(بنو خالد نموذجاً)
نظام القضاء عند القبائل
سعود الزيتون الخالدي * - 27 / 2 / 2011م - 9:54 ص - العدد (20)

لم يكن العرب قبل الإسلام سوى أمة تكون في مجملها مجموعة من القبائل تتناثر في محيط جزيرتها، وتعيش حياة اجتماعية تأخذ من نظام "القبيلة" ما تدير به شؤون حياته، بحيث وجد العرب منذ جاهليتهم من نظام القبيلة ما يتلاءم وعقليتهم وبيئتهم، وقد ظل هذا النظام سائداً بينهم على مختلف أنماط معيشتهم، بحيث أخذ به من كان يقيم في الحواضر ويعيش حياة مستقرة، مثله مثل ذلك البدوي الذي فرضت عليه ظروف معيشته التنقل وراء منابت الكلأ ونزول الأمطار لرعي ماشيته التي يجد في تكاثرها استمرار لرزقه.

ومع أن القبائل النازلة في البادية لم تعرف ما عرفته القبائل المتحضرة من ضروب المعيشة، إلا أن نفسية كل من الجماعتين تتحد في سمات قبيلة متشابهة، وقد تجدها ظاهرة بارزة في حياة كل منهما، والمتتبع لأخبار القبائل العربية قبل الإسلام وبعده يلمس ذلك، ويلاحظ من خلال تاريخ العرب قبل الإسلام أن النظم التي أوجدتها (قريش) لحفظ الأمن والاستقرار في ربوعها قبل أن يبعث (محمد) صلى الله عليه وسلم رسولاً للهدى لم تغير من الروح القبلية السائدة، والتي تكاد تكون واحدة في القبائل الحضرية والبدوية، ففي حين كانت القبيلة العربية قبل الإسلام بموطنها في الجزيرة تمثل بمجموعة أفرادها وحدة سياسية تعيش بمفهومها قانوناً تحدد فيه علاقة الفرد مها بأخيه والجماعة بالإضافة إلى تفاخرها بأحسابها وأنسابها، أصبحت القبيلة في الإسلام رمزاً لمصالح كثيرة أهمها تنازع البقاء والسيطرة على شؤون الدولة الإسلامية[1]  لكون الروح القبلية وما يلد عنها لم تحد منها التعاليم الإسلامية والتدابير التي اتخذها الرسول وخلفاؤه من بعده، ولو تراجعت بعض الشيء مع بداية ظهور الإسلام إلا أن ذلك لم يعمل على استئصالها وإخماد أنفاسها، بحيث كانت قريش على سبيل المثال من أصغر القبائل العربية ويبعث (محمد) مها رسولاً لدين الإسلام أصبحت به أعظم قبيلة في تاريخ البشر ومحور التاريخ العرب كله[2] .

ونظام الدولة الواحدة الذي عاشه العرب في ظله منذ الإسلام لم يستطع الاستغناء عن التنظيم القبلي في نظمه الإدارية والحربية، فكان تخطيط الأمصار وتعبئة الجيوش قائمين على هذا الأساس، ولذلك ظل النظام القبلي قائماً في العصر الإسلامي ضمن نطاق نظام الدولة، ومن ثم ظل أثره بارزاً في العصر الإسلامي عصرئذٍ[3] .

