الحِكمِيَّةُ في منظار شعري
قراءة أولية في رباعيات القرن العشرين
محمد السيد محسن - 24 / 2 / 2011م - 2:23 ص - العدد (18)

لقد توج نزول القرآن الكريم بلسان عربي فصيح، فصاحة العرب، وأثبت جدارتهم بلاغياً، وأعلن عن عدم مباراتهم في هذا المجال، ومع هذا فقد وقف القرآن الكريم متحدياً هذه الفصاحة الكاملة، وتلك البلاغة الكبيرة، وقد كان أفصحَ من في العرب بعد القرآن الكريم الذي جاء بلغتهم هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يروي الثعالبي في مجالسه عن ابن عرابي الذي يتحدث عن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان جالساً مع الصحابة فسألوه عن سحابة فأجابهم، فقالوا: يا رسول الله ما أفصحك، ما رأينا الذي هو أفصح منك!! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): وما يمنعني، وإنما أنزل القرآن بلساني، بلسانٍ عربيٍّ فصيح[1] .

وأما ابن رشيق القيرواني فقد نقل في كتابه العمدة "عمدة الطالب" عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما سئل: فيم الجمال؟ فأجاب (صلى الله عليه وآله وسلم): "في اللسان" ويريد البيان[2] .

وينقل الجاحظ في “البيان والتبيين” عن الإمام علي (عليه السلام) وفصاحته العالية حين يقول: إنما البلاغة إيضاح الملتبسات بأسهل ما يكون من العبارات[3] .

ويختزل العرب بلاغتهم في الشعر، حيث عدَّ عبدالله بن عباس: الشعر الوسيلة الثانية بعد القرآن الكريم للحفاظ على هيكل ودينامية اللغة العربية. وقد أعطى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الفصاحة والبلاغة الشعرية والحياة الأدبية اهتماماً خاصاً، فقد كان يتذوق الشعر بشكل كبير، وكان ينتقي منه ما ازدانت به الحكمة والفضيلة، وقد كرر لأكثر من مرَّة قول لبيد:

ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل

وكلّ نعيم لا محالة زائل

وكان يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): مثل هذا فليكن الشعر.

وكان يدعو إلى حسان بن ثابت بعد أن يمتدح شعره ويقول: اللهم أيده بروح القدس.

وقد ارتاح لعمه العباس بن عبد المطلب حينما قال له: يا رسول الله أريد أن امتدحك، فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): قل، لا يفضض الله فاك، فأنشأ يقول:

من قبلها طبت في الظلال وفي

مستودع حيث يخصف الورقُ

ثم هبطت البلاد لا بشرٌ

أنت ولا مضغةٌ ولا علق

بل نطفة تركب السفين وقد

ألجم نسراً وأهله الغرقُ

وردتَ نار الخليل مكتتما

تجول فيها وليس تحترق

تنقل من صلبٍ[4]  إلى رحمٍ

إذا مضى عالم بدا طبقُ

حتى احتوى بيتك المهيمن من

خندف عينا تحثها النطق

وأنت لما ولدتَ أشرقت الأرض

وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضياء وفي

النور وسبل الرشاد نخترق

وقد روى صاحب "أسد الغابة" أن عامر بن الأكوع نزل يرتجز برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) -حينما كان في مسيره إلى خيبر- ويقول:

لاهُمَّ لو لا أنت ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلّينا

فأنزلن سكينة علينا

وثبت الأقدام إن لاقينا[5] 

وقريب منه ما في طبقات ابن سعد، وقد قال له الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) رحمك ربك[6] .

ومن هذه المقدمة ننطلق إلى العلماء الذين إن قالوا الشعر فإنهم يسيرون على هدى معلميهم الأنبياء والأئمة، فينتقون منه حكميته وفضيلته، حتى أن الإمام الشيخ جعفر آل أبي المكارم قال:

لو أن الشعر بالعلماء يزري

لأزرى بالأئمة والأمير

ولا مدحَ النبيُّ به لبيداً

وكعبا حيث قالا غير زورِ

ويبقى موضوع الحكمة في الشعر من المواضيع المهمة أولاً حيث يرى طه باقر في "ملحمة كلكلامش" أن أصل كلمة شعر في جميع الآداب القديمة يُشير إلى النشيد، وهو الممارسة الحكمية، الأسطورية، والفضيلة الموسمية التي تلقى من خلالها فصول الإيحاء الأخلاقي في الأدب القديم، ويضيف طه باقر إلى أن لفظه "شر" أو "سر" السومرية التي لا يعلم هل هي الكلمة السامية أو العكس، والمصطلح العبراني "شير هشيريم" أي "نشيد الإنشاء" المنسوب إلى نبي الله سليمان في العهد القديم التوراة، هي نفسها مداليل للفظة (شعر) ومن قبيل ذلك المآثر العربية عن أصل فكرة البحر والوزن في الشعر العربي من حداء الإبل والغناء، ولعل ما يسند هذا الرأي (والحديث لباقر) المصطلح الأدبي العربي المألوف في رواية الشعر: "وانشد فلان"[7] .

