في التعامل مع الحرية
زكي طاهر محمد العليو - 24 / 2 / 2011م - 4:02 ص - العدد (18)

مقدمة

لاشك أن للحرية أهمية كبيرة على رقي المجتمع، إلا أنها ليست السبب الوحيد فيما يعانيه من تخلف وتأخر، فمتى ما حُلت إشكاليتها تقدم المجتمع، ولكننا نرى أنه إذا حُلت إشكاليتها فسوف يتقدم المجتمع خطوات سريعة وكبيرة، وليس كما يظن البعض بأن إعلان حالات الطوارئ كما هو حاصل في بعض الدول العربية المعاصرة لسنين طويلة يساهم في حال المشاكل التي تواجهها هذه الدول، أو كما يقوم به البعض الآخر من الدول العربية المعاصرة بفرض قيود على الحريات لسبب أو لآخر.

وسوف نتناول هنا وجهة نظر إسلامية للحرية، تحاول دراسة واقع الحرية، والإشكالية التي يقع فيها الإسلاميون في تعاملهم مع الحرية.

مفهوم الحرية

الحرية كما جاءت في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية “القدرة على الاختيار بين عدة أشياء أي حرية التصرف والعيش والسلوك توجيه الإرادة العاقلة دون الإضرار بالغير أو دون الخضوع لأي ضغط إلا ما فرضته القوانين العادلة الضرورية وواجبات الحياة الاجتماعية”[1] .

لماذا الحديث عن الحرية؟

نظراً لأن اللحظة الراهنة تعيش حديثاً غير منقطع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن الحديث عن الحرية له ما يبرره هنا، وذلك لعدم إمكانية تحقيق الديمقراطية بدون حضور الحرية، وكذلك لعدم إمكانية إعطاء الإنسان حقوقه من دون إعطائه حق الحرية بمختلف أوجهها، فالديمقراطية وحقوق الإنسان مرتكزتان على الحرية. فالمجتمعات الغربية مثلاً أسهمت فيها بصورة مباشرة كما هي في صيغتها الحالية، حيث ساهمت الديمقراطية وحقوق الإنسان في تقدم هذه المجتمعات، يتجاوز هذا الحديث المجتمعات التي صاغتها إلى المجتمعات التي لا تنتمي إليها جغرافياً أو فكرياً كالعالم الثالث أو المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة، حيث الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ليل نهار بصورة مستمرة سواء مدحاً كما هو غالباً أو ذماً، فأفراد هذه المجتمعات يشعرون بأنهم ليسوا مواطنين لهم حقوق كما عليهم واجبات بل رعايا عند حكوماتهم.

ولذا في مجتمعات كالمجتمعات العربية الإسلامية نحتاج للديمقراطية وحقوق الإنسان ومن ثم لابد من الحديث عن الحرية وبصورة مكثفة قدر المستطاع لعلنا نخرج من أزمات التأخر والتخلف. مما يستدعي أن نقوم بعملية تشخيص للحرية وكيفية التعامل معها. يتضمن هذا التشخيص عملية شرح ونقد، يتضمن الشرح إبراز وجهة نظر إسلامية للحرية فليس كل الفكر الإسلامي نقاط ضعف بل لديه نقاط قوة، ونقد لكيفية التعامل مع الحرية، ولاسيما أن الفكر الإسلامي متهم من تيارات الفكر الموجودة في المجتمع العربي بأنه فكر ضد حرية الإنسان في هذا أن يساهم في تعريف الآخر وجهة النظر وأن يقلل بعض منه استعداءه للتيار الإسلامي.

ولأن انعدام الحرية هو الحالة غير الطبيعية وأن الحالة الطبيعية والسليمة والإيجابية هو توافر الحرية. ومن ثم عندما نتحدث عن الحرية فنحن نروم من ذلك إيجادها لكي تضفي على الحياة الاجتماعية والسياسية جواً صافياً من الاستقرار لكي تتقدم المجتمعات العربية والإسلامية وتستطيع هذه المجتمعات بناء أفرادها، فانعدام الحرية لا يحقق تقدماً للمجتمعات ولا يبني باعتباره جواً غير صحي ولربما أنتج وضعاً عكسياً.

وبعيداً عن ارتباط الحرية بالقضايا الأخرى، أن الحرية قضية وقيمة كبرى ولابد من النقاش والحوار حولها وفيها، فهي ليست قضية جزئية في حياة الإنسان وقد لا يكون من الضروري تقديمها على غيرها من القضايا الكبرى، فبقدر ما نضع لهذه الحرية من قيمة يكون تعاملنا معها وفق ذلك.

ولعل د. قسطنطين زريق أجاد في تبيين أهمية الحرية للإنسان العربي المعاصر “ونؤكد أننا لسنا نعني الحرية المطلقة -تلك الحرية التي تسمح للذئب بافتراس الحمل. ولا ينكر أن في البلاد العربية ذئاباً كثيرة تفترس ضحاياها أو تعد نفسها للانقضاض والافتراس. وإنما نعني الحرية التي تتيح للمواطنين أن يكتشفوا الذئاب فلا ينخدعوا عنها، وأن يشددوا عزائمهم الفردية والمشتركة لتطويقها واقتلاع أنيابها، ولتنمية مناعاتهم ومصادر قواهم فلا يكونون فرائس سائبة أو ضحايا هينة”[2] .

الحرية عبر التاريخ

بصورة موجزة جداً سوف نعرض لنظرة التيارات والأفكار المختلفة لمسألة الحرية.

لنبدأ أولاً في النظر تاريخياً لعلاقة الإنسان بالحرية، الحرية قضية قديمة، ارتبطت به منذ وجد، فهي مرتبطة بأصل طبيعته وفطرته، فهل يملك الإنسان حرية إرادة لكي يستطيع اختيار أفعاله “إن مسألة القضاء والقدر وكون الإنسان مخيراً أو مسيراً ليست من المسائل التي طرحتها المعتزلة بل من المسائل القديمة التي كانت مطروحة عند جميع الأمم”[3] .

عاش الإنسان صراعاً طويلاً من أجل الحركة وكان الصراع على نوعين بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والطبيعة.

