القضاء الجعفري في الأحساء
محمد علي الحرز * - 27 / 2 / 2011م - 9:50 ص - العدد (20)

المدخل

القضاء لغة:

كلمة القضاء مصدر، جمعها أقضية، وفعلها قضى أي حكم، كما إنها تأتي بمعنى فصل الأمر، قولاً كان ذلك أو فعلاً[1] ، وفي القاموس: القضاء ممدود ومقصور وقضى عليه قضاء وقضياً،ورجل قضي:سريع القضاء، واستقضى: أي صار قاضياً[2] .

وأوصلها البعض إلى عشرة معانٍ هي: الحكم، العلم، الإعلام، القول، الحتم، الأمر، العقل، الإتمام، الفراغ، الخلق، ويمكن إرجاع بعضها إلى بعض، كرجوع الإتمام إلى الفراغ، والحتم إلى الحكم، والأمر إلى القول[3] .

القضاء اصطلاحاً:

وقد عرف القضاء من قبل العلماء بتعاريف كثيرة وهي متشابهة في المعنى وإن اختلفت في الألفاظ منها ما عن تاريخ القضاء في الإسلام بأنه "سلطة الفصل بين المتخاصمين، وحماية الحقوق العامة، والأحكام الشرعية"[4] .

﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ[5] .

ومن هنا قالوا إن القضاء في الإسلام يمثل صورة مشرقة في التاريخ الإسلامي، ويتبوأ مركزاً مهماً في الشريعة الغراء، ويحتل ركناً أساسياً في الفقه الإسلامي، وتتمثل فيه الصورة الحقيقية للتطبيق الصحيح لأحكام الله تعالى في الأرض.

أما أهمية البحث حول تاريخ القضاء والاطلاع عليه فيأتي لكونه يحقق فوائد عديدة أهمها[6] :

أولاً: يعتبر القضاء في الإسلام صورة عملية لتطبيق الإسلام في الحياة، وإقامة الشرع الحنيف بين الناس وتنظيم حياة الناس، لحماية الحقوق والأموال والأنفس والأعراض.

ثانياً: يعتبر تاريخ القضاء مصدراً ثراً للأجيال للاحقة ليستفيدوا من خبرة القضاة واجتهادهم وسيرتهم وسلوكهم، للاقتداء بهم.

القضاء في الأحساء

وقد تصدى في كل زمن من الأزمنة ومنطقة من المناطق فقيه لمثل هذا المنصب المهم وتولى القضاء لحل الأمور العالقة بين الناس وفقاً للشريعة الغراء وما يمليه عليه اجتهاده وحنكته في معالجة القضايا التي تفتك بوحدة المجتمع وتؤدي إلى تمزقه، و لم يكن العلماء في منطقة الأحساء في معزل عن مشاكل مجتمعهم وشؤونهم الداخلية وما يدور فيه من خلافات وقضايا تتسبب في نشوء الخصومات بينهم لذا فقد تصدوا لأداء هذه الرسالة بكل ما أوتوا من علم وحكمة.

وفي هذا البحث سنحاول أن نسلط الضوء على تاريخ القضاء في الأحساء خلال حقبة معينة محاولين في ذلك تسجيل مرحلة تاريخية وما اكتنفت به من قضايا ضمن مراحل متسلسلة مرّ بها القضاء الأحسائي، هذا مع التركيز على المرحلة الأخيرة لما نال فيها القضاء من تطور ملموس على يدي القاضيين البوخمسين والهاجري.

المرحلة الأولى: (قبل سنة 1331هـ(:

طوال الحقب التي سبقت الحكم السعودي الثالث في الأحساء كان القضاء يأخذ صفة مستقلة عن السلطة الحاكمة عبر قيام الأعلام من علماء المنطقة إضافة إلى نشاطهم الديني من صلاة الجماعة والوعظ والإرشاد بدور القضاء الذي لم يأخذ صفة رسمية ولكنها ممضاة من قبل الدول المتعاقبة على الحكم في الأحساء وذلك لما لمثل هذه الشخصيات من مكانة مرموقة في المجتمع تتجاوز أي صفة رسمية أو حكومية يمكن أن تتدخل في المهام الإصلاحية لها. فالناس من حولهم ينظرون للعلماء من بلادهم نظرة قداسة وتقدير عبر الامتثال للأحكام التي يصدرونها أضف لذلك أنها تمثل لديهم السلطة الشرعية والحقيقية للمجتمع لذا كانوا يرجعون إليهم في حل قضاياهم وتوثيق معاملاتهم والتصديق على معاملاتهم خاصة عقود الأنكحة والطلاق والإرث وتقسيم التركات والوصايا والأوقاف الشرعية وغيرها.

ولو حاولنا أن نحدد من تولى القضاء في هذه المرحلة بالذات فإننا لا نستطيع أن نشخص جميع من تسمى بالقضاء أو أشتهر به وذلك لكثرتهم من جهة وتفرقهم من جهة أخرى أضف لذلك أن القضاء لم تكن مهمة العلماء الوحيدة وإنما هو واحدة من المهام العديدة المنوطة بهم.ولكن نستطيع أن نتعرف على الأبرز من هؤلاء والذين هم محط أنظار الناس في الأحساء قاطبة ومن يرجعون إليهم في جل شؤونهم الحياتية وهم مراجع التقليد المحليين ومن أثبتت الوثائق التي بين أيدينا أنه كان يتولى صفة القضاء ومن أبرزهم:

الشيخ علي بن عبد الحسين البحراني:

جاء في كتاب "العلامة الشيخ محمد آل رمضان الأحسائي "ما نصه: "العلامة الشيخ علي بن عبد الحسين بن عاشور البحراني، كان من جملة العلماء الذين نزحوا إلى الأحساء في حدود عام 1151هـ وفي الأحساء استوطن هذا الشيخ الجليل مدينة الهفوف، وكان بمثابة قاضي للطائفة الشيعية في هذه المدينة كما تدل على ذلك جميع الوثائق التي حررت في تلك الفترة، توفي بعد عام 1182هـ"[7] .

الشيخ محمد بن حسن البغلي:

هو الشيخ محمد بن حسن بن إبراهيم بن صالح بن إبراهيم بن موسى البغلي، من أسرة البغلي الأسرة المعروفة في مدينة الهفوف، كان على قيد الحياة في عام 1240هـ[8] ، كانت معظم الوثائق والصكوك التي في زمنه بخط يده مما يدل على أنه ممن يباشرون القضاء خلال تلك الفترة[9] .

الشيخ محمد بن حسين أبو خمسين (1210 – 1316 هـ ):

هو الشيخ محمد بن الشيخ حسين بن الشيخ علي بن الشيخ محمد الكبير آل أبي خمسين، وهو ممن تتلمذ على يد الشيخ أحمد بن مال الله الصفار، والشيخ علي الشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد كاظم الرشتي، الميرزا محمد حسين التبريزي الكرماني، والميرزا محمد باقر الأسكوئي وغيرهم[10] حتى نال درجة الاجتهاد ثم المرجعية من بعدها.

دوره في القضاء:

وهو من الذين تصدوا لإصلاح المجتمع و القيام على شؤونه وكان القضاء أحد أبرز مجالات نشاطه ومهامه حيث فتح مجلسه لاستقبال المتخاصمين برحابة صدر من أجل فضّ خلافاتهم حتى اشتهر عنه "الحزم والحنكة والعدل والعلم بأحكام المذاهب السنية تماماً كما هو شأنه في المذهب الجعفري، إذ كثيراً ما ترافع لديه فرقاء من السنة لعلمهم بعدله وصوابية حكمه"[11] .

 بل شملت قضاياه الخلافات الدائرة بين العشائر المحيطة بالمنطقة لثقتهم في عدله وأمانته قال ولده الشيخ عبد الحميد في رثائه[12] :

قضى نحبه ظلّ الإله ولطفه

مدار القضايا مستجار العشائر

ولتكرس هذه الصفة الحميدة في شخصيته - أي العدالة - فقد أرخها الشيخ علي بن الشيخ محمد الصحاف وهو يقول مشيداً بالشيخ البوخمسين[13] :

حكيم ولم يعدُ في حكمه

عن الحكم في الحكم لما حكم

فنعم أميناً بما قد قضى

وفيما نوى لم يكن متهم

ولا جار يوماً بسلطانه

على الناس حتى يقولوا غشم

السيد هاشم السلمان (1240 - 1309هـ):

هو السيد هاشم بن السيد أحمد بن حسين بن سلمان المشعشعي الموسوي ممن تتلمذ على يد الشيخ أحمد بن مال الله الصفار[14]  هاجر للنجف الأشرف فأخذ على أعلامها حتى بلغ درجة الاجتهاد واصبح مرجع تقليد في الأحساء وكان مقر أقامته في مدينة المبرز.

تقلد أمور القضاء في الاحساء فكان مآل المتخاصمين وحل خلافاتهم عرف عنه الحزم والأمانة والحنكة في فض المنازعات قضى معظم حياته متصدياً لشئون المجتمع العلمية والاجتماعية.

