضبان؛ نشرتُ فيها أنا ونشر المسلم والشيخ عبدالله، " العرفان " كانت ترحب بالفكر القطيفي عامة؛ فنشر على صفحاتها محدثك والعلامة الخطي والعلامة الشيخ عبدالله الخنيزي والأستاذان الجشي والمسلم، كما اختصت مجلة الأديب بالنشر لي وللعلامة الخطي والشيخ عبدالله وعبدالله الجشي ومحمد سعيد المسلم ومحمد سعيد الجشي، أما" الألواح " و " والنهج " فنشر فيها محدثك وقليل من الرواد، كما نشرت في مجلة " الرائد " الكويتية، ومجلة " الهاتف " النجفية لجعفر الخليلي، وفي الصحف المحلية التي كانت تصدر حينذاك كـ " أخبار الظهران " و " اقرأ " وغيرها من الصحف، وكذلك مجلة " المنهل " حيث أجرت معنا مقابلة.

متى صدر لكم أول ديوان وما هو؟ وفي أي مضامين شعرية جمعت صفحاته، وماذا عن بقية الدواوين الأخرى التي طبعت بعد ذلك؟

أول مجموعة شعرية أصدرتها هي ديوان " النغم الجريح " وقد طبع عام 61م نشرته دار الحياة في بيروت، وكان لهذا الديوان صدىً أدبي حيث كتب عنه الكثيرون من المفكرين، وهذا الديوان يمثل فترة من حياتي البائسة، لأنني كنت بعد رحيل والدي عشتُ بصفتي طالب علم، وطالب العلم الديني ليس لديه مادة تقوم حياته أو ترفده بأي رافد مادي فعانيت من الثالوث غير المقدس " الفقر وعيني وفقد أبي " فانصب هذا الألم شعراً في ألحانٍ باكية، فهو يمثل الفترة وهو صادق في معاناته وينطبق على الحياة الجريحة، ما عدا بعض القصائد القصصية كقصيدة " المعبود الثاني " أو بعض القصائد الغزلية التي شدّت عن إطار هذا الديوان، والإنسان قد يبستم ولولا ذلك لمات كمداً.

ثم أصدرت ديواناً ثانياً عنوانه (شيء اسمه الحب) منشورات دار الأنجلو المصرية بالقاهرة، وهذا الديوان يصور ويجسد المرأة في حياتها الروحية أكثر ما يصورها في حياتها المادية، فكان له دور وصدىً كبير، وقد خصه بالدراسة الدكاترة ومنهم الدكتور بدوي الجبل في كتابه (أعلام الشعراء السعوديين)، والديوان الثالث (شمس بلا أفق) ويتضمن قصائد وطنية وقصصية وألوان من الشعر مختلف، والديوان الرابع (مدينة الدراري) ويضم بين دفتيه قصائد من الألم وقصصاً وقصائد عن القلعة وعن القطيف وعن نخيلها وبساتينها وعيونها وجداولها، والديوان الخامس فهو (كانوا على الدرب) وفيه ألوان أخرى من الشعر، كالقصائد التي تصور النخلة وأيامها وازدهارها في القطيف بمدنها وقراها من صفوى إلى سيهات، وكيف كانت تعيش بعرائس النخل وأشجارها وبساتينها، وفيه لون أخر.. قصيدة عن الفتاة الأمريكية التي ضحت بأولادها في سبيل عشيقها، وفيه قصائد أخرى تمثل حياتي وتمثل أفكاراً في ذلك الوقت، كما فاتني أن أذكر لك أن في ديوان (مدينة الدراري) قصيدة تتحدث عن القنبلة الذرية ولو - لا سمح الله - انطلقت من أهوج لعشنا شتاءً ذرياً ولقتلنا ذلك الشتاء.

رأى النور مؤخراً أحد كتبكم المخطوطة وهو (خيوط من الشمس) وهو أحد نتاجاتكم الأدبية والفكرية المخطوطة لديكم.. متى ستطبع بقية كتبكم المخطوطة من شعر ونثر؟..

