مواقع مجهولة
أحمد مكي الغانم * - 27 / 2 / 2011م - 6:05 ص - العدد (19)

تمهيد

يقال: إنه ما بين عام 480 – 490م أخذت الرمال تزحف على منطقة القطيف، من اتجاهين هما الشمال والغرب مشكِّلة تلالاً بلغت علواً يصل في بعض المناطق إلى 6 – 8م، وطمرت بلداناً وقرى عديدة، ولعدم وجود تدوين لها لم يعد أحد يذكرها أو يعرف عنها شيئاً، ووصل طغيان الرمال إلى حد أنه طمر بعض مزارع النخيل، وحتى الثلث الأخير من القرن العشرين كانت كرانيف النخيل وسعفها بارزة في أعالي تلك التلال، في كل من شمال صفوى وحتى القطيف جنوباً، بما في ذلك المناطق المحيطة بـ"لاجام" من كافة الاتجاهات.

لاشك في أن إزاحة الرمال من موقعها شكّل حزام أمان إلى البلدات التي كانت متاخمة له، ونحن إذ نورد بعض المواقع في الأسطر القادمة ما هي إلا بأسمائها التي تعرف بها حالياً وليست الأسماء القديمة لها والتي كان الآباء والأجداد يعرفونها، وأضاع نقل الرمال –قبل أن توضع دراسة ميدانية لموقعها- فرصة نادرة لتخليد تاريخ وتراث منطقة كانت تعج بالحياة.

إن إدارة الآثار والمتاحف قامت بمسحين للمنطقة آخرها كان في عام 1977م، فما هي نتائج ذينك المسحين؟ حسب ما أظن لا شيء يعول عليه. وهذا لا يمنعنا من أن نسجل بعض الملاحظات التي ما تزال عالقة بالذاكرة، من ذلك بلدات تمتد من جنوب غرب صفوى حتى منطقة القرين شمال غرب سيهات.

يروي بعض أبناء المنطقة أنه كان يطلق على هذا الشريط من ا لأرض اسم "وادي المياه" قديماً وذلك لكثرة عيون الماء بها وأن العديد منها كانت مياهها تجري في قنوات مسقوفة تحت الأرض بأعماق متفاوتة، وقد رأيت بعضاً منها ولها برك تنظيف بارزة للعيان حتى وقتنا الحاضر، وقد راودتني فكرة تنظيف بعضها غير أن شيئاً ما منعني وكما يقول المثل الشعبي: "العين بصيرة واليد قصيرة".

حددت بعض الدراسات المسحية عيون الماء في القطيف بين خط طول (49 5, 58ق,45ث) شرقا، وخط عرض (26 5, 31ق,45ث) شمالاً، وتمتد من القطيف إلى صفوى وعلى طول أخدود في التركيبة الجيولوجية للجزيرة العربية عند الحافة الخاصة بالامتداد الحالي لواحات القطيف، والمواجهة لقلعة تاروت، واستدل على آثار العمران من خلال عنصرين هما:

الأول: وجود فخاريات وخزفيات أعطيت تواريخ مختلفة أقربها تعود إلى العصر الإسلامي الأول وحتى نهاية الدولة القرمطية، وبعضها لم يحدد له تاريخ، والبعض قال: "تعود إلى العصر السلوقي أو البارتي المبكر"، ويورد آخرون: "أنه وجدت فخاريات غير قابلة لتحديد تاريخ محدد"، وقال آخرون: "قد تعود لفترة ما قبل التاريخ"، ومن ألوانه الأخضر المصفر، وقيل: "من المحتمل أن تكون هذه الفخاريات هلينستية بيضاء تميل إلى اللون الأحمر أو حمراء رملية".

عاينت من كسره كثير خلال تجوالي بالمنطقة ولعدة مرات، والبعض منه ما يزال متوافراً على وجه الأرض في بعض المناطق.

الثاني: ما وجد في برك تنظيف مجاري مياه العيون، والتفاصيل العمرانية التي شوهدت في قاع أبراج التنظيف، جميعها تقوي احتمال تاريخ هذه الآثار لما قبل الإسلام[1] .

قد لا نكون مخطئين إن قلنا: إن التراكم التصاعدي في إهمال وتغييب متعمد لتاريخ وتراث هذه المنطقة يزيده يوماً عن يوم غموضاً، فمن عوامل ضياع البلدات في غرب القطيف:

1- القدم.

2- الزحف الرملي الذي اجتاح المنطقة، وعدم قدرة ساكنيها على وقف زحف الرمال.

3- عدم وجود سجل لها يحفظها بالاسم.

4- انقراض أهلها أو انتقالهم لمناطق غير معروفة، أو بعيدة عن المنطقة مما أدى إلى انقطاع أخبارهم.

5- تورد بعض المراجع أن الساسانيين عندما احتلوا الجزيرة العربية، لم يهتموا بما كان قائماً من معالم حضارية فيهان فإذا صح هذا القول فإنه يعد عاملاً آخر لضياع تاريخ وتراث المنطقة، وكان جل اهتمامهم منصباً على إخضاع المنطقة عسكرياً لتكون طرق التجارة في الخليج بأيديهم برية كانت أم بحرية.

ومن المؤسف أن معظم الذين اتصلت بهم بغرض توثيق ما ورد في هذه الأسطر لم يبدوا أي استجابة أو أي استعداد للمساعدة.