ففي الصراع الأول يرفض الإنسان دائماً أن يسيطر عليه أحد أياً كان، ويرى في ذلك سلباً لأهم مقومات حياته، فحتى لو كان الإنسان عبداً فإنه يحاول أن يتحرر من هذه العبودية وإن لم يستطع نيل حريته، فالحرية موجودة في أعماق لا يستطيع أن يتنازل عنها إلا مرغماً

وفي الصراع الثاني نرى الإنسان يرفض أن تتحكم به الطبيعة كأن تجبره في البقاء في الأرض لا يستطيع التحليق، أو لا يستطيع عبور البحار والأنهار، أو ترهبه وتخوفه كما يحدث في الفيضانات والأوبئة والكوارث، فهو يسعى للسيطرة عليها أو مقاومتها، فهو إلى هذا اليوم لا يستطيع أن يمشي على الماء لنه لم يستطع أن يتغلب على قوانين الطبيعة فهي لا تسمح له بذلك، ولم يستطع الوصول إلى اختراع أو كيفية تمكنه من المشي على الماء، وكذلك لا يستطيع القفز إلى ارتفاعات عالية، لكنه استطاع أن يستخدم التكنولوجيا للتغلب أو الالتفاف عليها فهو يستخدم السفن لعبور المياه والطائرات للطيران، ولا زال يحاول أن يسيطر أكثر وأكثر، ولعل أبرز مثال يوضح لنا ذلك هو الموت، أن الإنسان لن يستطيع أن يقهر الموت، صحيح استطاع أن يؤخر الموت -برحمة اللَّه وتحت إرادته- ولكنه لن يستطيع الخلاص منه.

ففي اليونان والرومان اقتصرت ممارسة الحرية على شريحة معينة من المجتمع ولم تصل إلى جميعه، فالطبقات العليا كانت تتمتع بالحرية بينما نجد شريحة معينة من المجتمع ولم تصل إلى جمعية، فالطبقات العليا كانت تتمتع بالحرية بينما نجد النساء والعبيد لا ينالون أي حريات. كذلك في مصر الفرعونية نجد أن هناك فرعونَ واحداً وحاشية قليلة وكثيراً من العبيد، فلم تقم مظاهر هذه الحضارة إلا على أكتاف العبيد وخير دليل الأهرام أبرز معالم الحضارة المصرية الفرعونية قام العبيد بنقل الحجارة الضخمة من أجل بناء مقابر للفراعنة. فخلاصة هذه الحضارات في نظرتها للحرية أن من يملك له الحق في التمتع بالحرية.

وعندما جاء الإسلام في الجزيرة العربية وتحديداً في المجتمع الجاهلي، طرح الإسلام وجهة نظر تجاه الحرية، حيث كان متمماً للأديان السماوية السابقة التي كرمت الإنسان وأعلت من قدره، غير أن مشروع الإسلام للحرية -كما المشاريع الإسلامية الأخرى- لم يتحقق بسبب المشاكل التي عاشها المسلمون.

وفي العصور الوسطى وتحديداً في أوروبا كانت الحرية في أزمة، وذلك نتيجة الصراع بين الكنيسة ومن يخالفها في المجتمع الأوروبي والذي أدى لوجود محاكم التفتيش.

وجاء عصر العقل وتحرر المجتمع الأوروبي أكثر وذلك نتيجة الصراع بين الكنيسة ومن يخالفها، وكذلك لقدرة عدد من المفكرين الأوروبيين على التغلغل في الوسط الأوروبي على حساب الكنيسة، وحيث توافرت وجهات نظر متقدمة للحرية.

وتفجر وضع الحرية مع الثورة الفرنسية التي عملت على تغيير أوضاع أوروبا الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية، والتي كان شعارها حرية -مساواة- أخوة. مما قضى على النظر الملكية “وأدت الثورة الفرنسية وكذلك حروبها وحروب نابليون إلى تفويض بناء أوروبا القديم ومهدت الطريق للمذاهب الحرة في القرن التاسع عشر وعجلت بظهور القومية وأرست في المجتمع الأسس الشكلية لمبادئ الحرية والإخاء والمساواة ونشرت بذور ثورة اشتراكية وعمالية لاحقة، وفتحت الطريق أمام القضاء على الإقطاعيين وأمام التطور الرأسمالي البروجوازي الذي كانت له نتائجه الهامة على مجرى التاريخ. كما أنها كانت تهديداً صريحاً ومباشراً للأنظمة الملكية الأوروبية على اختلاف أنواعها مما حدا بهذه الأنظمة إلى التوحد والتكتل ضدها حتى لا تشكل سابقة خطيرة في القارة الأوروبية”[4] .

وكذلك ظهور الوجودية في القرن العشرين والتي كان لها تأثير في الفكر الأوروبي الحديث فأصبحت جزء مهم منه، وهي التي ركزت كثيراً في فكرها على موضوع الحرية، وأبرزت الجانب الفردي على حساب الجانب الاجتماعي.

ولا ننسى الفكر الليبرالي والذي يعتبر التيار الأقوى عالمياً وذلك لوجود عدة أسباب منها تبني الدول الكبرى له، فهذا الفكر يعتبر امتداد للرأسمالية ومقدمة للعولمة، نراه في فكرته الأساسية يعتمد على الحرية السياسية والحرية الاقتصادية المطلقة، وأيضاً على تقبل أفكار وآراء الآخرين حتى ولو كانت لا تتفق معه.

سنوجز هنا كيف دخل الإسلام بفكرته حول الحرية مع الواقع الجاهلي.

كل مجتمع يكون ضعيفاً إنما بسبب وجود بعض المشاكل يعاني منها، والمجتمع الجاهلي نموذجاً هنا كان يعاني من مشاكل منها الرق والاستعباد والنظرة غير الإنسانية للعبيد، وكل هذه الأمور لا تنسجم مع فكرة الإسلام.

ولكن ثمة تساؤل يتمثل في أن مصطلح الحرية، مصطلح حديث جاء من الفكر الأوروبي الحديث فكيف تعامل معها الإسلام قبل أربعة عشر قرن أولاً ثمة آيات قرآنية كريمة صريحة حول ذلك توضح وجهة نظر الإسلام في الحرية، وثانياً: “ولأجل ذلك وردت كلمة “الحرية” بمفهومها العام في نصوص إسلامية أصيلة، فلا يمكن أن تتهم بالتأثر بمفاهيم الحضارة الغربية. فقد جاء عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: “لا تكن عبداً لغيرك وقد خلقك اللَّه حراً” . وورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال: “خمس خصال من لم يكن فيه شيء منها لم يكن فيه كثير مستمتع: أولها الوفاء، والثانية التدبير، والثالثة الحياء، والرابعة حسن الخلق، والخامسة وهي تجمع هذه الخصال (الحرية)”[5] . وآخر يرى أن ثمة مصطلح آخر كان هو الغالب في الاستخدام، “فالمصطلح الذي غلب استعماله للدلالة على معنى “الحرية” في الفكر الإسلامي، والذي التزم استعماله مفكرو المعتزلة، الذين كانوا هم فرسان هذا الميدان، كان هو مصطلح “الاختيار” لا مصطلح “الحرية” ، وهم قد استعملوه في مقابل مصطلح “الجبر” الذي يدل على معنى انتفاء الحرية الخاصة بالمجتمع والإنسان”[6] . ومن هنا نجد أن هناك اتفاق بين السيد محمد باقر الصدر و د. محمد عمارة حول عدم تأثر الحرية في تراثنا بالتجارب الأخرى بما فيها التجربة اليونانية.

