رمتني بدائها وانسلتِ
محمد الرمضان - 27 / 2 / 2011م - 7:24 ص - العدد (19)

تداعت أمامي أفكار وصور عديدة، جمعت بين المتشابه والمتنافر، وذلك حينما طالعت مقالة الأستاذ الشيخ عبداللَّه الخنيزي في الواحة، عدد 17، حول ملاحظاته على كتاب "الأمثال الشعبية في القديح" لتلميذه البار الملا محمد علي الناصر.

ولا نفار من الحقيقة كما يقول الأستاذ، حيث يجب علينا أن نقولها أياً كان شكلها، وسواء أرضت أصدقاءنا أم أغضبتهم، فتلك هي الحقيقة المشتقة من الحق، و "ما أبقى لي الحق من صديق".

يقول الأستاذ الخنيزي: "مع أني أعرف صاحبنا أنه يضيق ذرعاً بالنقد ولا يرضاه؛ بل يرفضه، ويأباه"، وسنرى إن كان الناصر وحده ينفرد بهذه الصفة أم يشاركه فيها الكثير، وسنرى كيف ستكون ردة فعل صاحب (صاحبنا) ودائرته (محيطه ومريديه) على هذه السطور.

موقفان

موقفان للأستاذ الناصر، واحد عليه والآخر له.

أما الذي عليه فهو إلحاحه في طلب المقدمة من أستاذه الخنيزي بحيث لم يدع له مجال عذر حتى انساق لتلبية طلبه، وفاءً لموقف مشابه، حيث كان الأستاذ السبّاق في الإلحاح على تلميذه -كما يحلو للناصر أن يسمي نفسه ويضعها، ولست أدري ما الذي درسه حقاً على يديه ومتى، وهل هي حقاً دراسة نظامية كدراسة طلبة الحوزة، أم هي مجرد تشرف وتشريف[4] - حيث وجد الأخير نفسه منساقاً تحت ضغط وإلحاح الأول لكتابة قصيدة في والده والتي طال بها المِطال حتى تمت بين الإلحاح والتهرب ونشرت في "ذكرى الإمام".

المؤاخذة ليست فقط لإلحاحه على أستاذه وكأنه يطلب رد الجميل، بل لأن الأستاذ لم يشتهر يوماً بالاهتمام بالقضايا التراثية، فضلاً عن كونه ليس عَلَماً فيها.. وكان ينبغي له أن يتوجه لشخص معروف بمثل هذه الاهتمامات.. لا لمجرد اسم لامع كونه من أسرة معينة، وبقعة معينة، وانتماء معين.

أما الموقف الذي له، فهو رفضه الالتزام بنشر المقدمة كما هي قبل رؤيتها والاطلاع عليها قبولاً أو رفضاً أو تعديلاً حسب ما يرتضيه (الطرفان) وإلا لاعتبرناه من المغرَّرين.

نعم لقد اختار الأستاذ أن لا يكون من المدّاحين المغرِّرين[5]  وهذا حقه، وكان من حقه أن يقول لتلميذه: هذا هو تقديمي، إن شئت قبلته كما هو، وإن شئت رددته.. أما بيع السمك في الماء والثمر على الشجر وقبل أن ينضج فأمر لا يقبله أحد.

بين النص والكاتب

كان بإمكانه أن يتجاوز الكاتب إلى النص، ويفصل بينهما، وهذا على الأقل أحد مناهج النقد الحديث التي تقول بموت الكاتب وميلاد النص على يد القارئ، وهنا كان يتوجب على الأستاذ الاقتصار على نقد النص دون التعريض بكون التلميذ غارقاً في قديحيته إلى ابعد من أذنيه، وأي ضير في أن يحب الناصر قديحه ويغرق في حبها، وإلا فمن حق أي عارف بالأستاذ أن يقول بأنه غارق في خنيزيته إلى ابعد من أذنيه، بل في ذاته حتى لا يرى أبعد منها.

وهل هناك ضير في أن يحب المرء نفسه أو أباه حتى لا يرى غيرهما؟!

