ما شُقَّ ثوب بين عاقلين
نظرة على "نظرة في كتاب الأمثال الشعبية"
محمد علي الناصر * - 27 / 2 / 2011م - 7:23 ص - العدد (19)

"نظرة في كتاب الأمثال الشعبية والكنايات العاميَّة في القديح" عنوان تقديم كتبه الأستاذ العلاّمة الكبير الشيخ عبدالله نجل الإمام أبي الحسن الخنيزي قدست نفسه وبورك رمسه.

ونشرته مجلة "الواحة" في عددها السابع عشر، ص70، ومن خلال قراءتي له تذكرت قول المفكر الشهير "برانترند رسل": "إذا أردت أن لا تُنْتَقَد فلا تكتب شيئاً، ولا تقل شيئاً، ولا تكن شيئاً".

وسنح لي وأنا ألقي نظرتي السريعة على هذا التقديم أن أكتب ما يلي:

التقديم المشروط

أنها أستاذي الكريم كتابة التقديم وامتنع من تسلميه لي حتى لمجرد الاطلاع عليه إلا بشرط قبوله بما فيه ونشره بما هو عليه.

وهذا الشرط الذي فرضه عليَّ لم يطلعني عليه من قبل، ولكني فوجئت به فيما بعد، ولو سبق الحديث من الأستاذ الكبير عن هذا الشرط قبل التقديم لحسم الأمر دون أن آخذ من أستاذي ثانية واحدة من وقته الثمين!

ولم يكن في حسباني أن أسمع ذلك منه؛ لنه لم يألف الناس من أصحاب المقدمات أو كتَّاب المقالات مثل هذا، بل -كما أظن- العكس، فلصاحب الكتاب النظر في تقويم ومناقشة أي تقديم يتفضل به كاتبه، بل ربما له الحق في قبوله أو رفضه!

وإذا كان في بعض رجال القلم من يتبنَّى ذلك فلابد من أن يطلع المقدِّم (بكسر الدال) المقدَّم له (بفتح الدال) قبل الشروع في التقديم تجنباً من جدال أو نزاع!

الأمثال القديحية

تحدَّث أستاذي الكبير عن الأمثال التي دونتها في الكتاب بأنها كانت خاصة بـ"القديح"

وهذا جعلني في رأيه الرجل الغارق في قديحيته؛ إذ لم أخص القطيف بشيء منها؟!

وهذا ما أختلف فيه مع أبي علي، لاسيما وأنني قد كتبت في مقدمة الكتاب ما لفظه بالحرف الواحد:

"…إن الأمثال التي نقرؤها في هذا الكتاب ربما نقرؤها في كتب أخرى مماثلة، ذلك لأن المثل في "القديح" قد يكون هو نفسه في غيرها وهذا يعني أن المثل الذي يستشهِدُ به العوام القديحيون قد يستشهد به الخليجيون أو المصريون أو اليمانيون أو غيرهم… من أبناء الوطن العربي الكبير، وإن اختلفت فيه بعض الألفاظ أو الحركات وفقاً لـ"اللهجة المحليّة" التي ينطقها العوام في بلد المثل…" … إلخ.

أليس في هذه السطور خروج عن الإقليمية الضيقة، واعتراف بالوطنية الشاملة؟

كما أنني لا أرى من يكتب عن قرية تابعة للقطيف إلا كاتباً عن القطيف نفسها. إن من يكبر الولد لا يفوته إكبار الوالد.

ولو كان المتحدث عن بلد مهده أنانياً أو إقليمياً في نظر العلم والعلماء والمؤرخين والأدباء لطرحت المكتبة العربية الإسلامية مزيداً من أبنائها، وهذا أمر لم يكن مقبولاً بل تراه مرفوضاً!!!

إن اتهام أستاذي لي بالغرق في بحر قديحيتي تستبعده النقاط التالية:

أولاً: فإن أول كتاب قمت بتأليفه عن القطيف هو بعنوان: "صفحات من تاريخ القطيف" وقد فاز بالدرجة الأولى ضمن المسابقة التي قام بها مركز الخدمة الاجتماعية بالقطيف سنة 1400هـ.

وقد حظي الكتاب بشهادة تقدير تم التوقيع عليها من مدير مركز الخدمة يومذاك، هو الأخ الأديب منصور هلال.

ثانياً: مؤلفي الثاني وهو بعنوان: "الخليج حضارة وتاريخ"، وقد اطلع عليه كثير من إخواني الأدباء الذين لو ذكرت أسماءهم لطال الحديث. والكتاب ما يزال مخطوطاً.

ثالثاً: مؤلفي الثالث وهو بعنوان: "القطيف معالم وعلماء"، وقد ذكرت فيه تراجم لعلماء كرام من كل قرية ومدينة تابعة للقطيف، وقد استفاد منه بعض إخواني المهتمين بالتراجم.

فهل فيما ذكرته يا أستاذي الكريم عذر مقبول لإنقاذي من بحر الغرق الذي قذفتني فيه.

