المشوار: بعض من مسيرة حياتي
السيد حسن العوامي * - 27 / 2 / 2011م - 7:36 ص - العدد (19)

تمهيد

قبل الحديث عن الطفولة لابد من ذكر أن الحياة - آنذاك - في القطيف كانت حياة رتيبة لا تجديد فيها ولا تنوع، وكأنما هي شريط يعاد عرضه كل يوم لما سجل عليه، وقد يستغرب القارئ من هذا القول لأن الحياة في تقدم مطرد ونمو مستمر، وصحيح ذلك إلا أن النمو والتقدم يأتيان بفعل الإنسان وتطويره لذاته ولما يدور حوله، إنه يبدع إذا كانت لديه قوة الإبداع وملكة التغيير، ولابد لذلك من وسائل العلم والمعرفة، والقطيف - كأي بلد مجاور - لا تملك من الوسائل العلمية ما يجعلها في تغير وتحول وتطوير، حيث لا يوجد من العلم ومن وسائل التعليم إلا كتاتيب لتعليم الصغار، وإلا طبقة معينة - وإن كان لها انتشار في البلاد - تلك الطبقة هي أهل الفقه والعلم الديني، يضاف إليها شريحة الخطباء، لكن كلتا الشريحتين تقفان عند حدود مفاهيمها الخاصة بلا تطوير أو تنويع، وهذه طبيعة الحياة - وقتها - في البلاد العربية، وإن كان بعضها يتفاوت عن الآخر في سبق التعليم والصحافة، والقطيف بالقياس إلى مجاوريها تُعدُّ من البلدان ذات العلم والمعرفة، والأدب والأصالة بحكم موقعها وتاريخها وارتباط أهلها بحاضرة العلم في العراق - النجف الأشرف - وبهذا نبغ منها علماء أسهموا في الحياة العلمية الدينية[1] .

بعد هذه المقدمة لابد من القول إن طفولتي كغيرها من طفولة أترابي، ولعلها تتميز بنوع من التناقض الذي لا يخلو من غرابة - كما سيأتي -

الولادة والطفولة والأسرة

جئت إلى هذه الحياة بلا إرادة مني ولا وعي لما يدور حولي حينما ولد بي في الثامن والعشرين من شهر شوال عام الخامس والأربعين بعد الثلاثمائة والألف هجرية (28 / 10 / 1345 هـ) ولقد تولتني والدتي السيدة النجيبة كريمة المقدس الشيخ حسين الشيخ محمد علي الشيخ علي الشيخ أحمد ابن الشيخ حسين بن أحمد بن علي بن عبد الجبار آل عبد الجبار بعنايتها وعطفها وتغذيتها تحت رعاية وإحاطة جدتي - والدتها - كريمة المرحوم الحاج حسنعلي بن الحاج حسن بن الحاج مهدي الخنيزي، والد الرجال العشرة الذين أحدهم الزعيم العالم المجتهد الحليم الشيخ علي - أبو عبد الكريم الخنيزي - وأحدهم الورع المقدس الزاهد الشيخ محمد علي، وأحدهم الزعيم صاحب الخدمات الوطنية الاجتماعية - الحاج أحمد[2]  -، كما نشأت في ظل وحنان الوالد المقدس السيد باقر السيد علي السيد هاشم السيد سعود السيد هاشم السيد محمد السيد حسين الحسيني العوامي، ويجدر أن أشير إلى أن الجد السيد علي كان زعيما في البلاد ولا كالزعماء الذين لهم أعداء وأصدقاء، ولهم مريدون وكائدون، إنه يتمتع بزعامة فريدة، فهو محل تقدير جميع شرائح المجتمع دون استثناء، وكان مهيبا يحاط بالإجلال والتقدير، وكان متفانيا في خدمة البلاد وأهلها، وكان كريما وذا عطف وسماح ملفتان للأنظار، وكان على جانب قوي من الإيمان إذا قنت في صلاته تتحادر دموعه، وكان صدوقا في تعامله يلتزم بالكلمة، ولذلك صار محل ثقة الناس والمجتمع في إسنادهم إليه وقف الوقوفات والولاية على الأيتام، ولشدة ورعه يظن البعض أنه عالم مجتهد، حتى أن البعض كان مقلدا له ظانا باجتهاده، وبقي على ذلك بعد وفاته بثلاثين سنه، هذه المعلومات استقيتها - ونسيت الأكثر - من المرحومين الشيخ الخطيب الشيخ ميرزا حسين البريكي، وحسنعلي المرزوق، وحاج أحمد البقشي، وعبد الله عبد الله الجشي، فمن شاء فليصدق ومن شاء غير ذلك فشأنه ونفسه. ولقد ولد به في 1 صفر عام 1267هـ وانتقل إلى جوار ربه عام 1339هـ.

