الشاعر الشيخ جعفر الخطي
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 27 / 2 / 2011م - 7:14 ص - العدد (19)

هو أبو البحر شرف الدين جعفر بن محمد بن حسن بن علي بن ناصر بن عبد الإمام الخطي البحراني العبدي، نسبة إلى بني عبد القيس، وقد لقب "أبو البحر" وكان بين الاسم وهذا اللقب التقاء وانسجام في المعنى حيث أن جعفر هو النهر أو البحر، هو أحد شعراء القطيف من الشعراء الذين لمعوا في فترة انتكاسة الفكر، وكان هذا الشاعر عبقريةً فذةً طلعت طلوع الكواكب في سماء ليل تلك الفترة، وتميز بطابع شعري عن قرنائه الذين ولعوا بالحياة الشعرية التقليدية، ولم يعطنا التاريخ بسطة إسهاب عن معالم حياة هذا الشاعر، وإن حفلت بقسم من أخبار حياته بعض الكتب التاريخية والأدبية كسلافة العصر، وكشكول البهائي، ومنن الرحمن، وكتب أخرى، وليس الخطيّ شاعراً فحسب بل كان له دورٌ كبيرٌ في ألوان من العلم كالفقه والأصول والفلسفة والحكميات، وبسطة من علم النجوم غير أنّ حديثي عن الخطي الشاعر لا الخطي العالم، وإنّ هذه الشخصية التي تمردت في شعرها على عصرها لم تعط ما تستحقه من احتفاء وإن وجدت بعض التدوينات التي لم تستوعب حياة هذا الشاعر الذي كان فلتة من فلتات العبقرية في تلك الفترة الخالية من جوهر الفكر. حيث لم يترسم شعره خطى الشعر التقليدي، ومعالم حروفها التي هي تقليدٌ محضٌ لألفاظ جوفاء لا هدف ولا جوهر فيها بل كتب شعره من مرآة نفسه، ومن ألوان عصره، وبرغم هذا التحرر من قيود تلك الفترة إلا أنه قد علقت به رواسب من صور التراث والتقليد أستعملها في شعره كلفظة المطي[1]  يستعملها في أداة المواصلات، ولعله لم يركب مطيةً، ووادي العقيق، ووادي الغضا، وغير ذلك من بعض التركيبات والكلمات، والكثيب، أي التل من الرمل، ولعله لم ير وادي الغضا أو وادي العقيق ولكنه تأثر وصبغة من التراث لم يستطع التفلت من بعض هذه القيود برغم ما تحرر من قيود تلك الفترة، ودرج على منهجية غير الشعراء من زملائه المعاصرين، فكان شعره صوراً لطبيعة القطيف وألواناً تصور حياة القطيف، وتنعكس في بعض القصائد فتراه يستعمل (منز - ودرز) وهي لهجة قطيفية ندلل على ذلك من قصيدة له يرثي بها طفل ويعزي والده فيه:

لعمر أبي لقد رمت الليالي

بحزّ في الحلوق وأي حز

لبدرٌ غاب قبل تمام نور

وغصنٌ جفّ قبل تمام درز

وطفل مات لمْ يركب جواداً

سوى حضن الوليدة والمنز

المنز يطلق على مهد الطفل، والدرز يعبر به عن الشجر إذا أورق، فهو يكتب ما يعايشه من طبيعة حاضر يمر على أرضيته، فهو يسجل حياةً يعيشها ويتفاعل مع أحداثها ومناظرها الطبيعية؛ لأن القطيف واحةٌ خضراء ذات نخيل باسقة وأشجار مورقة وعيون ثرة تطلّ على ضفاف الخليج في جهتها الشرقية، وفي الجهة الغربية تتوسد أذرعة الرمال الذهبية.

أما نشأة هذا الشاعر، ومتى ولد فقد وجدت تاريخًا لميلاده مدوّنًا في كتاب (معالم الأدب العربي في العصر الحديث تأليف عمر فروخ) صفحة 331 - المجلد الثاني يروي تاريخ ميلاد الخطي على نحو التقريب لا الواقعي حيث سجل أن ميلاده (نحو سنة 980 للهجرة 1572م)، ولم يسند تاريخ الميلاد إلى رواية أو وثيقة تاريخية، أما كيف نمت حياته الأدبية والعلمية فليس عندنا إلا بعض الروايات تردد على ألسنة المجتمع القطيفي منذ القدم تتلاقفها جيلاً بعد جيل إذا لم تنقص منها أو تزاد عليها، فيقال إنه من قرية التوبي ولد بها، ولكنهم لا يعرفون يوم الميلاد، ولا العام، وتقول الرواية الشعبية أنه ينتمي إلى قبيلة آل الشيخ التي لا تزال موجودةً في التوبي، ويؤيد هذا الانتساب ما رواه لي أخي العلامة الشيخ عبد الحميد الشيخ علي الخنيزي الخطي أنه سمع من علي الشيخ من أهالي التوبي أنه من ذرية الشيخ جعفر الخطي، وكان لديهم ديوانه مخطوطًا فأصيبوا بحريق فاحترق الديوان فصار رماداً لأن بيوتهم من سعف النخل كما كتب العلامة الشيخ عبد الحميد الخنيزي الخطي قصيدةً عصماء في الشيخ جعفر الخطي سنورد منها أنموذجاً:

يا هزاراً أقصته كف الزمان

عن مغانيه في الصبا الريان

لمْ يكد يلمح الصباح على الأفق

فغشى عينيه ليل دخان

أوحش الروض يوم أقصت عنه

وتعرى من نضرة وافتتان

وتهز الصبا الغصون ولا تسـ

ـحب فيه عواطر الأردان

والسواقي قد ألجم الذعر فاها

والقماري ذبيحة الألحان

مصرعٌ حوّل الجنان جحيماً

يتلظى مفجر البركان

أصحيحٌ ياجعفرٌ ياهزار

الشعر يابكر ربة الإلهام

قد نحرت الشباب في مذبح

اليأس وودعته بحرقة ظام

أفضنت عليك ياجعفر الخط

وجادت بصفوها للئام

أتعاطيك ياهزار الروابي

علقماً والغراب أشهى مدام

قم تلفّت ياشاعري فالمغاني

آهلاتٌ لمّا تزل بالطغام

الليالي لا تبتئس مولعات

بخسوف البدور ليل التمام

وعلى ضوء هذه الرواية التاريخية يكون مسقط رأسه التوبي التي هي قرية من قرى القطيف. ذات رياض وعرائس نخيل، وعيون ثرة وفيرة تميس فيها عرائس أشجار الليمون والأترج والتين وأشجار فواكه متنوعة، والعيون الثرة النابعة من جوف الأرض، وهي كثرٌ في هذه القرية قبل أن يمشي عليها اليباب ويحرق ربيعها.

