(الواحة)
مجلة منافسة بانتظار الأعداد القادمة
السيد حسن العوامي * - 14 / 10 / 2007م - 8:12 م - العدد (3)

 

إذا قلنا أنَّ إنسان هذا العصر تتنامى في ذاته كلّ حين عوامل التحدِّي مع نفسه وحياته.. فإننا لا نخالف الحقيقة، ذلك لأنَّه بسبب دأبه المتواصل لاكتشاف ما يحيط به، وأن يستفيد منه، صار يسابق الزمن بعقله الجبَّار الذي هو أثمن ما منحه الله تعالى هذا الوجود .

غير أنَّ الإنسان له طاقة محدودة لكلا جانبيه الجسمي - المادي، والعقلي، والروحي - والجانب العقلي أقوى طاقة بما لا يصح معه التعادل أو المقارنة.

ونتيجة لما يمتلكه هذا الإنسان من قوىً جبَّارة تتفجَّر من ينابيع عقله وتفكيره، وإداراكه توصَّل إلى ما توصَّل إليه بأن أخضع جزءً كبيراً من هذا الكون ليستفيد منه في آفاق لا تحصر بسطور محدودة، ومن تلك الآفاق التي اتسعت دوائرها، وتشعبَّت معطياتها، وكادت أن تمتدَّ فروع أغصانها إلى الأفراد في قارات الأرض كافَّة - المعرفة، الثقافة، العلم .

ولا نريد الدخول مع البعض في تعريف مفهوم هذه الكلمات الثلاث، ومداليلها لندخل في حوار يمتدُّ إلى مفهوم الأدب أو الحضارة: أسبابها، ونتائجها، إنَّما الذي نريد قوله أنَّ الإنطلاقة الرهيبة التي وصل إليها أبناءُ هذا القرن، وإن كانت نتيجة تراكمات، وأبحاث وتجارب، ودأب متتابع من لدن ولادة البشرية حتى الآن - هذه الإنطلاقة أوقعت فاعلها - الإنسان العالِم والمتعلِّم - في مأزق التحدِّي مع ذاته، والزمن، والمكتشفات التي بقدر ما استفاد منها، أرهقت كاهله، فصار يلهث ويلهث حتى لم يعد يستطيع استردادَ الأنفاس.

ولا تخلو مواقف الإنسان من محفِّزات أخرى بعيدة عن حبِّ الخير والنفع بقدر ما هي قريبة من الأنانية والطمع والإستئثار، فلولا هذه النزعات لما توالت النزاعات، ولما تكاثر إنتاج ما يدمِّر البشريَّة، ويقضي على المكتسبات الخيرة التي رقت بأبناء الجنس البشري إلى مدارج السعادة، والراحة، ومناخ الرخاء.

كم هي تلك الفوائد التي أصبحت ضرورة من ضرورات الحياة حتى صارت رقعة الأرض الفسيحة، وخمسة مليارات من الناس أو يزيدون وكأنَّهم في منزل واحد؟ لكنَّ الإنسان هو الإنسان، كثيراً ما يتجاهل الاخرين وقليلون هم مِشاعل الطريق، وطرق الهداية والخير؟.

أجدني ربما ابتعدت كثيراً عن عنوان هذه السطور، إذ من ضمن تلك الثروة، والثروة المعلوماتية ثورة الثقافة التي استدعت أن يتواجد لها ما يبرزها للآخرين من كتب، وصحف ومجلاَّت، عدا المنابر التي ينقل مضامينها المذياعُ والتلفاز.