كانت الحياة مع عفويتها حلوة ولذيذة وتبعث البهجة والسعادة في النفس، فلقد كان الوالد والعم السيد سعيد والعم السيد هاشم - وهو شقيق الوالد - دائمي الالتزام مع عم الوالد - العم المقدس العلامة السيد ماجد السيد هاشم العوامي - ولا أحتاج أن أمرّ بتعريف على حياة هذا العالم الجليل فأبناء جيلي وما قبله يعرفونه تمام أو بعض المعرفة، ويكفي أن يذكر الجمهور يوم توديعه في سفره إلى حج بيت الله الحرام عام 1366هـ وكيف الشوارع قد غصت بالمودعين ومدير شرطة القطيف " سعيد محروس " وبعض أعوانه يدافعون الناس للحيلولة دون عرقلة سير الموكب، ووقف الشاعر المرحوم " محمد سعيد الجشي " - لينشد.

(من مخبر الحرمين أنك وافد

كالبدر تُشرِق في ربى ووهـاد)

(هذا الأمين أمام ركبك سائر

وهو المسائل عنك وهو الحادي)

(من للفرزدق أن يقوم مغردا

في البيت يصدح عن ولاء بادي)

(هذا بن طه زائر لفنائه

فلتُسكبن روائع الإنشاد)

ويوم وصول نبأ وفاته القطيف من العراق وإقامة الفواتح يقف ليقول:

(لله خطبك وهو أكبر حادث

يغشى البلاد كزعزع نكباء)

(يوم تمثل فيه نعي محمد

وبكت له الأملاك في الأجواء)

(لم تشهد الأنظار قبلك كوكباً

وافى الغروب بحلة بيضاء)

(قد كنت فينا كالرسول مبجلاً

تُحبى بكل كرامة وولاء)

(في هيكل عز الملوك ببرده

ومهابة الكبراء والعظماء)

(إن طفت تنتظم الصفوف تجلة

أو قلت فالآذان في إصغاء)

وفي أربعين ذكراه يقف الشاعر " خالد الفرج " متسائلا ومجيبا.

أفي جمادى مقام اليوم أم صفر

ما الفرق إلا بتقديم وتأخير

رزء الحفيد كرزء الجد لو سلمت

تلك الشهادة من ظلم وتحسير

يايومها إذ نعى الناعون ماجدها

فأصبح الجمع فيها جمع تكسير

مثل السكارى حيارى في أزقتها

من داخل السور أو من خارج السور

هل هزت البلد المنكوب زلزلة

ففر سكانها خوفا من الدور

وفيها يقول:

يا آل هاشم ماذا الدمع إنكم

مطهرون متى احتجتم لتطهير

ولقد أطلّ السيد بروحه الطاهرة على هذه الدنيا في عام 1279هـ، وانتقل إلى جوار ربه عام 1367هـ، ومن أراد المزيد عن حياة هذا العالم الجليل فلعل في كتاب (الذكرى) ما يقدم لمحة عنه.

الفتوة

ومضت الأيام تتقدم بعمري تنقسم في طفولتها إلى جانبين، جانب ظاهر مكشوف، وجانب يكاد يكون مخفيا، فالمكشوف هو ممارسة حياتنا اليومية، نلتزم بصلاة الجماعة في أوقاتها الثلاثة ظهرا مع العصر، ومغربا مع العشاء، وصلاة الفجر، فالأوليتان كثيرا ما تكونان مع العم الحِجة السيد ماجد، وكثيراً آخر مع الإمام أبي الحسن الخنيزي، إما الصبح فخاصة مع العم المقدس وإلى صلاة الجماعة -آنذاك - جو من الروح المفعمة بالإيمان - روحانية وطمأنينة وسكينة - أسبابها ثلاثة، أحدها التزام المصلين بآداب الصلاة والجماعة والمسجد، فلا هذر ولا لغو ولا أصوات مرتفعة، وإذا ما أراد أحد الحديث مع آخر فبالهمس، وكلً إما يصلي النوافل، أو يقرأ القرآن، أو يصلي قضاءَ عن غيره - عبايد[3]  - ثانيها إن أفراد الجماعة أكثرهم مسنون، فيلحظ الناظر سيماء الوقار فتسيطر عليه أجواء السكينة، وثالثها إضاءة المسجد الخافتة بالفوانيس - إذ لا كهرباء - والإضاءة الخافتة تجعل المرء كأنه في سديم.

ووجبة الظهر قد نتناولها مع السيد مدعوين في أحد البساتين أو عند أحد مريديه، ووجبات تناول الغذاء في البساتين رائعة ومؤنسة تجذب النفوس بقوة فهي تضم لفيف الأسرة ولفيف المقربين من السيد، فلا تقع العين إلا على قريب ودود، أو صديق محب حبيب، وأكثرهم بل الأكثرية المطلقة تعتم العِمة، وتلبس القباء، وترتدي العباءة،

والذهاب والعودة إلى ومن البساتين بواسطة الدواب - الأتان - وما أحلى امتطاها.