وهذا يسند رأينا بأن الشعر مثلما وُجدَ للتعبير عن الوجدان فإن أصله هو الفضيلة والحكمة، ولذا فإن القول بأن الحكمة في الشعر أصل لا عارض يكاد يكون مطابقا لقول الشعر الحكمة أو إن من الشعر لحكمة، ولكن لا نستطيع أن نجمع اللفظتين في الجمع والمنع -منطقياً-.

فليس كل حكمة شعراً، ولا كل شعرٍ حكمةً. والعكس صحيح. والحكمة كذلك ليست عارضاً كما هو الهجاء أو المديح أو التغني بشيءٍ ما، فالهجاء يمكن أن يتجاوز بنية المقاصد في القصيدة وكذلك المديح، وقد يكونا موضوعاً في القصيدة، ولكن الحكمة تستطيع أن تحتل نفس المقعد ولكنها تحجز دائماً قصب السبق في أصل المدلول اللفظي، والدلالة النقلية التي تتحول بفعل التقادم المفاهيمي إلى معنى ومقصدٍ آخر.

فقد كان قديماً كل ما يقال من الشعر حكمةً، وليس كل ما يقال من حكم هي من الشعر، ولكن الفقرة الأولى تحولت من إطلاقها العام إلى نسبيات خاصة. وبقي الشعر يعاني من الصدق والكذب بعد دخول الهجاء والمديح، والغزل والإباحية، وحتى تعقدت به المواضيع، فسخّره المتصوفة للتنظير والتشريع حسب نظريات التصوف من قبيل نظرية العشق الإلهي وروادها الخمسة "الحسين بن منصور، رابعة العدوية، ابن عربي....الخ" وقد قيل قديماً في موضوعات الشعر وخصوصاً المدح والهجاء:

وقالوا في الهجاء عليك إثمٌ

وليس الإثم إلاّ في المديح

لأنّي إن مدحت مدحت زوراً

وأهجو حين أهجو بالصحيح[8] 

والحكمة لم تبق في رتابة ما سنّه الأولون، ولكنها سايرت ماضويتها اكثر مما نهضت، وبقيت قيمة الإحالة البلاغية تعاني من المباشرة أو عدم الشروع في خلق روحٍ فصيحة تتعامل مع اللفظة بلاغياً، إلاّ ما جاء به فحول الشعراء من الحكمة كالمتنبي، والمعرّي الفيلسوف، وأبي تمام، وغيرهم، وعند مناقشة مثالٍ عن هذه الحكمية والوعظية في الشعر العربي نرى الشافعي يقول:

إزرع جميلاً ولو في غير موضعه

ما خاب قطُّ جميلٌ أينما زُرعا

إنّ الجميل وإن طال الزمان به

فليس يحصده إلاّ الذي زَرَعا

فها أنت تقف الآن أمام وعظية مباشرةٍ، رغم إضفاء صورة الزرع والحصد وما إلى ذلك من تشبيه عبر استخدام الهيئة التشبيهية الأقصى مراماً في البلاغة حيث تجردت الصفة التشبهية من أدوات التشبيه الكاف وما عداها، ولكن الوعظية المباشرة، وعدم خلق أجواء الإحالة هو الذي يحول دون جعل الحكمية في الشعر تأخذ منحىً تربوياً على حساب القيمة الشاعرية في شعر القصيدة.

والشعر الذي يصفه القيرواني "أشد من نقل الحجر" فقد وردت به عدة وصايا أهمها ما أوصى به أبو تمام البحتريّ حين يقول له:

“فإذا أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقاً، والمعنى شيقاً، وأكثر فيه عن بيان الصبابة وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، والتعلل باستنشاق النسائم، وغناء الحمائم، والبرق اللامعة، والنجوم الطالعة، والتبرم بالعذّال والعواذل، والوقوف على الطلل الماحل”. إلى آخر الوصية التي نقلها القيرواني في “قراضة الشعر”[9] .

