تعقيبات العدد 3
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 8:10 م - العدد (3)

متى نتعلم الفرح؟
 

اعتدتُ ـ ككثير من القراء ـ قراءة المجلات من نهايتها، باعتبارها تحوي مواد خفيفة مريحة، قبل أن أنتقل الى الضفة الأخرى.. الى المواضيع الجادّة والمؤلمة في أغلبها‍.

هذه العادة حاولتُ كسرها حين وقع في يدي العدد الأول من مجلة الواحة، ولكن بعد قراءة الموضوعين الأولين عدتُ الى آخر صفحة، فكانت سوداء، ثم صحبني السواد والحزن والألم حتى شعرتُ بأنه لن يتوقف!

على غير ما يتوقع من صفحات آخر المجلات، فاجأتني (الواحة) في عددها الأول بالألم والحزن المتطاير كالشرر، أو كقطع السحاب المظلم والمتراكم الذي يتلو بعضه بعضاً.

وسواء كان ذلك أمراً مقصوداً أم لا، فقد كانت كمية الضيق والتذمر والحزن والعاطفة الحادّة أيضاً، تكفي لعدة أعداد قادمة. وكان كثيراً على القارىء أن يقرأ أكثر من صفحة واحدة كل عدد.

لنمعن النظر مرة أخرى في العناوين: (اللعب فوق جثث الموتى) ، (صائد الوهم)، (مرثية النخيل) . ولنقرأ محتوى (المناجاة) ومقالة الماضي الحلو والحاضر المخلل، لندرك مقدار الظلمة والسوداوية التي تنبعث من الحروف والكلمات.

أقول أن هذا الحزن والألم كثير علينا، وأدرك أن المسألة ليست حالة خاصة، فهناك فئات اجتماعية عُجنت بالحزن والألم على مدى قرون، فأصبحت لا تقوى على العيش بدونه. لقد أصبح كل ما حولنا سوداوياً مقيتاً، وإن لم يكن كذلك، أو هو ليس كذلك فعلاً، وصارت لذتنا كامنة في الحزن، بعد ان اختلّ التوازن النفسي واختلت النظرة المعتدلة للأمور.

أعيادنا، التي شرعها الله لنا لنفرح ونسرّ فيها، صارت أتراحاً ضمن تخريجات شرعية أو أعراف لا ندري من أين جاءت!

واحتفالات (المواليد) يأبى البعض إلا أن يحوّلها الى مناسبات عزاء وحزن، لازال يمتد معنا من أول السنة الى آخرها‍، فما نخلص من مناسبة إلاّ وندخل أخرى.

لا أدري هل كُت علينا الحزن السرمدي، الى حد أن الأجيال الجديدة والقادمة من رحم الغيب لا تستطيع الفكاك منه، وكأنها تولد وبها عاهة الحزن؟ وهل كُتب علينا الحزن الأبدي من أجل أن يستأكل به البعض؟.

نعم .. عُجنّا بالألم والحزن، ولكن أليس هناك متسع لثقب ابرة نتنفس منه سعادة وأملاً وحباً وإشراقاً؟

لقد أثارت صفحاتكم السوداء فيّ حالة من التحدي لهذا السواد الذي تزرعونه في حشاشة قرائكم، وأشعرتموني بواجب التمرد على طغيان الظلمة التي لا تنتهي، والتي تصاحبنا بكرة وأصيلا، في المأكل والملبس ، في الحل والسفر، في المناسبات السعيدة، وفي الوفيات، وفي الأعياد، وفي أيام الجمع، وفي الليل وفي النهار.

أياه الأحبّة، أعطونا وقتاً لنفرح!

أعطونا فرصة لنتعلّم كيف نمتّع أنفسنا من غير طريق الحزن والبكاء وجلد الذات وتنفيس قهر القرون الأولى‍.

ويا محررو الواحة.. لا تدعوا واحتكم تتحوّل الى واحة ندب وحزن وتعزية، فما عندنا أكثر من أن نتحمله.

لقد تعلمنا البكاء، فمتى نتعلم الفرح؟.

محمد مهنا

 

سنة الرحمة: سنة الطاعون!

وفي "الشربة": ابن جمعة حرّض البداة!
 

في العدد الأول من (الواحة) تحدثتم عن سنة الرحمة، التي توفي فيها أمير القطيف عبد الله السويلم، وابن المغفور له الملك عبد العزيز البكر: تركي، وجمهرة غفيرة من السكان. هذه بعض الإضافات.