وعاش الخطي بائساً لم تحن عليه ظلال نخيل القطيف الباسقة، وأشجارها الوريقة حتى وصل إلى مستوى عيشة فقر مذقع. يعجز حتى عن شراء عمةً له كما صورها في قصيدته التائية التي سنوردها بعد هذه الدراسة، ولم تكتف أشباح الفقر بما ضببته حوله من سيوف تنهش في جسمه، وأشواك تنتثر في دربه فتدميه حتى طاردته في وطنه فتشرد ولجأ إلى أوال، وسجل مطاردته في شبح مخيف من قصيدةً كتبها معتذراً للشيخ عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد المحسن سنة 1019هـ، وأرسلها إلى ممدوحه بالقطيف نورد منها ما يدلل على رؤيتنا:

ولولا وجوهٌ في القطيف أخافها

لما طال بالبحرين عنك ثوائي

إنّ في هذا البيت لتصويراً دقيقاً، فأنك ترى أشباح الخوف المرعبة تتمدد في كلماته، ولا نعرف العوامل والأحداث الزمنية التي أخافته وشردته إلى أوال، وإن كانت هناك بعض الحكايات لم تسند لوثائق تاريخية، ولعلها واقعية أن الخطي كان متعلقاً بأمراء بني مقلد ويحكى قد جرى على هذا الأمير أحداثٌ دبرها له خصومه فأوقعوا به وهذه إحدى العوامل التاريخية السياسية - إن صحت - التي دعت الخطي للتشرد، ولا نستطيع أن نقدر المدة الزمنية التي قضاها في أوال غير أن هناك بعض التواريخ لقصائده قد تحدد الفترات. فقصيدته التائية التي كتبها مهنئًا أحد أشراف القطيف بعيد الفطر سنة 1017هـ تدل على أنه لا يزال مقيماً في القطيف لم يبدأ تشرده إلى أوال ومتى بدأ هل هو في هذا العام أو عام الثامن عشر بعد الألف الهجري؟ غير أننا لا نستطيع أن نحدد الزمن الذي بدأ تاريخه لتشرد الخطي وسكناه في أوال هل هو بدأ قبيل العام التاسع عشر بعد الألف أو في العام نفسه كما دلت عليه قصيدته التي مدح فيها الشيخ عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد المحسن؟ وقد ترك لنا صوراً من شعره تصور قرى أوال كالقميعيات وبوري.

والخطي كما أعطينا عنه تعريفاً أنه من طراز لم يتأثر كل التأثر بأسلوب الفترة الانتكاسية الفكرية، وهو يكتب ما يشاهده من حياة تنطبع في مخيلته، وتنعكس عليها في مرآة صافية من البيئة التي يعيش على أرضيتها فندلل على ذلك بمقاطع من قصيدته التي يصف بها قرية بوري:

عج بالمطيّ على معالم بوري

بمحل لذاتي وربع سروري

وأطل بها عني الوقوف فما أرى

شوقاً يحركني لها بقصير

واستنش رياها ففي عرصاتها

عند العبور بهنّ نشر عبير

واستوص نشر عبيرها بي إنه

قمنٌ بنشر عبيري المقبور

لم تجعل العبرات خدي معبراً

إلا على مري بها وعبوري

لا أمطرت ديم الربيع بساحتي

ان لم أحل بربعها الممطور

هل لي إلي تلك المنازل عودةٌ

يهدا بها نفسي وفرط زفيري

فتكف من فيض الدموع فذا وذا

محوا سوادي مقلتي وضميري

إن يصبني ذكر الديار فإنه

لإناث أصبية بها وذكور

وجدي الصغير بها لأصغر صبيتي

وكبير أشواقي بها لكبيري

وقفة أيها القارئ معي لهذا المقطع من قصيدة الخطي حين يرسلها شواظاً من قلب يذوب أنات وتفجع حسرات إلى وطنه الثاني أوال حيث ترك عائلته وصبيته صغاراً وكباراً. ففراق الأهل مر المذاق، فهو يرسل هذه الأنات من شيراز. من ربوع إيران. من ضفاف الخليج تسبح على موجاته السائرة بوهج أحرف الشاعر المنطوية على لهب من تشوق إلى ضفاف أوال، وقبل أن نؤطر الصورة نأخذ عليه ما أشرنا له آنفاً من بعض الاستعمالات التراثية ككلمة عجْ، والمطي، وهو الذي قد تفلت من قيود تلك الفترة، ويختم صورة قصيدته ويؤطرها بصورة رائعة بعد أن وصف معالم بوري من طبيعة النخل، والماء:

وجدي بها لأصغر صبيتي

وكبير أشواقي بها لكبيري

قسمةٌ عادلةٌ حيث قسم حبه إلى وجد صغير وخص به صبيته الصغار، وشوق كبير لأبنائه الكبار، ولما في البيت من صورة مشرقة الظلال رائعة اللفظ والمعنى فالخطي في هذه الصورة عكس الحب الذي درج عليه الآباء فهم يرون الحب الكبير للصغير حتى يكبر إلا أنّ الخطي في هذه الصورة الشعرية ناقض هذه المقولة كما ترى ثم يستمر في هذه القصيدة:

من لا يطيق فراق يوم واحد

لكم فكيف يكون بعد شهور

آه وقلّ على أوال تأوهي

فإذا جننت بها فغير كثير

ما كنت مبتاعاً أزقة فارس

بالفيح من عرصاتها والدور

هيهات ماشيراز وافيةً بما

في تلك لي من نعمة وحبور

بلد تعادل صيفها وشتاؤها

في الطيب للمقرور والمحرور

لقد كنت يا أبا البحر وفيًّا لأهلك وأحبائك وأصدقائك، فأراك كلما بعدت بجسمك قربت بروحك وحبك. وهكذا شيمة الشعراء الأحرار الذين يذوبون شموعاً لتسرج فتضيء لأوطانهم وأحبائهم. وإني لأخاطبك من وراء جدر السنين الطوال لأقول لك إنك لا تتحمل فراق يوم واحد فكيف بفراق شهور. أنها في عد التاريخ الزمني في حساب دفتر أبي البحر لعدةٌ من قرون، وهو بعيدٌ عن الأهل والوطن، إنك صورت هذا الفراق في ألوان صور من شعرك،وهذا ما أشرنا إليه في رؤيتنا لشعرك أنك لم تترسم شعراء هذه الفترة فتحن إلى الأطلال واقفاً عليها ذارف الدموع وإن لم تتفلت كل التفلت من بعض تقاليد التراث فشوارع شيراز وأزقتها لا تعادل عندك معلماً من معالم بوري،ولم ترو ظمأ قلبك الصديان،ولم تشبع مناظرها عينك المسمرة في مناظر حدائق بوري،فأنت لا تزال ظامئ الحس إلى إطلالة ضوء من شمس سماء أوال.ويستمر الشاعر في هذه القصيدة الحنينية:

لا شيء أبهج منظراً من صحوه

والشمس فيه كدارة البلور

ومتى أغام أراك خيمة سندس

غشى سماوتها دخان بخور

ويعود الشاعر إلى ذكريات عذبة، فيصور مناظر شهدها في سماء أوال ولم تنسه النقلة الجديدة في شيراز هذه الذكريات فيصف يوم الصحو في سماء أوال في بهجته،فكأن شمسه قطعة من البلور تتماوج طيوفها الشمسية على صفحة مياه الجداول أمام عينيه يوماً داكناً في رؤى الشاعر ومخيلته يصور جوه خيمةً من شجر أخضراً قد غشى سمائه موجةٌ من دخان البخور.

كما نورد له نموذجاً من طبيعة أساسه وذوقه المرهف حين يصف دولاب القميعيات بأوال فيعطيك مشهداً من طبيعة رياضها ونخيلها فكأنك تعيش مع الشاعر:

يا غاديات السحب لا تتجاوزي

في السقي دولاب القميعيات

سقيًا يفي بحقوق باقي عيشنا

فيه ويسلفنا حقوق الآتي

لم أنس أيامًا جنيت مبكراً

ثمر المنى فيها ولا ليلاتي

روضٌ كما شرفت مطارف سندس

تذكو علبه نواجم الزهرات

يستوقف الأبصار بين شقيقة

حمراء ياقوتية الورقات

كما رسم في قصيدته السبيطية وهو يعبر بحرها بين توبلي ومري حين الجزر ومعه ابنه رسم حدثاً من الأحداث الغريبة،وكان فيها رساماً لمناظر متسلسلة منذ بدأ الحدث حينما قفزت السمكة السبيطية من البحر الساكن؛لتشجه فتسيل دماء وجنته اليمنى لتعيده منطوياً على جراحات فيلبس داره وينطوي على ألم مر ألهمه جو هذا الألم هذه القصيدة غير أننا نأخذ عليه ما علق في دمه من تركة التراث القديمة كالنخوة بقبيلة بكر وتغلب وهتافه بهما لأخذ الثأر من سمكة ضعيفة لا تثبت إلا أمام أبطال شهي الأكل كما نستحسن منه بعض المبالغات في تهاويل الحادث ونقف ونسأل الشاعر:ماذا يقصد من أخذ الثأر،هل أخذ الثأر عند الخطي صيد هذه السمكة بعينها التي شجت خده وتقطيعها وشويها بالنار فيأكلها بنهم وقوة فأن هذا السمك من اللحم الأبيض اللذيذ الذي له طعمٌ ونكهةٌ، فليتنا نحظى بمأدبة عليها طبق من السمك السبيطي المشوي وتكون من ذرية السمكة التي شجت خد شاعرنا فنظفر بالثأر.

وهذه القصيدة أبدع فيها الشاعر في أسلوبها وصورها فهي تواكب العصر حتى يومنا هذا. ونورد من هذه القصيدة مقاطع:

برغم العوالي والمهندة البتر

دماءً أراقتها سبيطية البحر

ألا قد جنى بحر البلاد وتوبلي

علي بما ضاقت به ساحة البر

فويلٌ بني شن ابن أفصى وما الذي

رمته به أيدي الحوادث من وتر

دمٌ لم يرق من عهد نوح ولا جرى

على حد ناب للعدو ولا ظفر

تحامته أطراف القنا وتعرضت

له الحوت يابؤس الحوادث والدهر

لعمر أبى الأيام إن باء صرفها

بثار امرئ من كل صالحة مثري

فلا غرو فالأيام بين صروفها

وبين ذوي الأخطار حربٌ إلى الحشر

الا أبلغ الحيين بكراً وتغلباً

فما الغوث إلاّ عند تغلب أو بكر

أيرضيكما أن امرأً من بنيكما

وأي امرئ للخير يدعى وللشر

يراق على غير الضبا دم وجهه

ويجري على غير المثقفة السمر

وقفةً معي أيها القارئ لنعيش مع الخطي في نكبته الكبرى كما يراها ويصورها في هذه القصيدة التي انبعثت من معاناة ألم فكان للسبيطية فضلٌ حيث أثارت ألم الشاعر وجرحت كبرياءه ليسكبهما حرفاً في وترباكي، ونخوة تفيض حماساً ويهدد لأخذ الثأر وينتخي بوائل وبكر أنه حدثٌ أريقت فيه دمٌ لكن لا بحد سيف ولا بطرف عسال فصور الخطي هذا الحدث منذ فاتحته بصور لون فيها الشاعر الحدث وأطره بروعة وأن أخذنا عليه كما قلنا بعض التهاويل غير أنها مهما أخذت من طابع تراثي تقليدي في أسلوبها تختلف كل الاختلاف وتتباين عن شعراء فترته وهو يعد من بينهم عبقريةً نادرةً وأسلوباً متطوراً ويمضي الخطي في هذه القصيدة ليتابع الحدث التصويري في حروفه كشريط سينمائي فهي وليدة إحساس ومعاناة لذلك تفجرت بركان لهيب حماسي:

أنا الرجل المشهور ما من محلة

من الأرض إلا قدْ تخللها ذكري

فإن أمس في قطر من الأرض أنّ لي

بريد اشتهار في مناكبها يسري

تولع بى صرف القضاء ولمْ تكن

لتجرى صروف الدهر إلا على الحر

توجهت من مري ضحىً فكأنما

توجهت من مري إلى العلقم المر

تلجلجت خور القريتين مشمراً

وشبلي معي والماء في أول الجزر

فما هو إلا أن فجئت بطافر

من الحوت في وجهي ولا ضربة الفهر

لقدْ شق يمنى وجنتي بنطحة

وقعت بها دامي المحيا على قطري

فخيل لى أن السماوات أطبقت

عليّ وأبصرت الكواكب في الظهر

وقفةً لنسمع الخطي وهو يتنبأ لنفسه من كمائم الحاضر فيستشف أضواءً تنعكس على مرآة مستقبل عاطر بذكره سياراً كما يسير البريد في عصرنا من مدينة إلي أخرى. إن هذه التنبؤات قد تحققت وأصبحت أيها الخطي حقيقةً واقعيةً يلمسها المفكرون والأدباء مجسدةً في حروفك الخالدة وراح الخطي يرسم بريشة الفن منظر الحدث في صورة متحركة كشريط سينمائي تشاهد مرئياته:

فلست بمولى الشعر إن لمْ أزجه

بكل شرود الذكر أعدى من العر

أضرّ على الأجفان من حادث العمى

وأبلى على الأذان من عارض الوقر

يخاف على من يركب البحر شرها

وليس بمأمون على سالك البر

تجوس خلال البحر تطفح تارةً

وترسو رسوّ الغيص في طلب الدر

تناول منه ما تعالى بسبحه

وتدرك دون القعر مبتدر القعر

لعمر أبي الخطي إن بات ثأره

لدى غير كفء وهو نادرة العصر

فثأر علي بات عند ابن ملجم

وأعقبه ثأر الحسين لدى شمر

ويؤطر الخطي قصيدته بأسلوب تاريخي يوازن فيه معاناته وضياع ثأره عند هذه السبيطية وليس هو الوحيد الذي ضاع ثأره فإن العباقرة الأحرار دائماً يقسو عليهم الدهر وتضيع أوتارهم ولم يقف على هذه الشريحة بل يوغل إلى أبعد الحدود فيضرب مثلاً بأرفع قمة فقد ضاع ثأر الإمام علي عليه السلام عند ابن ملجم، وضاع ثأر الإمام الحسين عليه السلام عند شمر وهذه مبالغةٌ ترقى إلى حد ينتقد عليها فما ثأره عند سمكة ضعيفة لا حول لها ولا قوة بالقياس لما قاسه في موازنته التي لا تنطبق على الواقع الملموس فبينه وبين الإمامين علي والحسين عليهما السلام ما بين القمة والسفح أو ما بين السماء والأرض إن جاز هذا التعبير ونشكر السبيطية كل الشكر حيث أوحت له هذه القصيدة من معاناة مرة فهي تستمد من حدث تجربة وأن بالغ الخطي بفخر ما بعده فخر من أسلوب ورثه من التراث في دمه وسار فيه على منهجية الشعراء القدامى غير أنه يختلف عن شعراء فترته حيث يكتب جل حروفه من واقعه المعاش وبيئته التي درج على صعيدها وتنفس الخطي في هذا الجو الكئيب الدامي له بسلاح الشعر فالشعر سلاحٌ لا يقف أمامه الأبطال ولو كانوا دارعين وهذا من رؤيتنا ما كان للشعر من دور تأثير في الحياة ونريد هنا أن نفسر ما أراده الخطي بضربه مثلاً أن ثأره عند السبيطية كالثأر عند قاتل الأمام علي عليه أفضل الصلاة والسلام وثأر قاتل الأمام الحسين سلام الله عليه ولا موازنة بينهما والخطي لعله عندما ضرب بهذا المثل لعقيدته الصلبة أراد التبرك بذكر أهل البيت فإن ذكرهم كله خيرٌ، والخطي قد نعى على الذين يبكون أو يتباكون على الطلول وهي أدراس بالية أو أحجارٌ صماء فاسمعه:

ماذا يفيدك من سؤال الأربع

وهي التي إن خوطبت لم تسمع

سفه وقوفك في رسوم رثة

عجماء لا تدري الكلام ولا تعي

فذر الوقوف على محاني منزل

عاف لمختلف الرياح الأربع

وامسك عنان الدمع عن جريانه

في دمنة لا تحمدنك ومربع

الله جارك هل رأيت منازلاً

عطلت فحلتها عقود الأدمع

واستبق قلباً لا تعيش بغيره

وشعاع نفس إن يغب لمْ يطلع

فانظر الخطي في هذه القصيدة يجاهر برأيه النقدي ويوجهه للذين يتباكون على الأطلال ودرجوا على سيرة التراث التقليدي فالتراث يسري في دم البشر ولا يكاد يتخلص منه حتى أحفاد الأحفاد ولكن الخطي يرسلها ثورة عارمة تجتاح عقول التراثيين المنغلقة والجامدة كالصخور، ونريد هنا أن نشير إلى حياة ترتبط بحياة تاريخ الخطي فنحن لا نعرف العوامل التاريخية على الحقيقة التي دعته إلى ترك أوال والسفر إلى شيراز بربوع إيران عام 1016هـ هل من العوامل الدعوة التي جاءته من السيد خلف بن السيد عبد المطلب ملك الدورق حينما وقع بينه وبين أخيه نزاعٌ فسمل أخوه عينه فكتب للخطي يبث له شكواه مما عمله أخوه فيه ويعتب عليه ويطلب منه السفر إليه فلبى هذه الدعوة والتقى به في مدينة شيراز وهذه الدعوة من ملك الدورق للخطي لتسلية الملك وبثه همومه وتضميد جروحه تدل على عظمة شخصية الخطي ولمعانها في أفق الحياة وما ينطوي عليه من سياسة بعيدة المرمى يفزع إليها في الملمات فاهتبل الخطي هذه الفرصة فألقى بين يديه القصيدة التي أولها:

أبا هاشم انهي إليك تحيةً

تحييك رياها برايحة العطر

ونستشف من بعض تواريخ القصائد أنه عاد إلى مدينة أوال ولعل للخطي زورات متكررة إلى شيراز وهذا الظن التاريخي نأخذه من بعض تواريخ القصائد فقصيدته التائية التي كتبها مهنئاً أحد أشراف القطيف بعيد الفطر وسنوردها أخر دراستنا هذه تاريخها 1017هـ وقصيدته الرائية التي يصف بها حدث السبيطية عندما عبر خليج يفصل بين مري وتوبلي بمدينة أوال يؤرخ الحدث عام 1019هـ والحدث وقع له في أوال فهذا دليلٌ تاريخي على أنه لم يستقر في ربوع إيران كل الاستقرار بل هو كالظل في نقلات بينهما.

ويؤسفنا أن أكثر قصائد الديوان لم تحمل طابعاً تاريخياً والطابع التاريخي مرآةٌ تستكشف منه الأحداث الزمنية وتطور أسلوب الشعر في حياة الشاعر فتعطي عنه أسلوب التطور والرقي، فلهذه العوامل لا نستطيع أن نتابع سير الخطي في تجواله غير أننا نستشف أن سفرته الأولى إلى إيران التي رحل على أثر دعوة السيد خلف في هذه الرحلة اجتمع بالعلامة الكبير الشيخ البهائي ودارت بينهما مساجلة أدبية وقدر العلامة البهائي الخطي وطلب منه أن يعارض قصيدته التي مطلعها:

سرى البرق من نجد فهيج تذكاري

عهودٌ بحزوى والعذيب وذي قار

مدح بها صاحب الزمان عجل الله فرجه وسهل مخرجه فأعطى العلامة البهائي إلى الشيخ جعفر الخطي مهلة شهر لمجاراة قصيدته سالفة الذكر فأجابه الخطي طالباً أسبوعاً ثم استثنى الخطي وانتحى ناحيةً من المجلس فكتب خريدته العصماء هكذا تقول الرواية التاريخية كما أكبرها العلامة البهائي وأثنى عليها وقرضها ونورد منها مقطعين:

هى الدار تستسقيك مدمعها الجاري

فسقياً فأجدى الدمع ما كان للدار

فلا تستضع دمعاً تريق مصونه

لعزته ما بين نؤى وأحجار

فأنت امرؤٌ قدْ كنت بالأمس جارها

وللجار حقٌ قدْ علمت على الجار

عشوت إلى اللذات فيها على سنا

شموس وجوه ما يغبن وأقمار

فأصبحت قدْ أنفقت أطيب ما مضى

من العمر فيها بين عون وأبكار

نواصع بيض لو أفضن على الدجى

سناهن لاستغنى عن الأنجم الساري

حرائر ينظرن الأصول بأوجه

تغص بأمواه النضارة أحرار

معاطير لم تغمس يدٌ في لطيمة

لهن ولا استعبقن جونة عطار

فعندما أكمل الخطي قصيدته التي عارض بها قصيدة العلامة البهائي وقرأها في ذلك المجلس التي كتبها فيه فكانت بنت ساعتها كان لها الوقع والدور الكبير في نفس العلامة وأخذت عليه آفاقه الفكرية فأطراها وقرضها وهذا التقريض له قيمته لأنه صادرٌ من ناقد كبير حاذق يعرف النظار ويميزه من الفحم. والخطي إذ يبدع في هذه القصيدة ويثور فيها على من يسكب دموعه على الأحجار ويتباكى على الأطلال فهو في أسلوبه كما قلنا تميز عن شعراء تلك الفترة وأعطانا صورة لها طابعٌ يميزه، وينهي هذا المقطع بأبيات فيها صورة رائعة فالفتيات النواصع البيض لو نفضن على الدجى قبسةً من سناهن ليستعيض الساري في دلوجه بنورهن عن ضوء النجوم والأقمار واستغنى بعطرهن الطبيعي الخلق عن أعطار الزهور وهن لم يتعطرن من جونة عطار ولم يغمسن أيديهن في لطيمة طيب أي قارورة طيب فهو مقتبسٌ من معنى بيت العربي القديم (وجدت بها طيباً... وإن لم تطيب) ونختم هذه القصيدة بهذه الأبيات التي نظر الخطي مستقبله من مرآة الحاضر فأنعكس على ضوئها مستقبله المشرق سوف تكون له شهرةٌ تملأ الحياة فصور هذه الرؤيا في هذه الأبيات:

جهلت على معروف فضلي فلم يكن

سواه من الأقوام يعرف مقداري

على أنه لم يبق فيما أظنه

من الأرض قطرٌ لم تطبقه أخباري

ولا غرو فالإكسير أكبر شهرة

ومازال من جهل به تحت أستار

متى بلّ بي كفاً فليس بأسف

على درهم أنّ لمْ ينله ودينار

وهذه القصيدة تنبأ فيها الخطي إلى جو جديد يمتد بعد حياته المادية عندما يلف من هذه الحياة الفانية إلى حياة باقية خالدة لقد صدقت رؤيتك فأنت حيٌ في ذاكرة التاريخ فإن أسفارك وبعدك عن عائلتك وعن موطنك الأول القطيف وموطنك الثاني أوال أنها نقلة تغرب أعطت نمواً وخصباً نبتت أزهاراً تتضوع ذكرى عطرة لشاعرنا الشيخ جعفر الخطي لأن العبقرية تنصهر في بوتقة الألم، وما هذه الدراسة إلا نفحةٌ من تلك القارورة المهروقة على حواشي التاريخ ولولا هذه النقلة التغربية لطوي سجل ذكره وضاعت حياته وشعره وأسمه في تلافيف الزمن السحيق، فهجرته إلى ربوع إيران أحد العوامل التاريخية التي أتاحت له فرصةً ذهبية يلتقي على بساط العلم والفكر والأدب بالعلامة الكبير الشيخ البهائي، وقد كانت لهذه الغربة حنين أوتار تتشظى من فؤاده قطعاً باكية وأنات شوق فيها ولهٌ. أسمعه في قصيدته الضادية التي وجهها من ربوع إيران إلي عائلته بأوال نورد منها مقطع حنين فاصغِ معي لينشدنا الخطي:

خذ في البكا إن الخليط مقوض

فمصرح بفراقهم ومعرض

وأذب فؤادك فالنصير على النوى

عينٌ تفيض ومهجةٌ تتفضض

هاتيك احداجٌ تشد وهذه

أطناب أخبية تحل وتنقض

ووراء عيسهم المناخة عصبة

أكبادهم وهم وقوفٌ تركض

وقفوا وأحشاء الضمائر بالأسى

تحشى وأوعية المدامع تنفض

يتخافتون ضنى فمطلق أنة

ومطامنٌ من زفرة ومخفض

قبضوا بأيديهم على أكبادهم

والشوق ينزع من يد ما تقبض

فاذا هم أمنوا المراقب عرضوا

بشكاتهم وإن استرابوا أعرضوا

رحلوا وارآء البكاة وراءهم

شتى فسافح عبرة ومغيض

أتبعتهم نفساً ودمعاً نار ذا

تشوي الرياض وماء ذاك يروّض

من ناشد لي بالعقيق حشاشةً

طاحت وراء الركب ساعة قوضوا

لمْ تلو راجعةً ولمْ تلحق بهم

حتى وهت مما تطيح وتنهض

عندما قرأت هذه القصيدة الضادية للخطي هاجت بي الذكرى وطويت الأيام القهقرى إلى ما وراء السنين إلى أيام اليفاعة عندما كان والدي الإمام الخنيزي يلقي عليّ دروساً في العشي وكان يقرأ هذه الأبيات ويترنم إعجاباً بها فرحمك الله يا أبتي رحمة الأبرار فقد كنت المعلم والأستاذ الأول لي واليوم أعود وذاك الصدى يغمر كياني لأدرس هذه القطعة السيمفونية وأحللها والفضل في ذلك لمعلمي الذي فتح لي آفاقاً من الأدب والعلم فالقصيدة تفيض حناناً وشوقاً مبرحاً وعاطفةً تمدها أشباح الفراق وتتمدد فيها أطياف الغربة وليسمح لنا الخطي بنقدات فالخطي لازال مشدوداً بالتراث لم يتفلت منه كل التفلت وإن تمرد على عصره وجاء بتجاربه من ألوان بيئته بيد أنه قد يجري بعض الدم التراثي في عروقه فأستعمل كلمات هي أدواتٌ لعصور أنطوت بطي اأستعمالها ككلمة العيس والأخبية ووادي العقيق وشاعرنا قضى رحلته من ضفاف أوال إلى ربوع إيران على متن قلاع تمخر في بحر الخليج العربي ولم يستخدم في رحلته العيس ولا الأخبية وأين هو من وادي العقيق إنما أهله في مدينة أوال يعيشون وبرغم هذا وذاك فقد أبدع الشاعر برغم صعوبة هذه القافية فلم يقع منها رويٌ غير نابت في موقعه وتأمل معي هذه الصورة المتحركة في دورانها كخفقات قلوب المودعين أحبابهم ساعة الفراق (قبضوا بأيديهم على أكبادهم … والشوق ينزع من يد ما تقبض) تأمل أيها القارئ في صورة هذا البيت كيف صور الخطي الشوق العارم الذي هو تيارٌ كهربائي ينزع الأكباد ولا يقف أمامه حاجب مهما كان من قوة أيد ويصور الخطي أن حشاشته قد ضاعت يوم الرحيل في غمرة الذهول كما يضيع قعب اللبن فتلك الحشاشة سقطت من الركب حينما قوضوا فهو يذكرني بالشاعر الكبير الشريف الرضي (يضاع فينشد قعب الغبوق … وقلبي يضاع فلا ينشد) فالخطي يقبس هذه الصورة فيقول (من ناشد لي بالعقيق حشاشةً … طاحت وراء الركب ساعة قوضوا) والخطي قد أفل في غربته بعيداً عن وطنه حيث غرب وانطفأ في غربته كما ينطفئ الكوكب الذي تعقبه شعلة بيضاء عند موته عام ثمانية وعشرين بعد الألف هجرية. حيث وافته المنية بمدينة شيراز بإيران ودفن عند مرقد السيد الجليل السيد أحمد بن الأمام موسى الكاظم عليه السلام على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام.