الشيخ محمد بن عبد الله العيثان (1260 - 1331هـ):

هو الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله بن الشيخ علي آل عيثان تتلمذ على العديد من علماء النجف الأشرف من أبرزهم الشيخ محمد حسين الكاظمي (ت1308 هـ)، و السيد مهدي القزويني (ت1330 هـ)، والشيخ محمد طه نجف (ت1323 هـ)[15]  وحصل على إجازة اجتهاد منهم ثم نال المرجعية بعد الشيخ محمد أبوخمسين في الأحساء.

تضمن نشاطه إضافة إلى أعباء المرجعية جانب القضاء بين الناس في مقر إقامته قرية الحليلة حيث كان محط أنظار الناس من داخل الأحساء وخارجها و الفيصل في جميع خصوماتهم وخلافاته.

الشيخ موسى أبوخمسين (1296 - 1353هـ):

الشيخ موسى بن عبد الله بن الشيخ حسين بن الشيخ علي آل أبي خمسين. وهو ممن تتلمذ على الشيخ حسن بن مطر الخفاجي (ت1316 هـ)، والشيخ فتح الله بن محمد جواد الشيرازي الشهير بشيخ الشريعة (ت1339 هـ)، والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت 1337هـ)، والسيد أبو تراب الخونساري (ت 1346هـ). وغيرهم بلغ الاجتهاد وتصدى للمرجعية في الأحساء بعد الشيخ محمد العيثان، كان مقره مدينة الهفوف تصدى لمنصب القضاء وكان مرضياً عند الجميع قضى معظم حياته من أجل نصرة الضعفاء والمظلومين يقول عنه أبنه الشيخ باقر في ترجمته:

"..فسرعان ما اضطره الوقت بالاندماج بالناس للفتيا وحل مشاكلهم، وسرعان ما عرف بين القريب و البعيد مرضياً عند الجميع فكان يتلقى الوفود وأهل الحاجات بصدر رحب.."[16] .

وفي موضع آخر يؤكد ما كان لولده من دور في القضاء فيقول: "كان حتى في أغلب لياليه لا ينام ليله كله هادئاً، لما يمر عليه من بعض أحوال المتخاصمين "[17] .

وفي نفس المصب يأتي قول الشيخ حسن العيثان[18] :

يا أيها العلامة الفرد الذي

ألفاظه حكم وحكمه عادل

وخلال تلك الحقبة أتخذ قضاؤه طابع الرضى إذ لم يكن أحد ليعترض على أحكامه زمن العثمانيين ولما جاء الحكم السعودي كان الأمير عبد الله بن جلوي لا يرد للشيخ قضية ومن كلماته الشهيرة للشيخ موسى "اقضي يا شيخ موسى.ومن يعترض على حكمك أرسله إلي"[19] .

السيد ناصر السلمان (1291 – 1358هـ):

هو السيد ناصر بن السيد هاشم السلمان من مراجع التقليد في الأحساء وأحد الأعلام البارزين أقام فيها تسعة أشهر بعد رجوعه من النجف الأشرف فتولى إدارة شؤون المنطقة الدينية والتي من أبرزها مسألة القضاء التي من خلالها عالج الكثير من مشاكل الناس الاجتماعية والتي تكشف بصورة واضحة عن الحنكة والعلمية التي تمتع بها السيد السلمان فرغم إقامته القصيرة فإنه كان المحور الذي يلتف حوله الناس في كل صغيرة وكبيرة.

ومن خلال الصكوك القديمة نجد أنه كان هناك مجموعة من العلماء تشارك في تصديق عقود المبايعات والأوقاف والتي هي أحد مهام القضاء من بينهم:

   ·               السيد عبد الله بن السيد أحمد بن السيد حسن الحاجي البراغي.

   ·               الميرزا علي بن الميرزا موسى الحائري.

   ·               الشيخ أحمد بوعلي.

   ·               الشيخ سلمان بن محمد العبد اللطيف الغريري.

   ·               الشيخ محمد بن أحمد البغلي.

   ·               الشيخ عبد الله الدويل.

   ·               الشيخ حبيب بن قرين.

   ·               الشيخ محمد علي الجبران.

   ·               الشيخ حسين بن عبد الله بن عيسى الشواف.

وبرحيل هؤلاء تنتهي المرحلة الأولى من مراحل القضاء والتي كانت حافلة بالعديد ممن تصدى لهذا الدور الهام وما ذكرناه ما هو إلا عينة من كثير أحجمنا عن ذكرهم مراعاة للاختصار.

مميزات المرحلة الأولى:

بعد الاستعراض السريع إلى أهم رموز القضاء في المرحلة الأولى نأتي إلى أهم ما تميز به القضاء خلال هذه الحقبة الزمنية:

أولاً: إن القاضي لا يعين رسمياُ من قبل الدولة وإنما يتم ترشيحه لهذا المنصب من خلال المجتمع المحيط به معتمدين في اختيارهم على مكانته العلمية والدينية وشهرته الواسعة في صفوف الناس.

ثانياً: إن الحكم لم يكن إلزامي على المتخاصمين إذ الخصمان مخيران بين القبول بالحكم أو الترافع إلى القاضي العثماني المعين من قبل الدولة والذي كان غالباً ما يقر حكم القاضي الجعفري بلا خلاف.

ثالثاً: مكان القضاء كان مجلس العالم الذي يكون قد خصص مكان للإفتاء واستقبال الضيوف وحل المشاكل بين المتخاصمين.

رابعاً: لا يوجد للقاضي أعوان يقومون بمعاونته في الأعباء القضائية كالشرطة والمساعدين وإنما هناك الحواشي والمقربين من القاضي الذين يستعين بهم كمراسلين ووسائط بينه وبين الأطراف المتنازعة.

خامساً: لا يتقاضى القاضي أي مردود مالي من قبل السلطة لقاء خدماته القضائية وإنما هو ينظر إليه كواجب ديني يقوم به اتجاه مجتمعه وهذا ساهم في إعطاءه مساحة أكبر من الحرية.

سادساً: كان القاضي يتمتع بكامل الحرية في جميع إجراءات القضاء وأصول المرافعات إذ لا يوجد سلطة قضائية أعلى من سلطته يمكن أن تفرض عليه أي نوع من الضغوط فهو حر في قضائه واجتهاده مع الالتزام فقط بما جاء في القران الكريم والسنة الشريفة.

سابعاً: امتاز القضاء في هذه المرحلة بالوضوح، والبعد عن الإمهال والشكليات، وتعقيد الإجراءات، مع سرعة البت في الدعوى، وتعجيل إصدار الحكم والمبادرة إلى تنفيذه، لتحقيق أهداف القضاء وإقامة مقاصده من حماية الحقوق وإقامة العدل وإزالة الظلم والعدوان.

ثامناً: كان يلقى هذا النوع من القضاء - أي القضاء المحلي - شعبية أكبر بكثير من القضاء الرسمي خاصة أبان الدولة العثمانية وذلك لسببين رئيسيين هما:

أ - إن القاضي الرسمي من قبل الدولة العثمانية كان يفرض رسوم مالية على كل ما يعرض عليه من قبل المتخاصمين[20] .

ب - إنها كانت تقوم بفرض مذهبها الرسمي وهو الحنفي على بقية المذاهب الأخرى التي كان لها أتباع أكثر في المنطقة[21] .

المرحلة الثانية: (1331 -1388هـ):

وهي المرحلة التي تبدأ مع بداية الدولة السعودية الثالثة على يد المللك عبد العزيز آل سعود في الأحساء سنة 1331هـ حيث دخل القضاء الشيعي تحت العباءة الرسمية وأصبح القاضي يعين من قبل الدولة بعد أن يتم اختياره من الشعب وتتم الموافقة عليه، وتستمر إلى حين تولي الشيخ باقر أبوخمسين القضاء عام 1388هـ عندما أخذا القضاء الجعفري أبعاد وقفزات مختلفة.

أما هذه المرحلة والتي بلغت قرابة السبعة والخمسين عاماً فقد تقلد هذا المنصب خلالها أثنين من ألمع القضاة في الأحساء هما السيد حسين العلي ثم نجله السيد محمد بن السيد حسين العلي وإليك نبذة عن الاثنين:

السيد حسين العلي(1331-1369هـ):

هو السيد حسين بن محمد بن علي السلمان من الأعلام البارزين في الأحساء ولد في مدينة المبرز سنة 1280هـ وبها نشأ وترعرع وتلقى قسماً من علومه.

نال السيد شهرة واسعة في مجال القضاء والسير على خدمة أبناء مجتمعه مما دفعهم على ترشيحه سنة 1331هـ ليتولى شؤون القضاء بشكل رسمي بعد أن كان متوليه فعلاً قبل ذلك التاريخ بأكثر من عشر سنوات

ويعد السيد حسين هو أول قاضي رسمي أو لنقل المقرور بقضائه من قبل الدولة في مدينة الأحساء فقد ذكر صاحب أعلام هجر في ترجمته:

"وهو أول عالم إمامي يشغل منصب القضاء الجعفري بشكل رسمي في الأحساء في ظل الحكومة السعودية، وقد أستمر في هذا المنصب مدة طويلة تزيد على أربعين عاماً"[22] .