والجلوس في البساتين بين النخيل الوارفة الظلال، وأشجار الفاكهة المتنوعة - اللوز والموز والرمان والعنب والنبق - الكِنار - والتين والتوت والباباي - والحمضيات، عدى أشجار الورود والريحان والفل، وبين جنباتها تتدفق مياه العيون الصافية الحلوة الساخنة في مجاري السواقي، فإن كان بالجارودية والخويلدية فعين القشورية وماؤها العذب، وإن بالحلة فالمروانية ذات العذوبة العالية، وإن في القديح فالرواسية وساداس، وإن بالعوامية فاللبانية والخضيرة وأم اجدير، وهلم جرا، ولا كتاروت التي قال فيها شاعرنا الكبير " عدنان العوامي ":

عفو الصبا تاروت عفو الصبا

ما أطيب الذكرى وما أعذبا

ماذا تصبى فيك رب الهـوى

فاختار دنياك له ملعبا

حسانك اللائي يرشن البهـا

سهما لذيذ الجرح مستعذبا

أم شطك الحالم مستلقيا

أم مرجك المضياف معشوشبا

تاروت كانت الجزيرة الحالمة، شواطئ هادئة، مياهها زرقاء أخاذة بسحرها وجمالها، ونخيل باسقة، ومختلف الأشجار اليانعة، والأرض الخضراء المنبسطة والمياه الغزيرة، وحمامها البديع في تصميمه وقوة مياهه وحرارتها، وفوق ذلك أصوات النواعير طوال الأيام لاسيما عند الفجر، شيء يعجز وصفه، هذه إحدى واحات القطيف التي إن تذكر ابنها ماضيها سحت عيناه واعتصره الألم

إما الجانب الآخر من حياة طفولتنا الذي نغلفه بالكتمان ونحوطه بالحذر فهو اللعب اليومي، الألعاب الشعبية " الفولكلورية " وما أكثرها، وكلها تحتاج إلى قوة عضلية وسرعة في الجري والحركة، فمنها " الهول " الذي يحتاج إلى عدائين، و " خاست " التي تستلزم قوة عضلية، و " شراع العود " الذي يستوجب قدرة على القفز، و " شاركوه " الذي يتطلب قدرة على الجري والمناورة، و " يحموه يحموه " و " عندي عندي " وتستدعي قدرة على الاختفاء، ثم " الطنقور " ولا يستطيع ممارسته من لم تكن قوة ذراعه متميزة وبمهارة، و " التيلة " و " الدوامة " و " الخطة " و " الصبَّة " و " القرعة " و " اللقفة " وهلم جرا، وكل واحدة من هذه اللعب شرحها يطول، وما أدري هل يستمتع القارئ بهذا السرد معتبرا له قراءة عن ماض لم يكن يعرف عنه شيئا، أم من لغو القول؟ والى بعض هذه الألعاب صيغ تجري بين الفريقين قبل البدء بها.

ومع بداية الإحساس بالحياة وفي أول يفاعة العمر أُلحِقت بالكتاب، بمكتب المعلم الخطيب المرحوم " السيد محمد بن علوي العوامي " هذا الرجل المؤمن الخلوق الذي قل أن ينفعل - رغم كونه معلما - والمعلم - آنذاك - معروف بسطوته وقسوته، وكان التعليم مختلطا لكن لا أحد - من الجنسين - يفتح عينه بريبة في الآخر، براءة تامة وعفة ظاهرة حيال الجنس الناعم، رغم الزوغان بين الأولاد أنفسهم.

وبعد انتهاء هذه المرحلة بدأت مرحلة جديدة في نوعيتها عند ما انتقلنا إلى كتاب الخطيبين المرحومين الأستاذين الشيخ محمد صالح والشيخ ميرزا ابني الحاج حسن البريكي، فقد كان التعليم فيه بالنسبة إلى وقته قفزة نوعية، حيث يدرس فيه مبادئ علم الحساب من الجمع والطرح والضرب والقسمة ويتم التمرين فيه على الإملاء بكتابة القصائد ذات المغزى التربوي والأخلاقي والوعظي، بل قصائد الغزل، مثل قصيدة ابن زيدون (أضحى التنائي بديلا من تدانينا) في ولادة بنت المستكفي، وقصيدة الشريف الرضي (يا ليلة السفح هلا عدت ثانية) و (يا ظبية البان ترعى في خمائله) وبعيد هذه المرحلة ارتبط الأخ السيد علي بدراسة النحو وما فوقه عند الشيخ ميرزا برفقة المرحوم " محمد سعيد المسلم "، وكنت أحضر الدروس، ويتخلل الوقت أدب في الشعر والنثر، وكان ممن يحضر معنا المرحوم الشاعر " أحمد الكوفي "