وكما أن "حب الوطن من الإيمان " فإن "الأقربون أولى بالمعروف" و "من ورّخ مؤمناً فكأنما أحياه"، وقيل فيمن يتباعد بإحسانه: عين عذاري!!

وبالرغم من أنه لا يختلف اثنان على ما ذكره بخصوص الأمثال، وكونها خلاصة تجربة الإنسان؛ إلا أن هذا لا يعني خطأ تخصيص بقعة بأمثال معينة.. نعم العناصر الأساسية مشتركة، لكن هذا لا ينفي خصوصية المثل العربي مثلاً في مقابل الإنجليزي أو الفارسي أو غيرهما.. بل لا ينفي خصوصية المثل الشامي عن أخيه المغربي أو العراقي أو الخليجي.. ولو بمقدار ما بين اللغات واللهجات من فوارق.. وأحياناً يكون المثل ابن البيئة حيث له قصته ومنشؤه.. وولادته تكون في تلك البلدة أو تلك المدينة.. مما يكون جزءاً من تراثها وتاريخها.. والمحافظة عليه بخصوصيته محافظة على ذلك التراث والتاريخ.

نعم من الصعوبة بمكان أن يفصل أمثال قرى القطيف عن بعضها؛ وذلك للتقارب الشديد بينها.. لكن هذا لا ينفي وجود بعض الأمثال ذات الخصوصية ببعض القرى والمدن وخصوصاً بلحاظ ما ذكر سابقاً.

المؤاخذة على العنوان

وإن كان ثمة مؤاخذة على التلميذ فهي عنوان الكتاب، فلو أن الأستاذ قصر انتقاده للعنوان واقترح على تلميذه استبداله بعنوان أشمل كـ"المثل الخليجي على ألسنة القديحيين، أو أهل القديح" لكفى نفسه مؤونة التهجم على تلميذه وتجاوزه إلى التهجم على قطر بأكمله كمصر الشقيقة، التي لها من الأفضال الثقافية والأدبية على الأستاذ قبل غيره.. ولا أدري كيف ضحّى بعلاقاته وماضيه في لحظة عجول لمجرد التمثيل والتشبيه نكاية بالتلميذ.

مصر في خدمة الأدب السعودي

إن في بعض أدباء مصر شيئاً مما ذكر.. لكن هذا لا يبرر التعميم العشوائي.. ولو قال: ببعض المصريين لكان أقرب للصواب.. ولكن هذا ليس مقصوراً على مصر.. بل كل بلد يوجد فيها الإبداع ويكثر يرى أهلها أن من واجبهم (الطرب لحمامة الحي)[6]  قبل غيرها.

ومن أدباء مصر من له أيادٍ بيضاء ودور مشرف في خدمة الأدب العربي خارج مصر بعامة وفي المملكة العربية السعودية والمنطقة بخاصة. وذاك أمر شائع واضح للعيان لا حاجة لإثباته والتمثيل له، وفيهم من كتب عن بعض أعلام أسرة الأستاذ كما هو معلوم، ويكفي أن في العدد ذاته (الواحة 17) بحثا مطولاً لأستاذ مصري عن شاعرة خليجية.

سعة أفق

وأظن أن التلميذ أوسع أفقاً من كثيرين غيره، فإذا كان حبه لبلدته قد ساقه لخدمتها وحفظ تراثها وتعظيمها، فهو لا ينكر فضل سواها ولا يجعلها في مصاف بلاد اللَّه المقدسة، وإذا كان قد حصر اهتمامه بقريته، فإن كثيرين غيره قد حصروا اهتمامهم بأسرهم ولا يخفى أن ذلك أضيق أفقاً، بل هناك من حصر اهتمامه بأسرته في أضيق حدودها كاهتمامه بنفسه أو بأبيه لا غير.

ولا لوم على هذا وذاك كما نظن، فلا أقل من أن أهل البيت أدرى بالذي فيه، وبالتالي فإن خير من يكتب ويؤرخ لشخص أو بلد هو أقرب الناس إليهما إذا التزم بآداب العلم والكتابة، وأنصف الآخرين من نفسه، وأعطى كل ذي حق حقه.