ومع أن بني خالد يمثلون إحدى القبائل العربية التي برزت لأخذ دورتها كقبيلة عربية مستقلة في أحداث الجزيرة العربية وما حولها، وذلك بعدما تكاثر أبناء خالد بن الوليد وأحفاده، وانتشروا في الجزيرة، ليبرزوا كقبيلة مستقلة من بني مخزوم ليعرفوا من خلال القرن الرابع للهجرة بذلك كما يقول ملا عبود[4] ، بحيث أخذ أفراد بني خالد من نظام القبيلة ما يتلاءم وطبيعتهم ولا يعارض عقيدتهم، مع أن البضع من أفرادهم وأسرهم كان يعود له الفضل في إنشاء دول في مواقع مختلفة من أقاليم الجزيرة، كان أولها دولة خالد بن الوليد في الشام الذي اتخذ من حمص قاعدة لها وحكم في المنطقة حكماً ذاتياً دون أن يستقل عن المدينة المنورة، وقد بارك له في ذلك الخليفة أبو بكر، وأمره على جميع من فيها من أمراء المسلمين، بعد أن تمكن خالد بن الوليد من نشر الإسلام فيها، ودحر الرومان عنها، بحيث كان لخالد الحرية في توزيع خراجها على جيوش المسلمين فيها مع إدارتها، وقد سكت النقود باسم خالد بن الوليد[5]  بعد أن ضبط الشام إسلامياً وحكمها ذاتياً ولم يخرج عن طوع المدينة والخليفة أبو بكر وقد استمر على وضعه في الشام إلى أن تولى عمر الذي قام بدوره وعارض خالداً وما تحت يده في الشام وعمل على انتزاعه منه، وذلك بعدما رأى من شدة ولاء الناس لخالد في الشام ما يثير الريبة ويفتن المسلمين ويحد من وحدتهم، وعمل على إقصائه عن المنطقة وعيّن بدلاً منه آخر مما ثار حفيظة بعض بني مخزوم حول هذا الأمر إلا أن قوة خالد بن الوليد وحبه لعقيدته هدأت من الوضع لتستمر وحدة المسلمين في عهد عمر، بحيث ترى خالد بن الوليد عندما لمس من دنو أجله أن يطلب من أبي الدرداء قاضي الشام آنذاك[6]  أن يكتب بوصيته لعمر ويأمره بعد أن يلاقي ربه أن ينقلها لأمير المؤمنين عمر في المدينة، وقد عمل أبو الدرداء على ذلك وأوصل وصية خالد بعد أن مات في الشام لعمر في المدينة المنورة.

كما برز أبناء خالد من بعده وكان للبعض منهم دور في أحداث الجزيرة، وبرزوا في اليمن والحجاز بحيث كان منهم مولك في تهامة[7] ، وشيوخ في بيشة وأمراء في مكة والمدينة، إلا أنهم أخذوا في نظام القبيلة العربية منذ أن صعدوا في نجد، بحيث أخذ أفراد بني خالد من نظام القبيلة في (الزواج) إذ كان نظام الحجر سمة من سماتهم إلى عهد قريب، مع أن ديننا الحنيف لا يقره، بحيث كانت المرأة وغلى عهد قريب مهمشة تهميشاً يكاد يكون تاماً عند بني خالد بحيث يقوم ابن عمها القريب ويمنعها الزواج لتبقى إلى أن يعطيها الإذن أو قد تستمر على منعها إلى أن تموت، ولكن اليوم تغير الحال وتنورت الناس بالعلم، مع أن بني خالد حريصيون شديدو الحرص على أعراضهم، كما أن المرأة عندهم لا تدخل مجلس الرجال ولا تتحدث مع القرباء ولا تأكل بصحن أخوتها وأبيها، وقل أن تكشف نقابها أمام أخوتها مع أن الإسلام لا يعارضه، ولعهد قريب كانت لا تشرب القهوة، وقد تلاقي برغبتها بها من أهلا الرجال المنع.

كما أن الثأر لا يزال موجوداً عند بني خالد، مع أن مثل هذا الحدث نادراً ما يوجد بين بني خالد خلاف القبائل الأخرى التي لا تزال تعاني منه إلى اليوم[8] .

كما أن بني خالد يعملون بـ"الجاهة" إلى يومنا هذا وهو أن يقوم أحد منهم بضرب آخر، فإما عليه أن يترقب الانتقام أو الثأر أو أن يحضر من وجهاء القوم من يطلب من المعتدى عليه من التقاضي والتنازل عن ماله عند غريمه مقابل احترام وجوه تلك الأعيان مع قبول ما يفرض له من حقوق عينية يخلص بها عن ماله عند غريمه.

ومع أن قبيلة بني خالد لا يلتم شملها على شيخ[9]  واحد فيوجد بها مجموعة من الشيوخ لكل شيخ منهم الاحترام عند مجموعة من القوم التي تقرر له بالولاء.

والحديث عما يتمتع به بنو خالد من نظم وأعراف قبلية ويتخذون منها ضوابط للسير في حياتهم وسط مجتمعهم والآخرين لا تزال تشتهر بها عند القبائل الأخرى حتى نقله عنهم بعض قبائل الجزيرة العربية، ومع أن بني خالد تعاملوا مع البدو في نظامهم القبلي عرفوا الحضر وتعاملوا معهم كقبيلة وكذلك كرؤساء دولة، تمثل مجتمعها مختلف الطبقات، وكذلك المعتقدات بحيث عاشوا ذلك عندما عرفوا من الخليج موطناً لهم فقد برزوا بالمنطقة بعدة دولة جاءت على فترات متعاقبة ومتباعدة فقد أخذوا من حواضر منطقة الخليج قواعد لهم واتخذوا من الهفوف قاعدة لهم كما أقاموا في القطيف وجعلوا من قلعتها وعنك قاعدة لهم.

