في حضرة الشيخ البيات
محمد سعيد البريكي * - 27 / 2 / 2011م - 10:52 ص - العدد (20)

لا أتذكر الفترة المبكرة من حياتي التي لم يكن فيها المرحوم المقدس الشيخ منصور البيات جزءاً من ذاكرتي، فقد كان ذلك الشيخ الوقور الذي تخطى العقد الخامس من عمره يدخل في حساب نشاطي الأسبوعي عندما كنت غلاماً حدثاً، وعندما صرت شاباً يافعاً حتى أشرفت على تخطي العقد الثاني من عمري وغادرت الوطن مغترباً لمواصلة التعليم.

كان يأتي لمجالسة المرحوم والدي الشيخ مرة كل أسبوع على الأقل.. كان علي أن اصطحبه من الدور الثاني في بيته الكريم مروراً بسوابيط القلعة حتى اصعد إلى الدور الثالث من منزلنا حيث يقع مجلس والدي في(الخلوة) وهي حجرة تكون عادة في الدور العلوي من المنزل، وحيث ينتظره في المجلس المرحوم الفاضل الشيخ فرج العمران ليتدارسا مع والدي مسائل مختلفة في الفقه والأصول والمواضيع المماثلة، وحيث يحتدم بينهم نقاش حاد في كثير من الأحيان يفاجئني فيه الفقيد المرحوم الشيخ منصور بضراوته في المنازلة خلافاً لما يبدو عليه مظهره المسالم. على أنه لا يخرج في معاتبة خصمه على عدم التسليم بوجهة نظره عن ترديد قوله (عجيب قضية).

كانت المناقشات تقودني في كثير من مراحلها إلى السلم الخشبي الموجود في (الخلوة) لإحضار الكتب المختلفة التي يتطلب النقاش الرجوع إليها. لقد كانت الخلوة تضمّ مكتبة والدي الكبيرة بالإضافة إلى كونها مجلسه.

ولم تكن الجلسات مقتصرة على النقاش الحاد المتجهم، بل كانت تتخللها وقفات من النكات والطرف يظهر فيها المرحوم الشيخ منصور حسه للفكاهة واستجابته للنكتة، كان يغرق أحياناً في الضحك ويصفق يداً على الأخرى، ولم يكن يفوقه في ذلك سوى فضيلة الشيخ العمران.

كانت رحلتي المتكررة معه من منزله إلى منزلنا تجربة بدأت أتفكر في نتائجها فيما بعد. لقد كانت هي فرصة لقائي الخاص مع الشيخ حيث أتعرض خلالها للاختبار من قبله في الدروس التي كنت أتلقاها من والدي -رحمه الله- فقد كان اختبار الصبيان والكبار من قبل أهل العلم سنة في ذلك الزمان.

كان علي يوم يأتي الشيخ أن أبقى في المجلس طيلة العصر لأقوم على خدمته وخدمة الشيخ فرج ومن قد يكون هناك ولأحضر الكتب المطلوبة طلوعاً ونزولاً من السلم الخشبي ولأعيدها بعد الانتهاء ولأعيد الشيخ إلى منزله قبيل الغروب. واعترف اليوم أنني كنت أتضايق عندما يصادف يوم زيارة الشيخ موعد التدريب الكشفي أو التمثيل في المدرسة.

لقد كان والدي كثيراً ما يقول بعد انتهاء الجلسة وانصراف الشيخ (إن مجلس الشيخ منصور والشيخ فرج كله زين، ما فيه (طايح) ويقصد بذلك أنه لا يتخلله اللغو ولا قول ما لا يفيد).

كانت مجالس المذاكرة العلمية والأدبية التي شهدتها في منزلي ومنازل أخرى في القطيف جزءاً من المشهد العلمي والثقافي في تلك الفترة (فترة الستينات والسبعينات الهجرية) على الرغم من قلة طلبة العلم والمتخصصين في الآداب، وهي تختلف عن حلقات الدروس الفردية والمجالس الخاصة المغلقة إذ كانت مجالس مفتوحة يستمع فيها العالم والجاهل لمناقشة العلماء، وقد أحزنني بعد عودتي من الدراسة أن أجد هذه المجالس قد انقرضت في وسطنا لحوقاً بالديناصور والدودو.

عندما بعدت عن الوطن ظلت صور مجلسنا الذي يزينه الشيخ محفورة في ذاكرتي، وكان من بينها صورة كثيراً ما تبرز أمامي واضحة جلية فتملؤني بكثير من الحزن، تلك هي صورة الشيخ الوقور الذي تخطى عتبة الستين حين فارقته -يسند ظهره إلى وسادة تفصل بينه وبين الجدار الغربي للمجلس ويضع كأساً من الماء أو عصير الليمون على الصندوق الخشبي الأسود المعروف بـ(البشتختة) - وعندها مجلسه الدائم - وينتحب. كنت أحضره أيام الصيف القائض من الدور الثاني بمنزله مروراً بالشوارع الرطبة إلى الدور الثالث بمنزلنا كما ذكرت، وعندما يجلس إلى ركنه الأثير يلتقط أنفاسه احضر له كأساً من الماء لا يلبث حين يلامس شفتيه ويرشف منه حتى يضعه وينتحب. لم يكن يقول شيئاً، ولم اكن في البداية افهم تفسيراً لسلوكه، ولم أشأ أن أسأل والدي، كنت كبقية اليافعين أحاول أن أجد التفسير بنفسي. حتى سمعت مرة قول الشاعر:

شيعتي مهما شربتم

عذب ماء فاذكروني

وبملاحظة الشيخ في المواقف المتعددة عند ذكر الحسين ، وجدت التفسير لقد كان جرح الحسين وعطش الحسين جزءاً من ذاته.

وعدت مرة أخرى بعد اغترابي واغتراب الشيخ، إلى المشهد الذي هو عنوانه هذه المرة في المسجد والبيت، وبعد أن اتخذت المجالس المماثلة طقوساً لم يجد الشيخ نفسه في حاجة إليها. لقد كان اهتمام الشيخ خارج حدود نفسه. لقد بقي كما كان لا يطلب الوقوف إليه إجلالاً من جميع الحاضرين وهو يترجل من سيارته قادماً للمسجد، ولا يعاتب أحداً على إخلاله بشيء من الطقوس فضلاً عن أن يعاديه لذلك. لم يكن يبحث عن التقديس لقد كان يعيش في عز بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان لقد أدرك كأمثاله من الصالحين هدف وجوده، وأيقن بحسن المصير من خلال التفاني في الله، والبعد عن البريق، لقد عاش طاهراً ومات سعيداً.

شاعر
305236