وهكذا شيئا فشيئا بدأت أشق طرق الحياة في مسالكها المتعرجة الذي لا أستطيع أن أقول إنها ما جاءت إلا بحمأة وقليل ماء، وخلال تلك المسيرة تكونت شلة أدبية واعية ارتبطت بالاجتماعات يوميا صبحا وعصرا، وكانت إما في مناقشات الشعر والنثر أو النحو وإعراب الجمل وأبيات الشعر، وطالما احتدم النزاع - كما هي عادة النحاة - حتى إذا ما خرجنا من الاجتماع قبيل الغروب فإننا لا نفترق إلا قبيل صلاة العشاء إذ يجمعنا ساحل البحر شرقي إدارة اللاسلكي على خزان كبير للماء من الخشب (فنطاس) لنخوض في قضايا الساعة حتى فيما يدور في العالم من أحداث، وكنا نقرأ المجلات التي تصل من مصر ولبنان، كالكتاب والهلال والرسالة والأديب والعرفان وأمثالها

لقد امتد الزمن بهاتين المرحلتين إلى حين ولوجي ساحة المسئولية الاجتماعية عام 1367هـ، ولعل الأحداث قد زجت بي زجا فكنت " مكره أخوك لا بطل وحينها نزلت إلى خضم الحياة الاجتماعية على عظم مسئوليتها وتشعبها وكثرة جوانبها، نزلتها بكل ما لدي من إمكان جسدي وفكري والقلم.

العمل الاجتماعي

لقد زاملت في بدء الأنشطة الاجتماعية رجالات كانوا يمثلون الزعامة كل في ومن موقعه، وتمتنت بيننا الروابط، فمنهم " الشيخ محمد علي الخنيزي " و " علي حسن أبو السعود " و " سلمان العبد الهادي " و " محمد بن حسين الفرج " و " سيد رضي أبو الرحي " و " حسنعلي المرزوق " و " عبد الله بن حسين بن نصر " و " عبد الجليل الزهيري " و " حسن الشيخ علي الخنيزي " وأحمد سنبل و " حاج علي عبد الله آل سيف " و " الشيخ رضي الصفار " وكثير جدا من رموز المجتمع، أحظى منهم بالتقدير والمحبة، ولي - بعد أزمة مرت - صلة قوية بالحاج " عبد الله نصر الله " كما عادت المياه إلى مجاريها بقوة بعد تلك الأزمة، ولما رحل هذا الرعيل تكونت شريحة اجتماعية جديدة -كنت أحدها - تكاد تكون امتدادا لتلك، بل هي كذلك، أخذت على عاتقها مهام البلاد، ومنهم على سبيل المثال الأخ المرحوم " السيد محمد " و " حاج محمد تقي السيف " و " عبد العظيم أبو السعود " و " نصر الشيخ علي آل حسان " و " مهدي أبو السعود " و " صالح المسلم " ويشترك معنا في التواقيع الأكثرية من أهل البلاد إذا ما رفعنا طلبا لأصحاب الشأن، وما أكثر ما نرفع.

ولما تقوضت تلك الشريحة بغياب بعض أفرادها عن الحياة بدأت وجوه جديدة حملت على عاتقها بكفاءة وبذل من الوقت والجهد والمال مدعما بالرأي السديد مسؤولية العمل الاجتماعي، وقد كنتُ واحداً صغيراً من عناصرها، ومازالت تقدم العطاء حسب جهدها وقدرتها وطاقاتها، أمد الله في عمر الجميع، وإلى جانب هذه الشريحة ظهرت شريحة أخرى جديدة في المجتمع ذات أنشطة اجتماعية ترتبط بالجانب الاقتصادي تحمل العلم والمعرفة، وتسهم بين حين وآخر بالعمل الاجتماعي بفردية تارة، ومشاركة جماعية تارة أخرى، وعطاؤها خير ومفيد، وإذا وجدت سلبيات في العمل الاجتماعي من الأفراد أو الجماعة فطبيعة الحياة تحمل التناقض بين أصابعها.

وبين قوسين، هناك ارتباط بشريحة الشباب المستجد الواعي فيما يخص المكتبة العامة والنوادي الرياضية ومجلس الحي - مركز الخدمة الاجتماعية حاليا - والجمعية التعاونية وهلم جرا، ولكل واحد من هذه الأنشطة مجال واسع جدا من الحديث، وقد كنتُ عضواً في كل اللجان التي تؤسس وبعضها كنت أحد مؤسسيها، ومن المناسب أن أذكر بأننا قمنا بفتح مدرسة ابتدائية للبنات عام 1378 هـ ضم الفصل الأول (90) طالبة والثاني (32) طالبة.