ولولا هذا التجوال وهذه الغربة لضاع الخطي كما ضاع غيره من مفكري القطيف، ويا للأسف إنّ بلادي لا تحتفل بمفكريها كأنهم لم يكونوا من كيان مجدها، بل تقبر شموسها وتخسف أقمارها، وتدفنهم في جدران السنين البعيدة السحيقة، وتعيش على مائدة مفكري غير بلادها، وهذه ظاهرةٌ متأصلة في نفوس القطيفيين وقد شخصت هذا الداء وجسدته وناديت مفكرين بعلاجه والقضاء عليه في عدة أساليب من كتابتي لعلي أصبت الهدف ولعله هو العلاج لهذا الداء بإيقاظي المتناومين، وإن ظهرت في سماء بلادي لمحة صحو من بعض مفكريها عنوا بتراثهم، وكتبوا عنه إلا أنهم قليلون، آمل من الله أن يكثر من هؤلاء الرجال المخلصين الذين يسرجون شموعهم لتضيء للأجيال القادمة في هذه الحياة، وهذه غيرةٌ وطنيةٌ انبثقت من صميم قلبي، فأعود للشيخ جعفر الخطي فأسجل حقيقةً مرةً لو لمْ يمت بعيداً عن وطنه لضاع تاريخ موته كما ظنت بتاريخ ميلاده الظنون وضببت حول حياته ونشأته الغيوم.

وبرغم ظلم التاريخ له يعد سعيداً حيث لا يزال يعيش حياً في محراب القلوب والألسن وبطون التاريخ، وكتب عنه بعض الدراسات، ونظم فيه قصائد من الشعر وقد أشرت للخطي إشارةً ضوئيةً خاطفةً في كتابي خيوط من الشمس في الحياة الأدبية والخطي لم أعثر إلا على ديوانه الذي جمعه راويته الغنوي ولم أعثر له على كتب علمية ولعله ترك ثروةً فكريةً علميةً ولكن الزمن الذي يضيع الأحرار ويمحيهم من ذاكرة التاريخ فرحمك الله يا أبا البحر فأنت مفخرةٌ من مفاخر القطيف وحرفٌ أخضرٌ يتدفق معيناً في جداول الأفكار راجياً من أبناء القطيف أن يعدوا الدراسات والبحوث لهذا الشاعر العبقري الذي في رأيي هو كيانٌ من الفكر الأدبي القطيفي وسنثبت له هنا قصيدته التائية من ديوانه المطبوع الذي قام بطبعه أديبٌ غريبٌ عن وطنه لا يربطه به إلا الفكر، فإن بلادي كما وصفتها تقبر مفكريها وتضيع تاريخها إلا ما استثني من ثلة خيرة، أرجو الله أن يمدها بالنشاط والتوفيق لتكمل مسيرتها في تاريخ الوطن، وقبل أن أختتم هذه اللمحة عن شاعرنا الشيخ جعفر الخطي أحب أن أشير إلى خطأً تاريخياً وقع فيه معلق ومخرج ديوان الشيخ جعفر الخطي الأستاذ الخطيب السيد علي بن السيد حسين الهاشمي رحمه الله وجزاه الله خيراً حيث قال بالحرف ولد شاعرنا بالخط وذيل في هامش نفس الصفحة رقم (4) الخطي بفتح الخاء المعجمة. وتكسر نسبة إلى الخط. قرية من قرى البحرين. ويؤسفني هذا التعريف من أديب وخطيب يجهل تاريخ قطر عربي عريق له دورٌ في الحضارات والسياسة والاجتماع منذ العصور القديمة، فالخط ليست هي قرية من قرى البحرين، إنما هي قطرٌ مستقلٌ لم يسجل التاريخ في صفحاته يوماً ما أنها تابعٌ لجزيرة أوال ونوضح المفهوم العام لكلمة الخط هي أسم يطلق على القطيف والأحساء والبحرين، كما تطلق البحرين على ما تحتويه كلمة الخط وتشاركهما هجر في مفهوم معناهما وإذا أطلقت كلمة قطيف أختصت بالقطيف التي حددها التاريخ قديماً وفي شعر أبن مقرب

والخط من صفوة حاذوها

فما أبقوا بها شبراً إلى الظهران

وأوال تختص بالجزيرة المعروفة بالبحرين اليوم وإذا أطلقت كلمة الأحساء اختصت بالقطر المعروف اليوم بالأحساء، فمن أراد أن يعرف حقيقة ما قلناه فليرجع إلى معاجم اللغة ومعاجم التاريخ القديم كمعجم البلدان وغيره، والشاعر الشيخ جعفر الخطي ولد على صعيد أرضية القطيف ويؤيد ما نقوله الشاعر نفسه حيث أشار إلى ولادته وسجل طفولته البلهاء ونشأته على هذه الأرض الخيرة، في قصيدته التائية:

هلا سألت الربع عن سيهات

عن تلكم الفتيان والفتيات

فنطلب من الباحث المؤرخ لحياة المفكرين أن يدرس ديوان الخطي ليقف على الحقيقة التي ذهبنا لها وأيدناها بالأدلة التاريخية، وتعليقنا على ناشر الديوان القصد منه الحقيقة لتصحيح هذا الخطأ التاريخي للأجيال والتاريخ، والله الموفق.