وجاء في كتاب الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل آية الله العلامة المجاهد السيد محمد بن السيد حسين العلي ما نصه:

ونقل عنه أنه كان شديداً في ذات الله صارماً في الحكم بين الناس بالعدل لا يهاب أي أحد ولا تأخذه في الله لومة لائم[23] .

وكان السيد العلي يمارس القضاء حتى أواخر حياته عندما كف بصره إلى حين وفاته سنة 1369هـ.

السيد محمد بن حسين العلي (1369-1388هـ):

هو السيد محمد بن السيد حسين بن السيد محمد العلي ولد في مدينة المبرز وفيها تلقى أوائل علومه على ثلة من علماء الأحساء منهم والده السيد حسين العلي والسيد ناصر السلمان ثم هاجر إلى النجف الأشرف وحضر على مجموعة من العلماء الكبار أبرزهم الميرزا محمد حسين النائيني والسيد محمود الشاهرودي و السيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ محمد رضا المظفر حتى بلغ درجة الاجتهاد وأجيز من العديد منهم[24] .

مؤلفاته:

- تعليقة على كتاب الكفاية.

- تعليقة على كتاب المكاسب.

توليه القضاء:

بعد رجوعه إلى الأحساء سنة 1361هـ[25]  لازم بلاده حيث كان له دور بالغ الأهمية في حياة والده الذي كف بصره وضعف عوده فأخذ يعتمد على نجله أيما اعتماد في مختلف القضايا التي كانت ترد عليه مما أعطى سيدنا العلي دراية واسعة ودقة بالغة في كيفية التعامل مع المتخاصمين مستفيداً من خبرة والده الطويلة في هذا الحقل مع المستوى العلمي الكبير الذي بلغه إبان دراسته الحوزوية، وبذلك برز نجمه وأصبح محط أنظار الجميع فكان المرشح الأبرز لتولي منصب للقضاء بعد وفاة والده السيد حسين العلي عام 1369هـ.

منهجه في القضاء:

لعل أهم الخصائص التي أشتهر بها السيد وعن منهجه في القضاء هي التالي:

أولاً:الجدارة والنزاهة: 

فقد عرف عند كل من صاحبه بكفاءته ومقدرته العالية إضافة النزاهة والتورع عن مواطن الشبهات الأمر الذي جعل منه أحدوثة الجميع يقول الشيخ باقر أبوخمسين في رثائه وهو الخبير بالسيد العلي بحكم تتلمذه عليه وملازمته له أثناء توليه القضاء [26] :

دست القضاء وقد ملأت فراغه

بيد الجدارة إذ تقول وتحكم

دست القضاء وقد ملأت فراغه

بيد النزاهة إذ تخط وترقم

ثانياً: العدل:

وهي السمة البارزة في شخصيته القضائية والعلامة الفارقة التي تغنى بها الشعراء ممن مدحه و رثاه لما لهذه الصفة من أهمية قصوى ندرت في الكثيرين ممن تقلدوا هذا المنصب يقول الشاعر محمد حسين الرمضان مادحاً إياه[27] :

ويا قاضيا ما كان أعد حكمه

وأبعده عن أن يحيف ويغبنا

وقال فيه أخر يؤكد صفة العدل فيه[28] :

وليت أمر القضا فالعدل مزدهر

مسدد القول إيراداً وإصدارا

ثالثاً: القدرة على حل المشاكل المستعصية:

من أهم الفروق بين القاضي الحصيف و القاضي العادي هو مقدرة القاضي الجيدة على تذليل الصعوبات مهما بلغت من تعقيد وإيجاد الحل المناسب وهذا لا يتأتى ألا لمن أوتي خبرة واسعة وذكاء وقاد والسيد العلي أحد أبرز القضاة الذين برعوا في مثل هذا النوع من المشكلات يقول فيه السيد يوسف بن حسين اليوسف[29] :

ما مس كفك أقلام لمشكلة

إلا بها أُسُسٌ للغي تنهار

ويقول في نفس الجانب الشاعر ياسين الرمضان[30] :

كم حل مشكلة واظهر غامضاً

عسرت على بعض العقول جلاها

وهكذا استمر السيد العلي على دكة القضاء طوال تسعة عشر عاماً إلى أن وافاه الأجل سنة 1388هـ ولم يترك إلا السيرة العطرة والذكر الحسن مخلفاً وراءه فراغاً كبيراً في القضاء الأحسائي.

وبموت السيد محمد العلي تنتهي المرحلة الثانية من مراحل القضاء الأحسائي لتبدأ مرحلة جديده.

مميزات المرحلة الثانية: 

أولاً: أن تعيين القاضي يتم من خلال قرار رسمي من أمير المنطقة وذلك بعد ترشيحه من قبل أعيان المنطقة الذين وجدوا فيه الكفاءة العلمية والأهلية الذهنية والقبول الاجتماعي مما يخوله لتولي هذا المنصب الهام.

ثانياً: هناك مقر مخصص للقضاء يتوجه إليه المتخاصمون لعرض مشاكلهم وأسباب نزاعهم وهو عبارة عن مجلس في منزل القاضي هيأه خصيصاً لمثل هذا الغرض بالذات يفتحه مع إشراقة شمس كل صباح.

ثالثاً: بقي القضاء متركزاً في شخصية القاضي وحده الذي كان يمارس جميع الأدوار تقريباً إلا أنه استجد في الأمر كون كل قاضي في أواخر أيامه أتخذ مساعداً له يعينه في معظم المهام وذلك نتيجة لتدهور صحة كل منهما فالسيد حسين العلي استفاد من وجود نجله السيد محمد بقربه خاصة بعد أن كف بصره فقد جعله ينوب عنه في الكثير من الأمور القضائية وكذلك السيد محمد العلي أتخذ من تلميذه الشيخ باقر أبوخمسين عوناً له يخلفه في أيام مرضه وهذا نوع من التطور عن المرحلة السابقة التي كانت مقتصرة على ذات القاضي وحده.

رابعاً: تضاعفت عدد القضايا التي ترد على مجلس القضاء وذلك يرجع إلى أنه في المرحلة السابقة كان هناك أكثر من قاضي يقوم بنفس الدور والمهام لأنهم غير خاضعين للعباءة الرسمية، أما في هذه المرحلة فقد أنحصر القضاء في شخص واحد عليه أن يقوم بجميع الأدوار والمهام ولمختلف مناطق الأحساء بجميع تشعباتها.

خامساً: أن جميع القضاة هم من المجتهدين ممن له القدرة على استنباط الحكم الشرعي دون حاجة الرجوع إلى غيره وهذا يسهم بدرجة في تعجيل المرافعات الواردة إلى مجلس القضاء.

سادساً: استمر القضاء في هذه المرحلة كونه تبرعياً دون مقابل يقوم به القاضي للحفاظ على استقرار المجتمع ومضي مسيرته بشكل قويم، وهي إحدى المسؤوليات الهامة المنوطة بعلماء الدين.

سابعاً: لم ينته في هذه المرحلة دور القضاة غير الرسميين في المنطقة وإنما تقلصت مهامهم وحددت مسؤولياتهم في معالجة الخصومات، وكتابة الوقفيات وبعض قضايا الإرث وغيرها من المسائل الجزئية، كل ذلك في الحالات التي يتراضى فيها جميع الأطراف، أما إذا اختلفوا وتمسك كل طرف بموقفه فإن المشكلة ترفع بشكل مباشر إلى القاضي الرسمي الذي حكمه ملزم للجميع للبت في المسألة وفي الغالب ما يتوافق مع القاضي غير الرسمي.

ثامناً: إن مقر المحكمة كان في مدينة المبرز، وهي المدينة التي ينتمي إليها كلاً من القاضيين السيد حسين ولنجله السيد محمد العلي.

المرحلة الثالثة: (1388 -.... هـ):

وهي المرحلة التي تمتد إلى أربع وثلاثين سنة موزعة بين الشيخ باقر أبو خمسين والشيخ محمد الهاجري وفيها دخل القضاء مرحلة جديدة من الازدهار والتطور الملموس عن المراحل السابقة وسوف نأتي على تلك المعالم خلال الآتي:

الشيخ باقر أبوخمسين (1388 - 1413 هـ):

هو الشيخ باقر بن الشيخ موسى بن عبد الله بن الشيخ حسين آل أبي خمسين ولد في مدينة لهفوف سنة 1336هـ ونشأ بها على يدي والده المقدس الشيخ موسى، هاجر منذ نعومة أظافره إلى النجف الأشرف وتلقى علومه على مجموعة من الأساتذة منهم السيد محمد بن السيد حسين العلي والسيد محمد باقر الشخص والشيخ محمد طاهر الخاقاني والشيخ عباس الرميثي والشيخ محمد جواد الجزائري والسيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي[31] حتى نال درجة علمية مرموقة أهلته فيما بعد لتولي منصب القضاء.

مؤلفاته [32] :

- أخلاق القران.

- أثر التشيع في الأدب العربي.

- مباحث الألفاظ.

- هجر في مراحل التاريخ.

- تراجم أعلام هجر.

- لماذا نقدس القران.

- الأمين الهادي (صلى الله عليه وآله وسلم) والهداة من آله.

- الدرر الغرر في الأئمة الاثني عشر.