الوظيفة

وشيء لابد من ذكره هو الجانب المادي وشحته، بل ضيقه بشدة، فأنا لم أكن تاجرا، ولا من فئة الملاكين لتكون ثروتي معرضة بسبب ما يطرأ على منتوجات القطيف من هبوط متلاحق أدى إلى انعدامها بفعل تغير أنماط العيش والحياة، ولم أكن مغامرا فنجحت ثم هويت، ولم أكن من شريحة العاملين بالأجر اليومي الذين قد يجدون أو لا يجدون.

لقد نشأت في ظل أسرة من أعلى الأسر في جانبها العلمي والاجتماعي، ووقت نشوئي كانت برعاية زعيمها " السيد ماجد " بعد أن خلف أخاه "السيد علي " فكان والدي - رحمه الله - يوفر لي ولأخوتي جميع الحاجيات - حسب قدرته - ولاشك أن قدرته المادية كانت محدودة جدا جدا، فلم نكن نأتدم اللحم إلا مرتين في الأسبوع، ولم نكن نفطر إلا على الماء الحار "قنداغ" أو كأس صغير من الشاي الفاتح مع قرص صغير من الخبز، ولي كل يوم خميس " بيزه " وهي جزء من (64) جزء من الروبية الهندية، ولم أعمل للكد كادحا إلا بعد وفاة السيد ماجد. ولا أنسى أنه قد مرت بنا ظروف من الخلاف والدعاوى الكثيرة المتشعبة بحيث أرهقتنا بلا مزيد عليه من البذل والتعب والمعاناة، وما انتهت إلا ونحن - أسرة السيد باقر - تثقل كواهلنا الديون. إلا أن تلك الظروف فائقة الصعوبة أكسبتنا خبرة وقوة وصلابة وجلدا ومعرفة بأحوال المجتمع، ووقتها سُمِح لي وللأخ السيد علي بالعمل الوظيفي - وكان محظورا - على أن يكون في البلدية، وقد تم ذلك، وكان ذلك في شهر ذي القعدة عام 1373هـ بالنسبة للأخ السيد علي، بوظيفة مساعد محاسب، وفي شهر محرم 1374هـ بالنسبة لي بوظيفة سكرتير المجلس البلدي، ألا أنه ما أسرع أن حدثت أمور أبعدت الأخ من عمله (اعتُقِل ضمن من اعتقل من عمال أرامكو فيما عُرِف باعتقالات عام 1956م - 1375هـ) فحملت على كاهلي براتب كانت بدايته (350) ريالا مسئولية بيوت ثلاثة، ومرت ظروف وأحداث بيانها لا تفيه هذه العجالة، وخرجت من العمل الوظيفي عام 1379هـ وراتبي (590) ريالا، ونزلت ميدان المحاماة، ولي بها خبرة ممتازة سابقة فتكلل عملي بالنجاح المتفوق بالنسبة إلى أقراني، وزاولت المهنة في القطيف والدمام والخبر والأحساء ورأس تنورة، ومرة ذهبت إلى الكويت، وأخرى إلى لبنان، وثالثة إلى الهند في قضايا وكيلا عن آخرين، إلا أنني لم أباشر المقاضاة هناك - لعدم السماح لغير حملة الشهادات الجامعية - لكنني حللتها.

والمحاماة هنا بالغة الصعوبة، فعلى المحامي أن يكون حذرا ومتصاغرا وإلا فحكمه المنع من ممارستها، وعلى القارئ أن يدرك أن تساؤلا - مجرد تساؤل - قدمته إلى قاض سبب لي منعا من العمل، ولم أعد إلا بعد حوالي ثلاثين شهرا حينما خلفه آخر ووجد أن لا مبرر للمنع.

الدراسة الدينية

لازمت المحاماة حتى عام 1390هـ حيث هاجرت إلى النجف الأشرف وأقمت فيها خمسة أعوام، درست على يد أساتذة كرام فضلاء، وكان زميلي في الدراسة الأخ " الشيخ عبد الله الخنيزي "، وإن كنت انفردت عنه بدرسين عند أستاذين - لأنني أقل اشتراطاً منه في انتقاء الزملاء - درسنا قسماً من الفقه والمنطق والأصول والبلاغة على يد أساتذة، أتذكر منهم المرحوم " السيد محمد جواد فضل الله" والمرحوم " السيد أحمد الطاهر " والأستاذ " السيد محمد رضا الخرسان " وهذا لم يشترك معي في دروسه الزميل الشيخ عبد الله (كما لم يشترك معي في أحد دروس الفقه في المدرسة القزوينية) و " الشيخ محمد حسن يزبك، وفضيلة الأستاذ " السيد علي السيد ناصر" وغيرهم لا أذكرهم الآن.