والتشريع القبلي عند بني خالد طرأ عليه بعض التطور رغم أنه غير مكتوب، بحيث وصل أفراد بني خالد لدرجة من المرونة وتعاملوا رغم عرفهم مع الغير من جيرانهم من غير بني خالد وفقاً لمفهومهم تلك الجيران وما يسير مع حدود معتقداتهم ونظمهم الأسرية دون أن يفرضوا عليهم التعامل وفقاً لما يتعاملون فيه فيما بينهم من تشريع قبلي، وبهذا الأسلوب عاش أفراد بني خالد أعلى درجات الاستقرار والمحبة مع مختلف التجمعات والقبائل في الخليج والجزيرة بحيث تميزوا بعدم التدخل في شؤون الغير الخاصة سواء كانت عقائدية أو اجتماعية، وعندما صعد بنو العياش منهم في القطيف[10]  بعد أن دخلوها مع القرامطة، الذي ما انهاروا حتى صعدوا بها سياسياً وأقاموا لهم أول دولة في الخليج بزعامة بنو العياش الخالديين[11]  بحيث أن بني خالد انعزلوا عن بني مخزوم القرشيين، وبنو مخزوم عرفوا القطيف منذ أن جاء ثلة منهم بقيادة قطيفة بن ربيعة المخزومي برفقة بني ساحة بن لؤي[12]  مع جيوش العرب التي انطلقت من الحجاز لنجدة عرب الخليج ضد الفرس قبل بضع عقود من بعث محمد بالإسلام بحيث وصل قطيفة المخزومي ومن معه إلى الخليج وما أن تمكنت هذه الجيوش العربية من طرد الفرس عن المنطقة حتى أقام قطيفة المخزومي وأنشأ قلعة حربية له بجوار الزارة آنذاك[13]  ما لبثت هذه القلعة أن عرفت بقلعة قطيفه لتكون نواة لمدينة القطيف الذي ما بقيت لفترة حتى غطت على المنطقة باسمها لتعرف بمنطقة القطيف أو بحر القطيف، بعد أن غادر عنها بنو أسامة لعمان واستقل بسيادتها المخزومي قطيفة بن ربيعة ومن معه من قومه.

والقطيف أخذت اسمها من قطيفة المخزومي، ليس كما توهم البعض وقال إنها من قطف الثمار، أو غير ذلك. وقد يعارضني بعض الأخوة لوضع ما، ولكن قبل ذلك عليه سبر أغوار التاريخ وسيجد في خفايا ما يؤكد ما قلته حول اشتقاق مسمى القطيف.

هذا ومع أن بني خالد صعدوا سياسياً وبشكل بارز منذ صعد منهم الجبور بحكم منطقة الخليج من خلال القرن التاسع[14]  ولكون القضاء أمر ثابت في الشريعة الإسلامية فقد أولاه زعماء الجبور أهمية بالغلة لما لهم وأهالي المنطقة من حاجة غليه، وتطور النظام القضائي في عهدهم، مع أن المنطقة عرفت القضاء الإسلامي وطبقته في ربوعها منذ دخولها طواعية في دوحة الإسلام الوارفة في السنة التاسعة للهجرة أثر الوفادة الثانية لبني عبدالقيس سكان المنطقة آنذاك على النبي صلى الله عليه وسلم[15] .