المزار

كلمة تطلق عامة على (الجبانة) وقد عرفها البعض من أبناء لآجام بـ/الكوكب، وينطقونها بالجيم الفارسية وذلك لوجود بعض النخيل المتفرقة فوق التلال الرملية وعين ماء تعرف بـ/عين لغميطي تسيل مياهها على الرمال المنخفضة، بها حالياً بعض منشآت الدفاع الجوي التابعة للوحدة الخامسة بالمنطقة، ويروى أنها كانت بلدة عامرة حسب أقوال أحد رجالات الحلة، ومن حديثه عنها قوله: أنه شاهد بها بيوتاً تحت الأرض ودخل بعضها، ويعززه ما سمعته من أحد العاملين بالوحدة المذكورة أعلاه التقيت بهم صدفة في ديوانية من ديوانيات المنطقة في مساء يوم الخميس 26/5/1419هـ الموافق 18/9/1998م، ومن حديثه: " تم رؤية بعض الكسر الفخارية بألوان وأحجام مختلفة على عمق متر ومتر ونصف وكذلك إخفاقات في بعض الأماكن التي تم تسويتها بعد أن رفعت الرمال منها ". وعضده بعد أسبوع أحد أصحاب حضائر الأغنام شمال غرب الموقع، وفي يوم الأحد 16/3/1421هـ الموافق 18/5/2000م رأيت المدعو / عجمي نواف المطيري وقد تجاوز الستين عاماً من العمر يرعى جمالاً شمال غرب العوامية أنقل حديثه بلهجته: "يا ويل كل هذا البر بلدان وحنا من سلالة من شيدها وعاش فيها ومطرح خيامنا منها"[2] 

وتعد وحدة المزار قديماً من كبريات الوحدات السكنية المحيطة بصفوى وفيها يقول الشاعر علي بن قرب العيوني:

نزلوا على صفواء صبحاً وابتنوا

فيها القباب وأيقنوا بأمان[3] 

أن البكاء على الأطلال لا يجدي نفعاً، ونحن هنا نورد خبراً ما مضى للتذكير فقط، تسليةً وترويحاً واحتراماً لمجد غابر لا غير، أمور كثيرة تقف في وجه الإنسان سداً منيعاً تمنعه من تحقيق رغباته، فينتابه القنوط مع آمال متضائلة جداً، فرحم الله من قال:

أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

البريمي

تقع جنوب المزار يفصلها عنه الطريق القادم من جنوب صفوى إلى لآجام، شمال غرب حاضرة العوامية على بعد 4,5كم، ويذكر أن بها عين ماء وأظنها العين المعروفة باسم (الجديدة)، قال عنها الأستاذ حمد الجاسر نقلاً عن كتاب "دليل الخليج": على بعد ثلاثة أميال في الشمال الغربي من العوامية، وتمتاز بعذوبة الماء، وبرفع تلال الرمال التي كانت تغطيها، امّحت كل معالم الحضارة منها، وعند زيارتي لها لم أجد فيها شيئاً يستحق الذكر أو يميزها عن باقي الأراضي التي تحفها غير حجرين فوق بعضهما البعض من الرمال المتصلبة، محيط العلوي منهما يبلغ 6,24م وقطره 1,60م أما السفلي فمحيطه 7,10م وقطره 1,95م، وأظنهما من بقايا تل رفع بالكامل كون مكانه حفرة تقدر مساحتها ما بين 100,40م و100,90م طولاً و100.20م عرضاً مكوناً بحيرة من المياه عند نزول الأمطار يبلغ عمقها نصف متر في الشتاء وخمسة سنتيمترات صيفاً.

ويقال عنها أنها تأتي في مرتبة بعد المزار بالنسبة للسكان الذين كانوا يقيمون بها قديماً، وحتى وقت قريب كان يقيم بها بعض القبائل من العجمان، وفي الوقت الراهن ليس بها من وأنيس سوى حضيرتين للأغنام، إحداهما تعود بملكيتها إلى محمد صالح العازمي أما الأخرى فلم أجد صاحبها لذا لم أتوصل إلى معرفته، وكسر الفخاريات التي شاهدتها من عموم فخاريات المنطقة، ويروي البعض ممن لهم دراية بتاريخ المنطقة، ولعل المنطقة المعروفة في سلطنة عُمان بالبريمي أُخذ اسمها من بريمي القطيف.

الصالحية

شرق جنوب البريمي، وشمال غرب حاضرة العوامية على بعد 3كم، وقد اندثرت كل معالم الحياة القديمة فيها أسوة بسابقتها، وبها عين ماء تعرف باسم (حشيش) قال عنها مؤرخ الجزيرة العربية الأستاذ/حمد الجاسر "أنها تسقي مزارع شمال العوامية نقلا عن كتاب دليل الخليجً" وقد اندثرت العين أسوة بما كان في المنطقة من معالم سكنية، ومن المحتمل أن تكون عين مشيش يذكرها أهل العوامية غير عين حشيش، ويحتمل أن تكون هي مع إبدال الحاء بالميم.

وعين مشيش اقرب للعوامية من حشيش كما هو مثبت في كتاب العوامية تاريخ وتراث، لمؤلفه علي زكي الصالح[4] .

ورغم اختفاء كل معالم الحضارة القديمة من الموقع، إلا أن الإنسان لا يعدم وجود بعض كسر الفخاريات التي جار عليها الزمن، ومن الأدلة التي يؤخذ بها على قدم تاريخ المنطقة.

الصدرية

من المواقع الأثرية المهمة في منطقة القطيف، يقع في غرب مزارع النخيل التابعة لبلدة القديح، كانت فيما مضى قطعة واحدة، وفي وقتنا الحاضر قسمت إلى قسمين شرقي وغربي، حيث شق طريق من الجنوب -أي من شارع الهدلة - حتى جنوب غرب العوامية.