(خيوط من الشمس) هو كتاب يعالج السيرة الذاتية ولكنه لا يقتصر عليها بل تمتد قنواته إلى حياة القطيف من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، إن صح هذا التحديد الضيق وإلا فإن القطيف تمتد من الظهران إلى رأس تنورة، حسب التاريخ الذي بين يدينا ويحدد جغرافيتها التاريخية، كما قال ابن المقرب:

والخط من صفوى حازوها فما

أبقوا بها شبراً إلى الظهران

إلى غير ذلك من الكتب التي تتحدث وتحدد القطيف، وقد سمعت من الحاج مبارك أبو السعود أن لديه وثيقة تصور محاكمة حضرها اثنان من أهالي القطيف في محكمة الظهران، والقاضي كتب (القاضي بمدينة الظهران التابع للقطيف) ولكنه لم يسلمها إليّ ويا للأسف، وتمنيت أنه سلمها إليّ لأضعها كوثيقة في كتاب (خيوط من الشمس)، وقد طلبتها من ورثته بعد وفاته ولكنني لم أحصل عليها.

وأما بقية الأعمال الأدبية المخطوطة فهناك ديوانان (تهاويل عبقر) وهو كتاب يتحدث عن التفاعلات النفسية والتجارب والمعاناة، وكتاب ثان يتحدث عن أهل البيت وهو (أجراس حزينة) وكتاب نثري أنجزت منه ثلاثة مجلدات يتحدث عن الشعر ودوره في الحياة ويمثل المجلد الأول العصر الجاهلي ثم عصر النور وهو عصر الإسلام ثم العصر الأموي ثم العباسي ثم انتكاسة الفكر، والمجلد الثاني يمثل الشعراء المحدثين في القرن العشرين، والمجلد الثالث يتحدث عن الشعراء السعوديين مطلقاً وحتى الآن لم يكتمل ولعله يبلغ إلى ستة مجلدات أو سبعة مجلدات.

ماذا عن مستوى القصيدة القطيفية في عصرها الحاضر عموماً، وهل ترى في الساحة الأدبية في المنطقة توجهات ومدارس لا زالت موجودة ولا زالت آثارها موجودة إلى الآن؟..

القصيدة في منطقة القطيف لا تزال موجودة ولا تزال تنطلق بين الفينة والفينة من سماء الشعراء أما أن تحدد قيمة القصيدة بصورة عامة هذا لا يمكن لأن الموازنة لا تتم بين شاعر وشاعر إلا في موضوع واحد وفي روي واحد وفي صورة واحدة.. مثلاً الشاعر وصف قصر الحمراء وجاء شاعر آخر ووصف هذا القصر أو وصف متحف ثم جاء شاعر آخر ووصف هذا المتحف وإن اختلف الروي واختلف الوزن.. هنا نستطيع الموازنة بينهما، وقد قمت بوصف حمام أبو لوزة وهو أحد آثار القطيف حيث كتبت عنه وصفاً نثرياً ووصفاً شعرياً فهنا هل يصح أن نوازن بين الشعر والنثر؟!! لا يجوز ذلك، ولكن لو جاءت قصيدة أخرى في وصف هذا الحمام هنا يصح أن نضع موازنة بين قصيدتين، فالقصيدة التي انطلقت من الرومانتيكيين كان لها دورٌ مؤثر في الحياة.. إن بعض شعرائنا اليوم الذين سلكوا التفعيلة لا أنكر أن هناك شعراء جوّدوا فيها كنزار قباني، أما بعض الشعراء الذين عجزوا أن ينطلقوا في سماء الوزن والقافية ولهثوا حتى لم يصلوا إلى الساحل فعادوا أدراجهم إلى التفعيلة فأخذوا يكتبون شعراً هزيلاً وليس شعراً حقيقياً، ولا أنكر على الشعراء سيرهم على هذا الطريق ولكن يشترط أن يكون سيرهم بأجنحة تنطلق بهم وأن يستطيعوا مقاومة الجو الذي يسبحون فيه، ويحتاجون إلى أُكسجين حتى لا يختنقوا، أما الطبقة التي سبقت الشعراء الرومانتيكيين وكان هذا البحث عنها يجب أن يكون قبل هذه الأحرف، فهي طبقة كانت تعيش على مدرسة التقليد كالعلامة الشيخ علي الجشي، والشيخ فرج العمران، وأحمد الكوفي، وأبو ذيب والشيخ حسن التاروتي وأمثال هذه الطبقة وخالد الفرج، فهم كانوا شعراء يعيشون على المدرسة التقليدية وبعضهم يعيش على مدرسة الشعر الجاهلي كأحمد بن مهدي بن نصر الله، وتقوقعت هذه الطبقة بين جدران أربعة لم يطبعوا لهم آثاراً ولم ينشروا لهم في الصحف، أما الطبقة الرومانسية فانطلقت كالمارد وحطّمت جدران الحواجز وسارت إلى أمهات الصحف وطبعت آثارها ونشرت أقوالها وهي تعيش مع دورة الحياة.