ومع أن الجبور عمموا بالمنطقة المذهب "المالكي" في عهد زامل بن أجود، إلا أنه لم يأخذ به جميع المنتمين لسلطة الجبور، بحيث كانت المنطقة في أعلى درجة سلطة الجبور يوجد فيها من يعتقد بمختلف المذاهب ساء كانت مذاهب سنية أو شيعية بحيث إن الجبور لم يفرضوا بالقوة على كل أتباعهم الأخذ بمذهب الإمام مالك[16]  كما توهم البعضن بحيث تمتع سكان مناطق نفوذهم بحرية المعتقد، وتعدد المشائخ والمفتين بمختلف المذاهب السنية وكذلك الجعفرية، حتى أن السكان في عهدهم أصبحوا لا يجدون حرج في الذهاب لمن يرون فيه من قضاة ا لمسلمين النظر في أمورهم الشرعية سواء كانت من السنة أو من الشيعة، بحيث كان لمشائخ هجر وقضاتها على امتداد فترات التاريخ الإسلامي مواقف رائدة ومتميزة في التمسك بإقامة العدل والحق بين الناس، وقد كانت هجر في عهدهم وبعض المواقع الحضرية الأخرى مكاناً يقصده طلاب العلم من مختلف بقاع الجزيرة العربية وذلك لكثرة ما قام به زعماء الجبور من تشجيع لطلاب العلم والعلماء وإيجاد كثير من الأربطة العلمية في كل من هجر والقطيف وكذلك جزر البحرين، بحيث إنه في عهدهم كثر العلماء على مختلف مللهم واستفاد منهم الكثير من طلاب العلم الذين وفدوا على المنطقة، ومن ثم عادوا بما كسبوه لبلدانهم ليصبحوا بها بعد ذلك بارزين عند مجتمعاتهم، ويقول أحد المؤرخين في مخطوطته: كما خرج الفضل وزير الخليفة الحافظ سنة(524 – 544هـ) الذي كان يدين بمذهب الإمامية الاثني عشرية، وعين سنة 525هـ أربعة من القضاة اثنين من الشيعة واثنين من السنة[17]  أخذ أحد زعماء الجبور في هجر هذا المسلك واتخذ في بعض القضايا التي تقام بين خصمين من السنة والشيعة قاضياً من السنة وآخر من الشيعة للنظر بمثل هذه الدعاوى[18]  بحيث نجد أن هناك بعض من الوقفيات في كل من هجر والقطيف تم العمل بإثباتها في عهد الجبور وكانت تحمل توقيع قضاة من السنة وبعضها يحمل توقيع قضاة من الشيعة، كما أن البعض من تلك الأوقاف الخيرية يحمل تواقيع مشتركة من قضاة سنة وشيعة.

وقد اشتهر العهد الجبري بمجموعة من القضاة إلا أن بسبب توغل البرتغاليين للمنطقة وقتل للسلطان مقرن بن زامل[19]  انهارت دولة الجبور وفقد كثير من مكاتب الأحساء والقطيف محتوياتها وضاعت غالب الحقائق التاريخة في تلك الفترة ولم يتعرف المؤرخون بسبب تلك الأحداث إلا على بضع قضاة كانوا يمارسون القضاء في عهد دول الجبور، وقد وجدت أسماءهم ثابتة في بعض الوقائق الخاصة بأوقاف هجر والقطيف والتي سلمت من أيادي العبث، كالوثيقة التي شملت في محتواها مسجد سيف بن حسين بن أحمد الجبري[20]  إلا أن القضاء في المنطقة أصبح واضحاً بعض الشيء في الفترة العثمانية الأولى والتي بدأت من (957 – 1074هـ) والتي أعقبت دولة الجبور وبني مغامس الخالديين، إذ نجد مجموعة من الأوقاف باسم بعض المتولين من الأتراك والأهالي حررت بتلك الفترة وأمضى عليها بعض من مشائخ المطقة آنذاك.

إلا أن القضاء أصبح واضحاً في المنطقة وكثر العاملون فيه عندما تولى آل حميد من بني خالد الذي انخذل عنهم آل غرير وآل عريعر، بحيث وصف حكمهم أو حاكمة في المنطقة بالديمقراطية[21]  وقال: إن في حكمهم السلمي للمنطقة دوراً بارزاً في العوامل الحتمية التي هيأت الفرصة للكويت خلال السنوات الأولى من نشأتها لكي تنموا وتزدهر في جو لا تعكر صفو القبائل العربية الأخرى كما هو الحال في نجد، بحيث كان لبني خالد الفضل في نشأة الغالب من إمارات الخليج الحالية[22]  وقد استمرت دولة بني خالد في آل حميد لأكثر من قرن من الزمن زاول من خلالها الحكام فيها نظام المساواة بين أتباعهم وعدم التدخل في أمورهم الخاصة، بحيث ازدهرت التجارة ونمت الزراعة وعملوا على تطور النظام الاجتماعي وكثرت في عهدهم الأربطة العلمية وكثر المتعلمون وكانت قاعدتهم هجر محط أنظار الوافدين من طلاب العلم من مختلف بقاع الجزيرة.

