كتاب: الشيخ حسين الشيخ.. والخروج إلى آفاق أرحب
حسين المحسن - 27 / 2 / 2011م - 10:50 ص - العدد (20)

(1)

امتلك الشيخ حسين بن الحاج صالح بن الملا حسين بن الشيخ علي بن أبي المكارم الشيخ محمد بن عز الدين الشيخ عبد الله الجدعلاني الستري القطيفي العوامي.. القدرة على الخروج من الدوائر الضيقة.. فالمنتمي لأسرة تعود في أصولها إلى جزيرة البحرين، والمولود في مدينة سيهات، والذي عاش قرابة 17 عاماً من حياته في بلدة العوامية.. خرج من هذه الدوائر جميعاً، ليعيش هماً إنسانياً وإسلامياً ومذهبياً، جعله مشغول البال بالأندلس الضائع، في الهند والجمهوريات المستقلة من الاتحاد السوفيتي السابق ويوغسلافيا.

خروجه من الدوائر الضيقة جعله يوماً يواجه تيارات متباينة مع الذي انتمى له فكرياً في بلده، ثم يهاجر من أجل طلب العلم، ويتشرب مبادئ حركة آمنت بـ(الأممية)، ويعمل في سبيل الله.

عاد إلى بلده، فأدخل أماكن ضيقة، خرج منها يوماً، فلم يتعب، ولم يشعر أنه أدى ما عليه، لم تثنه الويلات التي قاساها هناك عن التفكير في العودة… دُبرت له الوظيفة، صحيح أنها كانت متواضعة، لكنها قد تكون البداية نحو العيش الرغيد، إلا أنه عاد مرة أخرى للتحليق.. كان يكره الدوائر الضيقة.

تلك الدوائر لم تكن مادية فقط، بل حتى فكرية.. مقتها وكرهها، لأنه عشق الحياة بدون قيود على الجسد أو الفكر.

(2)

هو فارق الحياة قبل 3 أعوام، فلماذا الكتابة عنه الآن؟

ولأن ابن عمه محمد أمين أبو المكارم، أصدر كتاباً حمل اسم (أفئدة وجراح.. الشيخ حسين آل الشيخ: وميض حياة وعزيف رحيل)، فقررت أن أقرأه لكم في ظل هذه الذكرى.. لعلي أقرأ لكم رجلاً تماهى مع مبادئه وقيمه، فتشربها وسقاها للكثيرين في موطنه وخارجه، حياً وميتاً.

من بين من شاركوا في الكتاب العلامة الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي، الذي تناول في سطور مقتضبة (كتابة الذكرى)، يقول في تقديمه له، ".. ويفاد من هذه الذكريات المدونة - وبخاصة في منطقتنا - مصدراً من مصادر تاريخ المنطقة ورجالاتها من علماء وأدباء، ومرجعاً أدبياً لمن يريد أن يبحث في أدب المنطقة وتاريخه، وقد تلقي أضواءً كاشفة على جوانب اجتماعية لمجتمع المنطقة".

ومع أن كتاب أبي المكارم عن ابن عمه (الفقيد الشيخ)، إلا أن له تماس وثيق الصلة بحقبة من أهم حقب التاريخ في منطقتنا، التي سبقت ولادة الفقيد، أو السنوات الأربع والثلاثين التي عاشها، سواء في المنطقة، أو خارجها.

(3)

الكتاب الصادرة طبعته الأولى حديثاً عن دار المكارم لإحياء التراث (بيروت - لبنان) يقع في قرابة 300 صفحة، من القطع الكبير، ومع أن اسم كاتبه يبرز على غلافه الأول، إلا أنه زخر بعشرات الكلمات والقصائد مما كتب وألقي في فاتحته وحفلات تأبينه المتعددة. احتل نتاجهم النصف الثاني من الكتاب، في حشد من الأفكار والأسماء.. وذلك يبرز مكانة الفقيد في نفوس من حوله، فلقد أحب الناس جميعاً فأحبوه.

(4)

بعد 4 آيات و9 أحاديث شريفة عن العلم وفضل طلبه والعمل به، يبدأ الكتاب (يعود المؤلف بعد صفحات قليلة - من 23 إلى 50 - للحديث عن العلم بروايات عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأئمة أهل البيت صلوات الله ورضوانه عليهم). في محاولة منه كما قال: "حتى لا يكون الكتاب سيرة شخصية بحتة، قدمت له بمقدمة تتناسب وشخصية الفقيد، كإنسان هاجر في طلب العلم ووقف حياته على ذلك. فكانت المقدمة عن العلم ومكانته في الإسلام".