- أدعية رمضان أيامه ولياليه.

- كشكول الهجري.

- مختارات من كشكول عبد الله العبد الله ولد علي.

- المدائح والمراثي.

- ديوان الشيخ محمد بن علي البغلي (جمع وتعليق).

- ديوان نغماتي.

توليه القضاء:

كان للعلاقة الحميمة التي ربطت السيد العلي بالشيخ البوخمسين أثر بالغ في التمهيد كي يكون خلفاً له على منصب القضاء فتتلمذه عليه وملازمته له أثناء توليه القضاء ومساندته له أبان مرضه ونجاحه في معالجة الكثير من المشاكل القضائية أثناء غياب السيد العلي كل ذلك أكسبه خبرة ودراية قضائية.

ولعل التسامح والمرونة التي عرف بها الشيخ باقر والعلاقات الواسعة بجميع أقطاب المجتمع ساهم بشكل مباشر في جعله المرشح الأفضل لتولي هذا المنصب الكبير، فكان تعيينه بموجب مرسوم من أمير الأحساء الأمير محمد بن فهد بن جلوي بتاريخ 10/10/1388هـ بتعيينه قاضياً رسمياً للشيعة في الأحساء[33]  وهكذا بدأ الشيخ باقر كفاحه في مسيرته القضائية التي استمرت ربع قرن برهن خلالها على جدارته وأهليته للدور المناط به.

تطور القضاء في عهده[34] :

المرحلة الأولى من 1388هـ إلى 1405هـ:

وهي مرحلة التأسيس وأشدُّ المراحل صعوبة وأكثرها حيوية فقد وجد الشيخ نفسه محكمة كاملة مكوَّنة من شخص واحد عليه القيام بجميع الأدوار والمهام القضائية، ويمكن تلخيص هذه المرحلة بالنقاط التالية

1) لم يكن هناك مقر رسمي للمحكمة لذا اتَّخذ الشيخ مجلسه الشخصي مقرَّاً للمحكمة يستقبل فيه المتخاصمين وهو يقع بمحلة الفوارس ثم حي المزرع من مدينة الهفوف.

2) لم يكن يوجد معاونون للقاضي يستعين بهم في أمور القضاء خاصة التي تحتاج إلى معاينة ومتابعة وتسجيل كالوقف والإرث فكان يباشر جميع المهام بنفسه ويعاونه في بعضها نجله الشيخ حسن الذي كانت عليه بوادر الفطنة والذكاء الاجتماعي إضافةً إلى زوج أخته الحاج موسى العبدالله بوخمسين والذي كان يلازمه كظله في جميع تنقلاته، وكذلك الحاج محمد بن الغانم الصديق والصاحب للشيخ خلال تلك الفترة الحرجة.

3) كان الشيخ خلالها محكمة متنِّقلة - إذا جاز التعبير - فإضافةً إلى الدوام الرسمي كان يعالج العديد من المشاكل في مواقع حدوثها خارج دوام المحكمة بسبب ضيق الوقت وكثرة القضايا المقدَّمة.

كل هذا دفع الشيخ باقر للمطالبة من الجهات المسؤولة بعدة أمور تسهم في تفعيل المحكمة والتعزيز من مكانتها بين الناس وقد تمثَّلت في التالي:

أولاً: إنشاء فروع محاكم للأوقاف والمواريث في كلٍّ من المبرز لأهالي المبرز ومحكمة في القرى الشمالية وأخرى في القرى الشرقية مع بقاء الرئيسية الجعفرية في الهفوف.

ثانياً: وجود هيئة نظر خاصة لأبناء الشيعة وهي اللجنة التي تقوم بمعاينة الأوقاف والدعاوى والأماكن المتنازَع عليها وقد كان الشيخ باقر يباشر هذه المعاينات بنفسه.

ثالثاً: المساعدين الذين يخفِّفون عبء المحكمة خاصة مع تشعُّبات القضايا وكثرة عددها.

وقد ضمَّن هذه المطالب في خطاب استقالته للمرَّة الثانية سنة 1405هـ عندما لم تحقق مطالبه وقد رُفضت من قِبَل أمير الأحساء محمد بن فهد الجلوي في خطاب رسمي مؤرَّخ بـ 15/9/1405هـ نظراً لحسن أداء الشيخ وأمانته.

المرحلة الثانية: من 1405هـ إلى 1412هـ:

وهي المرحلة التي انتعشت فيه المحكمة فقد حظي الشيخ بمساندة ابنه الشيخ حسن أبوخمسين والذي كان يعالج معظم المشاكل التي تعترضه وما أشكل عليه كان يرجع فيها لوالده إضافةً إلى ابنه الآخر محمد حسين أبوخمسين وكذلك الأستاذ عبد المجيد السليمان الذي كانت له سابقة بالعمل في المحاكم وكان دور الشيخ الباقر في غالب الأحيان هو مجرَّد الإشراف على سير الأمور وذلك بسبب العارض الصحي الذي ألَمَّ به في أواخر حياته وفي هذه المرحلة تمكَّن الشيخ من الحصول على مقرٍّ رسمي للمحكمة الجعفرية وعندما اطمأنَّ الشيخ من سير المحكمة قام بتقديم استقالته للمرة الثالثة سنة 1412هـ لأسباب صحية ولكن لمقام الشيخ ومكانته عُلقت استقالته إلى بعد وفاته أي بعد ستة أشهر من تقديمها.

من منهجه في القضاء[35] :

كان للشيخ باقر منهجه الخاص في ممارسة القضاء فهو أشبه بمدرسة قضائية تسير على أسس وقوانين ثابتة تستمدُّ منها الطرق و السبل لعلاج كل مشكلة تعترض طريقها ومن هنا كان الشيخ باقر الشخص المناسب في المكان المناسب ولعل من أهم خواص منهجه القضائي ما يلي:

1- التقسيم الموضوعي:

كان يقسِّم القضايا التي ترد عليه حسب اختلاف موضوعاتها في ملفات خاصة بكل قسم وذلك ضمن تسلسل معين يسهِّل الرجوع إليها عند الحاجة فكان منها عقود الزواج والطلاق، والوقف، وقضايا الإرث، وغيرها.

2- اعتماد الفراسة:

يقول إياس قاضي البصرة عندما طلب منه جماعة أن يعلمهم القضاء: "القضاء فهم لا علم". فالفراسة ومعرفة الجاني من المجني عليه ومن النظرة الأولى أحد أهم سمات القاضي الناجح والشيخ باقر من أبرع أصحاب هذا الفن فكثيراً ما يبت في القضايا بعد نظرة خاطفة على المتخاصمين فيبدأ باستدراج أحدهم حتى يقرَّ بجرمه وخطئه.

3- الهمة العالية:

طار الشيخ بهمته وعلا بجِدِّه ونشاطه، حتى غدا قدوة يحتذى بين أقرانه في جميع أطوار حياته المختلفة، وكان لهذه السمة بروز أكثر عند توليه القضاء وذلك تماشياً مع حجم المسؤولية المناطة له وقد تجلَّت في أمور من أهمها التزامه بالحضور إلى مقر المحكمة قبل جميع الموظفين ليكون لهم نبراساً في الهمة والنشاط، عبد المجيد السليمان أحد العاملين معه فيقول: "لم يكن الشيخ باقر يرضى عن تأخير قضايا المراجعين أو تكديسها حتى وهو في آخر حياته واشتداد مرضه، فهو يعمل بالحديث القائل: (ما ضعفت نفس عمَّا قويت عليه النية)".

4- الإلمام بجوانب القضية:

لم يكن الشيخ باقر بالذي يعطي أحكاماً جزافية متسرِّعة غير معتمدة على أساس ينطلق منه بل كان يدرس المشكلة المراد حلها من جميع أطرافها المختلفة الظاهرة منها والخفية بصبر وأناة متناهيين وذلك عبر التقصِّي السليم للمشكلة من الشخص نفسه أو ممن يحيطون به متبعاً الأساليب التالية:

الأسلوب الأول: كانت معظم القضايا التي ترد عليه من أهالي القرى، فكان للشيخ في كل قرية مصدران للمعلومات يسألهما عن أساس المشكلة وما يتداول بين الناس حولها، وهما العمدة وآخر ممن هو محل للثقة، فإذا عرف الجانب الخفي للمشكلة أعطى حكمه الذي يفحم المتخاصمين بعد إشعارهم أنه ملمٌّ بما أخفياه عنه من ملابسات القضية فيتركهم في دهشة وحيرة من أمرهم.

الأسلوب الثاني: أنه إذا جاءه المتخاصمان يؤجِّل قضيتهما لبعض الوقت إما لانشغاله بقضايا أخرى أو لعدم تفرُّغه الآن، وفي الأثناء يرسل مجموعتين سرِّيتين يتقصون الحقائق من المتخاصمين ويحاولون تجلية الأمر ومن ثمَّ يلتقي بالمجموعتين السريتين وبعدهم بالمتخاصمين ليعطي حكمه النهائي في المشكلة. ينقل ابنه المهندس رياض الشيخ باقر: "إني كنت أحد أفراد تلك اللجان السرية في مجلس الوالد".