ويقول بعض المؤرخين: إنه كثر في عهدهم الأربطة الفقهية التي تدرس مختلف المذاهب السنية، كما أنه في عهدهم نشأت كذلك بعض الأربطة التي تدرس الفقه الجعفري في كل من هجر والقطيف، وكان للشيعة نصيب وافر عندهم في عمل الوزراء بحيث تطرقت البعض من المراجع وزراء من الشيعة علموا مع مجموعة من حكامهم.

ومع أن بني خالد اتخذوا في حكمهم للمنطقة من الدين الإسلامي شريعة لهم فقد تطور القضاء الشرعي في عهدهم وكثرت المحاكم وتعددت قضاتها بحيث كان منهم القضاة من مختلف المذاهب الإسلامية، وإذ نجد وثيقة وقفية لفروخ باشا حررت في 17/ 10/ 1095هـ أي في عهد آل حميد[23]  كان القاضي آنذاك والموقعة منه صفي الدين بن سليمان، بالإَضافة إلى أوقاف مسجد محمد بن عبدالله المكنى بأبي نقاء[24]  التي حررت وثيقتها في عهد حكومة بني خالد وقد حرر سنة 1135هـ، والتي تضمنت في محتواها مجموعة من العقارات وقد حررها الشيخ عبدالله بن محمد بن عبداللطيف، وكذلك أوقاف مسجد سلمان بن محمد بن فهد بن براك بن عزير بن عثمان بن سعدون، ووقف مسجد عثمان بن محمد الكرود الذي تم إصدار وثيقته سنة 1191هـ، وقد وقع وثيقته الشيخ محمد بن فيروز وهو مفتي ديار بني خالد آنذاك، وقد كان له بعض الأخبار مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ويقال أنه عارضه، وقد أكد بعض المؤرخين ذلك.

كما أنه هناك الكثير من القضاة من السنة والشيعة الذين زاولوا القضاء في عهد بني خالد الأخير نكتفي بما ذكرناه لأنه يوجد من المراجع الكثير التي تطرقت لتلك القضاة الذين زاولوا القضاء من مختلف المذاهب وقد ذكرهم البعض من كتب التراجم التي عنيت بمثل هذه الفئة من المشتغلين بالقضاء، إلا أنه بزوال حكم بني خالد عن المنطقة ظلت علاقة بني خالد بإخوانهم الشيعة مستمرة ولا يزال يزداد رسوخاً بحيث ساد بينهم نظام عرفي أملته عليهم في السابق ظروف سياسية لا يزال معمولاً به بينهم ويفهمه منهم الصغير قبل الكبير ويحترمه بحكم الوطن الواحد والمصالح المشتركة، وقد أكد ذلك الترابط ابن عفيصان عندما حاول أن يهاجم أحد زعماء بني خالد وقد تحصن بالقطيف وذلك عندما قال له ابن سعود موليه: احذر بني خالد في القطيف فقد امتزج دمهم بأهلها، بحيث بعد أن أقصى سلطان بني خالد بالمنطقة تعاملوا مع أهالي القطيف بالقضاء العرفي الذي رضيه الطرفان بحيث نسمع أنه عندما قامت إحدى القبائل بالاعتداء على طوارف ممتلكات العوامية اتصل ابن فرج آنذاك مع الشيخ شديد بن علي الشويش وطلب منه أن ينقل بعض أملاك قومه داخل العوامية إلى أملاك أخرى لأهالي العوامية في قرى القطيف الأخرى وذلك حرصاً من الشيخين أن تقوم فتنة بين السواد من قومهم وفعلاً تم ذلك ونقلت بعض الأملاك وبدلت بأملاك أخرى في المنطقة وسلم الأهالي من بني خالد وأهل القيطف بالعوامية من المحذور بسبب قبيلة أخرى ليس لبني خالد علاقة بها.