سوف نضرب أكثر من مثال لكيفية تعامل الإسلام مع الحرية:

1- في موضوع الحرية ذكرنا أن ثمة علاقتين هما علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، فجاء الإسلام وأضاف بعداً ثالثاً لا يقل أهمية وهو علاقة الإنسان بنفسه فالنفس البشرية كما يراها الإسلام معرضة لأن تصبح خيرة أو شريرة، وهذا راجع لمدى قدرة هذا الإنسان على تطويع وتهذيب نفسه باستخدام عقله وألاَّ يترك لها مجال في أن تسيطر عليه، من هنا أعطى الإسلام توجيهات بألاَّ يكون الإنسان بعداً لشهواته وهو التحرير الحقيقي والمنطلق الذي ينطلق في إبداعاته ونشاطاته الاجتماعية، فمتى ما أصبح عبداً لشهواته لم يكن حراً بل عبداً.

2- كان الرق في العصر الجاهلي عصباً للحياة، فلم تكن تسير الحياة بدون رقيق، والإسلام كان ينظر للعبودية كما هي في العصر الجاهلي بأنها تحرم العبيد من إنسانيتهم فلم يكن هناك احترام للعبيد بل الموجود قهر لهم، وكذلك لكي يقر مبدأ المساواة التي ينادي بها الإسلام بين جميع أفراد المجتمع عبداً كان أم سيداً، فكان يدعو لتحرير العبيد، حيث شرع بعض الإجراءات لذلك، فثمة أخطاء يقع فيها الإنسان تستلزم لكي يكفر عن خطئه أن يحرر رقبة، وكذلك عندما تتزوج الأمة من سيدها وتلد له فإنها تحرر نفسها من العبودية… إلى آخر لذلك نجد أن الفقه الإسلامي آنذاك انشغل بمسألة العبيد للوضعية التي كان عليها المجتمع العربي آنذاك، فتحرير الإنسان يعني نقله من العبودية إلى الحرية.

3- باعتبار عالمية الدين الإسلامي، ففي دعوته للناس إلى اعتناقه لم يعمل الإسلام على إكراه الناس بالدخول فيه ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، ونرى ذل واضحاً فيما بعد ففي المجتمعات الإسلامية التي كانت تحكمها دول مسلمة لم يجبر اليهود أو المسيحيين أو اللادينيين على اعتناق الإسلام، بل تركهم وشأنهم إن أرادوا الدخول في الإسلام فأهلاً بهم وإن أرادوا البقاء في دينهم فلهم الحرية في ذلك، لذلك نرى الكثير منهم شارك في الحضارة الإسلامية دون أن يسلموا، فقمة الحرية عندما تمارس مع الآخر -المقصود هنا تحديداً غير المسلم- بحيث لا يجبر على اعتناق الدين الإسلامي ولا سيما أن التجربة التاريخية توضح ذلك، فكان يعيش غير المسلمين في المجتمع الإسلامي بحرية في عباداتهم ومعتقداتهم فلم يفرض عليهم أن يعتنقوا الدين الإسلامي ولكن كان عليهم واجب عدم الدعوة لدينهم احتراماً لدين المجتمع الذي قدرهم واحتضنهم، أو أن يقول لهم: إنه ليس لكم حق في هذا المجتمع باعتباركم غير مسلمين، وكذلك عدم قيامهم بهدم النظام العام للمجتمع وهذا كما أنه ينطبق عليهم ينطبق على كل أفراد المجتمع بغض النظر عن دينه أو وضعه أو امتيازه، وأما مسألة الارتداد فتوجد آراء لا تحكم على إنسان غير معتقده بالارتداد، فثمة حالات لا يكون فيها ارتداد -ليس تفصيله هنا- ولكن الإسلام يطلب ممن يعتنقه أن يكون ملتزماً بما اعتنقه باختياره وبمحض إرادته.

غير أن الظروف التي عاشها المجتمع الإسلامي منذ عهد الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلم إلى ما بعده بقرون أربعة كانت فترة صراعات وحروب، فبعد وفاته ظهرت قضية الخلافة ثم جاءت فتنة عثمان بن عفان وحروب المسلمين في عهد الإمام علي (عليه السلام) ومن ثم حكم الأمويين والعباسيين المسلمين بالنار والحديد والتي اتسمت بالاستبداد مما أظهر المعارضات بوضوح وحدوث الحروب مع بعضها، وطول تلك الفترة لم يعش المسلمون حالة مستقرة فكانوا في حالات غير طبيعية مما أخر تحقيق المشروع الإسلامي للحرية.

ويمكننا القول: إن هذا الصراع لم يكن شراً محضاً فلقد أنتجت التيارات الإسلامية أفكارها مما جعل الفكر الإسلامي يتقدم.

ولكن للأسف حدث أحياناً محاولات واضحة للتلاعب بتفسير النصوص الدينية وقراءتها ولاسيما آيات القرآن الكريم، حيث إن من يتعامل مع القرآن الكريم لا يمكنه أن يستبعد ثقافته التي تؤثر عليه في كيفية قراءته ودراسته للنصوص القرآنية، فلا يمكن لنا تجاوز هذه الثقافة، وبالتالي فلابد من التدقيق في قراءة المفاهيم للنصوص القرآنية، فلا يمكن لنا تجاوز هذه الثقافة، وبالتالي فلابد من التدقيق في قراءة المفاهيم القرآنية، وحدث هذا فعلاً في التاريخ الإسلامي فمثلاً شخص كالجهم وظف ثقافته من أجل إثبات دعوة القرآن الكريم للجبر، بينما يستطيع آخر أن يثبت دعوة القرآن الكريم للقدرية، ولكن بالتمعن والدراسة لآيات القرآن الكريم المتعلقة بحرية الإنسان بموضوعية توضح لنا بسهولة المفهوم القرآني للحرية، “لقد التف حول الأمويين رهط كبير من رجال الفكر والشعر والعلماء والولاة وذلك بغية ترسيخ فكرة “الجبر” في أذهان العامة من المسلمين. هذه الفكرة التي اشتقها من القرآن والسنة كانت الركيزة القوية التي تمكنوا من خلالها في تثبيتهم على الخلاقة” [7] .