قصة "القديح"

تطرَّق الأستاذ إلى قصة القديح، وهي الملحمة كما يسميها الأستاذ، وقد نظمتها شعراً يحكي تاريخ القديح من بدايتها حتى العصر الحاضر. وما أدري لماذا تحدث أبو علي عنها وهو يقدم كتاب "الأمثال القديحية" ربما ليثبت ما يسميه الأستاذ بـ"إقليميتي" إذ ربما من باب "الحديث يجر بعضه بعضاً" كما يقولون.

إن كتابة الإنسان عن بلد مهده ليس مما يعاب عليه فيها -في رأيي- بل يثاب عليها.

وهل ينتظر ابن البلد شخصاً يأتي ليكتب عن بلده وهو يملك الكتابة عنها، أفليس هو الأحق بها من غيره والأعرف بها عمن سواه؟!

وماذا يقول أبو علي فيمن كتبوا عن بلدانهم أمثال:

1- عقد الآل في جزيرة أوال، محمد علي التاجر.

2- أعلام العوامية، الخطيب الشيخ سعيد آل أبي المكارم العوامي

3- العوامية مجد وأعلام، الخطيب الشيخ عبدالعظيم مشيخص.

4- العوامية تاريخ وتراث، الأستاذ زكي الصالح.

5- من تاريخ سيهات، الأستاذ حسين آل سلهام.

6- سيهات والبحر، الأستاذ حسين آل سلهام.

7- صفوى تاريخ ورجال، الأستاذ صالح آل إبراهيم.

8- أضواء على تاريخ الملاَّحة، الشيخ عبدالرسول درويش.

9- من تاريخ جزيرة تاروت، الأستاذ علي الدرورة.

10- من تراث جزيرة تاروت، الأستاذ علي الدرورة.

11- تاريخ أم الحمام، للخطيب عبدالعظيم المرهون.

12- الآجام بين الأمس واليوم، الأستاذ وجدي عبدالعظيم آل مبارك.

وغيرهم…

أهؤلاء كلهم مخطئون أم أنا وحدي الذي…

أوكلما وردت "عكاظ" قبيلة

بعثوا إليَّ عريفهم يتوسم

إنني لأشكر كل كاتب كتب عن بلد مهده، وسجل لنا تاريخها. وبكتابة هؤلاء نستطيع أن نكتب عن تاريخ "القطيف" الشامل ما لم نستطع الحصول عليه من قبل، فلهم في ذلك فضل لا ينكر.

ولي في المصريين نظرة

وأطل قلم الأستاذ على المصريين رغم بعد المساحة وطول الطريق، فجمعني بهم في خط واحد، هو حبهم لمصر وحبي لـ"القديح"

وهذا يدل على مقدرة الأستاذ الكريم التي جمعتنا معاً، ولولاها ربما لا نلتقي بهذه السرعة، يقول أبو علي بالحرف الواحد:

"ونحن لا نريد منه (ويقصدني) أن يحتذي المصريين أو يقفوا خطاهم حيث إن أعينهم مشدودة بمصر وحدها، وكأن ليس على وسيع أرض اللَّه سواها، ولا مخلوق سوى من عاش على تربتها…" إلخ[1] .

وأقول وليسمح لي الأستاذ أن أقول:

إن المصريين يعيشون لبلدهم ولغيرها، تلك هي الحقيقة، ولعل في ما أعرضه مؤيداً لما أقول:

1- زيارة الدكتورة بنت الشاطئ وزوجها والوفد المرافق لهما إلى "القطيف" سنة 1370هـ، واجتماعها ومن معها بنخبة من أدباء وزعماء القطيف؛ واحد من أدلة حب أهل مصر للقطيف، وقد غبَّر عن هذا الحب الشاعر محمد سعيد الخنيزي بقوله من قصيدة له:

إن القطيف ومصر شعب واحد

في المبدأ السامي وفي الأفكار[2] 

2- كتب المؤلفين المقربين الذين كتبوا عن تراجم الكثير من غير أبناء مصر، ولا أحب سردها حذر الإطالة، ومنها على سبيل المثال كتاب "من أعلام الشعر السعودي" لمؤلفه الدكتور بدوي طبانة، المبطوع بدار الرفاعي - الرياض، 1412هـ. وإن لمجلة "الرسالة" للأستاذ أحمد حسن الزيات، ومجلة "أبولو" للأستاذ أحمد زكي أبو شادي ما يكفي في تراثها لرفع هذا اللوم عن إخواننا المصريين.

3- مازالت مصر قديماً وحديثاً تشيد برجال الأدب والشعر والعلم، فهذا جرجي زيدان (لبناني الجنسية)، وهذه مي زيادة (فلسطينية الجنسية) إنما لمع نجمهما في مصر، ومصر وحدها هي التي جعلتهما كذلك. ولم ت نس مصر حبها للقطيف أكثر من غيرها.

