من ذكريات أديب: الشيخ سعيد أبو المكارم
بعد نصف قرن من الخطابة الدينية..
عقيل بن ناجي المسكين * - 27 / 2 / 2011م - 11:17 ص - العدد (20)

وقف عمره على الدعوة الإسلامية، وغرس نفسه بين أضلاع المنبر، وصرف جل وقته لخدمته بين تحصيل وتأليف وتأمل وتطوير. وما النهضة الخطابية التي يعيشها المنبر الديني في القطيف إلا نتاج غرسه وغرس قلة من أمثاله حملوا أمانة الدعوة.

إنه سماحة العلامة الشيخ سعيد أبو المكارم الرجل الذي جنى حبّ الناس بحب الناس، واكتسب احترامهم باحترامهم، وتمكن من نفوسهم بصدق وعيه رسالة المنبر، وحساسية حب النبي وأهل بيته ؛ فظهرت نظراته العميقة في التفسير وآراؤه المتجددة في التاريخ ومواقفه الجريئة من المجتمع، ليكون إنتاجه المنبري الممتد لأكثر من نصف قرن واحداً من أهم ملامح الخطابة الدينية في القطيف.

ولم يبرز الشيخ أبو المكارم خطيباً فذاً وحسب؛ بل تعددت مواهبه: باحثاً ومؤرخاً وأديباً شاعراً، و -قبل ذلك كله- رجل دين متشرباً بالمحافظة التي لا تقف عائقاً ضد المعاصرة، ولا يحول منقولها دون معقولها. واتصف في شخصيته بالذكاء الاجتماعي واحترام الناس صغيرهم وكبيرهم، أميهم وعالمهم، فقيرهم وغنيهم؛ وتحلّى بأخلاق الرائعين من العلماء في قراءته الناس وكتابة حياته بينهم.

وحين التقته (الواحة) وجدت فيه روح العالم الهادئ الطبع، التلقائي، المتبسط، الإنسان الذي يرسم بسجيته الواعية صورة رجل الدين الخلوق الذي يعتدّ بذاته وتراثه، ولكن -وهذه إحدى صفاته- لا يلغي أحداً، ولا يصادر حق أحد، ولا يستنقص من شأن أحد.. باختصار هذه هي صورة الشيخ أبي المكارم مختزلة.. وفي الحوار الآتي ملامح أكثر قرباً ووضوحاً..

بما أنه حوار يهتم بأوراق من ذكريات أديب؛ فإننا انطلقنا معه من البداية، وسألنا سماحته عن الخطوات الأولى في صعود المنبر: كيف؟ ومتى؟ وأين؟

- كانت البداية في أواخر الخمسينيات الهجرية، وأول مرة صعدت فيها المنبر دون جمهور، كنت أتخيل نفسي أحاضر وكان عمري حينها أقل من تسع سنوات، وكان الوالد (قدس سره) وقتها عائدا لتوه من البحرين حيث أقام فيها قاضياً لأكثر من ست سنوات قبل أن يعتزله ويعود إلى القطيف. وكان معلمي الأول الوالدة رحمها الله، التي علمتني وأشرفت على اختياراتي واتقاني لها، وكان التطبيق العملي على أعواد المنبر أمام الجمهور في العام نفسه وفي مجلس الوالد حيث الجمهور يجتمع عنده… كانت الأم هي المدرسة، ومنزل الوالد (قدس سره) ميدان التطبيق، تحت مظلته (رحمه الله).