5- احترام التقاليد الاجتماعية:

لكل مجتمع أعرافه وتقاليده الخاصة التي لا يسمح بتجاوزها، وكذلك الأسر والعوائل التي لها مكانتها ومركزها في المجتمع لها أعرافها، وأحد تلك التقاليد أنَّ مشاكل الأسرة الداخلية تُحلُّ فيما بينها ولا تخرج إلى العلن لما في إخراجها من تشهير بالأسرة وكشف لأسرارها. والشيخ باقر كان مدركاً لمثل هذه الأعراف ومحترِماً لها لذا إذا وردت إليه مشكلة في المحكمة بين ابني عائلة واحدة لا يعالج المشكلة في المحكمة وأمام الملأ بل كان يصرخ في المتخاصمين ويقول لهما: اذهبا ولقاؤنا الليلة في مجلس فلان - كبير العائلة - ويطردهما من المجلس. وهكذا ينهي المشكلة داخلياً ويحافظ على سمعة العائلة وهو الأمر الذي لا يدركه المتخاصمان.

6- التواضع:

يقول عبد المجيد السليمان: "رغم السنوات التي أمضيتها مع الشيخ وهو على كرسي القضاء لم أرَ منه لحظة تكبر أو غرور بل على العكس فقد كان في قمة التواضع إلى درجة الاستنقاص من نفسه وإليك هذه الحادثة: كان الشيخ باقر إذا قام بحل مشكلة أو أراد إرسال خطاب إلى المحكمة الرئيسية أو وقف أو غيره يوقِّع باسم باقر الشيخ موسى أبوخمسين، ولا يقبل بكتابة قاضي محكمة الأوقاف والمواريث.ومن المعلوم ما لهذه الكلمات من أثر في تبيين مركز الشيخ ومقامه الرسمي لمن جهله، فصادف في أحد الأيام أن كتبت خطاباً رسمياً وختمته بعبارة: الشيخ باقر أبو خمسين قاضي محكمة الأوقاف والمواريث. وأرسلته إلى الشيخ لتوقيعه فأول ما شاهده الشيخ فوجئ واستدعاني وقال بغضب: من قال لك تكتب هذه العبارة، ثم أخرج قلماً وشطب عليها وقال: إياك أن تعود لمثلها، ولم يقبل بكتابتها إلا آخر عمره بعد أن أوضحت له أهميتها ولمرات عديدة إلى أن اقتنع".

7- احترام رجال الدين:

كان لرجال الدين عند الشيخ باقر مكانة عظيمة لا يقبل لأيِّ شخص بتخطيها أو الاستهانة برأي عالم طالما هو طلب رأيه، فلو استفتى أحدهم أحد العلماء في المنطقة كالشيخ محمد الهاجري أو السيد علي السيد ناصر أو غيرهم من أعلام المنطقة ثم جاء إلى الشيخ باقر وطلب منه تغيير الحكم أو إعادة النظر في الموضوع من جديد كان يرفض ذلك بشدة ويمضي حكم العالم الذي أخذ رأيه ويعتبر مراجعة القضية إهانة لذلك العالم وتقليلاً من مكانته العلمية.

8- لا يُلزم المتخاصمين بحكمه:

يصادف أحياناً أنَّ حكم الشيخ باقر لا يلقى استحساناً من أحد المتخاصمين ويرفض تطبيقه فلم يكن الشيخ يُلزمه بالحكم وإنما يترك له حرية الاختيار. يقول محمد الشيخ باقر أبوخمسين والذي عمل إلى جانب والده بالمحكمة: كان أبي يقول للشخص المعترض: "نحن نكتب رأينا إلى الشرطة وهناك يرون هل تُحوَّل القضية إلى محكمة أخرى، أو تنفِّذ ما حكمنا به، وأنت غير مرغم على قبول الحكم".

وانتهت مرحلة القضاء في عهد الشيخ باقر بوفاته سنة 1413هـ بعد أن بذل حياته في سبيل خدمة مجتمعه

الشيخ محمد الهاجري (1413 - ….. هـ):

هو الشيخ محمد بن سلمان بن محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد الهاجري أخذا علومه على ثلة من رموز العلماء أبرزهم الميرزا علي الحائري والشيخ علي بن الشيخ محمد العيثان (ت 1401هـ) و السيد محمد هادي الميلاني (ت 1395هـ) و الميرزا مهدي الشيرازي (ت 1380هـ) والشيخ يوسف الخراساني الحائري[36] .وأجيز بالاجتهاد من بعضهم.

مؤلفاته[37] :

- رسالة في البيع غير مكتملة.

- رسالة في حقوق الوالدين فقهية استدلالية.

- رسالة في عدم جواز التقدم على قبر المعصوم عليه السلام في الصلاة.

توليه القضاء:

بعد الرحيل المر للشيخ باقر أبوخمسين سنة 1413هـ بقي منصب القضاء شاغراً إلى أن اتفقت الكلمة من أهالي منطقة الأحساء على اختيار وترشيح الشيخ محمد الهاجري نظراً لكفائته العلمية ومكانته الاجتماعية وفعلاً تمت الموافقة الرسمية عليه وجاء قرار بتعيينه فكان مصداق قول الشاعر السيد حسين الياسين في حقه[38] :

واتخذت القضاء جسراً إلى العدل

ونهجاً به يزاح الشقاء

ما ترى غير أن تحقق عدلاً

أمنته في كفك الأوصياء

وتؤم الورى إلى منبع الفيض

إلى حيث تهدف الأنبياء

همك الحق ليس تبغي سواه

في مقام تدافع الخصماء

واضح النهج ثابت الخطو حراً

لم تحم حول نهجك الأهواء

سمات شخصيته القضائية:

اتسمت شخصية الشيخ محمد الهاجري عند توليه القضاء بالعديد من الخصال والصفات التي تدل على أهليته لمثل هذا المنصب الكبير وذلك في كيفية التعامل مع القضايا الشديدة التعقيد وإيجاد الحلول المناسبة لها دون الخروج عن الموازين الشرعية والعقلية وكان أهم هذه المواصفات التالي:

أولاً: الدقة العلمية:

نظراً للمرتبة العلمية العالية التي حازها الشيخ من خلال دراسته الدينية والخبرة الاجتماعية الطويلة التي أكتسبها من احتكاكه بالناس كل ذلك أعطاه إحاطة واسعة في كيفية التعامل مع مشاكل المجتمع ودقة بالغة في نظرته إلى الأمور فكثيراً ما ترد بين يديه القضايا العويصة المغلقة فيعالجها بطريقة علمية متناهية دون الخروج عن الموازين الشرعية والعقلية الأمر الذي جعله محل إعجاب الكثيرين.

كما للشيخ اهتمام بالغ بالجانب اللغوي لدرجة أنه لا يقبل أي عقد أو معاملة يرد فيها خطأ نحوي أو إملائي إلا بعد إصلاحه وضبطه[39] .

ثانياً: الفراسة:

جاء في المعجم الوسيط (الفراسة): هي المهارة في تعرّف بواطن الأمور من ظواهرها.

وإذا كان المتفرس من أهل الإيمان والإصلاح فإنه يمتلك قوة أخرى تدعم هذه الملكة وتجعل لها فاعلية أكبر وهي النظر بنور الله فقد جاء في الحديث النبوي الشريف: "اتقُوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".

والشيخ الهاجري كانت الفراسة لديه أشبه بحاسة سادسة يتعرف بها على المتخاصمين لديه بمجرد النظر إليهم ومن ثم يتخذ الموقف المناسب وكثيراً ما كان حدسه و توقعاته على الأشخاص تصيب الواقع وبدرجة مذهلة.

يقول عبد المجيد السليمان: "بحكم عملي في المكتب الذي يجلس فيه الشيخ كان كثيراً ما يخبرني عن بعض المتخاصمين وعن تخميناته حولهم فكنت أشكك في بعضها وما أن تتضح الأمور حتى أفاجأ أنه يحدث نفس ما كان يتوقعه الشيخ"[40] .

ثالثاً: التواضع:

التواضع سمة من سمات العظماء الذين لا يجعلون المناصب والمراكز البراقة تنال من نفوسهم فتسلبهم روح المساواة مع الناس من حولهم أو يتيحون لجرثومة الكبر مجالاً للدخول في أعماقهم.

والشيخ محمد يلمس منه كل من عرفه عن قرب هذه الروح العالية مع جميع العاملين معه في سلك القضاء فلا يوجد في قاموسه رئيس ومرؤوس وخادم ومخدوم بل جميعهم أخوة يعملون على مصلحة المجتمع على حدٍ سواء لدرجة أنه يستنكف ولا يرى من العيب إذا أخطأ في الاعتراف بالخطاء إلى من هم دونه وقد يعتذر إليهم رغم أنهم في سن أبنائه[41] .

رابعاً: الشدة في الحق:

رغم التواضع والسماحة التي عرف بها الشيخ فإنه ينظر إلى مسألة الحق كقضية مبدأ لا يمكن التنازل عنها لأي عارض ولأي كان مركزه الاجتماعي، فالمسؤولية الشرعية تفرض عليه القيام بواجبه على أكمل وجه وأن ينظر إلى جميع أطراف المجتمع على قدر المساواة، إضافة إلى الحرص الشديد على تطبيق القوانين وتعويد الناس على احترامه وعدم الإخلال به لما لذلك من أهمية قصوى في استقرار النظام وسقوط المحسوبيات التي هي أساس الخراب في كل مؤسسة.