?الرحلات والأسفار لا شك أنها تعتبر رافداً من روافد الاستفادة والإفادة بالنسبة للأديب والشاعر والعالم ما أثر رحلاتك وأسفارك على تكوين شخصيتك الإبداعية والعطاء الشعري لديك؟

إن رحلاتي التي كانت للبلاد العربية أو للعتبات المقدسة لم تزدني ثقافة أو تجربة في حياتي، إنما هناك رحلات أعطتني أو أوحت لي مناظرها الطبيعية أفكاراً شعرية ضمنتها في قصائدي، فخذ مثلاً: مررت بنيسابور وهي مسقط رأس عمر الخيَّام فأوحت لي قصيدة كانت تمثل حياة الخيام ولهوه وعبثه، وقصيدة أخرى حيث أوحت لي شلالات إيران ومناظرها قصيدة تمثل حياة إيران وهي مطبوعة في مدينة الدراري، وقصيدة أخرى في رحلتي إلى مصر حيث أوحت لي متاحفها ولا سيما المتحف الذي يعرض الموميات الفرعونية قصيدة تمثل ذلك الجو، وفي قصائد أخرى أوحت لي بعض المناظر سواء كانت في القطيف أو في خارج القطيف.

وماذا عن سفراتك إلى العراق هل أوحت لك بشيء؟

العراق لم توحِ لي مناظرها بشيء لأنني لا أشاهد إلا صحراء.

في تلك السنوات بالطبع.

نعم..

?في إطار التجربة أيضاً لوحظ أنك توظف القصة في بعض أشعارك مثل قصيدة مأساة إنسانية، وغيرها. فلماذا لا تكثر من هذا اللون الأدبي لإبراز جانب الشعر القصصي والمسرحي في القطيف أسوة بازدهار هذا اللون الأدبي في عدة أقطار عربية. مصر ولبنان وسوريا والعراق؟

أنا لا أقصد الشعر بل أتركه حراً عندما تأتي التجربة أو المعاناة، فالقصة في شعري لم آت بها عن قصد، فهناك قصيدة طويلة اسمها "المعبود الثاني" تتكون من مئة وعشرة أبيات وهي تصور حياة فتاة وفتى تحابا ولكن الدهر لم يسمح لهما بالاتصال فماتت العروس على جلوة العرس ورثاها الشاعر وشيعها إلى قبرها. وهناك قصيدة أخرى كما أشرت إليها في سؤالك وكتبت عنها. "مأساة إنسانية" هذه لعلها لها ظل من تجربة الواقع فهي جاءت عن معاناة ومشاهدات.. وهناك قصص أخرى كقصة تصور الزواج في القطيف ومشاهده اسمها "ليلة العمر" لعلها في ديوان "النغم الجريح" وقصص أخرى إنما هذه القصص التي جاءت لم أكن لأقصدها أو لأتقصد أن أكتب قصة وإنما تأتي تفاعلات مع هذه التجارب أو مع المعاناة النفسية لذلك لم تأتني خاطرة أو تجربة أو معاناة نفسية لأوظفها في قصيدة مسرحية حتى الآن.