- وفي يوم من الأيام طلبتُ من الوالد أن ينشئ مجلساً أسبوعياً في حسينية الجد الملاصقة لمنزلنا في العوامية، فسألني: هل ستكون أنت الخطيب؟ فقلت له بل العم الحاج ملا محمد باقر، فأمرني أن أكون الذي أدعوه لذلك، وكان المجلس الأسبوعي … وفي بعض تلك الليالي كان العم مشغولاً فلم يحضر، وكان بين الحضور ابن العم ملا حسن بن الشيخ أحمد، فطلبت منه أن يقرأ، فاعتذر بأنه لم يمارس الخطابة، وإن كان يعاون أخاه المعلم الملا عبدالحسين في كُتّابه… فقلت للوالد إن ابن العم ملا حسن هو من سيقرأ الليلة، فاضطر للتنفيذ مهابة من الشيخ الوالد ومحبة لي، فقرأ مرثية شعبية على تهيّب لكن الوالد قدم له هدية وشجعه على المواصلة، وكانت تلك بداية خير في خدمته المنبر إلى آخر حياته (رحمه الله).

بعدها قرأت في المجلس الأسبوعي بتشجيع من الوالد، ثم بقراءة مقدمة له في أيام عاشوراء، وألبسني اللباس الديني بيده، وأتذكر أنها كانت جبة جوخ حمراء، وقام على تعليمي بعض الدروس التي لا بد للخطيب منها لتقويم لسانه ومنطقه... وقد كنت في البداية أتهرب من القراءة في بعض الليالي... وفي آخر سنة من حياته (قدس سره) قرأت معه الموسم كاملا وأعطاني مكافأة مالية تشجيعا لي على المواصلة، والشيخ (رحمه الله) لا يمتهن الخطابة بالمفهوم المألوف وإنما هو محاضر في أيام معدودة من المناسبات الدينية كالعيدين وليالي القدر من 19 - 23، ويعتبر في خطابته من أكابر خطباء الأمة الإسلامية أمثال الإمام كاشف الغطاء والإمام الزنجاني والشيخ جعفر التستري، وكانت له ملكة قدسية من العرفان وجودة الإلقاء والهيمنة على قلوب الجماهير.

كيف واصلت دربك مع الخطابة؟

- بعد وفاة الوالد (قدس سره) قرأت مستقلا وأول موسم قرأته مستقلا في محرم من عام 1365هـ عند الحاج حسين خليف في حسينية الخير في الحي الجنوبي من العوامية، وكذلك عند الحاج حسين الزاهر (أبو علي) ابتداء من اليوم السابع في ذات الحي.

وأول فاتحة قرأتها كانت فاتحة ابن العم الملا أحمد بن علي بن سلمان بإلزام من أخيه ابن العم الخطيب الحاج عبد العلي وكان ذلك عام 1369هـ، وكان هذان الأخيران قد خدما العوامية مادياً ومعنوياً بكل ما يستطيعان، مع سطوة الفقر آنذاك، ثم تجاوزت العوامية في الخطابة إلى غيرها من بلدان القطيف وغيرها.

وربما أقمت في بعض القرى فترة من الزمن لعدم توفر وسائل النقل، ومنها الآجام.. وفيها كتبت جزءا كبيرا من ديواني النبطي (هدية السعداء).

ما هي الموضوعات التي تناولتها في محاضراتك الأولى؟

- أول موضوع تحدثت فيه مستقلا عن مناجاة موسى A، ثم تدرجت في طرح مواضيع متنوعة: في التفسير والتاريخ والفقه والقضايا الاجتماعية والفكر الإسلامي المعاصر، وغير ذلك.

وما هي مصادر معرفتك الأولى؟

- بعد وفاة الوالد شرعت في تكوين مكتبة صغيرة من الكتب المتاحة في الأسواق حينها، وأتذكر أنني ذهبت ذات مرة إلى سوق القطيف لشراء بعض الكتب، فقطعت الطريق مشيا على الأقدام وأحجمت عن ركوب السيارة لأوفر أجرتها لشراء الكتاب، واشتريت يومها مروج الذهب للمسعودي، والكوكب الدري للمازندراني (رحمه الله)، بثلاثة وثلاثين ريالا وذلك في رجب أو شعبان من عام 1364هـ.