يروي البعض من أبناء المنطقة، أن الجزء الشرقي كان به حتى أواخر النصف الأول من القرن العشرين بعض البيوت القديمة وهي من الآثار المهمة، وفي هذا يقول البعض من أبناء الاجام: "شفت بيوتاً في الشرق من عين الصدرية مكونة من بعض الغرف، وكنا في فصل الشتاء عندما نأتي للقطيف أو نعود إلى الاجام، ويصادف نزول أمطار كنا نحتمي بها حتى يتوقف المطر، وكذلك في فصل الصيف نأوي إليها حتى تكسر حدة الشمس"[5] ، ويذكر أن آخر من أقام بالصدرية من عوائل السادة عائلة (الصدر) وسميت المنطقة بالصدرية نسبة لهم، وقد هاجرت هذه العائلة إلى العراق بعد أن هاجر بنو عمومتهم من السادة أيضاً من بلدة (أم الساهك) قبل أن تسكنها بعض العوائل من بني خالد، وهذا ما أشار إليه الأستاذ حمد الجاسر نقلاً عن كتاب دليل الخليج "أم الساهك من قرى القطيف، وتقع غرب صفوا، شمال القطيف".

وجاء وصفها في كتاب (دليل الخليج) قبل نصف قرن بما تعريبة: أم الساهك: على بعد ميلين غرب صفوا، قرية تتكون من 60 منزلاً والسكان خليط من السنة والشيعة، تقع أم الساهك في منطقة زراعية معزولة انتهى.

ويروي البعض من أبناء القديح حديثاً طويلاً عن مقابلة نفر لهم في مرقد الإمام علي رضي الله عنه بالنجف ومساءلتهم عن أوضاع الصدرية وبيوتهم التي كانت فيها، ويضيف المتحدث أنهم ذكروا عدة بلدات قديمة لم يعد لها حالياً أي وجود، ومن ضمنها أماكن عدها المرحوم / محمد سعيد المسلم أفدية، وهي في حقيقتها بلدات هجرها ساكنوها لسبب أو لآخر لمحلات أكثر أمناً.

لقد تكالبت عليها عوامل الزمن وجور الإنسان فغدت خبراً بعد عين، وتتلخص عوامل اندثارها في عاملين أساسيين هما:

الأول: قدمها وعدم الاهتمام بها والعمل على صيانتها، مما أدى إلى فقدانها بشكل متعمد أو غير متعمد بسبب الإهمال، وقد غدت أماكنها غير معلومة إلا لعدد قليل من كبار السن.

الثاني: رغبة البعض ممن استحدثوا لهم مزارع في المنطقة بأن يوسعوا نطاقها فطمعوا في ضم هذه الأراضي إلى مزارعهم، دون أي اعتبار لتاريخ أو لتراث المنطقة فالربح هو دافعهم في الاستحواذ على المزيد من الأراضي وضمها إليهم.

وما يهمنا الآن هو القسم الغربي من الصدرية، الذي ما يزال يحتفظ ببعض المعالم الأثرية، خصوصاً البقعة التي حازتها وكالة الآثار والمتاحف وأحاطتها بشبك من الحديد، ورفعت على بابه لافتة جاء فيها "موقع أثري يمنع التعدي عليه" وقد غدت حروف اللافتة غير واضحة من القدم، ومما يميز هذه البقعة كبر مساحة الموقع الأثري فيها، والذي تبلغ مساحته 15,252,9م2 تقريباً ويتكون الموقع من مستطيلين الأول يمتد من الشرق إلى الغرب والأخر يمتد من الجنوب إلى الشمال، ويأخذ شكل رقم (6) - الهندي الأصل والذي يستعمل في بعض البلاد العربية على أساس أنه عربي المنشأ - وهذا الموقع على ما أظن من أكبر المواقع الأثرية في الشريط البري غرب القطيف، ومن بواقي هذا الموقع عين الصدرية ذات الشهرة الواسعة منذ القدم، وهي على تله مرتفعة من الأرض، ورغم الجفاف الذي تعرضت له المنطقة في السنين الماضية إلا إن آثار الماء ما تزال باقية فيه حتى يومنا، ويسيل ماؤها في قناة تحت الأرض كما يقال تصل حتى بلدة الحريف المندثرة -من الملاحظ أن الأستاذ علي إبراهيم الدرورة أول من كتب عنها بحثاً مستقلاً، وذلك سنة 1992م، ويقيم على أنقاضها حالياً مركز رعاية مرضى فقر الدم المنجلي- ومياهها عذبة المذاق، وتسقي المنطقة الغربية لسيحة القديح.

وقد اشتهرت الصدرية ببعض الأبراج المقامة على عيون الماء، والتي اندثرت ولم يعد باقياً منها غير برج واحد في حالة مزرية ومهدد بالانهيار، ومن الأعراض الـمَرَضية البادية عليه ما يلي:

1- فتحة في جهة الشمال أظنها مستحدثة بفعل فاعل وتقدر مساحتها بـ 1,60م ارتفاعاً وبـ 1,50م عرضاً وترتفع عن الأرض بمقدار متر.

2- تأكل في الجانب الشمالي الشرقي يبلغ طوله 5,50م وارتفاعه 70-80سم.

3- شق بجانب الفتحة الأولى من الأعلى حتى الفتحة نفسها.

4- فتحه في الغرب تصل إلى 70سم علواً و50سم عرضاً وترتفع عن الأرض بمقدار 2,50 م.

5- شق في الركن الجنوبي الغربي من الأعلى إلى الأسفل حيث يلامس الأرض بالقاعدة، وإلى اليسار منه فتحه أخرى صغيرة قابله للتوسع في أي وقت.

ويبلغ ارتفاع البرج ما يوازي (13م)، وقطره قد يصل إلى 11,60م، وسماكة جداره تعادل 50-55سم، وفي الجنوب الشرقي على بعد 100م من البرج القائم بواقي أطلال برج أخر قطره يصل إلى 10,30م وارتفاعه متراً واحداً بطول يصل إلى 2,5م وسماكة جداره ما بين 28-30سم

لا أعلم إن عمل به مجس لتحديد الزمن الذي يرجع إليه هذا الموقع أم لا، وعلى ما يبدو لم يتم ذلك فلم ألحظ أي ذكر لذلك في حولية أطلال، ومعلوم أن الوكالة قد قامت بمسحين للمنطقة أخرهما عام 1977م (1397هـ) كما جاء في حولية الأطلال العدد الثاني (صـ7)، والكسر الفخارية التي شاهدتها في الموقع من فخاريات عموم منطقة القطيف.