في نفس إطار الشعر أو اتجاهات الشعر لديك تحدث البعض من النقاد أنك تنحو بشعرك إلى خصوصية القطيف والاعتزاز بالعائلة وتاريخ الأسرة.. فما هو ردّك على هؤلاء؟.

 
شعري ليس فيه اعتزاز بالطائفة أو بطائفة خاصة، أو بطائفة من الطوائف. إنما اعتزازي بالبلد كالقطيف بشكل عام قد توجد في بعض القصائد؛ وبين يديك الدواوين الأربعة تستطيع أن ترجع إليها لترى ما أقوله صحيحاً، ولم أكن يوماً ما أعتز ببلد دون أخرى وإنما أعتبر القطيف ككل هي وطني وهي عزي وشرفي.

ربما الرؤية قاصرة لديهم حيث إن المرء لا يلام في حب وطنه وأرضه وقومه. وكذلك الشعراء الآخرون من الطرف الآخر أيضاً يكتبون عن قومهم وأهلهم وعن اتجاههم الفكري والعقائدي.

 
هذا صحيح.. فلا يلام المرء إذا فخر بأهله أو ببلاده ولكنني لم أفخر بقومي إنما هناك قصائد رثيت بها والدي وحسب ما قلت لك إن التجربة المرة التي مررت بها وأشرت لها بالثالوث غير المقدس فكانت تنبع من حياة باكية فأصورها في هذا الشعر، وأتنفس في هذا الجو لأرتاح وألقي عن ظهري أو عن روحي عبئاً ثقيلاً.

نعم، لذلك كتب عنك أن أغلب شعرك فيه الطابع الوجداني والحزن واستنطاق الذات والبوح بهمومها. هل لهذا المنحى منطلق واقعي في حياتك الشخصية؟

سبق لي أن صورت لك التجربة المرة التي مررت بها عن العين والفقر وفقد الأب. فإذن لابد أن يكون هذا الشعر متفاعلاً مع الحياة فإذا كان متفاعلاً مع الحياة يكون وجدانياً.

كثر الحديث في العقود الأخيرة عن الحداثة في الفكر والثقافة والأدب.. ما انطباعك العام عن حداثة الأدب ولغته الجديدة التي بدأت تتغلغل في الأوساط الأدبية في الجزيرة العربية والمنطقة والخليج والوطن العربي بشكل عام؟

سأجيبك هنا باختصار.. وأنا سبق أن كتبت عن الحداثة والرمزية ونشر هذا المقال في " الواحة " وفي جريدة " اليوم " السعودية، وهو يصور رأيي بوضوح ولكنني هنا أجمل لك القول فالحداثة ليست بمانعة في الشعر والرمزية سبقنا بها ابن الفارض والشعراء القدامى ولكن الإيغال في الرمزية بحيث إنني لا أفهم ما يقول هذا الشاعر الرمزي هذا ليس برمز لأنني أكتب القصيدة أو تجربتي ليستفيد منها المستمعون أو القراء أو أكتب لنفسي. فإن كنت أكتب لنفسي فلا حاجة لأن أكتب الشعر بل يكفي أن أتحدث بيني وبين نفسي، وإن كنت أريد أن أُعبر عما يجول في نفسي من تجارب لأطرحها أطروحة واقعية أو تجربة نفسية للقراء فلابد أن أقترب من نفسيتي إلى إشارات ضوئية تكشف ما وراء الألفاظ. أما الحداثة فالإيغال فيها بحيث نسفّ وننحدر إلى منحدرات واطئة فهذه ليست بحداثة أما إذا حلقنا في أجواء تعبيرية ولغة شاعرية رفيعة فهذه هي الحداثة المنشودة..

وفي إطار النقد أيضاً بحكم متابعتك للحركة الأدبية والشعرية لأوساط الشباب في المنطقة كيف تقيم مستوى جل أو بعض هؤلاء الذين يعرضون عليك قصائدهم وهل ترى لهم مستقبلاً في عالم الشعر؟

 
طبعاً الشباب يختلفون في ذكائهم وفي ثقافتهم وفي حياتهم الأدبية والفكرية فمنهم من يرجى له مستقبل كبير إذا واصل في الشعر أو النثر ومنهم من يعجز أو ينشغل بأشغال مادية ويترك الممارسة والممارسة هي جناح الطيران فإذا لم يمارس هيضت جناحاه فإذا هيضت جناحاه مات وإذا مات فليقبر.