الحرية في المفهوم الإسلامي

نعتقد أن الدين الإسلامي أعطى للإنسان حرية لا يجدها في كل المذاهب والتيارات الوضعية؛ لأن هذا الدين جاء من عند اللَّه وليس من عند البشر حيث تشوب اجتهاداتهم القصور، وهنا لا يمكن أن يحتج أي أحد بأن الإسلاميين أو شارحي أو مفسري أو دارسي القرآن الكريم فهموا ذلك عن الإسلام، لأن ثمة آيات قرآنية كريمة صريحة وواضحة بهذا الخصوص وأبرز آية ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ[8]  و ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ[9]  فهذه الآيات تفيد عدم إجبار إنسان ما على اعتناق الدين الإسلامي بل له الحرية في اختيار الدين الذي يراه ومن هنا كما قلنا: إن قمة الحرية عندما تمارسها مع الآخر المختلف معك في الدين أو الرأي فيجري عليه. ومن ثم فآيات القرآن الكريم واضحة في ذلك، ومن جهة أخرى أن الإسلام مبني على الاقتناع لا الفرض ومن هنا نجد أن الإيمان بأصول الدين الإسلامي “التوحيد والنبوة والمعاد” لا تقليد فيها بل يفترض في الإنسان المسلم أن يصل إليها عن طريق الدليل والذي يقوم على الإقناع، وهذا لا يتم من دون وجود حرية تفكير، وبينما يتم التقليد في الأحكام الشرعية.

عندما قرر الإسلام الحرية للإنسان لم يضعها تحت شرط العقيدة بأن لا يستطيع الإنسان أن ينال حريته إلا إذا كان مسلماً. بل العكس في ذلك نظر الإسلام للحرية على أنها حق للإنسان سواء كان كافراً أو مؤمناً، يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً، ولكنه قيدها بضوابط، وكذلك عندما قررها على هذا النحو نجده لم يقل أو ينادي بأن للطبقات المتميزة مادياً أو اجتماعياً أو منصبياً أن تتمتع بالحرية دون بقية الناس فالكل له الحق في أن يمارس الحرية.

أعطى الإسلام للإنسان الحرية لكي يستطيع أن يمارس حياته بطريقته، فالإسلام أعطى للإنسان مبادئ وقيم معينة عليه أن يعمل في ظلها ليقوم بتنظيم شؤون حياته الدنيوية، ولم يفرض عليه طريق واحد عليه أن يتبعه ولهذا الإنسان الحرية أيضاً في الاستفادة من تجارب الآخرين في ذلك بشرط عدم تعارضها مع الإسلام. ونرى ذلك واضحاً في مسألة الدولة، فالإسلام أعطى للإنسان المسلم قيم مثل العدل والمساواة والشورى يجسدها في هذه الدولة، وترك له الحرية في كيفية إدارته لهذه الدولة ولنظامها ولكيفية اختيار الحاكم وكذا تنظيم العلاقة بين الحكومة والمواطنين في ظل القيم التي يدعو لها الإسلام.

ليس هناك حرية مطلقة للإنسان في واقعه “أن الحرية ليست ممارسة ذاتية تتم في دائرة مقفلة داخل الكينونة الإنسانية، وإنما هي تفاعل يتم بين الإنسان والأنظمة الكونية المحيطة به. فحرية ملجمة إذن بقيود تلك الأنظمة وأحكامها” [10] ، فالإنسان لا يعيش في مجتمع أو كون لوحده بل يعيش مع آخرين، فالطبيعة تفرض عليه قيود فهو لا يزال كلما قهر (سيطر) على جانب ظهر له جانب آخر، ولعل أبسط دليل على أن حرية الإنسان غير مطلقة، هو أفعاله غير الإرادية فهل يستطيع إنسان ما أن يوقف نبض قلبه بمحض إرادته أو يستطيع عندما يتناول الطعام أن يمنع معدته من هضم الطعام، فعندما يقرر الإسلام أن حرية الإنسان مقيدة فإن في ذلك اتساق واضح مع السنن الطبيعية التي تحيط به، فثمة أمور خارج إرادته لا يستطيع أن يتحكم بها رغم أنها ملك له وليست لغيره، وكذلك المجتمع يفرض عليه أمور فهو لا يستطيع أن يفرض إرادته الشخصية على المجتمع لأنه سوف يواجه من لا يستطيع فرض إرادته عليهم، وهذا أمر طبيعي لكونه يعيش مع آخرين وليس لوحده، فيوجد من لا يستطيع فرض إرادته عليهم، وهذا أمر طبيعي لكونه يعيش مع آخرين وليس لوحده، فيوجد أفراد قليلون في المجتمع لهم تأثير على حركة هذا المجتمع وذلك من أجل تحقيق مصالحهم الشخصية فتتاح لهم أحياناً إخضاع جزء من المجتمع تحت تصرفهم بسبب وصولهم لسلطة أو منصب أو لحصولهم على عوامل مساعدة لذلك –مال مثلاً-، وهذه الأمور لا تدوم أبداً وإن بقيت زمناً طويلاً، ومن هنا فقد تتضارب أو تتصادم مصالح أفراد المجتمع بعضهم ببعض، ومن هنا نعرف سر تقييد الإسلام لحرية الإنسان لأنه سوف يحدث تصادم بين الإرادات المختلفة لأفراد المجتمع مما قد يسبب زعزعة لاستقرار المجتمع ويضر به، لأن الاصطدام في كثير من الأحيان غير مفيد، الذي يؤدي إلى عدم أخذ بعض الأفراد حقوقهم في ممارسة حرياتهم، فالإسلام يدع للإنسان بأن يأخذ حريته ولا يمنع الآخرين من حرياتهم وذلك بالاحتكام إلى المعايير القيمية والأخلاقية حيث تستطيع إذا عملت معاً بصورة متكاملة تنظيم حريات الأفراد لكي يعيش المجتمع بأمان. لذا نقول الإسلام لم يأتِ من أجل فرد واحد أو مجموعة قليلة من الناس وإنما جاء من أجل المجتمع كله، ومن هنا فلا يمكن لشخص واحد أن يمتلك حرية دون غيره لأن هذا يتنافى مع قيم الإسلام مثل العدل والمساواة التي يفتخر الإسلام باعتباره راعياً لهما، فليس عبثاً أن يقيد الإسلام الحريات المرتبطة المرتبطة بعلاقات مع الناس من أجل الصالح العام.

ارتبطت الحرية في الإسلام بمسائل عدة يستطيع من خلالها تنظيم الحرية منها:

1- الحرام:

لم يعط الإسلام للإنسان الحق في ارتكاب المحرمات وذلك لحكمة ارتآها المشرع الحكيم، ونحن نستطيع أن نستنتج بعض من هذه الحكم بالنظر للنتائج التي تظهر بعد فعلها، فالسرقة الزنى وشرب الخمر وقتل النفس المحترمة كلها محرمات نص الشارع الحكيم ويعاقب على فعلها مثلها مثل المحرمات الأقل حرمة، لأن كل المحرمات بطريق أو بآخر تحدث ضرراً بالنفس أو الغير. ومن هنا لم يسمح الإسلام للإنسان بفعل ما يضر به أو بغيره فأوقف حريته عند فعل المحرمات، علماً أن المحرمات في الإسلام قليلة إذا ما قورنت بالمباح.