وقد سار الشعر وسارت تياراته، وما زالت الحكمة تمثل البعد الأول في قضية الشعر، وتلك الحكمة في الشعر يصفها طاغور شاعر الحكمة الهندية:

إن “قصيدة” هي أكثر من العاطفة التي تعبّر عنها، كما أن “وردة” هي أكثر من مادتها كوردة”[10] .

وفي نفس الموضع يقول طاغور: لا تموت القصيدة في الحقيقة، حين تنجر، ليس لأنها مؤلفة من أبيات لا غاية لها، لكن لأنها تنطوي على مثال الكمال الأعلى[11] .

والكمال الأعلى لقيمة المقصد القيمي للحكمة هو البديهة الأولى من الفضيلة، ولذا فإن معادلة الشعر حكمة، والحكمة ليست شعراً بالضرورة، هي معادلة واردة في أكثر من بعد، خصوصاً إذا عولجت مسألة الفلسفة البديهية في الوعي العقلي الاجتماعي الذي يميل إلى نفسية الفضيلة ويطالبها، وإن رَفَضَها ممارساتياً حسب (هيدجر).

وقد تحركت الحكمة شاعرياً عند طاغور -مثلاً- حتى وصلت أوج مراحلها إذا ما استثنيناها من الشعر العربي لسموّه بلاغياً وكنهوياً.

لقد استخدم طاغور التشكيل ورسم أكثر من بعدٍ في المقطع الشعري، يثير مقاصد كثيرة حول احتمالات لا تقل عنها. ففي قصيدة (على تخوم الأرض).

(أمام الجمهور كنت ارتدي أطقماً

من كل الألوان

انتزعت كل شيء

في اندهاشٍ صامت

تطلعت داخل ذاتي بعمق

هكذا تتأمل السماء نجومها

عندما تموت الشمس

ماحيةً المشهد)[12] .

الصورة هنا مسرحيّة أكثر من شاعريتها، ولكن التموضع النفسي بشكل عام وتعامل القارئ لمجمل الصور يميل إلى شعرية واحتمالات حكمية.

ولم تقتل الحكمية شاعرها، ولم تكعّ بها قصيدته، فقد حافظ الشعراء الملتزمون على بوادرهم البلاغية وإرهاصاتهم الشعرية، ووظفوا الحكمية في الشعر بشكل جميل رغم ادّعاءات الشعر يحمل ما ليس به من غزل وميحٍ وتثوير و... الخ.

رباعيات القرن العشرين

إنما نسوق هذه المقدمة لكي نفتح صفحات عن الشعر النافح الذي يستأهل الوقوف عند فواصله، كشعرٍ ينجز النصَّ ويتفاهم مع قارئه، إنه شعر الحكميّة الملتزم بالحق (رغم بيانية هذه اللفظة)[13] . وقد مهدنا بالحكمية، وأثبتنا أصلها في الشعر وعدم طارئيتها، لكي نفتح (رباعيات القرن العشرين) التي كتبها الشيخ سعيد أبو المكارم، وأهداها إلى (من قدر الشعر وما دنّس معناه)[14] . وقد امتلأ الديوان بالشاعرية التي تفي بغرض القراءة، والمتعة، وتدرّ على سامعها الفائدة، فهو يقول:

مثل اللجين يزينه الدرّ الذي

ارتبطت حواشيه بأصفى اللؤلؤ

فيما تراه من الظواهر متعة

لكن بواطنه بواطن سّيئِ

فالقير في لونٍ وظاهره أذىً

أسمى وفيه الطهر خير مخبأِ

فهي البواطن لا الظواهر قس بها

كل الأنام وإن تجرب تهنأِ[15] 

ويقول في مقدمته للرباعيات: “لكل شيء حقيقة لابد من إدراكها، والتحول إليها، والاستراحة إلى أفيائها”[16] ، فهو يعتبر المعنى روحاً، وإن عدّه غيره غايةً، ولا تنفع الأجسام يوماً بلا أرواح.