ولو شئنا تعداد الذين حصروا اهتمامهم الكتابي بمناطقهم أو أسرهم أو آبائهم لطال بنا المقام، ولسنا بصدد إثبات ذلك ما دام واضحاً للعيان.

نعم لا يجوز التعدي على الحقائق العلمية والتاريخية وأصول البحث والأمانة العلمية، كأن يأتي أحدهم ليحدد بلدته برأس تنورة شمالاً وبقيق جنوباً!! أو يأتي آخر ليتهم العالم الفلاني بسرقة كتب أستاذه -والد المدعي- وطباعتها باسمه دون دليل أو شاهد سوى: إذا قالت حذام…

لا تقطيع لأوصال البلاد

أما اتهام الناصر بأنه ينحو باتجاه تقطيع أوصال البلد، فليس له ما يبرره، ولا شاهد لإثباته، ولا حتى بمجرد التشهي.. بل العكس هو الصحيح؛ لأن مبادرات الأفراد ولو على مستوى القرى بحفظ التاريخ والأمثال والتراث لبلدانهم سيشكل في عمومه مجموعاً لهذا التراث المنسي الذي يشتكي الأستاذ ضياعه وتجاهله، وما ضاع أو تجاهله بعض المتجاهلين إلا خوفاً من الألسنة الحداد التي يشحذها أهل الحسد ليس إلا؛ لأن هذا ا لمشروع أو ذاك لم يأتِ منهم أو من منطقتهم.

لولا الحسد

أما أشد ما يذهلني فهو إلقاء اللوم على عاتق (الحسد) ذلك المرض الذي يتهم الكلُّ به الكلَّ.

فكلٌّ يرى نفسه مظلوماً، وأنه ينبغي أن يكون فوق ما هو عليه، وأن الحسد والبغي من الآخرين هو ما يحول دون ذلك، سبحان اللَّه.. إذا أصغينا لهذا وذاك ممن يتهم البلاد بمرض الحسد على مر التاريخ فسنضطر لتعميم هذا المرض والاعتراف بانتشاره انتشار أمراض الدم في المنطقة كالفُوَال والسكلسل، فذاك مرض النفس وهذا مرض الجسد.

ولا أظنه من غريب الاتفاق أن نقرأ لأخ الشيخ عبدالله وأستاذه أعني الأديب محمد سعيد الشيخ علي صاحب (خيوط من الشمس) ذات الشكوى وذات الاتهام!!

فإذا كان المحسود غيرهم فلماذا -وأقلامهم قادرة- لا يشاركون في علاج هذا الداء، ورفع الضيم عن المضام، وإعطاء علماء وفقهاء وأدباء وأعلام المنطقة من سيهات إلى صفوى حقها. أما إذا كان المحسود هم بحسب ما يرون فماذا يريدون أكثر من "القطيف وأضواء على شعرها" و "ذكرى الإمام" وعلى عكسه "ذكرى الزعيم" و "خيوط من الشمس" و "مدينة الدراري" و "أنت رائدة" و "أبَنِي عليٍّ" و "أنا فيكم"، وغيرها؟!!

(حمامة الحي لا تطرب)

اتهام البلد بأكمله وليس فقط لحاضره بل لماضيه. وتبرأ البلاد من هذا المرض، إلا فئة قليلة كأي مجتمع طبيعي فيه المرضى والأصحاء، وهذه الفئة المصابة دائماً لا ترى إلا نفسها وما يمت إليها بصلة.

وكما نقل عن بعضهم في بعض مجالسه ولو بعنوان المفاكهة، ننقله بجوهره وباختصار: أفضل الخلق الإنسان، وأفضل الناس المسلمون، وأفضل المسلمين الشيعة، وأفضلهم شيعة الخليج، وأفضلهم القطيف، وأفضل بلدان القطيف (س) وأفضل أسرة في (…) آل (فلان)، وأفضلهم أنا!!