2- التكليف:

بما أن الإنسان المسلم مكلف بأن يقوم بأعمال محددة، ويترك أخرى فيثاب على التزامه بالقيام بهذه الأعمال ويعاقب إن عمل ما يجب تكره، فلابد من إعطائه الحرية في الاختيار، فكيف يجبر على فعل ما ثم يعاقب عليه أو يجبر على فعل آخر ثم يعاقب عليه، فهو يحاسب على فعل لا دور له فيه، فالتكليف مرتبط بإعطاء الإنسان الحرية، وقد جرى حول هذه المسألة حديث أو نقاش طويل في علم الكلام في بداياته.

3- المسؤولية:

لكي يستطيع الإنسان نيل حقه من الحرية عليه مقابل ذلك واجب، ويتمثل هذا الواجب في كونه مسؤولاً، فقيامه بعمل ما بحرية يترتب عليه أن يكون هو صاحب المسؤولية الوحيد دون غيره، فلا أحد يتحمل مسؤولية الخطأ في اختياره، وإن أصاب فهو المستحق أن ينال نتيجة اختياره.. ويوظف هذه الحرية من أجل تحقيق هذه القضايا.

4- التعقل:

عندما يستخدم الإنسان عقله وبطريقة منهجية وفق أسس سليمة فإنه يبتعد في تصرفاته عن الفوضى أو الخطأ، بينما عندما يستخدم الإنسان فقط مشاعره وعواطفه دون أن تتعقلن هذه المشاعر والعواطف، فإنه سوف يقع في فوضى أو تخبط أو خطأ، فالفوضى والتخبط والخطأ يكونان في كثير من الأحيان ضد الممارسة الصحيحة للحرية.

فإذن يحتاج الممارس لحريته حداً معقولاً من التعقل في تصرفاته، فمثلاً حرية التعبير لا تعطى لجاهل بحيث يسيء استخدامها كما أن يعطى لإنسان ما موقعاً ليعبر عن إرادته فيقوم بشتم هذا وسب ذاك والتهجم على ثالث من دون وجه حق، هذا الفعل لا يسمى حرية تعبير، ويضرب د. زكي نجيب محمود مثلاً في هذا الموضوع يقول: “قارن طفلاً أمامه ورقة وفي يده قلم، ظفر بهما بعد بكاء عنيد، قارنه بفنان أمامه لوحة وألوان وفي يده الفرشاة، فالطفل “حر” في أن يخط بالقلم ما شاء أن يخطه على الورقة، والفنان “حر” في إقامة بنائه اللوني على اللوحة، لكن ما أبعد الفرق بين حرية وحرية لقد أزيلت الموانع التي كانت تحول دون حصول الطفل على ورقة وقلم، فلما بلغ مراده وكان حراً، انطلقت تلك الحرية المجنونة “تشخبط” الخطوط على الورقة بلا هدف، وأما الفنان العارف بأسرار فنه، فقد استطاع بحريته “المقيدة” بقواعد الفن وأصوله، أن يبدع ما قد يضاف إلى كنوز الجمال” [11] .

في ماذا أعطى الإسلام الحرية للإنسان؟

لم يحدد الإسلام الحرية للإنسان في جانب دون جانب آخر، فهو جاء لينظم حياته في جميع جوانبها، فهو مثلاً يدعو الإنسان الملتزم به للمشاركة في جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فله الحرية السياسية المتضمنة في اختيار حاكمه وله الحق في إبداء آرائه السياسية بإبراز الإيجابي ونقد السلبي منها، وكذلك له الحق في المشاركة في اتخاذ القرارات المؤثرة سياسياً فيها. وكذلك له الحيرة الاقتصادية فله الحق في إقامة الأعمال التجارية التي تعود إليه بالأرباح.. إلخ من الحريات الأخرى كالحرية الفكرية والاجتماعية.

في التعامل مع الحرية

يجدر بنا القول إن التزام الإنسان المسلم بعدم فعل المحرمات وتحمل المسؤولية والتعقل وإعطاء الإسلام له كافة الحقوق المختلفة في ممارسة حرياته شروط ضرورية ومهمة للممارسة حرياته بطرقة لا تتعارض مع دينه، ولكنها في نفس الوقت غير كافية كلي تحقق الحرية المنشودة، فثمة مسائل أخرى لابد من التعالم معها بإيجابية، فمثلاً مجتمعنا العربي الإسلامي المعاصر يعاني من وجود بعض الإشكاليات فيه، هذه الإشكاليات لها تأثيرات واضحة في كيفية ممارسته للحرية، فضلاً عن حصوله عليها، لذا من الأهمية بمكان معالجة هذه الإشكاليات لكي نستطيع التوصل إلى فهم جيد يمهد المطالبة بالحرية على أسس سليمة وصلبة، هذه المسائل ليست هي الأسباب المباشرة لفقدان الحرية في مجتمعاتنا.

إشكاليات الحرية التي يقع فيها الإسلاميون على نوعين، الأول منها يختصون به وأقصد تحديداً أنها تكثر مع الإسلاميين بوضوح، والآخر يشتركون فيه مع غيرهم ولكنها أقل من الحالات السابقة باعتبار المجتمع واحد يتأثر الكل بنفس المشاكل.

لعله نستطيع القول فكرتنا بصورة عامة أن يلزم الإسلاميون مراجعة بعض مواقفهم تجاه تطبيق الإسلام وتعاليمه، ومن ثم هم بحاجة لفهم دينهم قبل أي شيء وبصورة أدق، حيث إن فهم الإسلام غير الدقيق يؤدي إلى ضرر كبير.

لا يمكننا أن نفهم الحرية في المنظور الإسلامي بدون فهم المسائل الكبرى المرتبطة بها من قبيل الإنسان والعدل والمساواة، حيث قدم الإسلام وجهة نظر حيالها، وهذا نابع من اعتقاد الإنسان المسلم أن الإسلام جاء كنظام شامل لكل مناحي الحياة، فلا يمكن أن يوجد تناقض بين الجوانب المختلفة التي جاء ليعالجها بل لابد من تكاملها لكي تتحقق بنجاح، ومن ثم فإن ثمة تكامل فيما بينها، ومن هنا فالبحث عن مشروع للحرية يستلزم معه البحث عن مشاريع عدة للإنسان وللعدل وللمساواة… إلخ ومن هنا نرى أن ليس مشروع الحرية فقط ناقص، بل أغلب المشاريع المرتبطة بالحرية ناقصة، فلا يوجد لدينا عدل ومساواة واحترام للإنسان فلا يمكن أن تتحقق الحرية دون أن يتحقق ولو جزء بسيط كافٍ من العدل أو المساواة أو احترام الإنسان.