وهذه السمة جعلت البعض يرى الشيخ بعين الشدة والقسوة بل والنيل من شخصيته أحياناً، متغافلين العواقب الوخيمة التي قد تنجر على المجتمع من وراء ذلك.

خامساً:قوة الملاحظة:

يقول الأستاذ عبد المجيد السليمان "تمتع الشيخ الهاجري بحاسة قوية في اكتشاف الأخطاء في المعاملات التي ترد عليه سواء الأخطاء الإملائية و النحوية أو من حيث الصياغة والتلاعب بالألفاظ رغم مراجعاتنا العديدة لها قبل عرضها عليه"[42] .

وهذه الميزة تختصر عليه الكثير من الجهد الذي قد يبذله في قضايا مشوبة بالخلل والملاحظات، والمراجعين في الانتباه إلى جميع ما يقدموه بين يديه وعدم التسرع في أمورهم.

سادساً: أسلوب الإثارة:

من الأساليب التي كان يتبعها الشيخ هو الأسلوب الاستفزازي بأن يطلب أمراً ليس له علاقة بالقضية وذلك كنوع من الإثارة ثم يرى ردة فعل الطرف المراد إثارته فإن كانت طبيعية ولم يلحظ عليه أي تغير فهو وتنازل عن الطلب وإن كان لا يظهر عليه أنه كان يخفي شيئاً ما أصر على طلبه حتى تتضح الأمور.

ينقل عبد المجيد السليمان "جاء شخص يريد أن يوقف أرضاً إلا أن الشيخ لاحظ أن هناك شيئاً غير طبيعي فطلب من الواقف أن يحضر أخته مع العلم أنها غير ضرورية للوقف فما كان من الواقف إلا أن ثار وأخذ يصب جام غضبه على الشيخ وخرج غاضباً من المحكمة ثم اتضحت الأمور أن المراد وقفه يوجد عليه مشاكل كثيرة ولا يمكن وقفه"[43] .

تطور القضاء في عهده: 

حافظ الشيخ الهاجري على المجهود العظيم الذي قام به سلفه الشيخ باقر أبوخمسين من حيث التنظيم الإداري ألا أنه وضع بصمته فكان على يديه التطور في أمور عده كان من أبرزها الأتي:

أولاً: قام باختيار نائب له من ذوي الكفاءة العلمية والمكانة الاجتماعية وهو الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله اللويم[44]  وكان دوره بارزاً في التسريع من عجلة القضاء و مساعدة الشيخ في إدارة شؤون المحكمة كما أنه ينوب عنه بشكل كامل في حال غيابه سواء لعارض صحي أو سفر وذلك حرصاً على عدم تعطيل المراجعين وجعل المحكمة في حالة فاعلية دائمة.

ثانياً: يعتبر الكومبيوتر من أكثر الأجهزة الخدماتية تطوراً وتقدماً واختصاراً للوقت والجهد وقد قام الشيخ محمد بإدخال هذه التقنية الحديثة في سلك القضاء فقد بدأت المحكمة بتسجيل القضايا ضمن برامج الكومبيوتر كي يسهل الرجوع إليها عند اللزوم كبديل لطريقة الملفات، والدفاتر التي تحتاج إلى جهد مضاعف وقد تتسبب في ضياع الكثير من الملفات بسبب زيادة الاستخدام أو تلفها أو وضعها في غير مكانها الصحيح وغيره.

ثالثاً: كما للشيخ جهد كبير في محاولة ضبط الأوقاف وتنظيمها وربطها بالمحكمة للحفاظ عليها من الضياع ومن الاستخدام في غير ما أوقفت له إضافة إلى العمل على تغيير نوع الوقفية فبدل من أن تكون جميع الأراضي الموقفة حصراً على جانب واحد كانت هناك محاولات في جعل الأوقاف الجديدة تكون لأعمال البر العامة وذلك لتعميم الفائدة منها وعدم التقيد بجانب دون جانب.

رابعاً:تنظيم المأذونين:فقد قام بحصر المأذونين بعد أن كان غير معروف عددهم، والمتابعة معهم والتأكد من أهليتهم واستبدال من تكون له الأهلية لذلك بمن توفي منهم.

مميزات المرحلة الثالثة:

أولاً: انتقل نشاط القضاء من المستوى الفردي إلى المستوى المؤسساتي، أي بعد أن كان قاض واحد يتولى كل مهام القضاء وكل مجريات الأمور معتمدة عليه أصبح هناك مؤسسة مكونة من عدة أفراد كلٌ له مسئوليته الخاصة ضمن تسلسل هرمي أعلاه القاضي إلى أصغر موظف في المحكمة.

ثانياً: أصبح للمحكمة مقر رسمي خاص بها من قبل الدولة يعرفه السكان المحليون ويرجعون إليه في جميع أمورهم القضائية بعد أن كان مكان المحكمة مقتصراً على المجلس الخاص للقاضي.

ثالثاً: أصبحت المحكمة أكثر تنظيماً من ذي قبل فقد وضعت قوانين وانظمه على جميع المعاملات ومواعيد خاصة يلتزم بها الجميع الأمر الذي سهل على القاضي طريقة مراجعة الأمور المعروضة لديه إضافة إلى تخفيف الأعباء القضائية عليه.

التنظيم الإداري للمحكمة الجعفرية في الأحساء خلال المرحلة الثالثة:

اتخذت المحكمة تنظيماً إدارياً داخلياً وزعت الأعضاء من خلاله الى أقسام مختلفة وذلك حسب الحاجة وما تقتضيه الضرورة وكان أوله في عهد الشيخ باقر أبوخمسين ثم تطور قليلاً في عهد الشيخ محمد الهاجري وهو كما يلي[45] :

1- القاضي: 

وله صلاحية فض النزاعات بين المتخاصمين وإثبات ما يحتاجه الناس من الإثباتات الشرعية المنوطة به رسمياً وهي الأوقاف والولاية والمواريث من حصر الإرث وتثبيت الوصايا والإشراف والتصديق على قسيمة المتروكات وعقود الزواج والطلاق والإشراف على جميع ما يصدر من المأذونين الشرعيين المعتمدين لدى القاضي والأمور الأخرى المتصلة بالمتخاصمين كما له صلاحية فض النزاع في جميع ماله علاقة بكل ما ذكر من خلاف.

2- نائب القاضي: 

وهو الشخص الذي يساعد القاضي أثناء توليه القضاء في جميع مهامه، وينوب عنه ويقوم بجميع أدواره ونشاطه أثناء غيابه لأي عارض كان سواء صحي أو سفر أو غيره وهو يمتاز بالكفاءة العالية والذكاء الحاد والمقدرة العلمية الأمر الذي يؤهله للقيام بهذا الدور الكبير.

3- المسؤول الإداري:

وهو معين داخلياً من بين الموظفين وله خصوصية الإشراف على حركة المعاملات الداخلية وما يرسل خارجاً وتنظيمها والإشراف على حضور وانصراف الموظفين والأمور الإدارية الأخرى مما لها علاقة بصيانة المبنى والأجهزة والمتابعة.

4- كاتب الضبط:

ومهمته ضبط ما يصدر من القاضي وتنظيمه في الدفاتر الخاصة كي يتسنى مراجعته عند الحاجة.

5- كاتب الاتصالات الإدارية: 

ومهمته توريد وتصدير المعاملات الداخلة والخارجة من وإلى المحكمة إضافة إلى بعض الأمور الإدارية الأخرى.

6- المسجلون:

ومهمته تسجيل الصكوك بعد إمضائها واعتمادها من القاضي وذلك بعد كتابتها في دفاتر الضبط.

7- المستخدمون: 

ومهمته في استقبال البريد القادم من المحكمة الكبرى وتوزيعه، داخل المحكمة مع المهام الفرعية الأخرى.

8- الأمن: 

وهم يقومون بدور التنظيم البشري داخل المحكمة و التدخل في الحالات القصوى بين المتخاصمين للحفاظ على هدوء المحكمة ومنع نشوب المشادات فيها كما يقومون بحماية ومنسوبي المحكمة من أيدي المتطفلين.

هيئة التمييز

هيئة دينية تضم مجموعة من علماء الدين الكبار في منطقة الأحساء، وقد أنشئت من أجل تحقيق الأهداف التالية:

1- حل القضايا العالقة في محكمة الأحساء والقطيف خصوصاً تلك المشاكل التي يعسر حلها.

2- وجود هيئة عليا تشرف على سير المحكمة في المنطقة وتتابع شؤونها.

3- وجود هيئة على اتصال مباشر مع أمارة المنطقة الشرقية مما يعطيها شرعية أكبر وحرية في التصرف.

وقد أنشئت هذه الهيئة على حياة السيد محمد حسين العلي، وكان من الأعضاء في تلك الحقبة الشيخ باقر أبو خمسين، والشيخ حسين الشواف، والشيخ صادق الخليفة. وقد استمر وجود هذه الهيئة حتى وفاة السيد العلي 1388هـ.