كما ينقل أنه مع بداية حكم الملك عبدالعزيز تقدم للمحكمة الشرعية في القطيف بدعوى بين جدي من أمي طلاع بن صغير بن طلاع الخالدي وآخر من أسر آل شيف من أهالي القطيف حول خلاف على تداخل بساتين لهم في مزارع القطيف وقامت الدعوى بالمحكمة واستمرت إلى أن وصل أن حكم الشيخ على ابن شيف القطيفي أن يحلف اليمن وعند ذلك رفض جدي وقال أنا أعرف يا شيخ عند من أحلفه وذهب جدي بدوره لأحد قضاة إخواننا الشيعة بالقطيف ويقال إنه من عائلة الخنيزي وعندما وصل إليه جدي في منزله وأخبره ما يريد طلب هذا الشيخ "الملا" من أهالي القطيف الرجل الذي من أسرة ابن شيف وقال: إن طلاع الخالدي يقول إنه يريدك تحلف عندي اليمين حول ما دار بينكما فقال: أنا ما أحلف عندك يا ملا، فقال: إذاً يا طلاع خصمك ما له حق عليك وأخذ خطاب وحرره أرسله إلى المحكمة الشرعية وضمنه في محتواه بأن الحق لطلاع الخالدي، وفعلاً حكمت المحكمة الشرعية بالقطيف بعد ذلك لجدي وذلك بسبب ما لبني خالد وإخوانهم أهالي القطيف من نظام لا يحيطه غيرهم.

كما أنهم اتخذوا مما بينهم من نظام عرفي مع بدايات حكم الملك عبدالعزيز للمنطقة مرجعاً لخلافاتهم التي تدعي حضور وتدخل الأمن واكتفوا بحلها عند الشيوخ والوجهاء من الطرفين، وأذكر أن عمي سلطان بن زيتون بن شديد الشويش الخالدي اشتكى إليه أحد أفراد أهالي حلة محيش على رجل من قومه من بني خالد، وأحضره واقتص منه لصالح المحيشي بعد أن جلده أمامه.

ولا يزال الترابط بين بني خالد وأهالي القطيف بالذات قائماً، والنظام العرفي سائداً بينهم بالإضافة إلى مشاركة كل طرف الآخر بالأفراح وكذلك الأحزان مع أنه لا يوجد بينهم مشاكل قطعاً بينما التعايش بينهم مزدهر والمحبة والتواصل مستمر وراسخاً.

[1]  د. فايز ترحيني، الشيخ عبدالله العلالي، ص217.

[2]  د. حسين مؤنس، تاريخ قريش، ص7.

[3]  د. إحسان النص، العصبية القبيلة وأثرها في الشعر الأموي، ص191.

[4]  ملا عبود دهر الخالدي، سيرة قبائل إيران في خوزستان، ج1، ص39.

[5]  جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، ص135.

[6]  الإمام الشيخ حين الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2، ص347.

[7]  الحسن بن أحمد الهمداني، صفة جزيرة العرب، ص259.

[8]  يلاحظ في هذا الشأن بعض ما يبث في نشرات الأخبار وصحف الجرائد السعودية.

[9]  لكل فرع من فروع بني خالد شيخ مستقل مع أنهم اليوم لا يوجد لهم شيخ يكف شملهم عموماً.

[10]  محمد عبدالله الأنصاري، تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد، 1، ص98.

[11]  سعود الزيتون، ملاحظات حول نسب وتاريخ بني خالد، الواحة العدد 17، بيروت لبنان.

[12]  محمد حبيب البغدادي، المنمق بأخبار قريش، ص529.

[13]  مخطوطة صالح الداريني، في تاريخ الخليج، ورقة 23.

[14]  د. عبداللطيف ناصر الحميدان، التاريخ السياسي لأمارة الجبور في شرق الجزيرة العربية، مجلة كلية الآداب، جامعة البصرة، العدد 16، ص40.

[15]  د. عبدالله ناصر السبعي، القضاء والأوقاف في الحساء والقطيف وهجر، ص20.

[16]  الشيخ نجم الدين العزي، الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، ج1، ص215.

[17]  د. حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج4، ص379.

[18]  مؤلف مجهور، تاريخ هجر، ورقة 43.

[19]  د. عبداللطيف الحميدان، التاريخ السياسي لأمارة الجبور في شرق الجزيرة العربية، مجلة كلية الآداب، جامعة البصرة، العدد 16، ص80.

[20]  د. ناصر السبعي، القضاء والأوقاف في الأحساء والقطيف وقطر، ص128.

[21]  د. أحمد مصطفى أبو حاكمة، تاريخ شرقي الجزيرة العربية، ص63.

[22]  المصدر السابق، ص99.

[23]  د. ناصر السبعي، القضاء والأوقاف في الأحساء والقطيف وقطر، ص147.

[24]  المصدر السابق، ص161.
عضو هيئة التحرير
375200