وكذلك في نظرية الشعر عن أبي المكارم تأخذ بعداً عميقاً أوضحها في أكثر من رباعية يستطيع مستقرئها أن يصل إلى ضفاف قصده، ونظرته إليها. فالشعر عنده ليس لفظاً إذ يقول في رباعية عنوانها (ليس الشعر لفظاً):

اقرؤوني شعراً يذوب نضالا

يتخطى الزمان في حركاته

لا أريد الألفاظ في لونها البرّ

اق تودي الأديب في مبصراته

واعذروني فلست أرهب من حجر

وإلا لمتّ في نبواته

قاومت نفسي الشقاء وحقاً

عشت حراً وكاشفاً سيئاته[17] 

إنه يعيش الحياة من خلال نظرته للشعر، وفي الرباعية رائحة دعوة إلى قراءة إنسانٍ من خلال ما يفيء به من شعر... وهو لا يطالب ببراقة الألفاظ، بل إنهّ يطالب بما يتعامل مع القلب، فيدخل أعماقه ويرتكي على سويداه، وفي الرباعية أيضاً اختزال لحياة الشاعر تبدأ من (اقرؤوا)، ثم تصدّيه لكل ما يعيب الشعر أو يعاب به، ثم يهدئ من روعة أفعاله التي قد لا ترتقي إلى أبعاد فهم القارئ له، فيوضح من خلال الاعتذار، ثم يشكو مصائب تحيق به....الخ.. كلها في رباعية واحدة.. ابتدأت بالشعر، والذي يمثل إنجازاً حقيقياً عند الشاعر إذ يرتبط بشعوره إيماناً بما قاله ابن رشيق عن أن العرب قالت الشعر فاستطيبوه، وشعروا به وسموه شعراً، وسمي قائله بالشاعر أي الذي يحسّ به..... - بما يقول -[18] .

ويقول الشيخ أبو المكارم عن الشعر كذلك:

الشعر من وحي الشعور وإن من

شعر الأنام لحكمة لا تنكر

ولكم تخلّد شاعر بظلاله

فالشعر عقل خالد متحرر

يسمو به أمل وتبقى دولة

ويذاع مخبوء وتقرأ أعصر

وله بموسيقى الجمال جلالة

يعنو بعزِّ جمالها المتنور[19] 

ولا يعتقد -والحق يقال- أن هناك من يعرف الشعر بهذه الطريقة الواضحة الجلية والجامعة لكل الأبعاد. ولكن المسألة الدقيقة التي ركّز عليها الشاعر هي أن الشعر يسمو به أمل، أي أن الشعر حاجة ضرورية غير واجبة إن وجدت تحققت آمال كثيرة وسمت به، وإن لم توجد، فلا حرمة ولكن ليس من الممكن أن لا يكون هناك ضير... أنه شأن مركب يطرحه الشاعر، ولكنه بديهة واضحة ومقبولة عبر مسايرات الماضي والحاضر.

ولكن أي شعرٍ ينتقي ابن المكارم؟ هل ينتقي الشعر الذي يتحدث مع نفسه، إم الشعر الذي يتحدث عن نفسه؟ هذا ما يجيب عنه في هذه الرباعية:

من واقع الشعر يعطي الرمز غايته

والواقعية خير فهي إمتاع

وفي القوافي عروض الشعر قدحفظت

فناً وكان لها في النفس إبداع

ما للتهرب من كلتيهما ألأن

الشعر حر وما للشعر إيقاع

ما للتقاليد للأجناب من قيم

لنا بآثارنا مجد وإقناع[20] 

إننا لسنا نقرّ رأيه هنا، ونختلف معه، ولكنه رأي وجيه، وفي الاختلاف وصول إلى الهدف، لقد ركز على ركيزتين أساسيتين في الشعر - نوعه - الركيزة الأولى هي ضبابية المقصد الشعري، حيث دعا إلى عدم اقتنائها تحت شعار: (لماذا لا تفهمون ما أقول)، وهي دعوة صريحة لوجوب نزول واقع الشعر إلى الواقع العام، وعدم اكتفائه بالنخبة، والركيزة الثانية التي أسس لها بدعوته الشاعر أبو المكارم هي التأكيد على مبتنيات الشعر الأساسية (الوزن والإيقاع) وعدم التذرع بالتطور، الذي لا يعني إلاّ ارتباكاً مفاهيمياً خلط الأبعاد ولم يصل بعد إلى مبتغاه.