وفي خضمِّ ذلك الكم الكثير من المجلات العربية، والدورية، والشهرية برزت لنا مجلَّة (الواحة) العدد الأول التي قال عنها المسؤولون على صدر غلافها: (مجلة فصليَّة تُعنى بشؤون التراث والثقافة في الخليج والجزيرة العربية) ولست في هذا بصدد تقييم قدرة ومقام القائمين عليها، فالأساتذة  "حمزة الحسن"، "علي شويخات"، و "محمد النمر" هم في المنزلة التي لا تحتاج إلى تعريف، والمعنيُّ هنا هو المجلة، ومن العدل ألاَّ نستبق الزمن فنحكم لها بالروعة أو خلافها، فهو متروك إلى الأعداد القادمة، إنَّما العدد الذي بين أيدينا - إن سارت على منواله الأعداد المقبلة - فهي بحق تنافس كبريات مجلاَّتنا في المحيط العربي. إنها من حيث المواضيع، والإخراج، والتبويب، والإختيار، والغلاف، والطباعة رفيعةٌ جدًّا تبعث قارئها على متابعتها، واختيارها إلى مواضيع العدد اختيار موفق محبوب، ومن وجهة نظري فإنَّ أعجب ما فيها غلافها الذي سرد لنا ماضياً مشرِّفاً جميلاً من خلال الصورة.

أمَّا مواضيعها فمهمَّة كلُّها، وإذا أردنا أن تستمر الواحة في العطاء، وعلى هذا المنوال، فعلينا - نحن أبناء الجزيرة والخليج - تقع مسؤولية المؤازرة معنويّاً وماديّاً، فلا نكون كما قالت فئة من البشر: (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون). بل يجب أن نقول، كما قالت الصفوة من صحابة الرسول : (اذهب ونحن من ورائك). فالقائمون عليها طاقة محدودة لا سيما في الجانب المادي لا قدرة لهم بها، وغير جميل أن يقف المثقف موقف المتفرج، لا أخص أهل القطيف حيث لا أؤمن بالتنصيص على المواقف الضيقة - المذهبية، العرقية، القبلية، العنصرية، وما لفَّ لفَّها.

والذي نودُّ أن نلفت النظر إليه هو خطأ المستشرق زويمر الذي قال عن القطيف: ( إنَّ معظم سكانها ضعاف البنية ذوو سحنات شاحبة كلون الصفصاف. أما البلدة نفسها فسيئة البناء..) الخ .

إنَّ هذا القول مخالفٌ تماماً لواقع أهل القطيف. منهم أشبه شيءٍ بالعمالقة. طوالُ الأجسام، وأقوياؤها. بصرهم حادٌ، وقوَّة أفراد منهم تتعدَّى الحالة الوسطيَّة. إنَّ في القطيف - قبل عصر الترف - رجالاً قصصهم أشبه بالخيال. بعضهم بالشجاعة، وبعضهم بالقدرة على حمل الأثقال، والبعض بحدة البصر، وهكذا دواليك، وأهل القطيف معروفون بطول الأعمار، وكثير منهم يتعدّى المائة سنة، وما زالت منهم بقية باقية، ولو أنَّ الحال كما وصف زويمر لما كان هذا شأنهم. أمَّا ما نسبه إلى بيوت البلدة: (إنها سيئة البناء) فهو الآخر منافٍ للحقيقة، فبيوت القطيف اغلبها كانت تتكوَّن من أدوار أربعة، كانت تزيُّنها (الأبجورات) والأبواب، والنوافذ - الرواشن - والزخارف. بما بعض معالمه لا يزال باقياً، ولا يتسع المقام للشرح الوافي عن القطيف وأهلها بهذه العجالة.

ولا بدّ من إيضاح حول ما جاء في الرحلة الى القطيف بالقول: (استرحنا في مكان يدعى ـ ويا للسخرية المريرة ـ بأم الحمام..) الخ. وإن كانت المجلة قد علّقت على ذلك إلاّ أنها لم تعلم، فعلقت بقولها: (إلاّ أن يكون إسماً لمنطقة ليست ذات أهمية). والذي نعرفه مما تتناقله الأحاديث أنه أبو الحمام، وليس أم الحمام، ويقع في الطرف الغربي الجنوبي لحدود القطيف سابقاً، قريباً من المكان المعروف بالبطيخي في جغرافية ابقيق الحالية، كما يقال إنه اسم لموضع بئر يقع في منتصف الطريق بين القطيف والأحساء جيئة وذهاباً، وكانت توجد ورقة مبايعة قديمة لدى أحد شخصيات القطيف من آل أبي السعود، تتضمن توقيع قاضي (ابو الحمام) ولا يعرف ـ الآن ـ مصيرها، والله أعلم.

كاتب
319910