يروى عن أحد أبناء القديح قوله: "ما رأيته من كسر فخارية في الصدرية يتطابق مع فخاريات تاروت ولدى بعضاً منها"[6]  وبالرغم من أن زيارتي لها جاءت متأخرة إلا أني عثرت فيها على كسر فخارية ترجع لعهود سابقة للفترة الإسلامية في صدرها الأول وحتى نهاية الدولة القرمطية.

ومن الجدير بالذكر انه يوجد في شمال وشرق موقع الصدرية بعض أطلال الأبراج، منها اثنان غرب العوامية ملاصقين لأرض الجميمة، وواحد شمالاً في الركن الشمالي الغربي من العوامية أيضاً وكلها -على ما يقال- مشادة على عيون ماء، وآخر جنوب الطريق -طريق الهدلة- الذاهب من القطيف إلى لآجام، على بعد 1000 متر متهدم ولم يعد قائماً منه سوى جزء بسيط، وتجري مياهه في قناة تحت الأرض باتجاه الشرق، وبعض برك تنظيف مجرى الماء ظاهرة على وجه الأرض حتى يومنا الذي نعيشه.

وموقع الصدرية ليس مقتصراً على ما هو مسيج بل له إمتدادات في جميع الاتجاهات، في الشمال على بعد ما يعادل (1500م) تقريباً وتحديداً شمال غرب أحواض الصرف الصحي الواقعة غرب العوامية، توجد ترعة مستحدثة ليس بها أي أثر للماء استخلصت من جدارها الجنوبي بعض كسر الفخاريات من النوعية التي تتواجد في الصدرية وغيرها وفي الشرق من الطريق الذاهب إلى سجن القطيف.

وذكر عين الصدرية كل من: الأستاذ حمد الجاسر حيث قال " عين الصدرية تقع غرب القطيف "، وقال المرحوم / محمد سعيد المسلم " عين الصدرية بالقديح " (5).

ويروى إن مدير متحف الدمام سابقاً المرحوم/ وليد عبد العظيم الزاير، أنه طلب من صاحب المزرعة المستحدثة شرق الصدرية عدم تمديد مزرعته إلى الغرب حيث يوجد في المنطقة علامات أثرية، وانتقل الزاير إلى جوار ربه وتم لصاحب المزرعة ما أراد.

هذا نموذج من الحضارة المتباكى عليها ونريد لها البعث من جديد، فيجب أن تقرن الأقوال بالأفعال ونمد يدنا للمتحف الإقليمي بالدمام، حتى يتمكن من أداء رسالته المناطة به، في جميع بلدان العالم يتم التكاتف بين القطاع العام والخاص، ويجودان بالغالي لحماية وصيانة المواقع الأثرية، فما بالنا لا نكون جزءاً من هذا العالم، لا شك في أن المهمات الملقاة على عاتق

المتحف الإقليمي بالدمام تتخطى قدراته المادية والبشرية، فهو أشبه برجل مغلول اليدين وأعماله كثيرة ومتشعبة والمنطقة واسعة وآثارها هنا وهناك.

أن أعماله الاستطلاعية والتنقيبية في بعض المواقع التي تم اكتشافها تحتاج في أقل التقديرات إلى سنتين متواصلتين من العمل والجهد للحصول على النتائج المرجوة والتي لا يمكن الحصول عليها بشهر ولا حتى بسنة، كما تحتاج إلى أكبر عدد من العمال ذوي الخبرة، ومن تلك المواقع منطقة (ثاج) التي تحتوي على مدينة من أكبر المدن التاريخية، ومن المناطق التي توقف العمل التنقيبي فيها جنوب الظهران، والتي وجد فيها من الآثار الشيء الكثير، ومن المعالم التي تحتاج إلى التنقيب القلعة الإسلامية جنوب مطار الظهران أيضاً، وفي منطقة الجبيل تم الكشف عن مدينة بجوارها كنيسة، أما المواقع الأثرية التي سيجت واكتفي بعمل مجسات لها فحدث ولا حرج، بالإضافة إلى المئات من المواقع التي تركت كلياً لسبب أو لآخر، وما حديثنا عن موقع الصدرية إلا شاهد فقط.

ويعد متحف الدمام الأثري، مركزاً من المراكز المضيئة التي تعمل بكل جد في الحفاظ على تاريخ وتراث منطقة تعتبر من أقدم المناطق في شبه الجزيرة العربية، وتقدر حضارتها بأنها سابقة لبعض الحضارات التي ظهرت في وادي الرافدين، ويضع كل ما لديه من مكتشفات أثرية في متناول كل مواطن يرغب في الإطلاع عليها أو دراستها.

الدويسين

لا علم لي أن كان الاسم هو للعين، أم للأرض الصحراوية الواقعة غرب بلدة التوبي، الأمر سيان عندي وما يهمني أن الأرض تضم بقايا من حضارة كانت ذات يوم على شأن عظيم.

زرت هذا الموقع في يوم الجمعة 15/ 10/ 1999م الموافق 6/ 7/ 1420هـ، وكان الهدف من الزيارة على عكس الزيارات السابقة، فأول ما شدني فيها مشاهدة بقايا انقاض برج كان مقاماً على عين ماء، مكتوب عليه عين الديسين.

وجملة الديسين على خلاف الاسم الذي ذكره المرحوم محمد سعيد المسلم "الدويسين"[7]  وهو الصحيح حسبما سمعناه من أبناء المنطقة.

يبلغ ارتفاع الجزء المتبقي من البرج حوالي (2م)، وبطول يصل (1.5) بشكل هلالي، وسمك جداره (25-30سم) وقطره من قاعدته (5.60م) تحيط به بعض التلال الرملية، ولو انه يغلب عليه في الشمال وجنوب غرب الرمال المتصلبة.