وبعد عودتي من النجف عدت - والعود أحمد - إلى عملي - المحاماة - وما زلت ولكن بصورة مخففة جداً جداً وبانتقاء - بسبب الأمراض - كما رجعت إلى العمل الاجتماعي بتوسع أكثر وبنشاط متصل.

الأسفار

إما الأسفار فقد بدأت في عام 1363هـ إلى البحرين لعلاج حرم العم السيد ماجد، وفي عام 1366هـ توجهت إلى حج بيت الله الحرام مرافقا إلى عمي المذكور، ومن هناك - بعد قضاء مناسك الحج وزيارة المدينة المنورة - عرجنا على الكويت من طريق السيارات قاصدين العراق، وفي الكويت حيل بيننا وبين الذهاب إلى العراق لوجود وباء الكوليرا، فأقمنا بها مدة تزيد على الشهر، لكنها إقامة جميلة مريحة بين إخوان كرام مضاييف، وقد تعرفت فيها على الأستاذ البصير - يرحمه الله - ولم تكن الكويت إلا هي بلا حاراتها وضواحيها المستجدة، ولم تكن إلا سوق صكية - كما أتذكر - وكان الشرب من مياه الأمطار، ولما رُفِع الحجر عن السفر توجهنا للبصرة عن طريق الجو، وبعد إقامة لم تتعد الزمن القصير مرض السيد الماجد ولحقت روحه الطاهرة ببارئها، ودفن داخل صحن الإمامين الكاظميين بالجهة الغربية منه، وسافرت إلى العراق مرة أخرى - قبل الهجرة - وإلى الحج مرتين - غير السابقة - وإلى إيران ولبنان، وبعض الدول الإسكندنافية ومصر والمغرب والفلبين مرة واحدة في عودتي من أمريكا عام 1401هـ

وبشهر جمادى الأولى من عام 1399هـ شعرت بألم في الصدر ولم يدعني أتمالك نفسي فنوِّمت مباشرة بمستشفى الشرق بالخبر، وظللت لمدة ستة عشر يوما خرجت بعدها ممنوعا أن أركب الطائرة فسافرت إلى العراق ودخلت مدينة الطب ببغداد أقمت بها (16) يوما، وأخذت علاجا خارجها بعد إصابتي بنوبة حادة، ثم سافرت سنتها إلى الهند لنفس الغرض، وكل هذه العلاجات لم تف، ثم سافرت إلى أمريكا في (10) من شهر ذي القعدة عام 1399هـ - سبتمبر 1980م إلى ولاية نبراسكا - مستشفى ميثودست - حيث كان الولد الدكتور السيد ماجد بن الأخ المرحوم " السيد محمد " زوج ابنتي الكبرى - بتول - يعمل هناك، فأجريت لي عملية مستعجلة، وكانت خطرة لأن أحد الشرايين المصابة متيبس، وأحدها تحت التاجي، ولكن عناية الله جلت قدرته كانت تحفّ بي فنجحت العملية نجاحاً تاماً، وفي عام 1404هـ رجعت إلى أمريكا - مستشفى هيوستن (ميدكل سنتر) برئاسة د. الدبيكي - حيث أجريت فحوصات شاملة، وبعام 1418هـ عاودني المرض فسافرت عن طريق أرامكو - السعودية إلى هيوستن - نفس المستشفى - وأجريت لي عملية في القلب، إلى شرايين ثلاثة، كذلك تكللت بالنجاح - والحمد لله - وعرقان بطول الرجلين انتزعا مني لترقيع مواقع الإصابات، وما زلت أداوم العلاج بمستشفى أرامكو - السعودية التي تستحق مني التقدير لحسن رعايتها، والحقيقة إن مستشفى أرامكو بالشرقية هو الوحيد من حيث كفاءته وأجهزته وأطبائه وخدماته ودقة مواعيده ومحافظته على الصيانة والنظافة والعناية بالمرضى.

وللكِبَر أثر في تجدد شيء آخر من المرض أعانيه بشدة بدايته عام 1369هـ إلا أنها لم تتطور إلا قبل سنتين، وقد مر جسمي وحياتي منذ الصغر بمعاناة من المرض يقل احتمالها، فحين كنتُ في الثالثة من العمر أُصِبت بحريق مازالت آثاره باقية بالرجلين، ومرضت بالجدري والسعال الديكي والحصبة، ونزف الدم - الرعاف - بكثرة مرعبة استمرت أعواما، وبسوء الهضم الذي تناولت بسببه ما يزيد على ألفي حبة - بايل بنز - عدى غيرها، وبألم شديد في الرأس يعاودني يوميا لأقل سبب، فحرارة الشمس والجوع واختلاف وقت تناول الشاي، والإمساك والانفعال والبرد، كلها تُسبِّب لي ألما، حتى أنه في كثير من الأحيان يستدعى الطبيب لتزويدي بحقنة مسكنة، وتعالجت عن كل هذا شيئا هنا وآخر في العراق وإيران.