أما عن دراستي العلمية فكانت تصحيح مفاهيم على يد العلامة المفضال الأستاذ الشيخ حسين القديحي (رحمه الله) ثم واصلتها في النجف الأشرف بين 75 - 82 هجري تحت مظلة وراعية مرجع الأمة وقائدها الأعلى الإمام الحكيم (قدس سره).

كيف كانت مسيرة المنبر وتجربتكم فيها بعد ذلك؟

- ما وصفته لك كان في عقدي الستينيات والسبعينيات الهجرية حيث كانت الأمور تأخذ مسارا طبيعيا وتقليديا، أما في الثمانينيات الهجرية فقد وجدنا أنفسنا في مواجهة المد المادي، وكان لا بد لنا من تحمل مسؤولياتنا تجاه الدين والمجتمع، وقد ضاعف هذه المسؤولية عدم اطلاع الكثير من أهل العلم والخطابة على فكر الطرف الآخر، ولجأ البعض منهم إلى الوسائل التقليدية من حصار اجتماعي وغيره وبعضهم لجأ إلى التفسيق والتكفير لما رأوه منهم من عدم الاكتراث بالدين وعباداته ومعتقداته وطقوسه وتجاوز بعضهم إلى السخرية والاستهزاء بها.. لم يكن حملة معاول ذلك الفكر ليكترثوا بهذا النوع من المواجهة، لكنهم ضاقوا ذرعاً بمن واجههم بالكلمة الواعية والفكرة البناءة والنقاش الحر، حيث طرحنا فكرهم على ألسنة رموزه وناقشناها ودللنا على أن مبادئ الدين الإسلامي وفكره المستوحى من السماء أكثر تقدمية و إنسانية من أفكارهم وأصحابهم وأولى بالاتباع. فما كان لبعضهم من وسيلة إلا الهرب من المواجهة واللجوء إلى اختلاق الأكاذيب والافتراءات والتهم التي لم تنطل على المجتمع، وسرعان ما انكشفت سوءات الذين كانوا يعملون على ترويج المختلقات أو من كان يحركهم من وراء الستار.. وبالطبع هذا لا ينفي وجود آخرين منهم كانوا على صحبة معنا، حيث كان مجلسنا مفتوحا للجميع، وكان منهم من يغشى مجلسنا معززا مكرما، وقد كنا نؤدي ما يمليه الواجب تجاههم من الحوار بالحسنى، وقد اقتنع بعضهم بخطأ ما كان عليه وغير من آرائه وأفكاره.

لقد كانت فترة الثمانينيات هي مرحلة التأسيس لخطابة جديدة على أساس من الوعي بمبادئ الرسول وأهل بيته ونهضة الإمام الحسين، ساعد على ذلك انتشار التعليم -ولو قليلا-، ولا يزال رواد الحركة الأدبية والفكرية وحملة الأقلام والشهادات الأكاديمية في المنطقة يتذكرون تلك الأيام، فقد حفرت في ذاكرتهم حتى صارت جزءا من تكوينهم، فإذا لشاب أن ينسى أزقة قريته التي نشأ فيها فلعله ينسى تلك الأيام وخصوصا أيام حسينية السدرة في القطيف وأيامها المشهودة.

واستمر الأمر على هذا النحو حتى أواخر التسعينيات الهجرية، حيث بدأ الوعي يتنامى بوتيرة أسرع وبدأت في الظهور كوادر شابة يرجى لها أن تقوم على خدمة دينها ومجتمعها.

برأيك ما هي رسالة المنبر الحسيني في مجتمعات كمجتمعاتنا؟ وما هو دور الخطيب الحسيني في خدمة قضايا المجتمع وحل مشاكله الخاصة والعامة؟

- إن رمت الاختصار فالجواب في طيات السؤال، فرسالة المنبر (وبالتالي رسالة من يتحمل هذه المسؤولية ويضطلع بها) هي خدمة الدين وقضايا المجتمع.