فهل هذا منطق أصحاء، أم منطق نرجسيين حتى العظم والنخاع..

قيل للحسن البصري: مَنْ شَرُّ الناس؟

قال: الذي يرى أنه خيرهم.

نرجو أن نكون ويكون أفراد موضوع المقال "بمنأى عن منحط هذا المستوى، وبعيدين عن قعر هذا المنحدر".

* * * *

وبالطبع نحن لا ننفي وجود هذا الداء في مجتمعنا إلى درجة العدم، ولا ننفي أثره السلبي على الأداء الاجتماعي والإبداعي، وظهور أسماء ورسوب أخرى.

ولا ننفي أن إنكار فضل الآخرين وبخس الناس حقوقهم المعنوية بالذات من أخطر الأمراض التي يمكن أن يمنى بها مجتمع.

ولعلك تجد أناساً حينما يذكر فضل صاحب الفضل أمامهم يمتعضون أو يُجيِّرون الكلام إلى الوجهة التي تصب في الجهة التي ترضي جموحهم.

ذُكر ذات مرة ا لحجة الشيخ محمد جواد مغنية S وفضله على الإسلام والعقيدة، وكتبه التي شكلت خطاً دفاعياً في وجه الأفكار الهدامة حينما كانت الساحة خالية إلا من القلة أمثاله، فقال أحدهم: ما هذه الكتب السطحية، يمكنني أن أمسك القلم بأصابع قدمي وأكتبها!!!

وذكر المرجع الديني الشيخ محمد أمين زين الدين P عند أحدهم بعدما أصدر تعليقته على العروة، فقال: المعروف أنه أديب!!!

وذكرت مصنفات العلامة الدكتور الشيخ عبدالهادي الفضلي عند أحدهم، فقال: إنها مجرد نقل من الكتب!!

واتهم أحد شعراء القطيف الرواد واحداً ممن يضعون أنفسهم بين الشعراء -حسب تعبيره- بأنه ليس شاعراً، وأن الكم الضئيل الذي نشر له ليس إلا من شعر -……- ونمتنع هنا من ذكر الصلة منعاً للتوضيح والتشهير.. وللحق لم يذكر المتهم اسم أحد ولكن الصفة ربما صرفت الاتهام إلى جهة بعينها لا على وجه اليقين.

فأي حسد هذا، بل ما هو أبعد من الحسد والنرجسية في أدنى قعرها، ولا يأتي مثل هذا إلا من النفوس الصغار، وإلا فالآفاق الواسعة تسع الناس كافة، بكافة ميولهم وتوجهاتهم، والجنة واسعة، لن تضيق بنا وبهم.

لكن هل يحق لنا لمجرد وجود أشخاص كهولاء أن نتهم المجتمع بأكمله وهو الذي لا يزال يحتفظ بالذكرى الطيبة للعلماء الذين عاشوا بين ظهرانيه وأدوا رسالتهم ودورهم الرباني فيه؟!

بالطبع لا يقول بذلك منصف.

مع الأستاذ والكتاب

وبالرغم من أن الأستاذ أسهب في نقده الشخصي لتلميذه، إلا أنه تحول بعدها إلى النص بما له وما عليه بحسب وجهة نظر الناقد.

أشار إلى جهد المؤلف كما نبّه إلى عدم نسيانه نفسه، وكونه أعطى نفسه حصة الأسد في الاستشهاد بأشعاره بما يحاكي المثل العربي وكونه يحشر نظمه بمناسبة وسواها، وأشاد بذكره لقصص بعض الأمثال، وأخلاه من مسؤولية التعاريف المنقولة حرفياً! وإن كان قد حمله مسؤولية الاختيار بشكل طريف! حينما أورد البيت:

قد عرفناك باختيارك مذ

كان دليلاً على اللبيب اختياره

كما أشاد بترتيبه للأمثال بحسب الحروف الهجائية (لا الأبجدية كما قال الأستاذ، إلا إذا كانت مرتبة: أ ب ج د…).