ولمياه العين مخرج واحد من الشرق، وتسيل في قناة مغطاة تحت الأرض يبلغ عمقها (1.20م)، وبين كل مسافة وأخرى توجد بركة لتنظيف القناة، فأول بركة تبعد عن العين خمسة أمتار، وبركة شرقها على بعد(4.20م)، والبركتان مردومتان بأنقاض المباني القديمة، لكنهما باديتان للعيان حتى الوقت الحاضر، وعمق البركة يصل إلى (1.80م) أما الطول فهو (1.20م) وعرضه (90سم)، وكانت وسيلة قياس عمق البركة إرسال قضيب من الحديد طوله (2م) وقد أرسلته إلى قاع البركة بواسطة الطرق عليه بالمطرقة حتى توقف عند اصطدامه بطبقة صلبة في بالقاع.

وكسر الفخاريات التي صادفتها حول العين، نفسها فخاريات موقع الصدرية، وتتواجد في غرب العين اكثر من باقي الجهات وجنوباً يغلب على الأرض الطبقة الصخرية.

والمنطقة تضم بعض المقابر لجميع الحيوانات بأحجام وأنواع مختلفة، وهذا واضح من خلال العظام البالية التي تدل على القدم حتى أن بعضها ما تكاد تلامسه يد الإنسان حتى يتحلل، والقرون تأخذ أشكالاً مختلفة منها المنطوي على بعض وأخر مستقيمة على هيئة العصا، وشكل السيف وجماجم الحيوانات حدث ولا حرج.

وبعض القرون توحي بأنها لوعل أو غزال متشابكة.

جنوب الدويسين: (لحشيفية) بين التوبي والخويلدية غرباً

يروى أنه بلدة لم تختفِ عن الأنظار الا منذ أمد قريب جداً وأنها من البلدات التي ورد ذكرها في بعض التقارير التركية وأن التقرير المذكور قد أهمل ذكر بلدة التوبي والحلة، على ما نعلم من قدمهما، تقع في الغرب من بلدتي التوبي والخويلدية، وأرضها تتراوح بين الانبساط والتلال المنخفضة تغطيها الرمال الجيرية.

أهم ما يميزها في وقتنا الحاضر، تله خليط من صخور الجرانيت والرمال الجيرية، ولا يزيد ارتفاعها في بعض المناطق عن متر أو متر ونصف أو مترين في مناطق أخرى، والذي شدني إلى هذه التلة رؤية بعض الأحجار الجرانيتية بأشكال مختلفة في بعض سفوح التلة، مما دفعني إلى عمل جسٍّ فيها بطول متر وارتفاع 60سم وعمق 50سم، ظهر فيه وجود بعض الطبقات الصخرية الجرانيتية بنية اللون ومصفوفة فوق بعضها البعض، يفصل بين كل طبقة وأخرى طبقة من الجبس ارتفاعها ما بين 2-3سم، في الجنوب من هذه التلة ايضاً على بعد يتراوح ما بين 10-12متر، توجد حفرة كبيرة هي الآن مقبرة للنفايات، وأظنها تكونت نتيجة لنقل الصخور والأتربة التي على ما يبدو تكون فيما مضى مرتفع يعلو على باقي ارض المنطقة واعتقد وليس جازماً انها مكان البلدة المفقودة في الوادي.

وفيما بين التلة الذي عملت بها المجلس والحفرة السالفة الذكر، رأيت حجراً من الجرانيت البني يبلغ طوله حوالي 64سم وعرضه في المقدمة يلامس10-12سم والوسط يصل إلى ما يقارب من 34سم والمؤخرةبين20-25سم أحد وجهيه مغطى بطبقة جبسية تأخذ لوناً بنِّياً وبسماكة تصل إلى بين 5,-1سم، والوجه الأخر تغطيه طبقة من الجبس تتراوح سماكتها بين 20-22سم وهي متكأ (مسند) للحجر، فحاولت رفعه فلم استطع، فاكتفيت بقياسه وتصويره وتركه مكانه.

وفي حقيقة الأمر يصعب عليّ تحديد نوعية الشكل الذي يمثله هذا الحجر هل هو من الزواحف المنقرضة؟ أم أنه تجسيد لأي من الحيوانات التي كانت تعيش في المنطقة فيما مضى؟ وأقرب شيء أستطيع تخمينه عبارة عن جمل بارك إن صدق الحدس.

وفي يوم السبت 12/ 11/ 2000م الموافق 16/ 8/ 1421هـ، عزمت على زيارة المنطقة مرة ثانية، وعلى مقربة من المنطقة لمحت جنوبها عموداً من الدخان يتخلله لسان من نار، يبلغ ارتفاعه حوالي ستة أمتار، ولما دنوت منه رأيت هناك جرافتان تسويان الأرض، وعلمت من سائق إحداها أنهما تابعتان إلى بلدية القطيف، فاتجهت إلى حجرنا وصممت على نقله بأي وسيلة كانت، فاهتديت إلى تقليل الطبقة الجبسية السميكة، فما أن طرقت عليها حتى تفصد الحجر إلى أربع قطع رئيسية وبعض الشظايا الصغيرة فسهل عليّ نقله ومن ثم إيصاله إلى متحف الدمام الأثري.

وما أن شاهده مدير المتحف الأستاذ /عبد الحميد الحشاش، ومجزأً حتى قال (أن الصورة فتكونت من ترسبات طبيعة، وأنا ألتقي معه على أن الترسبات الطبيعية يمكن أن تشكل أي صورة على أي جسم شريطة أن يكون الجسم من قطعة واحدة، أما أن يكون الجسم مكون من أجزاء بشكل هندسي ومركب بعضها فوق بعض، فلا يمكن للترسبات الطبيعية أن يكون لها يد في ذلك التركيب، وأظن أن المنطقة تعرضت إلى سير جرافة من نوع منجزرة، وهذا ثابت من تكسر بعض الأحجار الصلبة من نوع الجرانيت والتي يطلق عليها اصطلاحياً في المنطقة صلبوخ.