أما إن شئت التفصيل فللمنبر ثوابت ومتغيرات، ثوابته في رسالته وأهدافه وهي عينها رسالة وأهداف الإسلام بعامة ورسالة النبي وأهل بيته باعتبارها روح هذا المنبر بخاصة. وعلى وجه الإجمال هي خدمة الإنسان الفرد والمجتمع وعرض قضاياه ومشاكله وحلولها بشكل علمي تقبله العقول وتستوعبه أفهام العامة. وبعبارة أخرى تسخير هذا المنبر الشريف ليكون وسيلة إعلام إسلامية للجماهير هدفها الرقي بالإنسان -بعامة والمسلم بخاصة- ومواكبته للعصر الذي يعيش.

أما متغيراته فهي الشكل المتصل بالمضمون، وذلك بحسب المجتمع والزمن، أو بتعبير آخر بحسب الزمان والمكان، وفي ذلك تطبيق لمفاهيم البلاغة النبوية في قوله صلى الله عليه وآله:.... أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم، والبلاغة اللغوية: مراعاة مقتضى الحال. وسيرة الرسول صلى الله عليه وآله أيضاً فرسائله للأمراء والملوك تختلف لغة في البساطة والتركيب ومضمونا في الشدة واللين بحسب المخاطب. فليس الداعية أو الخطيب جهازاً يلقي ما في جوفه كما حفظه دونما اكتراث بمن يسمع.

فإذاً لا بد من مراعاة الجماهير الحاضرة في مستوياتها وأذواقها وهذا يتفاوت من بلد إلى آخر ومناسبة إلى أخرى، ولا بد من مراعاة الظروف المحيطة، فرب كلمة تقال فتستغل في غير موضعها أو تبتر من سياقها فتتحول إلى النقيض أو تستغل بشكل مغرض.

وتلك هي مشكلتنا، فالمنبر -بل وكل وسيلة إعلامية- اليوم لم تعد كما هي بالأمس. كان المنبر بالأمس وسيلة الإعلام الأولى، وربما لا نبالغ إذا قلنا الوحيدة، تنشر الكلمة الواعية والمسؤولة بين الناس، وإلى جانبها الطرفة الأدبية والتاريخية واللغوية وغيرها، فتخرج أديبا بالاصطلاح القديم ومثقفا بالاصطلاح الجديد مع تجاوز الفروق.

أما اليوم، وبعد ظهور وسائل الإعلام الحديثة وثورة الاتصالات والإنترنت والفضائيات أصبح المنبر وسيلة تقليدية يكاد يتجاوزها الزمن لولا الارتباط العقدي بين الناس وروح المنبر ولا أقول المنبر أو محتوياته لأن فيهما أقوالا، بينما روح المنبر وهو الإسلام المحمدي وثورة الحسين ومبادئه وليس فيهما إلا قول واحد.

إذاً من على ذروات المنبر يتلى كتاب الله ويفسر وتنشر العقائد الإسلامية الحقة بأصولها وفروعها وتناقش بشكل مبسط يصل إلى أذهان الجماهير دون تقعر أو استعراض، وتلقى المسائل الفقهية لتبصير الناس بعباداتهم ومعاملاتهم لتكون علاقاتهم مع خالقهم ومع بعضهم على الوجه الصحيح والأتم، وتُفَهَّم الأخلاق والتاريخ والقصص والعبر والحكمة والشعر والأدب بل وأخبار الساعة ضمن سياق ينفع الناس ويرتقي بإنسانيتهم.

أما الخطيب فينبغي أن يكون امرأً يحمل رسالة، وتلك الرسالة هي روح المنبر، من ذلك يتبين دور الداعية المناط به وبرسالته العظيمة في المجتمع، إذا أدرك الخطيب والمجتمع الدور الرسالي وعملا على تحقيقهما فإنهما سيرتقيان بالأمة إلى المستوى الحضاري المأمول.