هلا سألت الربع عن سيهات

عن تلكم الفتيان والفتيات

ومجر أرسان الجياد كأنها

فوق الصعيد مسارب الحيات

ومجدفات السفن أدنى برها

من بحرها ومبارك الهجمات

حيث المسامع لا تكاد تفيق منْ

ترجيع نوتي وزجر حداة

ان القطيف وان كلفت بحبها

وعلتْ على استيطانها زفراتي

اذ أين جزت رأيت فيها مدرجي

طفلاً وأترابي بها ولداتي

لاجل ملتمسي وغاية منيتي

أني أقيم بتلكم الساحات

فسقى الغمام إذا تحمل ركبه

تلكْ الرحاب الفيح والعرصات

واجتازت المزن العشار فطبقت

بالسقي من عنك إلى بنكات

حتى توشح بالجميم وتكتسي

ربواتها بنواجم الزهرات

أفلان اني قدْ بدا لي عندكم

غرضٌ يهجن ذكره أبياتي

لا شيئ أحقر منه إلا أنني

أعددته من أكبر الزحمات

فوصلته بك وهو بعث عمامة

فضية ذهبية العذبات

يحكي خدود البيض ساير لونها

وكناير في حمرة الوجنات

أولون بيضكم إذا ما استنضيت

ورجوعها محمرة الشفرات

واصفح وغض عن الإساءة أن من

شيم الكريم تجاوز الهفوات

إذ من يكلفك اليسير كمن يسوم

الغيث واحدةً من القطرات

هذا واقسم بالمحصب من منى

ووقوف وفد الحج في عرفات

وبما أطيح هناك من شعر امرئ

وبما أريق هناك من دم شاة

لولا اعتقادي فيك أنك تشتري

ما أشلت الأقوام من مدحاتي

لمْ اثن وجد رجاي نحوك لا ولمْ

أفتح بمسألة إليك لهاتي

فأنا وان عض الزمان بغاربي

أو فلت الأيام حد شباتي

لا صون عن مدح اللئام ترفعاً

شعري واقصر دونهم خطواتي

فاستجلها عذراء بنت سويعة

من حرّ ما جادت به كلماتي

لو تنشد الطائي ألغى عندها

أحبب إليّ بطيف سعدي آلاتي

واستقبل العيد المبارك موقراً

رمضان من صوم ومن صلوات

واغنم بما أوتيت من أجر على

الماضي وطب نفساً بسعد الآتي

هذه قصيدةٌ تمثل حياة شاعر بائسة ولكنه لم يسر على صور ألوان الشعر التقليدي في هذه الفترة المظلمة التي ولع شعرائها بألفاظ جوفاء جل محاولاتهم الشعرية طنين كلمات ضخمة كما يطن الطبل وهو خال أجوف على الأسلوب التقليدي فيبكي الأطلال ويتغزل في حبيبات خياليات وهميات من حروف من ظلال التاريخ القديم التي ترتبط بواقع تلك الشريحة وتعكس حياتهم كمرآة ينطبع عليها وجه التاريخ ولا تمثل حياة قائليها بيد أنها بعيدةٌ كل البعد ولا ارتباط لها بدنياهم كالحياة التشبيبية التقليدية بهند وليلى على منهجية الشعر الجاهلي أو العصر الإسلامي أو العصر الأموي فشاعرنا الخطي رفض هذه الأساليب وانبثقت من مرآة نفسه ألوانٌ يستمدها من آفاق طبيعة بلاده لولا بعض المآخذ والنقدات التي آخذناها به في هذه الدراسة فهذه القصيدة تنبع من تجربة ومعاناة عاناها الشاعر من لون دنياً بائسة مرة وصور فيها الطفولة البلهاء ومدارجها حينما يدرج كما تدرج أسراب الجياد ومثل لهوه وطفولته وطبيعة حياة بلاده وبعد هذا الدور عاد ليسكب معاناته وفقره في هذه القصيدة في نغمة حزينة:

إن القطيف وان كلفت بحبها

وعلت على استيطانها زفراتي

إذ أين جزت رأيت فيها مدرجي

طفلاً وأترابي بها ولداتي

هذه صورةٌ متحركةٌ يصور الشاعر فيها ذكرياته الغافية على شفة الأيام والمتكئة على جبين الماضي لعله يوقظها فيتعلل بها ولكنها لا تعود له فليس لديه إلا الحسرات وما تجدي الحسرات كما جسد فيها حبه لوطنه الذي عاد طيفاً وخيالاً كمرود نور يكحل به أجفانه من أيام الطفولة ولعبها فأشباحها تسير أمام عينيه وتلاحقه أينما أجتاز في ربوع القطيف ومدنها وهذا لونٌ من أساليب الشعر الذي عندما تقرأه تحسب الخطي من الرعيل الجديد ويبعده عن الشعراء الذين تباكوا على الطلول البالية وتغزلوا بهند وليلى وبالكثيب إلى غير ذلك من الألفاظ التي تغنى بها أولئك الشعراء وهم شعراء النكسة الفكرية والفترة المظلمة فالخطي يرسم معالم لهوه ومرحه ولذاته مع لذاته فحيث ما أجتاز بالقطيف من مدنها وقراها يرى هذه الصورة مطبوعةً في قلبه وطيوفها تتحرك وتسير بين عينيه، ومرسومة على أفق حياته، ويعد هذا الشعر في هذه الفترة، وهذا الأسلوب تمرد على الشعر التقليدي، وانفلاتٌ من قيوده إلى أفق جديد يرسم مناظر حياة يعيشها الشاعر وهذه مفخرة نسجلها للخطي لولا بعض المآخذ التي أشرنا إليها وفي هذه القصيدة بالذات عندما تقرأها وتسير في جوها تلاحظ بعض الهنات كبيته الذي عبر فيه بقوله (وبما أطيح هناك من شعر امرئ … وبما أريق هناك من دم شاة) فإن التراكيب في هذا البيت غير موفقة وتعبير الأسلوب الشعري ضعيفٌ ومعناه سخيفٌ فالشاعر لم يوفق في بعض الأبيات في هذه القصيدة ونأخذ عليه ناحيةً أخرى الأسلوب النفسي حيث تواضع الشاعر وصاغ قصيدةً من أجل عمامة ولو ترفع عن ذكرها لكان أسمى به مقاماً.

وأكتفي بهذه اللمحة الدراسية عن شاعرنا الخطي

[1]  إن كان الشاعر يقصد بالمطي كلّ ما يمتطيه الشخص ويحمله؛ فالتعبير ينسجم وعصره . وإن قصد به الإبل فهو لم يركبها فتكون تقليداً محضاً.
شاعر وأديب
268900