إن أبا المكارم، ومن خلال هذه الرباعيات يوضح مدى اهتمامه بهذا الإرث الحضاري الذي حفظ لنا حضارة لغتنا العظيمة، لغة القرآن، إنه يعتبره دولة تقوم بذاتها.. وهذا ما نراه:

الشعر عاطفة وآلام وآمال

ومنهج رائد لا يغلق

ما ضاق ذرعاً وهو رب اللفظ من

أهدافه وبه الأديب محلق

فاسأل (عكاظاً) كم بها من دولةٍ

أمثال قافية لها تتنسّق

إن اللصيق به سيعرف وقعه

في الطبع لا أفق يضيق ويمزق[21] 

وهذا تعريف آخر للشعر يبتغي به أن يصل القارئ له، والسامع إلى مراميه، وقد جمعت هذه التعاريف، وهذا الحب الجليل للشعر وعظية وحكمية عاليتين - وليس هذان الأساسان - الوعظية والحكمية - متعلقين بالشعر وحسب بل إن وعظية الشيخ سعيد تأخذ أبعاداً أخلاقية وروحية أكبر بكثير من لغة التهتك، والاستدراج حيث يقول في “قصر الصلاة”.

ما لخير في طول الصلاة وإنها

من فوق صخرة نقدها تتفتت

قصر الصلاة وإن تقاصر حدّها

بالفقه بالوجدان طهراً يثبت

فاعرج بروحك في الصلاة تسُد بها

أهل السماء وللنوائب تكبت

واكسح بعقلك في الصلاة حواجز

الدنيا بحقلك كل خير ينبت[22] 

وتجده يصف الأيام وصفاً يختلف عن وصف أبي العتاهية الذي وصفها بلياليها:

هي الليالي للأنام مناهل

تطوى وتجري بينها الآثام

فقصارهن مع الهموم طويلة

وطوالهن مع السرور قصار

وتختلف عن ما يقوله الجواهري في الأيام والعمر والليل:

العمر كالليل نقضيه مغالطةً

يشكى من الطول أو يشكى من القصر

نجد أن منهج أبي المكارم في الأيام على أنها كما ورد عن المسيح (عليه السلام) حينما رأى العجوز الشمطاء التي قالت له إنها الدنيا:

هي الأيام تكشف عن غطاها

وتعطيك الحقيقة في المحالِ

وما وقت العهود ولن تبالي

بنقض العهد في سوء الفعالِ

فكم خدعت بما وعدت وخانت

إذ العقلاء منها في عقال

ولكن ما مضى يُنسى لهذا

لقد ظفرت بأفذاذ الرجال[23] 

وتأخذ الحكمة عند الشيخ سعيد في رباعياته بعداً فلسفياً منطقياً، يصل القارئ إلى مبتغاه بعد معرفة مقاصد بعض المصطلحات المستخدمة ومحاولة إرجاعها إلى مقاصد الظرف البلاغي الذي أحكمه الشاعر في اختزاله للمعنى عبر أبياتٍ عموديةٍ أربعةٍ فقط.

العقل في الإنسان خير مركبٍ

حسب اختلاف طبائع الموجودِ

والروح عنه رائد متجسد

بالعلم لا بجهالة وجحودِ

وبه وجود المرء لا بالروح

والجسم الهيولي شامخ بوجود

للروح يسبق ثم إنْ سبقته في

التركيب فهي بذاك روح جمود[24] 

وله في العقل، وفي نفس الموضع يقول:

يودع العقل في خلياته لطفاً

وفيه ينُظّم التركيب

وبه من قوى التناسب حكمٌ

فيه عقل الأديب لا يستريب

وبه من هدى الترابط والقلب

بنبض الحياة سرّ عجيب

جمعت فيه دفتا هذه الألوان

طراً وأمره مغلوب

ويمكن متابعة ثلاثة مرامي احتلت قصب السبق في محتويات الرباعيات، وهي:

1 - التوظيف التأريخي.

2 - المعالجات المرحلية.

3 - الإسقاطات الحرّة، والمجاراة.

التوظيف التأريخي

لقد اهتم أبو المكارم في الشأن التأريخي وعدّه أساساً غير منتهي الأبعاد في مناقشاته الشعرية، وانتهج من هذا الشأن زاويةً ودعامةً مهمةً يركن إليها حتى تراه في أكثر استيقافاته يشير إلى أبعادٍ مهمةٍ في التأريخ - الإسلامي حصراً - وقد كان التوظيف التأريخي أولاً ينبع من مهمة التأرخة وثانياً ينبع من مهمة الاستقراء والاستعبار. فأما أولاً فقد ارتأى -مثلاً- أن يؤرخ لولده محمد الهادي الذي فقده - الشاعر - حيث يقول له:

يا وليداً لفّه برد الفنا

برعماً من قبل أن ينفتحا

هل رأيت الدهر يوماً ضيقاً

وإلى الدهر الحجى ما جنحا

ورأيت الخلد أسمى منزلاً

ثم أصبحت به مقترحا

نم هنيئاً لم تجد من تعبٍ

وبدار القدس كنت الفرحا[25] 