من خلال تجربتك الطويلة في أداء رسالتك الدينية بواسطة المنبر الحسيني هل وجدت مفارقات أو خصوصيات بين مجتمعاتنا في الساحل الشرقي والمجتمعات الشيعية الأخرى في العراق أو لبنان أو غيرها من حيث عمق الولاء لآل البيت وشدة التمسك بالشعائر الحسينية؟

- لا خلاف في وجود مفارقات في التركيبة الاجتماعية والنفسية والعادات والتقاليد بين مجتمع وآخر -وليس هنا مناقشة الأسباب- وإذا التقى مجتمعان في صفة اختلفا في أخرى وتلك سنة من سنن الكون التي جبل الله خلقه عليها: ﴿وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ، لكن لا يمكن الجزم بوجود مفارقات حقيقية بين المجتمعات الإسلامية في عمق ولائها للدين والعقيدة ولآل بيت النبوة صلى الله عليه وآله والتمسك بحبل ولائهم وبمبادئهم ونهجهم وإحياء ذكرهم، نعم تجد مفارقات بين أفراد وآخرين في هذا المجتمع أو ذاك، كما تجد مفارقات في وسائل التعبير عن هذا الولاء والتدليل عليه، ولا نشك في أن للعادات والتقاليد وطبيعة المجتمع والمحيط والقوى وتوازناتها دورا في وسائل التعبير وتنوعها شكلا، ووتيرة إن اتحدت شكلا. ولا أظنني بحاجة إلى الإطناب في ذلك والتدليل عليه فهو من الواضحات والمقام لا يتسع أيضا لمثل هذا التفصيل.

تمارس إلى جانب الخطابة المنبرية كتابة الشعر والتأليف، وصدر لك بعض المؤلفات، حبذا لو أعطيتمونا فكرة موجزة عن مؤلفاتكم بالتسلسل التاريخي، المطبوع منها وما هو قيد الطبع والمخطوط منها، والظروف المحيطة بكل كتاب إن أمكن؟

- إجابة طلبك بالشكل الذي تريد سيطيل بنا المقام، وخصوصا بذكر قصة كل كتاب ولو باقتضاب، ولكني سأجمل لك في الجواب.

بدأت التأليف في سن مبكرة، وكان أول مشروع بدأته هو تاريخ العوامية، الذي فقد في بعض الظروف، ثم ملحمة النياحة الأكبرية، وكانت البداية في حياة الوالد قدس سره(ت 1364هـ)، لكن لم يكتب لها أن تتم في حياته ليراها فيباركها ويرى ثمار بعض جهوده.

ومن المؤلفات الأولى: الحياة الأولى (أو القديم والحديث): في مباحث أصول الدين وسيرة أهل البيت، على الطراز المتداول قديما في المنطقة، وتقع في أربعة عشر جزءا، وكانت بداية تأليفه عام 1364هـ أيضا، ولا يزال مخطوطا، لكن تداولته أيدي المهتمين بهذا النوع من النتاج منذ تأليفه، وقد اعتمد عليه بعض الأخوة كمصدر في بعض مؤلفاتهم.

وأذكر فيما أذكر أن أحد المؤمنين حينما رآني أكثر من الكتابة والتأليف قصد منزلي واتهمني بانتحال كتب الأستاذ الشيخ حسين القديحي قدس سره، لكنني وجدت نفسي أقسو على ذلك الرجل واتهمه بالحسد و... وقلت له حمدا لله لقد أحلت على حي والشيخ حسين موجود وسيأتي اليوم أو غدا وسأواجهك به وسننظر المحق من المبطل. ومن الجدير بالذكر أن هذا الرجل صار بعد ذلك من الأصدقاء المحبين.

أخيرا فيما يخص هذا السؤال، بلغت مؤلفاتي بحمد الله حتى الآن أكثر من ثلاثين عنوانا، بعضها رسائل قصيرة وبعضها كتب من عدة أجزاء، شملت مواضيع متعددة منها التفسير والقضايا الإسلامية والسيرة والتاريخ وجمع وتحقيق التراث، والشعر وغير ذلك.