إنه لا زال يوجد اختلاف واضح بين التيارات الإسلامية في كيفية قراءة الحرية، فكل تيار لديه قراءة للإسلام تختلف عن التيارات الأخرى التي يصل أحياناً حد التناقض، مثلاً قد يتفقون في النظر إلى الحرية كقيمة كبرى ولكنهم يختلفون في كيفية التعامل عها من ناحية التفاصيل، وذلك راجع لاعتبارات فكرية وسياسية وفقهية، وهذا في رأينا يسبب في كثير من الأحيان اختلاف في وجهة النظر، والذي قد يصل أحياناً إلى خلاف حاد، ومن ثم يؤثر في كيفية التعاطي مع الحرية، وخير دليل على ذلك هو وجود تيارات متشددة وعنفية وتيارات أخرى تقابلها في وجهة النظر تتسم بالاعتدال والتحضر، فاختلاف القراءة بهذه الطريقة يؤخر تحقيق هذه القيمة، فلكل تيار قراءة يتأثر بها جمهوره، فللتيار المتشدد جمهور وللتيار المعتدل جمهور، ولم يستطع أي من هذين التيارين امتلاك الساحة كلياً، ومن هنا فكل تيار يزاحمه التيار الآخر فيعمل على تأخير تحقيق مفهومه، وهذا طبيعي عندما يتسم المجتمع بالاختلاف، نضر مثالين لاختلاف القراءة، وهو النقاش الدائر بين الفقهاء حول التعامل مع حفظ كتب الضلال -حسب تعبير الفقهاء- فرأي يرى أن حفظها محرم في ذاته، ورأي آخر يرى بعدم الحرمة مطلقاً، ورأي ثالث يرى أن حرمة حفظها إذا أدت إلى إضلال. وكذلك في إتاحة الرأي للفكر الآخر ليعبر عن رأيه في مجتمع يرفض ذل الفكر أو أن فكره السائد لا يتوافق مع هذا الفكر، فرأي يرى أنه ينبغي لهذا الفكر أن يعبر عن نفسه لكي لا يتحول من ضعف إلى قوة نتيجة عدم إتاحة الفرصة له ويضعف الفكر القوي لأنه لا يستطيع مواجهة الفكر المخالف أو الرأي المعارض له، وآخر يرى عدم ترك المجال للفكر الآخر ليعبر عن آرائه.

يوجد اتفاق واضح بين الإسلاميين على أهمية حفظ الدين من الطعن فيه أو في أحد مقدساته من قبيل الذات الإلهية والرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلم، والقرآن الكريم والكعبة على سبيل المثال، فلم نجد من الإسلاميين من يقول إنه من الحرية الطعن في هذه المقدسات، فالطعن يستهدف الانتقاص من الدين وهذا غير جائز البتة. ونحن هنا لا نقصد إضفاء القدسية على غير المقدس كأن يعطى فهم عالم من علماء الدين لآية أو لفكرة أو لعمل ما قدسية لا يستحقها، نعم يحترم ما يقوله العالم لكن لا يضفى عليه لبوس التقديس، ولا سيما أن بين علماء المسلمين اختلافات في النظر لمختلف القضايا والذي أريد قوله هنا أنه أحياناً نتجاوز الاحترام إلى التقديس وهذا أمر مبالغ فيه ولا ينبغي أن يتم.

تميز الفكر الإسلامي بتوازنه، فهو يوازن بين متطلبات الإنسان المختلفة سواء كانت مادية أم معنوية، وكذلك سواء كانت اجتماعية أم اقتصادية، فهو لا يرى أن يطغى جانب إلى آخر. ولكن بعض الإسلاميين أحياناً أغرقوا في هذا التوازن من حيث إن لكل مرحلة تاريخية ظروف تحكمها، وبالتالي لابد من تحديد أولويات هذه المرحلة بكيفية لا تتعارض مع هذا التوازن.

ولنحدد فكرتنا السابقة في إطار موضوعنا، فمثلاً التيار الليبرالي في مجتمعنا العربي المعاصر ركز كثيراً في رؤيته لحل أزمة الحرية في مجتمعاتنا على الحرية السياسية وذلك بإنشاء الأحزاب وتشكيل النقابات وتوفير التعددية الحزبية والحريات الصحافية ولكنه في الوقت ذاته لا يهتم بالحرية الاجتماعية، بينما ركز التيار الماركسي في حل الأزمة ذاتها على الحرية الاجتماعية وذلك بتوفير متطلبات الإنسان الأساسية من ملبس ومسكن ومأكل وتعليم وعلاج، بينما تقتصر الحرية السياسية على الحزب/ الفئة الحاكمة، ولا تترك للشعب المشاركة السياسية، ومن هنا وجهة نظرنا لا يبدي التيار الإسلامي أو لنقل رموزه الإسلامية وجهة نظر واضحة في أولويات الحرية هل هي سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية، ومن هنا نرى أن أهمية تحديد الأولوية التي عليهم أن ينطلقوا منها لحل أزمة الحرية في مجتمعاتنا.

أجواء العزلة تفرض على الإنسان حالة معينة عندما يتعامل مع الحرية بعكس ما إذا كان الإنسان يعيش حالة طبيعية مع المجتمع والعالم، ففي كل حالة يكون التعامل مع الحرية مختلف، ففي حالة العزلة يتعامل مثلاً مع الرأي المختلف والمخالف بحساسية بينما في الحالة الطبيعية يعتبر ذلك أمراً طبيعياً.

فالمرحلة التاريخية الراهنة شهدت تعامل مختلف من الإسلاميين مع المجتمع والعالم، ففي السابق وجدناهم يعيشون حالة عزلة ما عن مجتمعهم والمجتمع العالمي بينما الآن الوضع أخذ منحى آخر فعلى مستوى الدولة والسياسية بدا لهم ظهور مختلف، وعلى المستوى الفكر كذلك، ومن هنا أن مضمون الحرية في هذه قد يأخذ مضامين أخرى تختلف عن المراحل التاريخية السابقة فلابد من الالتفات لذلك.

الحرية في فترة ازدهار وتطور المجتمع تختلف عنها في فترة تخلف وتأخر المجتمع، ومنها نحن نطالب عدم محاكمة الإسلام في موضوع الحرية، لأن الإسلام مرتبط بمن يقوم بتطبيقه، فإذا كان من يطبقه متخلف فإن فهمه لمفهوم الحرية الإسلامي سوف يكون متخلف والعكس، لأنه لا يمكن أن ينتج الوعي المتخلف فكراً مستنيراً، وهنا لو أننا نعيش حالة تقدم لأصبحت كثير من مشاكل الحريات في مجتمعنا مفروغاً منها.