ورفعت من المنطقة أيضاً مقشط على هيئة ورقة الشجر المنبسطة من حجر الجرانيت البني يتخلله البياض يبلغ طوله حوالي 22سم وأقصى عرض له 10سم، ورأسه يساوي عرضه 1.7ومدقه يعادل 5.7-5.8سم وبه بعض التكسرات بسبب الطرق عليه، وكذلك بعض الكسر الفخارية المختلفة الألوان والأحجام بعضها بالية كلياً يصعب تمييزها ترجع لعهود مختلفة.

وأثناء تجولي في المنطقة رأيت بعض العاملين لدى أرامكو، يقومون بإصلاح بعض أنابيب البترول المارة بالمنطقة، فسألتهم إن كانوا شاهدوا كسر فخارية أثناء الحفريات، فأجاب أحدهم (تشتريها؟) قلت: نعم إن كانت تفيد البحث العلمي بشيء، فأردف قائلاً (جئت متأخرا كلها طمرت تحت الأرض). لكنه أعطاني قطعة ذات وجهين الظهر أخضر غامق والبطن يميل نحو الصفرة للاخضرار بطول 11سم وعرضه أقصاه 7.8سم رأسيا مدبب، قال عنها أنها تعرف باسم الغراب ولما استوضحته عن التسمية أجاب هكذا يقولون عنها عندنا في نجد حيث أن الغراب سجد عليها فكانت بهذا الشكل (اللون)، وطينتها من الداخل صفراء صابونية، وفي الغرب للجنوب قليل على بعد يقارب من 1.5كم مزرعة تعود ملكيتها إلى يوسف محمد هجول، وبها بئر ماء مستنبط، وتقع جنوب منطقة الحشيفية، ويلاصقها مزرعة أخرى ملك صالح عبد الهادي آل عبادي، والمزرعتان ستكونان يوماً ما وادياً عميقاً يملأهما الماء ولن تفلح أي محاولة لإنقاذهما، وإن تأخر ذلك فلن يتأخر الخراب بفعل المخلفات التي تحاصرها من الشمال والجنوب.

ولدى الشعوب المتحضرة نظرية تقول: "إنَّ وزارة الزراعة والبلدية تعملان على تنقية البيئة وتحسين منظر المناطق المحيطة بالمناطق الزراعية والسكنية".

موقع السدرة

على اسم شجرة النبق والتي تعرف في الخليج باسم (شجرة الكنار) في الجنوب الغربي من الجارودية، وتحديداً في شمال غرب المزرعة المعروفة حالياً بإسم (علوج الخالدي)، وكان آخر من استثمرها كما علمت (علي المرزوق)[8]  من أهل الجش، ورغم أن الأرض منذ زمن ليس بالقصير وهي تحرث للزراعة، غير أن بقايا كسر الفخار القديم ما يزال يتواجد فوق سطح الأرض، بعضه يحمل خطوط مميزة ويتدرج في صنعه من الصناعات البدائية حتى التصنيع الجيد، والموقع حسبما أرى يأخذ شرق جنوب وجنوب غرب حيث تواجد كسر الفخار وبعض الأحجار التي أظنها ستستعمل في الموازين، الحجر القاسي (صلبوخ)

وتتحدد كسر الفخاريات التي جمعنها فيما يلي:

1- كسرتان شقة من جرتين مختلفتين مطويتين للخارج.

2- قطعة من مقبض أظنه لجرة به خطوط مستقيمة من الخارج والداخل وعرضه 3.7سم خامته حمراء رملية ومن الخارج يأخذ لون "البيج".

3- خمس قطع بدن فيها خطوط بارزة، وبأشكال متفاوتة.

4- قطعتان بدن أيضاً خاليتان من أي علامة كبراهُنّ سماكتها تبلغ 1.8 –2سم، خامتها رملية وطولهما 8سم وعرضهما 5.8سم وقطعة ثالثة مدهونة من الداخل بلون أسود طولها 6.8سم، وعرضها 4.8سم خامتها من النوع الصابوني.

5- قاعدة لقدح من الخامة الصابونية أيضاً قطرها يصل 7.5سم.

في الشمال من الموقع عين ماء أيضاً قطرها يصل إلى 9.10م وعمق يبلغ 13م مطوية بالحجارة والجص وماؤها فيما مضى ينساب في قناة تحت الأرض باتجاه الشرق وعلى عمق 3م ينخفض عن أعلى سطحها حالياً بحوالي 3م عرض فوهة القناة من العين 70سم وارتفاع 64سم بشكل هرمي ويلحظ جريان الماء حتى الآن بشكل نقاط من الركن الجنوبي الغربي على عمق يصل إلى 12م.

في الشمال الغربي من هذه العين وعلى بعد يتراوح بين 120م – 130م توجد عين أخرى محفورة في الصخر وأظن انه كان عليها فوق الصخر بناء، غير انه أزيل في وقتنا الحاضر واستبدل بناؤه بالطابوق والخرسانة المسلحة وعمقها مساوياً لجارتها غير أن قطرها أقل منها.