في عام 1337هـ ( 1919 ) نزل بمنطقة القطيف وباء الطاعون [قلتم أنه الحمى الأسبانية/ الإنفلونزا] وتسبب الوباء في موت كثير من الناس، وقد أخذ الهلع بالأهالي مأخذه، لما يشاهدونه يومياً من الضحايا، حتى أن بعض البيوت خلت تماماً من أهلها (أي ماتوا جميعهم). ومن ضمن الذين أودى بهم الوباء الخبيث: المرحوم حسن علي الخنيزي، والد الحجة الشيخ علي بن حسن الخنيزي، حيث كان ذاهباً الى (صفوى) فأصابته العدوى هناك، وقضى نحبه.

وقد دام الوباء ثلاثة أشهر، وقيل شهراً، لم يفارق خلالها المغاسلية (مغسلو الموتى) مغتسل المقابر، ولا الحفارون المقبرة، فقد كانت القبور تحفر ليلاً ونهاراً دون فتور لكثرة الأموات، الذين قد يكون مات منهم أناس بالرعب أو الألم لما نزل في قلوبهم من جزع مفرط، وخوف قاتل، حتى أن الرجل يفارق صاحبه وإذا هو يسمع بعد ساعة أنه قد مات.

ومع تلك الحالة الطارئة، إلا أن الأعمال لم تتوقف، فالكل يعمل في مجاله بالرغم مما أصابه من خوف وفزع، وبعضهم يمارس عمله اليومي لتسكين ما هو مصاب به من اضطراب، وكان البعض يتطوع بتغسيل الموتى على ما في ذلك من مخاطر انتقال المرض، والآخر يتطوع بحفر القبور، وبعضهم يتبرع بالمال لمغسلي الأموات كي يتمكن الأخيرون من ممارسة العمل وهم مطمئنون ـ في حال موتهم ـ الى أن هناك من يعين عيالهم.

وحدثني جدي البالغ من العمر 90 عاماً بقوله: كنتُ قريباً من حمام ابو لوزة (يقع قرب مقبرة الحباكة) وشاهدت الناس في المقبرة، منهم من يصلي على الموتى، ومنهم من يحفر القبور ويدفنهم، وأنا ممن أُصيب بذلك المرض الخبيث، ولولا إرادة الله لكنت من ضمن المدفونين.

ويقول احد المعاصرين، وهو الحاج علي سهوان، أن الذي زاد الحال سوءً فكثر عدد الموتى هو عدم وجود المستشفيات في القطيف، بل كانت المستشفيات في البحرين التي يذهب أهل القطيف اليها أحياناً للعلاج.

ويعتقد أن 15 بالمائة من سكان الواحة توفوا نتيجة المرض.

أما موضوع "وقعة الشربة" فينقل الحاج علي سهوان المذكور في مقابلة معه بتاريخ 9/11/1414هـ ما يلي: سبب المشكلة شربة ماء، أحدهم كان يدور بالماء ويعطى مقابله (حدج) والحدج لا يسوى شيئاً، وهو أقلّ من البيزة. وتطور الوضع الى المشادات الكلامية، فقام سيد ابراهم المشكاب يشتكي عند سيد مكي (أخيه)، فتحزّم الأخير بالرصاص، وكان كلما مرّ ببدوي ضربه، فتطور الأمر فقام مَـنْ في السوق يتضاربون مع البداة.

وبعدئذ تطور الصراع فحوصرت القطيف، ووصل الأمر الى أن صرم البدو النخيل، والحكومة التركية كانت ضعيفة، في حين أن مشايخ القطيف لا يستطيعون مواجهة ابن جمعة لأنه هو الذي حرّضهم على أهل القطيف.

زكي ابراهيم علي آل شيف ـ الخويلدية

 

عيون الماء العذبة في مياه الخليج العربي
 

منطقة الهملة البحرية في قطر، ملأى بالعيون العذبة، وبأشجار النخيل، وقد اكتشفت بسبب تردد الظباء عليها
الغواصون القدامى هم أول من اكتشف ينابيع المياه العذبة داخل البحر
أثارت الصورة المنشورة في العدد الأول من مجلة الواحة، وهي صورة بئر الماء الواقع في مياه البحر في الخبر، تساؤلاً لدى بعض القراء، حول آبار المياه العذبة التي تتفجر في البحر، وإمكانية الإستفادة منها كمخزون للمياه الجوفية العذبة.