ما رأيك في الخطباء الشباب الذين يصعدون المنبر في عدة أماكن بمنطقتنا من طلبة العلوم الدينية وهل هم بالمستوى المطلوب؟ وهل يشترط برأيك قطع شوط كبير في الدراسة الدينية حتى يصبح الخطيب متمكنا في أداء مهمته الدينية على أكمل وجه؟ أم أن القليل من الدراسة يكفي نوعا ما لأداء هذه الرسالة؟

- يوجد لدينا اليوم في المنطقة الكثير من الدعاة الأكفاء على مستوى مجتمعاتنا المؤمنة، والكل يؤدي رسالته بحسب الوسع والطاقة والظروف المحيطة، وبالطبع فإن هذا لا ينفي حاجتنا إلى التطوير وإخضاع الظروف للارتقاء بمستوى المنبر والمجتمع.

أما دراسة الداعية أو الخطيب فربما يكون هناك اختلاف في مفهوم الدراسة، لأن حياة المرء كلها دراسة، سواء بالتحصيل على أستاذ أو بالتحصيل الذاتي، نعم لن يستغني المرء عن أستاذ يتلقى على يديه العلوم الأولية على الأقل ليصون منطقه وفكره ودينه من الشطط ولكي يتمكن بعدها من التمييز بين الغث والسمين والطالح والصالح، ويتمكن من الاعتماد على نفسه في التحصيل والتثقيف الذاتي الذي يعد دائما المصدر الأساسي للمعرفة لأي إنسان، فمهما تلقى المرء على يد الأستاذ فستكون معارفه محدودة ولن يعدو كونه نسخة من أستاذه، وهذا ما لا ينبغي لمفكر حر يريد إصلاح نفسه والمجتمع.

وإذا ما كنا متشددين، فإن المأمول هو الحد الأعلى من العلوم الآلية والشرعية والحد الأعلى من الثقافة والاطلاع إضافة إلى الملكة الخطابية والبيانية والقدرة على الأداء، إذ لن يتمكن الخطيب من أداء رسالته مهما أوتي من علم دون بيان واضح وأداء جذاب، وبما أن اجتماعها في شخص واحد من الندرة بمكان، فإنه لا يسقط ميسور بمعسور.

أما إذا سلكنا طريق التسهيل، فيكفي أن يكون الخطيب قد حصل عل تقويم لسانه لغة، وفقه كلمته في أداء الرسالة كي لا يتعب نفسه وغيره معه.

إلا أن خير الأمور الوسط فلا يستغنى عن الحد الأدنى من القسم الأول للنأي بالداعية عن الشطط، وبالحد الأعلى من القسم الثاني والثالث ليمكن الداعية من أداء رسالته على الوجه الأتم.

وإذا سمينا بعض الأشياء بأسمائها، فإن الفقه بعموم لفظه هو أهم ما ينبغي للداعية تحصيله والعمل على إيصاله للناس، فقه العقيدة، وفقه العبادة، وفقه المعاملة، وفقه الأخلاق، وفقه الزمن الذي نعيش فيه، وبكلمة نحن بحاجة لخطابة موسوعية وخطيب موسوعي، لكي نجمع بين الأصالة والمعاصرة، ولكي نكون صورة معاصرة من الماضي لا صورة للماضي.

ما هي نصيحتك للخطباء الشباب عموما؟

- نصيحتي لنفسي قبل أبنائي الذين نذروا أنفسهم للدين ومن أجل أداء مهمتهم عل أكمل وجه ممكن أن يجعلوا التحصيل والاطلاع دأبهم، والورع دينهم، والتجديد ديدنهم، وأن يضعوا نصب أعينهم أن المنبر إعلام ورسالة وأصول دينية ومناهج شرعية، وأخبار الساعة، وعلاج مشاكل الحياة على ضوء هدى القرآن والسنة والمطهرة، مع خلوص النية والصبر على لأواء الزمن وتجاهل كيد الكائد وحسد الحاسد، وتجاهل الجاهل والمتجاهل، وأنه مهما علا الضجيج من حول القافلة، فما عليها إلا أن تسير وتغذ في المسير دونما إعارة اهتمام لما يشغلها عن أداء رسالتها وستصل بعون الله إلى مبتغاها.