ومع تسلم الشيخ باقر بوخمسين منصب القضاء تكونت خلال فترة قضائه هيئة جديدة من علماء الدين مكونة من:

الشيخ محمد الهاجري، والشيخ عبدالله الخليفة، والسيد علي السيد ناصر، والسيد محمد علي العلي.

حل الهيئة:

لم يكتب الهيئة الاستمرارية وحلت بخطاب رقم 4/ س 23828 بتاريخ 23/ 10/ 1401هـ من الإدارة العامة للحقوق/ الحقوق الخاصة وموضوعه: حل الهيئة العلمية لتمييز القضاء الشيعي، وموجه لصاحب السمو الملكي وزير الداخلية، وموقع من نائب رئيس مجلس الوزراء. ومما جاء فيه:

(( نبعث إليكم برفقه نسخة خطاب سماحة رئيس مجلس القضاء الأعلى رقم 1444/ 1 وتاريخ 8/ 8/ 1401هـ ومشفوعاته المتعلقة بتظلم عبدالواحد… ورفقاه من القطيف من الهيئة العلمية لتمييز القضاء الشيعي بالأحساء بعدم توفر شروط قاضي التمييز المنصوص عليها في المادة 47 من نظام القضاء فيها وطلبهم حل تلك الهيئة… وأنه بالبحث والتحري من الهيئة المشار إليها تبين أنهم أناس من عامة الشيعة وليسوا من العلماء فيهم وقد شكلوا بناء على طلب من بعض الشيعة ووافقتهم إمارة الأحساء عليهم بموجب خطاب أمير الأحساء رقم 357/ س وتاريخ 882/ 1396هـ المبني على خطاب سمو أمير المنطقة الشرقية رقم 1138 وتاريخ 4/ 8/ 1396هـ ويرى سماحته حل هذه الهيئة وعدم الالتفات إليها… )).

والذي يبدو أن من أهم عوامل القضاء عليها يتمثل في التالي:

1- الدقة التي كانت تتميز بها الهيئة، وملاحظة القضايا العالقة بشكل مباشر، ولملمة جميع خيوطها؛ مما تسبب في إزعاج بعض أصحاب المصالح، والتصادم معها.

2- كون وجود الهيئة يعتبر مصدر قلق لدى بعض الشخصيات التي ترى في بقاء الهيئة تحطيماً لها لدرجة أن البعض صنفها ضمن قاعدة: " ما ضَرُّه أكبرُ من نفعِه".

3- عدم مقاومة الهيئة ببسالة أمام الاتهامات التي وجهت لها في إمارة المنطقة الشرقية.

4- أن الأعضاء من مناطق متفرقة مما أدى إلى صعوبة التواصل بينهم بشكل دائم أو دوري مما سهّل القضاء عليها.

5- قلة الوعي من قبل الأهالي وأولئك المذكورين سابقاً بأهمية هذه الهيئة لصالح المنطقة على المدى البعيد.

اختصاصات المحكمة الجعفرية

تعتبر المحكمة الجعفرية في الأحساء ذات اختصاص محدد من أجل خدمة الطائفة الشيعية وهي المجالات التي أقرتها الدولة والمتعلقة بالجانب الشخصي والقضايا الشرعية ويمكن حصرها في المجالات التالية:

أولاً: الأنكحة:

وهي الأمور المتعلقة بعقود الزواج والنفقة والنسب والحضانة والفرقة والطلاق وسائر الأمور الزوجية التي يمكن أن تطرأ.

والعقود الموجودة على نحوين[46] :

أ- العقود المختصة بالمحكمة:

1-الزواج من الأجنبية.

2- زواج الأجنبي بالسعودية.

ب- ما يكون خارج المحكمة عن طريق المأذونين وهو سائر العقود العادية التي تقع بين الأفراد السعوديين.

والطلاق أيضاً يقع على نحوين:

أ- الطلاق المختص بالمحكمة:

1- غير المدخول بها.

2- الطلاق الذي فيه مشاكل مالية أو خلاف على حضانة الأطفال.

3- أن تكون الزوجة أجنبية.

4- أن يكون الزوج أجنبياً.

ب- ما يكون عن طريق المأذونين وهو الطلاق الخالي من جميع الأمور السابقة.

المأذون: 

اسم يطلق على علماء الدين المرخص لهم بإجراء عقود الزواج والطلاق وهم على اتصال دائم بالمحكمة لأخذ الأوراق الرسمية التي خصصتها الدولة لهذا الغرض وهم على قسمين:

1- مأذون خاص بالزواج:ويبلغ عددهم في الأحساء 45 عالم دين.

2- مأذون للزواج والطلاق.

وتقوم المحكمة بالإشراف على هؤلاء ومتابعتهم ولها صلاحية التنصيب وعزل غير المؤهل منهم.

ثانياً:الولاية:

هي الوصاية وهي سلطة شرعية جعلت للكامل على المولى عليه لنقص فيه، ورجوع مصلحة إليه[47] .

ودور المحكمة في نصب القيم والوصي وعزله ومحاسبته، والإذن بالتصرفات الشرعية والقانونية.

ثالثاً: الوقف:

الوقف معناه لغة الحبس والمنع، تقول: وقفت عن السير، أي امتنعت عنه.

وفي الشرع نوع من العطية، يقضي بتحبيس الأصل، وإطلاق المنفعة، ومعنى تحبيس الأصل المنع عن الإرث والتصرف في العين الموقوفة بالبيع أو الهبة أو الرهن أو الإجارة أو الإعارة، وما إلى ذاك، أما تسبيل المنفعة فهو صرفها على الجهة التي عينها الواقف من دون عوض[48] .

والوقف في الأحساء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- وقف عام:ويترك أمر صرف المنفعة للولي الذي يشخص مكان الصرف المناسب.

2- وقف مخصص لاتجاه معين وهو على نحوين[49] :

أ- وهو وقف فيه نحو من العمومية كأن يوقف شخص مزرعة للرسول الأعظم دون أن يحدد اتجاه الصرف في خدمة الرسول فيمكن أن يكون إطعام في يوم وفاة الرسول أو طبع كتاب عن سيرته أو مساعدة المحتاجين باسم الرسول وغيره من المصارف التي تستشرف خدمة الرسول الأعظم .

ب- وقف محدد تحديداً دقيقاً كأن يكون ريع الوقف للإطعام في يوم عاشوراء.

ودور المحكمة يكمن في تحديد الوقفية والتولية على الوقف، ونصب المتولي وعزله ومحاسبته، وترشيح المتولي في الوقف، كما لها نشاط في حصر الأوقاف، والتوجيه نحوا تحديد نوع الوقفية وعد تخصيصها بجانب دون جانب.

الوقف وقفة تأمل:

يعد الوقف من أهم الموارد المالية التي تدعم سير المؤسسات الدينية والاجتماعية وتحافظ على بقائها لما يشكله من دخل مستمر لها وذلك للقطاع الواسع الذي تمثله نسبة الأوقاف في المنطقة سواء من الأراضي الزراعية أو المنازل السكنية أو المحلات التجارية ولكن وللأسف الشديد فأنها محاطة بالإهمال الكبير وعدم العناية مما تسبب في عطب معظمها وإصابته بالتلف وذلك من جهتين:

الأول:أصحاب الوقف: بعدم العناية به من حيث السلامة والخراب، وتسليمه بين يدي من لا يستحقه والاهتمام بتطويره كي يتم الاستفادة منه بشكل أفضل وبالتالي ضياع الهدف الذي تم الوقف لأجله.

الثاني: المحكمة:وذلك من جانب الإشراف على الوقف والمتابعة مع الولي رغم الفائدة العظيمة التي يمكن أن يجنيها المجتمع من الوقف لو استغل بالطريقة الصحيحة إذ لا ينال الوقف إلا اهتمام ضئيل قياساً الى أهميته الاجتماعية ودوره في تفعيل النشاطات الدينية.

طرق تطوير الوقف:

1- التوعية نحو فتح وتشعب مجالات الوقف فليس من السليم والصالح العام الاقتصار في الوقفية على قسم ضئيل مما يمكن أن يخدم به الوقف وإهمال الجوانب الأخرى والتي لربما يكون المجتمع أحوج إليها من غيرها ومن أمثلتها جعل الوقف لأعمال البر العامة والولي يشخص الجهة الأنسب لها كما يقترح التشجيع نحو جعل الوقف من أجل الدراسة الدينية والوقف لرعاية المساجد والوقف على التنمية العلمية والثقافية والوقف لأجل طباعة الكتب الدينية والوقف لمساعدة الأسر والمحتاجين والوقف لفقراء الأسرة وغيرها مما يمكن الوقف لأجله وفيه مصلحة عامة كل هذا يمكن أن يسهم في القفز بالوقف وأثره الإيجابي إلى الأمام أكثر وأكثر.

وهناك مجموعة من المقترحات الجيدة قام بوضعها المهندس عبدالله الشايب حول طرق تطوير الوقف والحفاظ عليه في دراسته المعنونة بـ"الوقف دراسة أولية حول الوقف في الأحساء" وهي كما يلي[50] :

2- تكوين قسم ضمن المحكمة باسم قسم الوقف به مجلس خاص بالوقف ويشرف عليه قاضي المحكمة ليكون محل الاستشارة الشرعية.