يتم التعامل مع الحيرة بجانبها السلبي فعندما تذكر الحرية يترادف معها مفهوم التحرر من القيم والمثل وكذا الإباحية الجنسية، وذاك في رأيي ناتج إما من سوء فهم واضح للإسلام أو ناتج عن تجربة خاطئة منقولة من مجتمعات أخرى، بينما في الأساس يلزم عند الحديث عن الحرية أن نذكر جانبها الإيجابي، كأن يعطى اهتمام واضح للإبداع والتعبير عن الرأي بدون مضايقات وتوفير جو صحي لمثل هذه القضايا.

وهذا يبدو لي لا يتعلق بالفكر الإسلامي وحده بل هي متوفرة في أغلب الفكر العربي، الذي أرى بأنه ليس واحداً أو لنقل غير متجانس، فلدينا فكر عربي ولكنه متأثر بنزعات. فلدينا فكر عربي يوصف بأنه ذو نزعة قومية وآخر ذو نزعة دينية وثالث ذو نزعة ماركسية ورابع ذو نزعة ليبرالية، هذه النزعات قد تلتقي في بعض المسائل وقد تختلف، ومن ضمن ما تتفق فيه أن ثمة مشاكل موجودة في الفكر العربي بأغلب نزعاته لابد من إخراجه منها، وسوف نضرب أمثلة في كيفية النظر للحرية فالفكر الإسلامي مثلاً في أغلبه، نجده ينظر إليها في جانبها التحرري من القيم والمثل وفي الإباحية الجنسية، بينما التيار القومي في أغلبه ينظر إليها على أنها إذا أتيحت سوف تضيع الوحدة العربية بينما ينظر لها التيار الماركسي أن توفير الحرية السياسية سوف يقضي على الحرية الاجتماعية.

عندما يطالب الإسلاميون بالحريات سواء كان سياسية أو فكرية أو غيرها أو من النظام الحاكم، فهل لديهم أساساً استعداد لذلك باعتبار أن المطالب بالحرية لابد لكي يمارسها أن يكون واعياً لما يريد، وأن يتسم بروح ونفسية قابلة لتطبيق الحريات سواء كانت هذه الحرية له أو مطلوب منه أو يوفرها لغيره، ولنضرب مثالين لذلك، الأول: هل الإسلامي يتعالم مع أله ومرؤوسيه بطريقة لا تتناقض مع مطالبته للحريات؟ فهل يعطيهم الحرية لكي يُعبروا عن وجهة نظرهم تجاه القضايا المشتركة، والمثال الثاني: هو كيف سيتعامل الإسلاميون إذا وصلوا الحكم مع خصومهم ولا سيما الذين اضطهدوهم من قبل؟ هل سيوفرون حريات لغيرهم أم لا؟ صحيح يوجد رموز إسلامية تمثل الاعتدال الإسلامي معروف موقفها من مسألة تداول السلطة بين الإسلاميين ومختلف التيارات السياسية الساعية للسلطة، ولكنهم لا يمتلكون كل التيار الإسلامي فيوجد تيار آخر يرى أنه عندما يصل إلى السلطة لا يمكن أن يعطي لغيره الحرية في ممارسة نشاطاتهم، ومن هنا نرى أن هذا التيار وتيار استئصال التيار الإسلامي سواء لا فرق بينهم في هذا.

مسألة الجماعة (الطائفة، القبيلة، العائلة، الأسرة، التنظيم نماذج) من المسائل التي تعطيها الحركات الاجتماعية في العالم العربي (الحركات الإسلامية نموذجاً) مكانة مهمة على صعيد المتجمع، ومن أثر ذلك نجد أنها تقدم مصلحة الجماعة على حرية الفرد أو مصلحته إذا تعارضتا، ولكن يبدو أن مسألة الجماعة أخذت أحياناً مساراً غير سليم في فكر هذه الحركات فنجد أن الحركة تعتبر نفسها جماعة ومتى ما انفرد أو اتخذ فرد ما منتسب لهذه الجماعة بموقف أو رأي مختلف ولا أقول مخالف لها اعتبر كأنه مخالف لها وأنه خرج منها. فلا يوجد في داخل هذه الحركات حرية الرأي والتعبير ولعل فكرة الطاعة لازالت هي الفكرة المسيطرة على فكر هذه الحركات فعلى الكوادر السمع والطاعة للرموز وللكبار.

معنى أن الغرب هو صاحب الحضارة العالمية، هو أنه يستطيع الوصول إلى أذهاننا باعتباره هو النموذج/ المعيار الذي نرجع إليه كلما قمنا بعمل ما، وهذه الحالة تسمى بحالة الاستلال فمثلاً عندما نقوم بعمل ما فإننا تلقائياً نقوم بافتراض حدوثه في المجتمع الغربي -أمريكا مثلاً- ونتساءل عن كيفية ردهم ومن ثم أقوم بتقرير موقفي، فالغرب حافر في مجتمعاتنا -وهذا وضع طبيعي باعتباره صاحب الحضارة الأقوى- سواء بفكره أو قيمه، ومن هنا فقضية كالحرية بمفهومها الغربي لا يمكن أن تغيب عن مجتمعاتنا، لوجود من يتبنى الفكر الغربي في مجاله النظري أو ممارسته العملية.

الإنسان في المجتمع الغربي حظي باحترام، ومن هنا فلا نعجب كيف نال الإنسان الغربي حرية، فالحرية في المجتمعات الغربية بلا ريب تتقدم على الحرية في المجتمعات العالمثالثية -هذه إن وجدت- رغم أنه في تعامله مع قيمة احترام الإنسان ينحو المنحى المتناقض، فتراه يعطي احتراماً وينظم حقوقاً للحيوان، وفي نفس الوقت تراه لا يعطي احتراماً للإنسان في المجتمعات الشرقية أو العالمثالثية أو أنه يؤمن بالديمقراطية والتعدد في مجتمعه وينكرها عندما يكون تعالمه مع المجتمعات الأخرى. ولكن الإنسان في المجتمعات العربية -كذلك العالم الثالث- لا يوجد له أي احترام ويبرز ذلك في أبسط قضايا الحياة اليومية، فكيف يحصل من لا احترام له على الحرية، فالاحترام سابق للحرية.

لعل الإسلاميين هم أكثر أفراد المجتمع التي تأثروا بالقمع الذي تمارسه الدول العربية، فكثير منهم رموا في السجن لسنين عديدة، ومنهم من فقد عضو أو أكثر من أعضائه، ومنهم وهذا هو المهم من فقد إنسانيته فالمسجون عادة ما تنتهك كرامته، ولا ننسى أن الكثير منهم قد قامت الدولة العربية القمعية بتصفيته داخل السجن أو خارجه، وحيث قامت الدولة العربية القمعية من أوضح بديهيات الصراع بين التيارات الإسلامية والدولة العربية القمعية.