وترتيبها هجائياً له وعليه، فهي تسهل على الباحث مهمة العثور على المثل الذي يعرفه ليوثقه أو يستزيد عنه.

أما من يبحث عن مثل في موضوع ما فعليه أن يلجأ لكتاب آ خر أو أن يقرأ الكتاب بأجمعه.

لقد كان من الأجدى أن يرتبها موضوعياً لتكون أكثر تجانساً، ثم يضع لها فهرسة يرتبها فيها هجائياً ليسهل مهمة الباحث، وقد سهلت التقنية الحديثة مثل هذا العمل فليس فيه مزيد جهد وإن كان فيه مزيد ورق!!

ضوء في الظل

وبعد أن تراوح بين الضوء والظل فيما سبق، هاهو يعود للظل ليعبر عن رغبته في إطالة المكوث فيه.

أشار إلى الأخطاء الإملائية والنحوية التي يمكن للناصر التنصل منها بطريقة غريبة، ومثل هذه الأخطاء قلما يسلم منها إنسان، ويمكن للقارئ أن يعرف كون هذا الخطأ مطبعياً أم غير ذلك في معظم الأحيان.

ومقالة الأستاذ -موضوع حديثنا- على ما فيها من العناية بالإخراج وحتى التشكيل المبالغ فيه، لا تسلم من الأخطاء المطبعية التي لسنا بصدد التصدي لها.

وعندما أوشك الأستاذ على الانتهاء من مقدمته، وقبل أن يمسح اليراع من حرفها الأخير، بدأ في نقد النص وأجاد -وهو في هذا الميدان من الفرسان- لاسيما في إشارته لعدم عناية التلميذ بنتاج القطيف بل ولا القديح -فيما عدا نتاجه هو- في سوقه للشواهد الشعرية، ليختم مقاله بالإشادة بالجهد الكبير الذي بذله الناصر في تتبع المصادر واختيار الشواهد!! وكون الملاحظات لا تقلل من شأن الكتاب والجهد المبذول فيه.

ضوء يساوي الظل

لكن من الغريب حقاً أن يصر الخنيزي على تساوي كفتي الضوء والظل حتى لا يكون من فئة التشجيع المغرِّر وكأنها قسمة (تلك إذن قسمة…).

وغريبة أخرى أن يصر على ضرب تلميذه ضربات (مقوية) غير مميتة مادام له حق التَّلمُّذ، وغريبة هذه التَّلمُّذ فعلى ما أظن أن مصدر (لمذ) والمصدر الذي يريده الأستاذ (تلمذ)!! وهذه بحق ليست خطأ مطبعياً!!

نعم مع الأستاذ حق في وجوب عد الخطى مادام هناك من يحسب ويحاسب، لكن هذا لا يعني التوقف عن الحركة مهما كان المحاسب، فمن كتب اسْتُهدِف كائناً من كان ولا عصمة إلا لمن عصم اللَّه.

وكنا نتمنى بحسب حق التلمذة الذي تحدث عنه الخنيزي أن يرفق الكتاب بمقدمته وملاحظاته، مقدمة تحتوي وجهة نظره فيما قرأ سلباً وإيجاباً فيما عدا ما يمكن إصلاحه.. أما ما يمكن إصلاحه فكان ينبغي أن يدرجه في قائمة ملاحظات يرجع إليها التلميذ ويركن إليها ليرتقي بكتابه إلى الأحسن، وهذا هو دور الأستاذ، ومن هنا كان له الفضل على التلميذ؛ إذ ليس الفضل في تبيان الخطأ واذهب أيها التلميذ بحثاً عن الصواب، بل الفضل في تصويب الخطأ.

ختامها ضوء

بداية، وكما أشاد الأستاذ بالجهد الذي بذله تلميذه؛ نحن بدورنا نشيد أيضاً بالجهد الذي بذله الأستاذ سواء في مراجعة المصادر المتعلقة بالموضوع حتى يلم بشتات الموضوع الذي يقدم له وحتى يمكن أن يضع لنفسه إطاراً للنقد، أو في مراجعة الكتاب الذي نتمنى أن يكون فيما جاء من نقد دُوِّن على هوامشه أو في المقال تقويماً لعوجه وتثقيفاً لأَمْتِه ليكون مصدراً نافعاً ووعاءً حافظاً لجزء من تاريخ وتراث وأدب القطيف.