كثرت المدارس النقدية الحديثة؛ وكثير من النقاد ينظرون إلى القصيدة بمنظارهم الذاتي؛ وباجتهاداتهم الشخصية؛ فتماهت العملية النقدية وضاعت - كما يقول البعض -.. ما رأيك في الحركة النقدية المحتدمة على الساحة في الوقت الراهن؟

الحركة النقدية في العصر الحديث - أي عصر القرن العشرين - تختلف اختلافاً كثيراً عن الحركة النقدية في العصر القديم، في العصر القديم كانوا يرون عدم وحدة القصيدة وإن كل بيت يعتبرونه إذا لم يكن مرتبطاً بالأبيات الأخرى التي قبله أو بعده يكون بيتاً بليغاً، والموازين تختلف اختلافاً كبيراً، أما اليوم فالموازين تعتبر وحدة القصيدة شرطاً من شروط الشعر الجيد، والوحدة أن تتحد القصيدة في صورتها وفي معانيها وتتسلسل كما يتسلسل النهر؛ ولا أنكر - قد توجد قصائد في العصر القديم أو العصر الجاهلي أو العصر العباسي فيها وحدة ولكن هذه الوحدة لم يقصدها شاعرها بل جاءت عفوية، أما النقاد اليوم فلهم عدة آراء تختلف اختلافاً كبيراً، ونشترط أن يكون الناقد يعرف الشعر ويقيمهُ ويعرف مراميه ويعرف البلاغة ونكتها وما جاء فيها من أسرار حتى يستطيع أن يميّز ما ينقده ويفرق بين الجوهر والفحم، أما إذا كان الناقد لا يميّز وليس لديه الموازين الحسية والذوقية فلا يستطيع أن ينقد وإن نقد فيكون نقده هباءً منثورا أو لا يسمع لهذا النقد، ويشترط في الناقد أن يكون ذا ضمير حر لا تتغلب عليه العاطفة ولا الميول ولا يتغلب عليه الحسد أو الحقد أو البغض، فهنا يصح أن يكون النقد، ويعجبني من نقد اليوم أو في مطلع القرن العشرين الدكتور زكي مبارك، فإن هذا الدكتور لا يتعصب لأي شخص من الأشخاص، وخذ مثلاً.. كان بينه وبين أحمد شوقي عداوة وعندما جاء لينقده أنصفه إنصافاً تاماً خلاف ما قام به الأستاذ العقاد والأستاذ مصطفى الرافعي فإن هناك بينهما وبين احمد شوقي ضغوناً جرتهما إلى نقد غير نزيه حتى خرج العقاد بكلمات بذيئة فقال: أصلح الله أنفه - يعني شوقياً - فهل هذا من النقد الأدبي !! إذن لا بد أن يكون الناقد نزيهاً حاملاً للموازين النقدية من الذوق والمعرفة ومن معرفة الأسرار البلاغية والنكت البلاغية ومعرفة الكلمات الشعرية، لأن بعض الكلمات تخلق لنا جواً شعرياً في هذا البيت وفي بيت آخر تهدم أو تعكر هذا الجو، فلا بدّ من معرفةٍ واسعة للناقد حتى يحمل إزميله ويصور وينحت بواسطته..

لا زلنا في مضمار النقد.. بحكم رؤيتك وخبرتك في عالم الشعر كيف تنصح الشباب لتطوير إبداعاتهم والتقدم في عالم الشعر؟

الشعر كما قال الشاعر العربي:

الشعر صعبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ

إذا ارتقى فيه الذي لا يفهمًه

زلَّت به إلى الحضيضِ قدمُهْ

يريدُ أن يعربهُ فيعجمُه

الشعر موهبة فطرية في النفس، فإذا وجدت هذه الموهبة على الشاب الذي تكونت هذه الموهبة في روحه ونفسه تنميتها بالقراءة وبالمطالعة وبالتجربة وأكبر أستاذ عندي هو الطبيعة.. الطبيعة أكبر أستاذ في الحياة، ولا يمنع أن يضيف إلى هذا الأستاذ الكبير أساتيذ أخر كالكتاب لأن الكتاب هو أحسن جليس وخير أنيس، فالثقافة عندما تكون مع الموهبة ينمو الشاعر ويورق كما يورق الشجر أو كما يورق الغصن فينمو ويزدهر حتى يكون كالسنديانة تطاول بعنقها السماء..