4- ويتمثل ذلك في المهرجان الذي إقامته في 5/ 12/ 1999م، والي انعقد في قاعة خوفو بالقاهرة، وكان يحمل اسم "مهرجان الرواد العرب"، وكان من ضيوفه الأديب الشاعر عبدالله نجل الحجة الشيخ علي الجشي، وقد ألقى فيه قصيدتين.

أخطاء كمبيوترية تحملتها!

وحملَّني الأستاذ في ظل براعته البارعة أخطاء إملائية ونحوها، وقد سبقت مني الإشارة إليه في جلسة قصيرة إليها، فسألني ألست ألقيت اللمسات الأخيرة على الكتاب، قلت: بلى.

ولكن جل من لا يسهو.

فكم من كتاب خاضع للتحقيق والتدقيق يخرج من حيز الطباعة إلى دور القراءة ولا يسلم من الأخطاء المطبعية ونحوها، وكنت أظن أن الأستاذ عدل عن رأيه ولكن كان كما يقول الشاعر:

أيتها النفس أجملي جزعا

إنَّ الذي تحذرين قد وقعا

حصة الأسد

هكذا رآني الأستاذ أنني وصلت إلى حد الجشع ومنتهى الطمع سعياً وراء حصة الأسد؛ وذلك بإيرادي بعض الأبيات من نظمي لبعض الأمثال التي لم أظفر بشاهد عليها لغيري من الشعر الفصيح. وما فعلت ما فعلت إلا خدمة لتراثنا العربي الأصيل. أما ما رآه الأستاذ في بضع الأبيات التي لا توافق المثل –كما يقول- فأنا اختلف معها فيها و..

* اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية *[3] 

ولكي يخرجني الأستاذ الكريم مما يراه من إقليميتي أتقدم بكل تواضع وتقدير لأسمعه الأبيات الآتية وهي من الملحمة القديحية في الحديث عن موضع القديح:

من مدن القطيف والفضل لها

الأم من ينكر منَّا فضلها

"الخط" كم في "الخط" من مثقف

وكم بها من منصف مصنف

ومن فقيه بلغ اجتهادا

واتخذ التقوى إليه زادا

ومن أديب وخطيب منبر

وشاعر ومن زعيم عسكر

تلك هي القطيف لا بل أسمى

أكبر بهذا الاسم والمسمى

في هذه الأبيات اعتراف مني صريح بما للقطيف من فضل، وأنها الأم، وأن "الخط" جديرة بتخريج العلماء والأدباء والشعراء والخطباء والزعماء، فهل فيما قلته عند أستاذي عذر لي يمسح عني إقليميتي؟!

وماذا في كتاب الأمثال من محاسن؟

بعد أن طرح أبو علي ظله ألقى على ذلك الظل أشعةً من الضوء فاستحسن في الكتاب ما يلي:

1- جهد المؤلف.

2- عرض قصص بعض الأمثال التي تتجسد فيها الطرافة والحكمة.

3- تعريف المثل.

4- أنواع المثل.

5- حسن الاختيار.

6- ترتيب الأمثال ألفبائياً.

7- تتبع المصادر.

8- اختيار الشواهد ذات الصلة بالمثل.

كما تفضل أستاذي الكريم بأن الظل الذي غطى على الكتاب لا يقلل من شأنه.

شكر اللَّه لأبي علي صنيعه وأحسن اللَّه له في نصحه، فمازلت أعرفه بحسن النيَّة، وكرم الصحبة، وصدق الوفاء، فله من تلميذه كل تقدير.

وأعود أقول له: يا أستاذي لم يغضبني الظل الذي أسدلته فكم في الظل من جمال وحماية عن حرارة الشمس.

وما وجدتُ في كلامك من قسوة رصدتني بين السندان والمطرقة فهو على غرار المثل الشعبي الذي أوردته في كتابي.

"ضرب الحبيب اللبيب واحجارته رمان".

وإن كنت أرغب من أستاذي مستقبلاً أن يعاملني بقوله تعالى:

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ… فهي خير من السندان والمطرقة!

وختام حديثي مع المحمود

أثارت كتابة أستاذي حبيباً المحمود فكتب في جريدة اليوم العدد (9992) عنواناً لكلمة قصيرة هو: "بوادر خصومة أدبية بين الخنيزي والناصر".

وأثارت أيضاً آخرين لا أدري أيريدون النصح أو القدح، ولكن الخصومة يا أخي الحبيب يا حبيب لم تقع، وكيف غاب عن بالك -وأنا متخصص في كتابة الأمثال- المثل الشعبي القائل:

"ما انشق ثوب بين عاقلين، قال: ولا بين عاقل ومجنون".

شكراً لأستاذي أبي علي تقديمه، وشكراً لأخي الأديب حبيب على عدم إتاحة الفرصة للآخرين الذين يصطادون في الماء العكر، وأشكر ثالثاً كل من قرأ كتابتي ودعا لي بالمغفرة والتوفيق.

كاتب - السعودية
239425