لا أريد الإطالة في ذكر كل الأمراض التي عانيتها، والعمليات التي أجريتها فلا حاجة للقارئ بذلك وربما يستسخفها، غير أن ذكر سبب ألم الرأس ربما يكون حافزا أو مفيدا للبعض لإعطاء الوطن حقه وضريبته.

في ليلة شاتية قارسة البرد - بعد منتصفها - ما يعادل الساعة (2) بتوقيت الآن وأنا ملتحف في المنام سمعت صوتا عاليا ينادي بوجود حريق، وغرفة نومي في القسم الغربي من البيت الغربي الذي خرج على بيع الرهن إلى المرحوم الحاج أحمد البقشي، وكانت غرفة النوم مطلة على الشارع المؤدي إلى مسجد الراجحية، فقمت للخروج مسرعا ومعي الأخ السيد علي، ومن عادة الشباب - بل الكبار - المبادرة لإطفاء الحريق عند السماع به، وخرجنا متوجهين إلى موقع الحريق، وإذا هو في دار حطب الوقود - السعف والكرب - في منزل المرحوم الحاج مهدي الجشي، وهذا المنزل يضم منزل المرحوم " الشيخ محمد علي الجشي " ويلاصقه منزل المرحوم " الشيخ علي الجشي " من الغرب، ومنزل " الحاج منصور الجشي " من الشمال، ولم يكن في البيت قليب - بئر ماء - كما هي في كل بيوت القلعة، ولم يكن في القطيف فرقة إطفاء آنذاك، وأين الماء ؟ إنه في ركية - بئر - بيت التتان، الذي يلزم أن نأخذ له لفة تبدأ من المنزل المصاب بساباطين ومن ثم تلف إلى الجنوب إلى أن تصل بيت التتان، وماء البئر بارد جدا، والبرد شديد، والوقت بعد منتصف الليل، والماء يتدفق من أوانيه - التنك المعمول من الصفيح - على ثيابنا فيبللها وتضربها الريح، وللقارئ أن يكوِّن من ذلك النتائج التي يراها، فلم أرجع البيت بعد ساعات من التغلب على الحريق ومراقبة عدم عودته إلا تحت فراش المرض وألم الرأس، ومن هنا كانت البداية.

رفاق الأدب

إما رفاق الجلسات الأدبية فكانوا - حسب ترتيب الأعمار - ملا علي الطويل، المرحوم محمد سعيد الجشي، المرحوم محمد سعيد المسلم، الأستاذ محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي، والأستاذ الأخ السيد علي، والمرحوم عبد الواحد الخنيزي، ويشاركنا أحيانا كثيرة المرحوم الحاج عبد الله أخوان.

والخطوات الأولى نحو الكتابة لا أتذكر بدايتها وبواعثها، والذي أتذكره هي أنها جاءت عفوية مترسلة، لا كما يفعل الشاعر في بداية نظمه، وأجد قلمي من ذي قبل أحسن منه الآن عمقاً، وأسلس أسلوباً، وإكمالاً للحديث عن الجانب الأدبي أشير إلى كتابي - الضائعون والمرأة - فإن كل من عايش فترة العقدين والنصف بين عامي 1365 - 1390هـ يحس أن موجة حادة من التشكيك في عقيدة الشباب بدأت تغزو المنطقة وتدخل عقول الشباب، وأن رتلاً من الطابور الخامس ينتشر في المحيط لهذا الغرض، ويطرح تساؤلات لا قدرة على محدودي الثقافة والمعرفة الدينية الإجابة عليها، لاسيما عند ما تفوقت روسيا بصعود أول رجل إلى القمر، واختلالها بل تقاسمها مع الغرب دنيا العرب والإسلام، فكان الكتابان، وكان مقال من حلقتين بعنوان " هل أنا رجعي " وآخر بحلقتين أيضا بعنوان " التطور العلمي بين العقيدة والواقع " وكلاهما نشر في جريدة محلية، ولقد لقيا ترحيبا حارا من الملتزمين، ولقيت تجريحا واتهاما ممن يوصفون بالانحراف.

إن العمل الاجتماعي وتشعبه، والتصدي لذلك على مستوى الفرد والجماعة، وتكرار المرض لأكثر من حالة منه، والضغوط التي حصلت وما زالت، وما يسببه كل ذلك من عزوف، حال دون الإعداد للعمل الفكري المتواصل الذي نتحدث عنه، لاسيما والكتابة تريد أجواءً منطلقة فسيحة لا تخضع إلى مؤثرات قهرية.