وختاماً.. نعتذر لكون وقفتنا مع الأستاذ الخنيزي في معظمها -إن لم نقل أجمعها- في الظل لكن هذا لا يعني خلوها من الجوانب المضيئة ولو بمقدار ما أشرنا، وعلى الأقل بمفهوم الشيخ حفظه اللَّه.

ولسنا هنا بصدد الحديث عن الشيخ الخنيزي حتى نعدد مآثره، فلو لم يكن له إلا خدمته لتراث أبيه لكفى، لأنه يعد خدمة لتراث البلاد بعامة ولجزء مهم منه بخاصة.

ومما يحسب له نشاطه الكتابي ومبادرته في طباعة نتاجه على غير عادة كتاب القطيف قديمهم وحديثهم إلاَّ ما استثني.

وعسى أن يكون فيها نفع للناصر كما بينا، وعسى أن تكون ضربات الخنيزي أقل إيلاماً وأكثر تصويباً، بل وأكثر إشراقاً وتفاؤلاً في المستقبل.

زادنا اللَّه وإياهما رحابة صدر..

[1]  الواحة، عدد 17، ص72.

[2]  مدينة الدرادى، شعر محمد سعيد الخنيزي.

[3]  ديوان شوقي.

[4]  يخطر ببالي قصة سمعتها من أحد الأصدقاء.. أن عدداً من الأصدقاء (ليسوا من أهل الزي الديني) كانوا يجتمعون ليتدارسوا كتاب المنطق للشيخ المظفر، وكان يمسك بالكتاب (النسخة الوحيدة الموجودة لديهم) دائماً ذات الشخص، فيقرأ لهم ويتدارس الجميع.. وبعد مدة تغيب أحدهم عن الجلسة فلقيه آخر في السوق، وسأله: لماذا تركت الحضور؟ فأجاب: ألا ترى فلاناً يقرأ لنا في كل جلسة؟ فقال الأول: وما الضير في ذلك؟ فقال: أخشى أن يكتب فيما بعد: وكان من تلاميذه فلان وفلان ويعدنا في سلكهم!!

[5]  نقل أحدهم أنه عندما وصل عدد الواحة 17 المشتمل على المقالة (المقدمة) لقاضي محكمة الأوقاف والمواريث الشيخ عبدالحميد الخطي، أمر الشيخ مهدي العوازم -الذي كان حاضراً المجلس حينها- أن يقرأ له هذه المقالة بالذات، إلا أن الشيخ اكتفى بمقدمتها، وعقّب بقوله وبلهجته الدارجةولكنته المعتادة: "هو -اللَّه يهديه- ما يبغى إلا مديح" .. نعم هو لا يريد إلا مديحاً ومبالغاً فيه، وإلا فلن ينشره.. لكن هل هو الوحيد في ذلك؟ أم نحن دائماً نرى القذى في أعين الغير..

[6]  هناك من يمتدح أهالي القديح بهذه الصفة وبحبهم لأبناء القديح المبدعين، بل ومن يلتمسون طريقهم نحوه، وإذا ما اضطروا للاختيار بين قديحي ووافد فلا شك بأن الاختيار سيقع على ابن البلدة، وقصتهم مع السيد سعيد الشريف الذي أفنى شطراً من عمره في خدمة البلدة وتوعية أبنائها معروفة، بل هناك من يعزو توقف العلامة الشيخ حسين العمران عن التطواف على القرى كما كانت عادة أبيه وعادته لمثل هذا الأمر ابتداءً من القديح ذاتها، وتلك صفة، وإن كانت عليهم في بعض الأحيان لاسيما إذا كان الاختيار على حساب التجويد، إلا أنها لهم على وجه الإجمال.
225306