بعدها يخوض بنا الكاتب في إهداء غامض، من يقرأ حروفه لا يعلم لمن يهدي هذا الكتاب، إلا أن القارئ يعلم أن المؤلف يربط بين الفقيد (الشيخ حسين) وواحد من أجداده، كانت القواسم بين الاثنين كثيرة، ثم لا يلبث المؤلف أن يقدم هذا الجد في الصفحة 58 وما تليها، وهو الشيخ عبد الله بن الشيخ أحمد الستري، جد آل أبي المكارم وآل الشيخ في القطيف وآل الستري في البحرين، والذي بانتقاله من الثانية إلى الأولى أسس فرعا لهذه العائلة العلمية في المنطقة.. ضمن حركة الانتقال المحكومة بالظروف السياسية والاجتماعية والعلمية بين الجزيرة (البحرين) والمدينة (القطيف).

فالمؤلف يشعرك في كثير من صفحات الكتاب أن من يتحدث عنه، ومن كتب الكتاب عنه، ما هو إلا امتداد لتاريخ الأسرة العلمي والديني والاجتماعي.. وان كان البعض يقره فيما ذهب إليه، إلا أن البعض قد يختلف معه، فيرى الشيخ حسين حالة مختلفة -وإن تشابهت- مع من سبقوه من هذه الأسرة، التي كان لها وبلا شك دورٌ كبيرٌ في إثراء الساحة العلمية في المنطقة (القطيف والأحساء والبحرين).

(5)

بعد سنوات من الرسالية، مارس فيها بعض الأدوار البسيطة في مجال بث الوعي الديني بمفهوم رسالي، من خلال نادي بلدته (السلام) ومسجد الرسول الأعظم في حي الجميمة، وأماكن أخرى، قرر الشيخ حسين ابن السابعة عشرة أن ينتقل للمهجر، طلباً للعلم، ومن أجل مواصلة الدرب الرسالي، وكان ذلك في عام 1402هـ. وفي طهران، وتحديداً في أطراف مدينة الاثني عشر مليوناً، في قرية هادئة تعرف باسم (ماما زند) وتعريبها (أم الحياة)، وفي قصر قيل إنه أحد قصور أخت الشاه السابق، تحول فيما بعد إلى حوزة (القائم)، بدأت رحلته العلمية والنضالية، درس على يد علماء ومشايخ من حركته، ولكنهم أمميون، فمنهم من كان من أبناء وطنه، ومنهم من كان من العراق والبحرين وبلد المهجر.

وبعد قرابة الأربع سنوات عاد مرة أخرى، فأدخل الأماكن الضيقة، وقد قال لي بعد إلحاح مني على معرفة ظروف تلك التجربة: "كانت أياماً صعبة جداً، والحمد لله أنها انتهت".. كثيرون ممن خرجوا من تلك الأماكن أصيبوا بردة فعل، لكنه لم يكن واحدا منهم، وبعد قليل من الخروج، صدم بوفاة شقيقته، ثم والدته، ولم يفصل بين ارتحالهما إلا شهر على ما أتذكر، لكنه كان واقفاً في المقبرة كالطود الصامد.. لم يهتز -على الأقل خارجياً-، فمن كان يرغب فيما كان يرغب فيه هو لم يكن الاهتزاز يليق به.

أحد أبناء عمومته دبر له وظيفة شبه حكومية، كانت متواضعة، حين التحق بها، لقيته ساخراً، فقال لي (اصبر).. وبعدها بأيام رحل.. حلق من جديد نحو المهجر، نحو الحرية التي كان ينشد.

(6)

بعدها بأشهر أو عام لقيته هناك، كان يبدو متغيراً قليلاً عن الذي كان.. بدأ يبرز في الوسط، عرفت شيئاً من المكانة التي احتلها، ولكنها بدأت تكبر وتكبر، ليس لشيء إلا لأنه كان لا يكل ولا يمل من العمل والتفكير.. كان مشغولاً بالهم الأممي، فكر في البلقان، الذي كان يوشك على التفكك، فكتب مقالة عن الأندلس الضائع هناك، نشرت -على ما أعتقد- في مجلة الشهيد، ثم أخذه التفكير نحو أندلسات أخرى.. هل تخلى في هذا الجو الأممي عن الوطن؟ لا بل كان يعيش داخله، وبقوة، حتى أصغر دائرة في ذلك الوطن، بلدته العوامية، والحي الذي كان يسكن فيه (الجميمة)، ومنزلهم في طرفه الغربي الجنوبي، كانوا جميعاً يسكنونه. لكنه لم يكن يحبذ الأماكن الضيقة، كان يعشق كل تلك الدوائر، لكنه يخرج من واحدة ليدخل الأخرى ساعياً نحو الثالثة، محباً للأولى والثانية والثالثة وما سيأتي.