ولعل متسائلاً يقول: لماذا لم أجمع ما كتبت في كتاب ؟ والجواب: إنه يحتاج إلى وقت وإعادة وترتيب، وربما تنقيح، وإن كان الأخير غير وارد، وأين الوقت والتفرغ؟ إن وقت الشباب وهو ذو حيوية ونشاط وانطلاقة في الفكر لم أسع فيه إلى الجمع والترتيب، ولعل ما أريده لا يكون، وما يكون لا أريده.

ومضات مرت لها حدثها ووقتها الجميل - تاريخيا وأدبيا ومحليا - لم أحتفظ بها تدوينا، منها زيارة الدكتورة " عائشة عبد الرحمن " - بنت الشاطي - ورفاقها إلى القطيف في شهر فبراير عام 1951 م والاحتفال الرائع الذي أقامه الأهالي تكريما للوفد عصر يوم السبت 10/ 2/ 1951م في نخل السيحة، ملك المرحوم " عبد الله علي أخوان " فألقيت فيه كلمات الترحيب وقصائد الشعر، وقدمت الهدايا، وسجلت الدكتورة ذلك الحدث في كتيب بعنوان " أرض المعجزات " الذي تحدثت فيه عن رحلتها ورفاقها للمملكة العربية السعودية، كما نشرت عن نفس الحفل مقالا خاصا في مجلة الكتاب التي كانت تصدر - يومذاك - عن دار المعارف بمصر.

لقد كانت هذه السطور محاورة وأسئلة، لذلك يراها القارئ تقفز من حقل لآخر، وقد جاءت المحاورة بطلب من الأولاد.

سئلت: كيف ترى واقع الأدب في القطيف في هذه المرحلة ؟ وأجيب بصدق، إن توجها أدبيا يتدرج في الارتفاع والنمو بتسارع عند الشباب في جميع مجالاته، ففي الشعر نبغت كوكبة من الشباب شعرها رصين متجدد بأسلوب بدأ يقدم عطاءً فكريا جيدا، وفي التأليف يكاد يكون هناك تسابق عليه، فقد ظهرت في عقد أو عقدين عشرات المؤلفات بمختلف المواضيع العلمية والأدبية والتاريخية والتحليلية، والمعالجات الاجتماعية، لا على مستوى طائفة دون أخرى، وبحوث تحدثت عن أهم قضايا فكر أواخر القرن العشرين، العولمة، صراع أو حوار الحضارات، معارضة مقولة نهاية التاريخ، أحادية القوة، وهكذا.

وإن بروز مجلتي " الكلمة " و " الواحة " بحيث وقفتا في مصاف المجلات الكبرى التي تعنى ببحوث النخبة من الأدباء والمفكرين دليل على أن الأدب في القطيف شق طريقا عالمياً ملحوظاً، فلقد كُتِب كثير عن كُتُب صدرت من أبناء القطيف - شعرا ونثرا - وبلغ من أهمية مجلة الكلمة أن كَتَب عنها كثيرون، وتوزع بكميات كبيرة في الخليج وفي المغرب وغيرهما، وطلب البعض دورات كاملة منها، ويقدم أحد الطلاب أطروحة لتخرج البكالوريوس عن مجلة الكلمة، وهنا في الداخل أعمال كثيرة من لفيف من الشباب، كل مجموعة بمفردها تقوم بإخراج كتيبات عن شخصيات البلاد وبعض المواضيع الأخرى، إلا أننا - للأسف - لا نعرف عن أسمائها ومن أين وأساليب العمل الفني والأدبي.

ولم يقف الأدب هنا عند بعده المذكور، بل نبغ عديد في الفن والرسم والتشكيل والرياضة بما عرفه الجميع، وما معارض الفنون من أهل القطيف حتى خارج المملكة إلا دليل على هذه النهضة المباركة.

ولكم القطيف بحاجة إلى نهضة علمية عملاقة تتخطى العلوم والمعارف الكلاسيكية إلى العلوم الكونية، فإنه لا مكان اليوم في العالم إلا للعلم المتقدم وأهله.

إلى هذا المقدار يقف المشوار، وظني أنني قصرت عن بلوغ الغاية التي يأنس بها القارئ، وعذري أنه جهدي، وشكري لكل مشجع وناقد منصف لبيب.

[1]  وشعراء فحول وسياسيون، ولكن كما قلنا على مستوى معارف تلك الحقبة، وليست كما يدعي البعض بغرور أنها "أمة جاهلة" و "جماعات ضالة" و "قرون مظلمة".

[2]  والحاج جعفر الذي قتل في واقعة الشربة عام 1326هـ

[3]  عبايد جمع عبادة وهي أن يتفق فرد مع آخر على أن يصلي الأخير الصلاة اليومية - خمس الفرائض - مدة عام كامل عن شخص متوفى بأجرة معلومة. وكثيراً ما كان يضاف لها قراءة القرآن المجيد وصيام شهر عن شهر رمضان، وما تزال هذه قائمة.
كاتب
304701