وهو نفسه الذي يصدره في أحد رباعياته ذاكرا له بنفس العنوان حيث يقول:

ولدتك ميتاً والحياة ممات

وجميع لذات الحياة فوات

أين الألى نشؤوا وعاشوا في الورى

الدهر الطويل وبعد ذلك ماتوا

فاذهب بطهر الذات لم تك مذنباً

تسمو لك الولدان والجناتُ

وعلى سواك تفيض منك برحمة

الباري بيوم معادك الرحمات[26] 

وفي نفس الوقت تجده يستقرئ بعض ما ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من حديث: إن مداد العلماء خير من دماء الشهداء، فيترجم هذا الشأن الحديثوي إلى سنخٍ تأريخي:

ذكروا الجهاد فقلت فاز به الذي

ملأ الورى علماً على صفحاته

فمداده في نفعه وبقائه

لمنار حقٍّ ضاء في كلماته

ويكون خيراً من دمٍ يهراق في

ساح الكفاح يضج في نبراته

بمداده بقيت دماء قداسة الشهداء

تُحفظ في هدى آياته[27] 

ولم يغفل جانب التوظيف التأريخي رجالات التاريخ حيث خضع في بعض جوانبه إلى إحياء ذكراهم، فتجده يذكر عليا الأكبر بن الحسين الشهيد عليهم السلام فيقول:

يمثل أحمد في خلقهِ

وأخلاقه فهو الأوحدُ

ومن كرسول الهدى إنه

لنسخة هذا الورى المفردُِ

وكان كحيدرة في الحروب

نجاة الورى منه أن يشردوا

فحقاً تُشَقُّ على قتله

جيوبُ التصبر والأكبدُ[28] 

وباعتبار أن شاعرنا كان وما يزال من خطباء المنبر الحسيني الأوائل والذين يمثلون منهجاً وظيفياً وطريقةً خاصةً أصبحت ظاهرة عند مقلديه في هذا المهنة، فترى أنه لم يغفل في الوظيفة التأريخية المنصهرة شعرياً بعض المواقف التي حدثت في التأريخ مسيرةً، حيث يذكر تطاول أو تجرؤ المنصور العباسي - أبو جعفر الدوانيقي - على الإمام الصادق (عليه السلام) فتراه يقول:

قالها كلمةً تذيب الجلاميد

وحقاً بأنه كان حاسد

أولا تستحي وقد شابت اللمة

تمسي على الخليفة حاقد

أو تبغي خلافة في خلاف

أتشق العصا وتصبح جاحد

أيها الكاذب الخؤون وحاشاه

وأعظِمْ به إماماً وماجد[29] 

المعالجات المرحلية

يعتبر الشيخ انعكاساً لمرحلته بكل ما تلقي من ظلالٍ على شخصية شعره وشاعريته وقد اعتبر العرب بروز الشاعر بمثابة المكسب الكبير للقبيلة فكانت القبائل تهنئ بعضها البعض عند بروز شاعرِ ما.

إن هذه الاحتفائية العربية بالشاعر يواكبها من الجانب الآخر استقراء الشاعر لمجريات أمور مرحلته، فتراه اللسان الانعكاسي لكل ما يجري من أمورٍ، فهو تارةً وزارة للإعلام، وتارة قناة للتربية، وتارة إطار ثقافي مهاب. وقد حفلت الشعرية العربية بمواكبات كثيرة ضمن هذا البعد، حتى أنك لتخال كل ما يجري قد رسمه شعراء مرحلته عبر قوافيهم، وقد برزت الحاجة وتعمقت صلاتها - حسب ما أقره البلاغيون - أثناء حرب صفين، وحينها اعتبرت للشاعر مهمة أخرى وهي تدوين التأريخ شعرياً، أو ترك ما يجري من أمور عينيةٍ لمرحلةٍ ما على طاولة التجسيد الشعري، ومحاولة خلق أجواءٍ استقرائية والشيخ سعيد تعامل مع بعض المعالجات المرحلية حيث وافى بعض ما يجري من أمور زمانه عبر أبعاد التهكم أو التجسيد الحي، والاستذكار.