إذن.. عاد للدراسة وللتدريس، ويحصي مؤلف (أفئدة وجراح) 46 تلميذا من تلامذته، أكثرهم من موطنه، والباقون من الكويت وتنزانيا، وآخرون لم يعرف أسماءهم -كما قال-.. درسهم حسين صالح (كما كان يحبذ أن يطلق عليه): اللغة العربية (لغير الناطقين بها)، النحو والصرف، التدبر في القرآن، نهج البلاغة، والثقافة الإسلامية المعاصرة، الكتابة، أصول البحوث، معالم الأصول، فقه الإمام الصادق وبعض أجزاء اللمعة.. بعضهم واصل درب العلم والعمل، والبعض الآخر حالت ظروفهم دون (كل) ذلك.

بدأ الشيخ يكبر ويكبر، عقلا وعلماً.

(7)

حالت ظروف في البلد الذي احتضنه بضع سنين من هجرته دون البقاء فيه، فارتحل مع من ارتحلوا إلى الشام، وتحديداً إلى جوار مرقد السيدة زينب (عليها السلام)، في مدرسة الصادق، التي كانت امتداداً لـ(القائم)، وفيها واصل المسيرة، دراسة وتدريساً، وعمل أيضاً.. غير أن تغيراً فكرياً كان يحدث في الوسط، تأثر هو به، بدأت كثير من القناعات والمسلمات تعاد صياغتها والتعامل معها، تغيرت بعض قناعاته، بدأ بعض الحماس -كما يقول مؤلف أفئدة وجراح- يتحول إلى وضوح رؤية.

في تلك الظروف وما تلاها، لعب الشيخ حسين بعض الأدوار التي استطاعت أن تبقي اسمه في ذاكرتنا، أسس -مع بعض الأصدقاء الرساليين- داري النخيل والخليج العربي، ركزت الأولى على طبع الكتب العقائدية، فيما انفتحت الثانية على الكتب الإسلامية والثقافية والأدبية عامة، كما يقول محمد أمين أبو المكارم. وصدر عنهما أكثر من 50 كتاباً، في: الفكر، الفقه، التاريخ، التراث، العقائد، الاجتماع، الأخلاق، الأدب، وغيرها.. كان كاتبوها من موطنه، إضافة إلى بعض دول الخليج وإيران ومصر والسودان والمغرب وغيرها.

كما أسس مركز الدراسات السياسية والاجتماعية في السعودية، الذي أصدر 3 كتب، هي: الكيان الشيعي.. الوسائل والأهداف، المرجعية الشيعية.. رؤية جديدة، والحركة السياسية في الجزيرة العربية.

كذلك أعاد إصدار مجلة البصائر، التي كانت تصدر عن مركز الدراسات والبحوث الإسلامية في حوزة الإمام القائم (عجل الله فرجه الشريف)، بعد أن حل عدة عقبات كانت تواجهها، وتولى هو رئاسة تحريرها، وكل أمورها تقريباً، حتى أنه استدان لكي تصدر. وهي اليوم متعثرة، ولا يبدو أنها ستخرج من هذا التعثر في الأمد القريب.

وفي الإطار ذاته أصدر كتابين، هما: الأندلس الضائع، والذي كان يسعى الفقيد لأن يكون على عدة حلقات، إلا أن الوفاة حالت دون ذلك. والثاني (شيء من الماضي)، وهو مجموعة من القصص القصيرة، فلقد كانت له اهتمامات أدبية، وطالما كان يحضر بعض الجلسات الأدبية في مهجره الثاني.. ومن الطريف أن أذكر أنه كتب قصة قصيرة، جاء في خاتمتها على لسان بطلها (.. والموت في أرض الوطن شهادة)، فسألناه: أهذا ما تحلم به؟ فرد مبتسماً: يجوز.. لم يكن يعطي -في كثير من الأحيان- أجوبة قاطعة، خصوصاً إذا ارتبط السؤال به شخصياً.