أما النصيحة الأخرى، فإن للمنطقة تاريخها العريق ومذاقها الخاص في عالم الخطابة، بل تعد مدرسة قائمة بذاتها كما المدرسة العراقية والبحرانية وغيرهما، وإن كان بينها جميعا تداخل إلا أنه لا يذيب الواحدة في الأخرى، وإني وإن كنت لا أتحفظ على أي من تلك المدارس، إلا أنني أهيب بأبنائي المحافظة على تراث بلادهم أجمع بما في ذلك شخصية المنطقة الخطابية. وأنا هنا لا أتكلم عن المضمون فهو مرن وحر ولا بد له من التطور بحسب الزمان والمكان، لكنني أتكلم عن الشكل والطريقة... وبكلمة: الشخصية… علينا أن نقول ما نعقل ونعقل ما نقول وأن نتقي الله في ديننا وأمتنا وفي أنفسنا ومن سوانا.

كواحد من علماء المنطقة وشعرائها.. ما هو الأدب الإسلامي برأيك؟ وما رأيك في الاتجاهات التغريبية والتيارات الأدبية التي أخذت بنودها وأسسها من الغرب أو ما يسمون بالحداثيين؟ وكيف يوفق المرء بين الأصيل من الأدب مع المعاصرة والتجديد بما يتناسب وروح العصر ومتغيراته؟

- هنا يجب علينا أن نفصل الحديث على خطين: المضمون والشكل.

إذ ليس هناك أدب إسلامي وغير إسلامي من حيث الشكل بعامة، وليس هنا محل التفصيل، لكن ما دام المضمون يتماشى ومبادئ الإسلام وروح الدين فهو أدب إسلامي أيا كان شكله الذي ظهر به.

أما من حيث الشكل والقالب الذي يصب فيه هذا المضمون.. فذلك هو الأدب الذي تتفاوت فيه الاتجاهات وتتعدد فيه الآراء والنظريات.. ومن الطبيعي أن يميل المرء إلى المدرسة التي يتخرج فيها، ويتأثر بما يقرأ وبالبيئة التي يعيش فيها، وبغض النظر عن كوني أميل إلى هذه المدرسة أو تلك، فإنني لا أرى ضيراً في أن يأخذ الأديب قالبه من هنا أو هناك ما دام ملتزما بالمبدأ ودائرا في فلكه.

نعم هناك من يرى التزاوج إلى حد الاتحاد بين القالب والمضمون من الملتزم أو المتحرر، فترى الأول يرفض كل ما يمت للحديث بصلة، وترى الآخر يثور وينقلب على الموروث بشكله ومضمونه، وهذا عادة ما ينتج عن صدمة حضارية أو خواء نفسي.

ولعل الأمور بدأت بشكل عشوائي شكّل تيّارا أثر على جيل لاحق لا تنطبق على جميع أفراده المقولة السابقة بالدقة إلا أنها وجدت نفسها منساقة وراء مسيرة سبقت إليها...

لكن لا يمكن نكران وجود أصوات واعدة تنبئ بعودة إلى أصالة المضمون والمواكبة بل والمسابقة مع ما سميته روح العصر، وهذا ما يمكننا أن نسميه بالحداثة الإسلامية، ورغم انه لا مشاحة في الاصطلاح إلا أن الإسلام هو دين الحداثة والتجدد وفيه -مع التأمل- ما يحفظ شخصية الأمة ومن الانفتاح ما يواكب مستجدات العصر بل ما يقودها لولا الانهزامية التي يعيشها المسلمون.