فها هي جنازة تمر... وهذا باك متملق... ضمن صورةٍ تشكيلية نرى سعيد أبو المكارم يقولها في رباعيته:

عند الجنازة قام يصرخ ناحباً

وله فؤادٌ شذّ في بغضائه

وله يدٌ عملت على إقصائه

وعواطفٌ طربت بيوم فنائه

تبكي عليه وأنت قد أهلكته

ببكى الطموح على فوات ثرائه

هو طود مجدٍ طود حقٍ حقّ أن

تبكيه عين العدل من أعدائه[30] 

وفي نكبات أمته الإسلامية والعربية التي أحاقت على زمانه، تراه يذكر أمة العرب.... ويتأفف على ضياع البلاد.... فيقول:

أرى العروبة خانت ذمة الأدبِ

والعرب أعطت قياد الرأس للذنب

فامتص منها الدماء الطهر سمسرةً

والغلب منها فراها صارم الغلب

فتلك أعراضها نهباً وثروتها

سلباً وآراضها في كف مغتصب

لوذوا بنهج رسول الحق تحفظكم

رعاية الله في سلمٍ وفي حربِ[31] 

وتتوزع على زوايا المؤلَّف الموسوم رباعية “لست أفنى” وهي على غرار رباعيات لست ادري أو أين حقي. ولسنا ندري لِمَ لم يجمعها الشيخ سعيد أبو المكارم مع بعضها، مع إحاطتها بوحدة الموضوع حيث تكررت على طوال الديوان الشعري، إنّه تساؤل لابّد أن يبرره الشاعر في طبعة الديوان الأخرى إن شاء الله.

الاسقاطات الحرّة، والمجاراة

أوسم ما يميز الرباعيات، هو انطلاقة الشاعر بشكلٍ كبير في الترصد لمواضيع جدّ دقيقة لا تتعلق بظرفٍ خاصٍ، ولا بمكان وزمان معينين، فإنه يذكر الحياة[32] ، ويستقرئ أبناء زمانه وهم مثل غير زمان[33] ، وفي نفس الوقت ينتقد -ضمنا- الزهاوي وإن بدا وكأنه يجاريه في دعوته فتاة العرب إلى التحرر وترك الحجاب فيقول:

ألا يا ابنة العرب ماذا الجمال

هتكت الجمال برفع النقاب

فلا دين لا حشمة لاحيا

شجاعتك اليوم فوق الذئاب

كأنك ما كنت أنثى ولم

تري أنّ بالطبع فرض الحجاب

لقد صرت كالكأس بين الورى

فكم منك ذاق كؤوس الشراب[34] 

وفي ذات الوقت يصف المنايا:

تريك المنايا صاعقات الحوادث

وتندك فيها شامخات اللوابث

وكم روّعت من عبقري وأعدمت

هماماً وأقصت وارثاً بعد وارث

وكم فرّقت شمل امرءٍ متجمع

وحاكت على أنحائه ثوب طامث

وكم من شباب كان كالغصن يانعاً

رمته سهام البغي في كف عابث[35] 

ولم ينس الوسط الديني، وما فيه من بعض السلبيات، وكمثال أخيرٍ هذه الرباعيات عن (العمامة):

أنا ما تركت عمامتي جهلاً بها

فلها التجّلة وهي تيجان العرب

لكن رأيت الساذجين تطايروا

بخيوطها وبها تعالوا في عجب

ورأيت غير الكفء يلبسها ولا

من مائز وهو البلية والحرب

فتركتها كي لا أكون مضللاً

أنا لست مكسوباً ولست من اكتسب[36] 

والمعنى في هذه الرباعية مقصود ومعروف وجلي وواضح على ما يبدو.

وتبقى المسألة الأهم في شاعرية الشيخ سعيد أبي المكارم هي انتقائيته للأبحر الشعرية، وتعامله النفسي مع البحر وموضوعية الرباعية من خلال صيغة لا تنم إلاّ عن معرفة انتقائية، وهذا ما سنسعى للتعريف به وبحثه في مجالٍ آخر، حيث اقتصرت هذه الدراسة على التسخير الحكمي في إطار الشاعرية وإن كانت مختزلة على شكل رباعية.

[1]  مجالس ثعالب ، أبو العباس أحمد بن يحي (ثعلب) ، دار المعارف ، ط1 ص454.

[2]  العمدة ، ابن رشيق القيرواني ، طبقة مصر ، 1979 ، ص160.

[3]  البيان والتبيين ، الجاحظ ، دار المعارف ، ط1 مج1 ص14.

[4]  وفي بعض الروايات: صالب.

[5]  أسد الغابة ، مج3 ، ص82.