ولا يزال هناك مخطوطان للفقيد، يحملان عنواني (مدرسة الإمامية في القطيف والأحساء) و (تأملات ثقافية).. وقد نشرت له مجلتا الشهيد والبصائر وغيرهما عشرات المقالات، بعضها باسمه وأخرى بدونه، وأغلبها يحمل تحليلات تاريخية، قضايا فكرية، اجتماعية وثقافية. فيما كان آخر مقال كتبه هو (التواصل التاريخي)، وهو مقال قصير، سجل عليه تاريخ يسبق تاريخ غيبوبته الأخيرة بسبعة أيام، أثناء رحلته إلى الديار المقدسة.. بالإضافة إلى مشاريع كتابات في مخيلته، لم تخرج من قلمه.

كان مهموما بالإعلام، وكانت له رؤية -قد تعد- متقدمة في هذا المجال، ويمكن الاطلاع على عناوينها، في الندوة التي تحدث فيها، والتي نشرت في (أفئدة وجراح)، والتي حملت عنوان (آفاق أخرى للعمل الثقافي)، والتي تناول فيها أهمية الإعلام في توجيه المجتمع، والتطور في الإعلام، والأخذ بالإمكانات الحديثة، وجدلية السياسي والثقافي، والاهتمام بالأول على حساب الثاني.

ورغم المواضيع الثقافية والفكرية التي استعرضنا بعض عناوينها، إلا أن الشيخ حسين كان مهتماً بتحقيق كتب التراث وطباعتها، وقد حقق 4 كتب، اثنان منها للعلامة الحجة الشيخ موسى أبو خمسين، وآخر للعلامة الشيخ باقر أبو خمسين، وثلاثتهم في المذهب، وآخر فقهي للإمام الشيخ جعفر بن الشيخ محمد أبو المكارم، صدر اثنان منهم.

وفي الإطار نفسه كتب 4 تراجم، أحدها عن المرجع الديني الإمام آية الله العظمي السيد محمد مهدي الحسيني الشيرازي (مؤسس الحركة الأممية التي انتمى لها الشيخ)، والثاني عن العلامة الشيخ باقر أبو خمسين، والثالث والرابع عن علمين من أعلام أسرته (الإمام الشيخ جعفر أبو المكارم والعلامة الحجة الشيخ محمد بن الشيخ منصور الستري).

(8)

وأخيراً، هل كان الشيخ حسين صالح الشيخ يمتلك مقومات (الكاريزما)؟

البعض قد يقول: نعم.. فلقد كان الشيخ:

- مبدئياً ومثالياً إلى أبعد الحدود، ولكنه كان واقعياً. والجمع بين الاثنتين شيء غريب جداً.

- امتلك الحسب والنسب.

- فدائياً.

- امتلك الكثير من الدبلوماسية في الحديث والتعامل.

- بيته وقلبه كانا ملاذا للكثيرين.

- أعطى الآخرين فكراً ومالاً بلا حدود.. أتذكر أنه وأحد الأصدقاء وأنا كنا واقفين في السيدة زينب بالشام، وكانت أيام محرم أو صفر، وكان للتو قد توفرت لديه بعض النقود، بعد أزمة مالية ألمت به، فجاء شخص من بلدته، وحكى ظروفا تعرض لها هناك أفقدته نقوده، وأصبح بعدها في حاجة ماسة للمال، لم يكن الشيخ يعرفه بحكم طول سنوات الهجرة، ولكن صديقنا وأنا كنا نعلم أنه نصاب، فأخرج الشيخ حسين مبلغاً كبيراً -بمقاييس المهجر- وأعطاه للرجل، وحين غادرنا الرجل أخبرناه أنه نصاب، فرد: كانت من رزقه، وكفى.

- كان يحب الاستقلال في العيش، وفي نفس الوقت كان يحب أن يلتف حول الآخرين وأن يلتفوا حوله.

- يناقش بالحجة، ولكنه كان على أتم الاستعداد للتنازل عن الأفكار التي لا تنتصر. ونقاشه يتم عادة بدون تعصب. وهو محاور قوي الحجة، يرفض الصنمية والأحادية الفكرية، والقوالب الجاهزة.

- من السهل أن يقرأ القريبون منه جداً أفكاره، ولكنهم كانوا يشعرون أنه بحر بلا قرار.

- واسع الإطلاع، يحب أن يقرأ كتب التاريخ ومذكرات الزعماء والقادة تحديداً، هذا في جانب الاطلاعات الأخرى بعيداً عن الكتب المتعلقة بدراسته وتدريسه.