ومن هنا أقول: إن تيار العنف الذي ظهر في بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة –الجماعة الإسلامية في مصر نموذجاً وما رافق ذلك من تكفير وغلو- أحد الأسباب لتبنيها العنف كخيار لمقاومة الأنظمة أو تغييرها أو للضغط عليها، هو ممارسة هذه الأنظمة القمع في حق الإسلاميين وعدم إعطائهم حق التعبير عن الرأي مما جعلها تتجه للعنف. وأتصور لو تم فتح الباب للحوار مع هذه التيارات لأصبح وضع المجتمع العربي في غير الصورة التي عليه، وإلا هل حدث في العقود الأولى من القرن العشرين ظواهر عنف كما هو موجود في العقود الأخيرة، فمتى ما تخلت الدولة العربية عن ممارسة العنف مع أفراد المجتمع ومنها مع التيار الإسلامي فإن وضع الحرية سيختلف بلا شك.

مشكلة التعليم في مجتمعاتنا العربية المعاصرة تطول جميع هذه المجتمع، ومن ثم فإن أي مجتمع يعاني إشكالية في نظام تعليمه يؤثر ذلك في طريقة تعامله مع ما يحيط به، فالمجتمع المتعلم ليس كالمجتمع غير المتعلم، وكذلك المجتمع الذي يراعي نوعية التعليم يختلف عن آخر لا يهتم بنوعية التعليم، ومن هنا فالمجتمع غير المتعلم لا يمكن له التعامل أو الاستفادة من الحرية بصورة سليمة أو صحيحة، فالتعليم يوفر جزء مهم من الوعي لدى الإنسان، صحيح توجد نماذج ممن لم ينتظموا في التعليم إلى نهايته ولم يتحصلوا على شهادات عالية وتمكنوا من الوصول لمكانة متميزة واستطاعوا أن يعوضوا عدم حصولهم على تلك الشهادات بالقراءة والمطالعة والنقاش وحضور المنتديات والكتابة ولكنهم ليسوا بالقاعدة… عموماً فالتعليم والثقافة باعتبارهما رافدان مهمان لتشكيل الوعي أو عدم مراعاة التعليم الجوانب الجوهرية للإسلام أو عدم مراعاة هذا التعليم الإسلام أو في نوعية هذا التعليم، الذي يساعد الإنسان في معرفة حقوقه وواجباته، والمطالبة بحقوقه على أسس راسخة، ومن هنا عندما لا يجري المجتمع العربي إصلاحات على نظم تعليمه فلن تتقدم مسيرة الحرية، ولعل ظاهرة العقول العربية المهاجرة غنية عن التعريف، حيث إن أحد أسبابها أن العلماء والأخصائيين والأكاديميين لا يجدون مناخاً جيداً من الحرية لكي يعبروا عن أفكارهم أو اكتشافاتهم.

ليس لدى أفراد المجتمع العربي آلية معينة في كيفية تعامل بعضهم مع بعض، فكل تيار لا يريد أن ينفتح على الآخرين، بل يريد أن يقيم سور حوله ولا يريد أن يخرج منه وفي نفس الوقت لا يريد أن يدخل عليه أحد، ويتبين ذلك في كيفية تعاملهم مع بعض فمثلاً لازال الإسلامي يتوجس من الماركسي وكذلك الماركسي يبادله الشعور لأسباب معروفة، وكذلك لا يريد العلماني من الإسلامي أن يحافظ على مقدساته وهذا خطأ يقوم به العلماني، يقابل بخطأ من الإسلامي حيث يحمل العلماني في إبداعه أكثر مما يحتمل كما يحدث في بعض الأعمال الأدبية أو الفكرية.

السؤال المهم المطروح هنا هو: باعتبار -النقطة السابقة- نقول ما مدى بحث وتحاور التيارات الموجودة في المجتمع العربي المعاصر والمختلفة في وجهة نظرها نتيجة اختلاف المرجعيات، بأن نتفق على مسائل كبرى للحرية بحيث تعتبر متفقات –مسلمات إن صح التعبير- المجتمع حول الحرية فلا يستطيع أحد أن يتعرض لها، ولنضرب مثال يقرب الصورة أكثر لو تعرض مجتمع ما لعدوان أو غزو من طرف خارجي عليه، فإن أفراد المجتمع سيهبون ويجمعون على أهمية مقاومة الغزو أو العدوان وسيعملون لتحرير الأرض، فأرى أنه بالحوار والنقاش سواء كان مباشراً أو غير مباشر نستطيع الوصول إلى بعض المواقف والآراء التي تصوغ مفهوم معين للحرية، لكي يتكون لدينا رأي عام موحد حيال الحرية، وهذا يتطلب توافر رغبة صادقة وثقافة سليمة واحترام للاختلاف وانتماء صادق للمجتمع.

ولعل النقطة السابقة تدعونا للحديث عن التيار الإسلامي تحديداً، فهل يستطيع هذا التيار العريض والكبير بمختلف توجهاته، سواء كانت معتدلة أو متشددة منفتحة أو منغلقة -لا ننسى أن نذكر هنا أن هذه التقسيمات تخضع للنسبية، فيمكن أن ينتقل المعتدل في قضية/ موقف إلى متشدد في قضية/ موقف آخر- فهل يستطيع هذا التيار بمختلف قراءاته للإسلام أن يتوصل إلى نقاط اتفاق فيما بينهم على أقل التقادير، أرى أنه إذا تحقق ذلك فسوف يتغير حالنا إلى حال أحسن.

[1]  معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، د. زكي أحمد بدوي، بيروت: مكتبة لبنان، ط 1986م، ص168.

[2]  نحن والمستقبل، الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق، ج3، د. قسطنطين زريق، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط الثانية، عام 1996م، ص289.

[3]  بحوث في الملل والنحل، الشيخ جعفر سبحاني، بيروت: الدار الإسلامية، ط الثانية، عام 1991م، ج1، ص267.

[4]  موسوعة السياسة، تأليف مجموعة من الباحثين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط الثالثة، عام 1990م، ج1، ص914.

[5]  المدرسة الإسلامية، السيد محمد باقر الصدر، بيروت – طهران: دار الكتاب الإيراني، ط الأخيرة، عام 1981م، ج1، هامش ص101.

[6]  نظرة جديدة إلى التراث، د. محمد عمارة، بدون مدينة إصدار، دار قتيبة، ط الثانية، عام 1988م، ص111.

[7]  الخروج عن الزمن، عماد الدين الجبوري، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط الأولى، عام 1990م، ص99.

[8]  القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 255.

[9]  المصدر نفسه، سورة الكهف، آية 29.

[10]  الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية، د. محمد سعيد رمضان البوطي، بيروت: دار الفكر المعاصر، ط الأولى، عام 1984م، ص105.

[11]  قيم من التراث، د. زكي نجيب محمود، القاهرة: دار الشروق، ط الثانية، عام 1989م. ص223.
323551