موقع البقلية

غرب الجش ويأتي في المرتبة الثانية بعد موقع الصدرية، من حيث المساحة ويقع في غرب جنوب الجش وهو قاب قوسين أو أدنى أن يصبح منطقة سكنية، حيث مجال الجش بالتمدد العمراني غرب جنوب اكثر احتمالاً من أي اتجاه آخر، والمباني السكنية أصبحت في حده شمال شرق الموقع الذي نتحدث عنه وحدوده شمالاً طريق البدراني عنك، غرباً المقبرة ومن ثم المدينة الرياضية المقامة حديثاً بالقطيف، وبه ثلاث عيون ماء تبعد إحداهن عن الأخرى ما يقارب مائتين وخمسين متراً، وثالثتهن تبعد عن الوسطى ما يقارب ستمائة متر، وجمعت من الموقع بعض الكسر الفخارية بعضها تحمل خطوط بارزة، قطعتان تمثلان شفة لجرة حافتها للخارج، بعد إيصالها ببعض أصبح طولها 16.3سم وعرضها 5.4سم ويبدو عليها آثار الحرق ولونهما يميل للحمرة من الداخل ورمادي من الخارج صلبة التماسك، وقطعتان بدن من نفس الفصيلة وقطعة بسماكة أقل بدنية أيضاً تأخذ لون بيج خارج وداخل والوسط اسود، وكسرت شفة مستوية من فصيلة ثانيه لونها يأخذ للسواد قطعة شفة أكثر ميلاناً للخارج من سابقتيها وبلونهما، وآثار الحرق بادية عليها، طولها 5، 5سم عرضها 6، 4سم وكسرة بلون البيج بها خطوط زخرفية صناعتها جيده، طولها 5، 8سم وعرضها 4-5سم، وكسرة شفة وردية اللون ميلانها للخارج بسيط جداً، ومجموع الكسر التي جمعتها 9 قطع.

العيون بالموقع على التوالي:

1- الهيليه: معدمة المعالم كلية، ولاشىْ يميزها حالياً سوى أثلة نبتت مكان العين والبيوت تحدها شمالاً يفصلها عنها شارع.

2- الشنية: في الجنوب الغربي من الأولى، على بعد يتراوح بين مائتين وأربعين متراً أو مئتين وخمسين متراً أسماها محمد سعيد المسلم بالسنية وما تزال بواقي البرج عليها قائمة يبلغ ارتفاعه 20، 3م تقريباً وسمكه يصل إلى 50سم وقطر العين 60، 15م وكانت من العيون المشهورة في المنطقة بغزارة مائها وعذوبته، ومما نمي لعلمي قريباً سيسوى بالأرض، لاْن البلدية واضعة المنطقة في مخطط سكني، ولم يكن أكثر ظلماً من الرمال غير الإنسان غير المدرك لتاريخه وتراثه، وجعل المادة فوق كل شيء.

3- البقليه: جنوب غرب عين الشنيه، تبعد عنها حوالي 300م لقد سوت الجرافات برجها بالأرض لذا لم أستطع إعطاء أي معلومة عنها سوى وجود بعض الكسر الفخارية شبيهة بما سبق ذكره في محيطها.

في الجنوب من المقبرة توجد بعض التلال الرملية، قليلة الارتفاع لا يعدم رؤية بعض كسر الفخاريات القديمة في سطحها، خامتها حمراء رملية.

القرين

قد تمر على الإنسان لحظه يجد الربط فيها بين كلمة سمعها وهو صغير، وسؤال يتعرض له بعد أن يكبر، أمر بالغ الأهمية فهو مفيد في تنشيط الذاكرة لاسترجاع بعض ما غاب عنها بعاديات الزمن وذلك في تحديد مسار عائلة من العوائل أو حدثاً تاريخياً قد عفا عليه الزمن وأصبح نسياً منسيا أما تعمداً أو إهمالا غير مقصود، أذكر أنه حتى عام 1952م (71-1372هـ)، كان يأتي بعض نفر من بلدة الدراز بـ(جزيرة أوال) لقضاء بعض أمور تخصهم، ومكان تجمعهم الأساسي منزل الحاج حسن وأخيه احمد أبناء علي بن غانم، مازلت اذكر بعضهم بالاسم وآخرين بالشكل، وفي السهرات الليلية يتناولون أحاديث شتى، قد تخص عوائل بذاتها أو حادثة قد مر عليها زمن أو مكان دخل في قاموس النسيان.

ومن ذكريات الماضي ونحن صغار عندما نذهب لزيارة الأقارب في سيهات، لا نهمل المرور بمنطقة القرين شمال غرب البلدة القديمة، لا لشيء سوى التمتع بصعود الجبل الذي يطلق اسم المنطقة عليه، في ذلك الوقت يعتبر بالنسبة لنا منتهى الراحة والاستجمام، وجبل القرين يعد أعلى نقطة في منطقة القطيف الحالية وليس هناك غير مزارع النخيل وبعض التلال الرملية وبيت واحد من سعف النخيل، تقيم فيه عائلة تتكون من فلاح يكنى بأبي يوسف ولا ولد له وزوجته الكركوبة المتآكلة وبنتان أكبرهما تكبرنا بقليل والصغرى تصغرنا بقليل.

في بعض الحالات نسهو في تلك البرية ببناء بيوت الرمل، حتى تغرب الشمس، وعندما نهم بالعودة للبيت كان الفلاح يوصلنا بنفسه، ومن تلك الذكريات إن صغرى بناته قالت ذات مرة: " أنا وأختي لا نأتي إلى هذا المكان إلا إذا جئتم، وأبي يستأنس بكم "، وكان الفلاح يجلس معنا في بعض الحالات ويقص علينا من قصص الأولين التي يحفظها عن ظهر قلب كأنه كتاب مسطور، ومن جملة أحاديثه قال ذات مره " القرين كانت بلدة عامرة " وبسذاجة الطفولة مرت العبارة وكأن لم نسمعها ولم يدر بخلد أي منا إن يسال أين ذهب أو لماذا تركوها؟

ومضت السنون وذهب كل لحال سبيله، وغابت الذكريات مثل تلك الأسرة المعدمة إلا من كرم الضيافة وحسن المعاملة. وتعود بي الذكريات لما قبل خمسة وعشرين عاماً، فكانت لي زيارة للمنطقة وكنت على ثقة بأني سألتقي بأبي يوسف وأرى الكوخ، غير أن الأقدار حالت دون ذلك، وصادف تواجد فلاح آخر يحصد البرسيم في بعض المزارع فتقدمت منه واستطلعته عن البيت وأصحابه فرد قائلاً: "لم يعرف أحد عنهم شيئاً" وأضاف "يقال إن عائلة كانت تقيم هنا"، فضاع مني حتى القصد الذي ذهبت لأجله.