- كان يهوى العمل المؤسساتي، ولكن يخشى الكثيرون اليوم على بعض ما أنشأه من المؤسسات أن لا يدوم بعد حياته.

- يضحي بكل ما يملك من أجل الأصدقاء، ولكنه على أتم الاستعداد لتقديم عيوبهم لهم (ولهم فقط)، إذا ما رأى حاجة لذلك، في سبيل تقويم المسار.. ولكن بدبلوماسيته المعهودة.

- عاش 34 عاماً، قضى نصفها بين موطنه، والنصف الآخر في الهجرة (باستثناء السنوات والأشهر التي كان يعود فيها ليرحل مرة أخرى).

- حصل على 4 وكالات من 4 مراجع من مراجع طائفته، في استعراض أسماءهم، ما يدل على تنوعه وسعة أفقه، وعدم تحزبه، وهم: آية الله السيد كاظم المرعشي النجفي، آية الله العظمى الشيخ حسين علي المنتظري، آية الله العظمى السيد محمد مهدي الحسيني الشيرازي، آية الله السيد ضياء الدين الحسيني الأشكوري. وجميعهم يعيشون في قم.

- من الصفات الأخرى التي يوردها محمد أمين في كتابه (أفئدة وجراح) ما يلي وبتصرف: شديد الذكاء، متوقد الذهن، مولعاً بالقراءة والاطلاع، محباً للتراث وتحقيقه، وللثقافة ونشرها، متواضعاً دونما ذلة، أبياً دونما تكبر، يتعامل مع كل بحسب مستواه وطبيعته.. لا يقبل أن يكون بيدقاً يساق دونما وعي. أو دمية تحرك دونما إرادة. يذهب وراء قناعاته بجد وإخلاص منقطعي النظير.. صافي السريرة، بعيداً عن الأحقاد، وإذا ما اختلف مع صديق له في فكرة أو قناعة ما، فإنه لا يقع في ضبابية الرؤية وشرك الخلط بين الفكرة والشخص، فكثيراً ما يصطدم مع أفكار بعض الأشخاص، إلا أنه يجد في نفسه سعادة غامرة عند مصافحة خصمه بعد صولات وجولات من صدام الأفكار والقناعات.. تسامى فوق الخلافات الشخصية، فاكتسب ودّ خصومه قبل مريديه، حتى استطاع أن يحولهم إلى أصدقاء، يلهجون بإطرائه والثناء عليه.. اتسع قلبه للأقارب والأباعد، جمعته الغربة مع ثلة من المؤمنين من أبناء وطنه وغيرهم في دار هجرته، فكانت داره موئلا لهم، ووقته موزعاً بين درسه وشؤونه وشؤونهم..

(9)

عاد إلى سيهات خاطباً ثم متزوجاً من كريمة أحد أبناء عمومته (العلامة الشيخ عبد المجيد الشيخ علي آل أبي المكارم).. تزوج في حفل شاركه فيه شقيقه بدر، ورحل.. مرض فهزل جسده الضخم، سألته عن سر نحافته، فأجابني مبتسماً: أخفف وزني (لعله كان يقصد ذنوبي).. رزق بمولود أسماه (علياً) ومات في يومه الأول.. عاد في أواخر عام 1418هـ، لم ألتقه، فقد غادر بعدها بأيام إلى الحج، عتبت عليه، ولكنني قلت سأعاتبه حين يعود، لم أكن أعلم أنه سيعود جثماناً، أكمل مناسك الحج، وغادر إلى مدينة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.. وما أن وصل، حتى مرض.. في الرابع عشر من شهر ذي الحجة، أدخل أحد مستشفيات المدينة المنورة، وفي نفس اليوم دخل غيبوبته التي أفاق منها بعد شهر في جنات الخلد، إن شاء الله.. رحل عن عالمنا في مدينة الرياض، في الرابع عشر من شهر محرم من عام 1419هـ.. وفي اليوم ذاته ووري جثمانه الثرى في تشييع مهيب، احتشدوا بالألوف في تشييع جثمانه وفي أيام الفاتحة الثلاث وفي الأربعين.. قالوا وكتبوا الكثير عن الراحل الفقيد.. ولكنني واثق أنه سيقال الكثير عن هذا العلم، الذي أضاء لمريديه (بعضهم لم يلتقوا بجسده) درباً، سيظل نوره متوقداً لسنوات طوال في نفوسهم.

371306