[6]  طبقات ابن سعد ، ابن سعد ، مج3 ص619. وقد نقلها الأميني في موسوعة الغدير مج2 ص2 ، 15 وفيها المزيد من الأمثلة. الشواهد على علاقة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الشعر، وانتقائيته الحكمية والفضيلية منه.

[7]  ملحمة كلكلامش ، طه باقر ، منشورات وزارة الأعلام، الجمهورية الواقية، سلسلة الكتب الحديثة ، ط1 1975 هامش5 ص11.

[8]  ديوان الهجاء العربي ، هادي العلوي ، دار الحوار - سوريا ط1982 ، ص7.

[9]  قراضة الشعر، ابن رشيق القيرواني ص102 نقلاً عن مجلة النور العدد 55 رجب 1416 / كانون الأول/1995م ص74، قضية الحداثة عند بني رشيق القيرواني، محمد السيد محسن. ونقلها د. عبده بدوي في “قضية التجريد في الشعر” طبعة وزارة الإعلام الكويتية ص145.

[10]  افكار منفصلة ، طاغور ، عن سلسلة أعلام الفكر العالمي ، إعداد أوريت أصلان ، ترجمة كميل داغر ، المؤسسة العربية الدراسات والنشر ط1 ، 1976 ، ص14.

[11]  المصدر السابق ص141.

[12]  قصيدة ، على تخوم الأرض ، المصدر السابق ص121.

[13]  إذ من الممكن الاعتبار بأي أدب يلتزم سنة ما يؤمن به بالأدب الملتزم، فإذا كانت الدهرية مثلاً تدعو إلى تكذيب وجود الإله. والعياذ بالله، وسار شعراؤهم يدعون إلى هذه الدعوة فمن الممكن بل من البديهي تسميتهم بالملتزمين بأصول أدبهم الذي انتهلوه من عقيدتهم. حيث إن فكرة (الأدب الملتزم) هي فكرة تخضع للبيانية المتعلقة بالعرف الأخلاقي والعقائدي.

[14]  رباعيات القرن العشرين ، الشيخ سعيد أبو المكارم (إهداء الديوان).

[15]  رباعيات القرن العشرين ص33

[16]  رباعيات القرن العشرين ، المقدمة ص16.

[17]  رباعيات القرن العشرين ، (ليس الشعر لفظاً ) ، ص 50.

[18]  أثبتنا قول ابن رشيق بتصرف لا يتعدى مقصده ونحيل إلى عمدة الطالب، فصل فضل الشعر وأصل الشعر.

[19]  رباعيات القرن العشرين ، شعري وشعوري ، ص 75.

[20]  رباعيات القرن العشرين ، الشعر حر ، ص 100.

[21]  رباعيات القرن العشرين ، دولة الشعر ، ص 108.

[22]  رباعيات القرن العشرين ، قصر الصلاة ص45.

[23]  رباعيات القرن العشرين ، هي الأيام ص119.

[24]  رباعيات القرن العشرين ، العقل والروح ص67.

[25]  رباعيات القرن العشرين ، ولدي محمد الهادي ص55.

[26]  رباعيات القرن العشرين ، ولدي محمد الهادي ص47.

[27]  رباعيات القرن العشرين ، مداد العلماء ودماء الشهداء ص50.

[28]  رباعيات القرن العشرين ، علي الأكبر ص59.

[29]  رباعيات القرن العشرين ، جرأة المنصور على الإمام ص58.

[30]  رباعيات القرن العشرين ، الباكي المتملق ص35.

[31]  رباعيات القرن العشرين ، أين العرب؟ ص42.

[32]  في ، الحياة في وهم ، حيث يقول:

ولقد نقمت على الحياة وأهلها

فالناس ناس في طباع ذئاب

وغدا من الأيام مجهول فلا

تدري الذي يجري من الأسباب

والمرء مرتهن بكل عوارض الدنيا

وان يحسب لألف حساب


[33]  وهذا يتضح في ، قنواتها متضاربة ، حيث يقول:

وقرأت أبناء الزمان فلم أجد

الاّ الثنايا الضاحكات الكاذبه

وحقول أزهار شداها عابق

لكنها تُعمي العقول مجاذبه

وبحور انداءٍ تفيض جداولاً

لكنها قنواتها متقاربه

فضحكت من عجب وذالت أدمعي

حمرا لتبصر في الزمان عجائبه


[34]  رباعيات القرن العشرين ، رباعية بنت العرب ، ص44.

[35]  رباعيات القرن العشرين ، رباعية المنايا ، ص51.

[36]  رباعيات القرن العشرين ، عمامتي ، ص 37.
305235