وهل كتبت في مجال النقد الأدبي؟

نعم.. عندي كتاب مقصور على النقد الأدبي وأسميته " أضواء من النقد في الأدب العربي" وأكثره يتحدث عن كتب أدبية وعلمية " ولعلي في نقدي شططتُ أو كنت منصفاً لا أدري إنني أترك ذلك للقراء والنقاد لأنني لا أستطيع أن أحكم لنفسي بنفسي..

وهل لا يزال هذا الكتاب مخطوطاً؟

نعم لا يزال الكتاب مخطوطاً أرجو من الله أن يكسر القمقم وأن يظهر إلى ضوء الشمس..

كيف كانت مشاركاتك الاجتماعية بما يختص وتخصصك الأدبي كالاحتفالات وجلسات الأدب والمسامرة الأدبية مع العلماء والأدباء والشعراء؟

مشاركاتي في المناسبات قليلة جداً لأنني لم أكن شاعر مناسبات.. أما الندوات الأدبية فطالما اشتركت فيها وسهرت فيها، كما اشتركت في مهرجانات عالمية كمهرجان الشعر الخليجي الذي أقيم في العام الثامن بعد الأربعمائة والألف في الرياض، فاشتركت فيه بقصيدة مطبوعة في " مدينة الدراري " تمثل معالم مدينة الرياض وتتحدث عن الشاعر امرئ القيس، واشتركت في بعض المناسبات الدينية والمناسبات الاسلامية ولكن على ندرة لأن الشعر لا يستطيع أن يستجيب لي عندما أطلب منه إنما يهبط عليّ كما يهطل الطلّ على ثغر الزهر عندما تأتي التجربة أو المعاناة..

وهل كان لك ارتباط وتواصل مع المثقفين والأدباء في المملكة من مختلف مناطقها؟

هناك بعض الارتباطات مثل بعض الأدباء في الرياض أو في الحجاز واجتمعت بهم بالصدفة أو بدون صدفة وتحدثنا معهم ولا سيما في مهرجان الشعر الخليجي كان فندقه يضم صالات فكرية إلى آخر الليل وكان الحديث يدور عن الشعر والأدب والتاريخ وقِدم الآثار في الرياض وأيام امرئ القيس وأيام الشعر الجاهلي، وكانت هذه الندوات مشتركة بين شعراء سعوديين ومصريين ولبنانيين ومن الخليج بالطبع.. واشتركت في حفلات هنا في القطيف - عامة - وإذا قلت القطيف لا أقصد بها مدينة دون أخرى لأنني لم أكن إقليمياً..

ومجلسكم هل لا زالت تقام فيه الندوات أو مسامرات الأدباء والشعراء على شاكلة الصالونات الأدبية المشهورة؟

نعم.. منذ أن توفي والدي حتى الآن حينما كنت في القلعة وبعد أن خرجت من القعلة إلى البستان إلى حي الحسين.. الصالون الأدبي لم يفارق الأمسيات.. فالأمسيات حافلة بالحياة الأدبية والمسامرة الفكرية حتى يومنا هذا وكان قبلاً أوسع لأن الناس كانوا متفرغين ولم تشغلهم الحياة المادية ولم ينغمسوا في همومها فكنت أطلقت على هذه الندوات "النادي السيّار" وقد وصفته في "خيوط من الشمس" بعد أن انتهى دور "النادي السيّار" وكان هذا النادي له دور كبير في الثمرة التي قطفت اليوم.. أو التي خرجت منها الآثار التي طبعت وانتشرت على أفق الأدب..

عضو هيئة التحرير
304695