ومن محاسن الصدف إن اقف على العدد الثاني من مجلة الواحة، واقرأ بها موضوعاً تحت عنوان (وقفية تكشف بلداً)، فعاودتني الذكريات وسطرت جملة طفت في الذاكرة.

وفي مساء الاثنين 20/11/2000م –24/شعبان 1421هـ تلقيت اتصالاً ما خطر لي على بال، وكان المتصل (أبو فؤاد /علي حسن سيف) ابن عمتي فاطمة أحمد علي، فكان يستفسر عن جواب لسؤال ورد إليه من أحد الأقارب من سكان منطقة سيهات (تركي المتروك)، فرجعت لسلة المهملات، وفي اليوم الثاني أعطيته الجواب، وهو اسم جدة السائل والدة أمه، وحددت له المنطقة التي تنتمي إليها، فرد بقوله:لم نرها غير برية فأجبته وأنا أيضاً لم أرها على غير ذلك، فذهبت للمنطقة وسجلت هذه الملاحظات بعدما استطلعت إدارة متحف الدمام فكنت "كالمستجير من الرمضاء بالنار". فلا شك إن ضفتي الخليج العربي تضم العديد من الأسر التي تحمل ألقابا هي أسماء بلدات كان أجدادهم ينتمون إليها مثل (الدرازي – الحجري – السنابسي – المقابي – السماهيجي … الخ)، ومن يدري لعل عائلة القرين المقيمة حالياً في صفوى ترجع بجذورها إلى هذه المنطقة المفقودة (القرين) أو الواقعة غرب شمال بلدة الآجام أو (قرين هجر)، وحتى وقتنا الحاضر يقيم في صفوى عائلات لا يعرف ألقابها الحقيقية سوى قلة من أبنائها، وكذلك هؤلاء الناس لا يعرفون المناطق التي جاء منها أجدادهم ولا أسباب قدومهم لصفوى.

جبل القرين

إن ضاعت القرية وأهلها فالجبل مازال باقياً ومنه يستدل على وجود السكان قديماً، والذي تبلغ مساحته الإجمالية 14400م2 تقريباً وارتفاعه من (11.5-12م) حده جنوب شرق وجنوباً توشك الرمال إن تغطيهما، وأما شرقاً وشمال شرق مجموعة من الصخور منفصلة عن الجبل الأم، وكذلك الحال بالنسبة للجزء المتبقي من شماله، شمال غرب وغرباً الرمال آخذة في النمو، وفي أعلى الجبل توجد بعض المغارات تأخذ شكلاً هلالياً وأخرى مقببة، ولونها من الداخل يميل إلى البياض على عكس ظاهرها الذي يميل إلى اللون الرمادي، وفي سطح الجبل العلوي توجد بعض الأحواض بأعماق وأحجام مختلفة، وأظنها فيما مضى اعمق من الآن، وأغزرها يصل لـ 70سم وطوله يتراوح بين 1-1.40م وعرضه من 46-63سم وعددها ثمانية أحواض.

في الجنوب الغربي من الجبل توجد تلّة صخرية علوها يمتد من 1.50- 2.00م في بعض الأماكن ومساحتها الإجمالية قد تصل إلى 920م2، وفي ركنها الشمالي الغربي يوجد حوض يمتد من الغرب نحو الشرق بطول 3.60م وعرض 1.10م وعمق يبلغ 1-1.5م، في حد الحوض الجنوبي وسطاً ما يشبه الاستراحة بعرض 30سم وطول 40سم وعمق يتراوح بين(7-10سم)، وأظن إنها تعرضت يوماً ما لتفجير متعمد، حيث يرى المشاهد بعض الصخور المتباعدة عن التلة وبأحجام متفاوتة، ويجب أن لا يغيب عن البال انه قد وجدت في أعلى الجبل (القرين) بعض كسر الفخاريات تماثل فخاريات المناطق الشمالية منه.

أما البلدة الضائعة فأظنها تقع في الجنوب الغربي من جبل القرين على بعد لا يزيد عن مائة متر تقريباً، حيث كانت توجد تلة من الرمال رأيتها وأنا صغير، كنا نحفر بها للعب ونرى بعض الكسر الفخارية والتربة السوداء المحروقة، وشمال شرق التلة كان يقيم بيت أبي يوسف.

[1]  أطلال العدد الثاني عام 1398هـ - 1978م ص22 - 23 - 24، موسى جعفر رضوان.

[2]  أحمد آل جميع- محمد مسعود المرزوق- الواحة عدد (13)، صالح علي الناصر 18/2/2000م 14/2/1421هـ.

[3]  ديوان علي بن المقرب العيوني الطبعة الأولى عام 1963م ص 695.

[4]  المنطقة الشرقية (البحرين قديماً) الجزء الثالث الطبعة الأولى سنة 1401هـ- ص1221- باقر أحمد السعدي- من تاريخ جزيرة تاروت/ علي إبراهيم الدرورة/الطبعة الأولى سنة 1410هـ.

[5]  العوامية تاريخ وتراث الطبعة الثانية عام 1991م ص268.

واحة على ضفاف الخليج (القطيف) الطبعة الثانية عام 1998م.

[6]  أحمد آل جميع - علي الجلال محافظ أمن لدى أرامكو.

[7]  أبو عبد الكريم عبد الله حسين حميد.

[8]  محمد غيث- حسين طاهر من أهل الملاحة- يوسف محمد هجول.
كاتب
302167