لقد عرف الساحل الغربي للخليج العربي المياه العذبة الكثيرة التي تفجرت على اليابسة، فجميع من أرخ لمنطقة شرق الجزيرة العربية أو ما عرف بإقليم البحرين سابقاً، تحدث عن كثرة الينابيع التي تفيض عن حاجة السكان، لتكون البحيرات المستنقعية، أو لتصب في البحر بكميات كبيرة، لدرجة أن بعض الغربيين ممن اطلعوا على حجم المياه العذبة المتفجرة راعهم رؤية كميات المياه المهدورة التي تصب في البحر.

غير ان القليل من المؤرخين كما من مواطني الخليج بشكل خاص، يدركون أن المياه العذبة تتفجر في البحر كما في البر، ولكن الصعوبة تكمن في اكتشاف هذه المياه المتفجرة، وكذا طريقة الإستفادة منها.

البحارون، من صيادي الاسماك واللؤلؤ خصوصاً، هم أكثر من اكتشف المياه الحلوة داخل البحر، فقد تطلبت مهنة الغوص الغياب عن اليابسة فترة طويلة في زمن لم تستخدم فيه المحركات البخارية فضلاً عن المتطورة عنها، وكان الغواصون لصيد اللؤلؤ يأخذون كمية من المياه الحلوة يراعون عدم نفاذها. وقد ثبت فيما بعد للكثير من هؤلاء وبصورة طبيعية أنهم يغوصون في بعض المياه الحلوة، فعلمت هذه الأماكن في البحر، وصار الجميع يرتادها للتزود منها، فكفاهم ذلك معاناة العودة الى اليابسة للتزود بالماء العذب.

والى وقت قريب ـ الثلاثينيات الميلادية ـ كانت البحرين تعتمد بصورة كبيرة على مياه آبار البحار للشرب، وقد لاحظت ذلك المبشرة كورنيليا دالنبرج في العشرينات الميلادية. والطريقة التي يتزود بها الناس عادة، هي أن يغوص أحدهم بقربة الماء فإذا ما وصل الى النبع وأحس بتدفق الماء فتح فوهة القربة لتمتليء، ثم يخرجها. وفي بعض الأحيان يسور النبع بشكل بدائي، إذا ما كان في المياه الضحلة، ليوفر فرصة أفضل في الحصول على المياه، ولكنها عادة ما تختلط بقدر ما بالمياه المالحة.

وقد عرف الخليج على امتداده الغربي من الشمال الى الجنوب ابار المياه العذبة لا يعرفها الا الغواصون ممن اعتادوا الغوص وكذا بعض صيادي الأسماك. وفي بعض الأحيان يتم اكتشاف الآبار بطريق الصدفة.

ففي قطر مثلاً، هناك منطقة تسمى (الهملة) قريبة من الشاطىء الضحل، وهي كثيرة الآبار الحلوة. يقول المعمرون انه تمّ اكتشافها بطريق الصدفة، في زمن بعيد، حينما كانت الظباء والمها العربية تأتي لتشرب من البحر، فتنبه من رآها الى أن تردد هذه الظباء والمها لا يمكن أن يكون إلا على المياه العذبة. وفعلاً كان كذلك. تجدر الإشارة هنا الى أن قطر تحتضن أكبر قطيع من المها العربية البيضاء في العالم. والى جانب شاطى الهملة، قامت أشجار النخيل على مخزون ماء جوفي في اليابسة، لم يتدخل أحد في زراعتها، ولاتزال المنطقة حتى اليوم تجتذب الكثيرين.

لا شك أن المياه الجوفية في بعض الدول الخليجية قد تعرضت للنقصان، كما أن عيون المياه التي تقوم في اليابسة ماتت خلال العقود الثلاثة الماضية بل واندثر أكثرها بسبب نقصان مخزون المياه الجوفية، أو بالأصح بسبب اهداره وحقنه في آبار النفط، كما يقول العلامة حمد الجاسر. فهل يمكن ان تشكل آبار المياه في البحر مخزونا إضافياً للمياه الجوفية؟.

من يدلنا على بحيرات المياه، ومن يعيد اكتشاف الآبار، وقبل هذا هل تعتبر العملية مجدية من الناحية الإقتصادية؟.

حسن محمد البحراني

232138