3- أن يكون بهذا القسم بنك للمعلومات عن جميع الأوقاف وتضم المعلومات الموقع وخارطة ونوعية الوقف وفيما أوقف وطرق الصرف..الخ ويحفظ بالمستندات أو صور منها لإثبات الوقف كالصك وشهادة الوقفية وحالة الوقف.

4- أن يتم حصر الأوقاف المسجلة لدى المحكمة والأوقاف غير المسجلة لوضع إحصاء دقيق عن عدد الأوقاف في المنطقة ومدى تنوعها.

5- أن ينظر في حال الولي فإذا كان معيناً من قبل الواقف نظر في أهليته لإدارة الوقف، وأما إذا لم يكن معين من قبل والولي ينظر في أهليته فأما يثبت بشكل رسمي أو يعزل ويناب عنه من له الأهلية لذلك.

6- أن لا يتم التصرف بالتأجير أو غيره للوقف إلا عن طريق الإعلان والمزاد العلني للحصول على أعلى سعر ممكن.

7- أن يعين جزءاً من دخل الوقف لإصلاحه لضمان استمراره والحفاظ عليه من التلف.

8- أن يقوم القسم المختص بالوقف بالتفتيش الدوري للمراقبة والمتابعة لأحوال الوقف.

رابعاً: المواريث:

الإرث أو التركة أسم يطلق على الأشياء التي يتركها الميت سواء ما ملكه قبل الموت عيناً كان أو ديناً، أو حقاً مالياً بمختلف أصنافه كحق التحجير أو حق الرهن أو حق الخيار في بيع أو شراء وغيره. أو ما يملكه بعد الموت كالدية فأنه يحسب تركة[51] .

ومهمة المحكمة يقع في إثبات الوفاة وتحرير التركات وتعيين الحصص الإرثية للورثة منها وتوزعها بينهم وتثبيت الولادة والوفاة بالسجلات الرسمية لذلك.

سادساً: الوصايا:

الوصايا جمع وصية، وتستعمل بمعنى الوصل، تقول: وصيت الشيء إذا وصلته به، وأيضاً تستعمل بالتقدم إلى الغير بما يطلب منه أن يفعل، منه قوله تعالى:" وأوصاني بالصلاة والزكاة ".

وأيضاً تستعمل في تفوض الإنسان بتصرف خاص بعد موته، وهذا هو المعنى المراد هنا. وقد عرفها الفقهاء بأنها تمليك عين أو منفعة مضاف إلى ما بعد الموت[52] .

ودور المحكمة في الوصايا هو كتابتها، و تسجيلها، وتصديقها لإعطائها صيغة شرعية ورسمية بعد وفاة الموصي.

سابعاً:تزكية الأشخاص:

فمن الأمور التي تقوم بها المحكمة أنها إذا أراد شخص المثول للشهادة وقد شك في عدالته أنها تقوم بتحديد أهليته للشهادة من عدمها ومن ثم ترتيب الأثر على تلك الشهادة.

ثامناً: الأشراف على نفقة القصر:

وهو القيام بدور المتابعة والمراقبة على الولي وكيفية التصرف في أموال القصر هل هو وفق مصلحتهم أم.لا ؟ وبالتالي تحديد مدى صلاحيته لتستمر ولايته أو وقفها وترشيح أخر تكون له الأهلية لذلك.

تاسعاً:نفقات أبناء المطلقات:

من الأمور الواجبة على الزوج بعد طلاق زوجته وعندها أطفال رضع أو أقل من سن الرشد في معية مطلقته هو الأنفاق والقيام على شؤونهم الخاصة من كسوتهم وتغذيتهم وحوائجهم الأخرى والمحكمة تقوم بدور تحديد هذه النفقة ومتابعة سيرها والحفاظ عليها من الانقطاع إلى أن ينقلهم في عهدته أو يبلغوا سن الرشد.

[1]  المفردات، للراغب الأصفهاني ص406.

[2]  القاموس المحيط، الفيروزبادي 4/ 371.

[3]  القضاء والنظام القضائي عند الإمام علي الدكتور محسن الموسوي. ص 61.

[4]  تاريخ القضاء في الإسلام الدكتور محمد الزحيلي. ص13.

[5]  النساء 4/58.

[6]  تاريخ القضاء في الإسلام ص6.

[7]  العلامة الشيخ محمد آل رمضان قبس من حياته وشعره حسين جواد الرمضان ص29.

[8]  المصدر السابق.

[9]  نقلاً عن الأستاذ حسين بن جواد الرمضان.

[10]  في محراب الشيخ محمد بن الشيخ حسين آل أبي خمسين للشيخ موسى الهادي ص80-85.

[11]  المصدر السابق ص97.

[12]  المصدر السابق ص246.

[13]  المصدر السابق ص277.

[14]  دائرة المعارف الشيعية 3/88

[15]  هداية العباد إلى طريق الحق والرشاد للشيخ محمد بن عبد الله العيثان ص5.

[16]  علماء هجر وأدباؤها عبر التاريخ للشيخ باقر أبو خمسين ص193.

[17]  المصدر السابق.

[18]  تبصرة المهتدي النص الجلي في إمامة أبي الحسن علي الشيخ موسى أبوخمسين ص50.

[19]  لقاء مع السيد ناصر أحمد علي العلي من المعمرين ولد سنة 1321هـ وممن عاصر الشيخ موسى وشاهده ينفذ العقاب في القضايا التي تستدعي جلد أحد المتخاصمين.

[20]  القضاء والأوقاف في الأحساء والقطيف وقطر أثناء الحكم العثماني الثاني للدكتور عبد الله بن ناصر السبيعي ص 35.

[21]  المصدر السابق.

[22]  أعلام هجر السيد هاشم بن محمد الشخص ج1 ط1 ص326.

[23]  الذكرى الخامسة و العشرين لرحيل آية الله العلامة المجاهد السيد محمد بن السيد حسين العلي للشيخ أحمد بن محمد البراهيم ص64.

[24]  المصدر السابق ص8 .

[25]  المصدر السابق ص8 .

[26]  الشيخ باقر أبوخمسين علم وعطاء وأدب محمد علي الحرز ص89.

[27]  الذكرى الخامسة والعشرين مصدر سابق ص102.

[28]  المصدر السابق ص104.

[29]  المصدر السابق ص104.

[30]  المصدر السابق ص107.

[31]  الشيخ باقر ابوخمسين علم وعطاء وأدب محمد علي الحرز ص 41 - 45.

[32]  المصدر السابق ص103 - 109.

[33]  المصدر السابق ص90.

[34]  المصدر السابق 90 - 92 .

[35]  الشيخ باقر أبوخمسين ص92.

[36]  لمحة عن حياة آية الله الشيخ محمد الهاجري الأحسائي حسين العباد ص30.

[37]  المصدر السابق ص30.

[38]  المصدر السابق ص19.

[39]  مقابلة مع الأستاذ عبد المجيد السليمان المدير الإداري للمحكمة في 2/1/1420هـ..

[40]  المصدر السابق.

[41]  المصدر السابق.

[42]  لقاء مع الأستاذ عبد المجيد السليمان مصدر سابق.

[43]  المصدر السابق.

[44]  هو الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله بن أحمد بن محمد بن الشيخ عبد المحسن اللويم ولد في قرية الشعبة من الأحساء سنة 1362هـ وتلقى فيها أوائل علومه على يد كل من الشيخ صالح السلطان والسيد ناصر بن السيد هاشم السلمان ثم هاجر إلى النجف الأشرف عام 1381هـ وتتلمذا فيها على أبرز علمائها كالسيد مجيد الحكيم و الشيخ محسن الغروي والسيد محمد حسين الحكيم والسيد مسلم الحلي والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد الشهيد محمد باقر الصدر، بعدها رجع إلى موطنه الأحساء سنة 1396هـ فمارس فيها دوره الاجتماعي والديني من إلقاء المحضرات وإمامة الجماعة والإصلاح بين الناس إلى أن تم ترشيحه ليكون معاوناً ونائباً للشيخ محمد الهاجري وبذلك دخل في سلك القضاء كباب ارحب لخدمة مجتمعه.

[45]  رسالة بقلم عبد المجيد السليمان المسؤول الإداري في المحكمة.

[46]  لقاء مع الشيخ أمين البقشي أحد موظفي المحكمة.

[47]  فقه الإمام جعفر الصادق عرض واستدلال الشيخ محمد جواد مغنيه ج5 ص236.

[48]  المصدر السابق ج5 ص57.

[49]  الوقف دراسة أولية حول الوقف في الأحساء للمهندس عبد الله عبد المحسن الشايب.بتصرف ص4.

[50]  الوقف دراسة أولية حول الوقف في الأحساء م/ عبد الله عبد المحسن الشايب. ص9-10.بتصرف يسير.

[51]  فقه الإمام جعفر الصادق مصدر سابق ج6 ص189.بتصرف.

[52]  المصدر السابق ج6 ص152.
عضو هيئة التحرير
236804