وفيما يتعلق باستمداد البنود والأسس من الغرب، فإذا كان ضمن الدائرة التي حددنا سابقا فلا ضير، أما الذوبان في الآخر فأمر مرفوض لدى كل عاقل ولدى كل أمة، لأننا نملك ما يغنينا عن التطفل على موائد الأمم، وقصارى ما نحتاجه العمل على إبراز الكنوز الدفينة على حقيقتها، والنظر إلى شخصية أمتنا على أنها هي الكينونة التي يجب أن نحافظ عليها.

ومع رفضنا للذوبان في الآخر، إلا أن وجوده لا يخيفنا بل هو مدعاة لتلاقح الفكر والنتاج، وكما قال إمام المتقين: اضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب، وقال: امخضوا الرأي مخض السقاء ينتج سديد الآراء.

وقبول الآخر مظهر من مظاهر التحضر يجب علينا أن نؤمن به ونطبقه ضمن مبادئنا السمحة.

من خلال تجربتكم في القراءة والتحصيل الذاتي أيضا، ما هي الكتب الأولية التي تنصح الشباب بقراءتها والانطلاق منها لقراءات أخرى معمقة هدفا للتحصيل العلمي الذاتي والتثقيف في الدين والتاريخ والعلوم والحياة؟

- اقرؤوا ثم اقرؤوا ثم اقرؤوا … هذه أول نصيحة لأبناء أمتي بخصوص القراءة، فضرر عدم القراءة أسوأ من القراءة العشوائية وغير الرشيدة والمقننة

لكن لا بد للشاب أن يقرأ بتقنين وإشراف حتى يؤتى رشده ووعيه، وبإمكاننا أن نسميها كما ذكرت ذلك في بحوث سابقة "الثقافة التحصينية" أو "الوقائية"، ومن مراحلها عرض الشاب لما يريد قراءته لا سيما في مجال العقائد على المتخصصين من أهل العلم والورع... فإذا ما أدرك المرء مبتغاه في ذلك وحصن نفسه بالثقافة الرشيدة، أطلق لنفسه العنان حيث يمكنه أن يختار لنفسه بنفسه ما يشاء دونما خوف عليه... ولا عصمة إلا لمن عصم الله.

وبما أن رغبات الشباب في القراءة متعددة بحسب التطلعات والفهم والمستوى التعليمي فلا يمكن ذكر كتب معينة تحصر فيها القراءة الأولية، وللشباب أن يختاروا ما يتلاءم مع أذواقهم وميولهم ضمن ما حددناه سابقا من ضوابط، ومع لزوم ما ينصح به فكتب العقيدة أولا كي يعرف المرء على أي أرض يقف، ومنها ينطلق إلى ما يحتاجه من كتب الفقه والكثير من كتب الأخلاق العملية، والنأي عن كتب الشبهات والضلال.

ما هي نصيحتك للشعراء الشباب؟ كيف يرقون بشعرهم وعطائهم في هذا المجال الإبداعي؟

- في إجابة السؤال السابق كثير من الأضواء التي تضيء آفاق إجابة هذا السؤال، والفرق الأهم هو ميول الأديب وتركيز قراءاته، ولعل الشاعر يحتاج إلى كل ما يحتاجه المثقف غير الشاعر إضافة إلى الموهبة والقراءة في ميدانها… ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا الوجود هبة من واجب الوجود سبحانه وتعالى يتنامى بالصقل والمران والتحصيل، والتحصيل بالقراءة أولا، فالقراءة والاطلاع على تراث الآخرين من قدماء ومعاصرين، في الشرق أو في الغرب، والقراءة يجب أن تكون بوعي كما ذكرنا بشأن التحصيل الثقافي بعامة.

كما أن الانفتاح على المدارس الأخرى والاستفادة من تجارب الآخرين مع التأكيد على حضور الذات والهوية من أهم وسائل إنضاج التجربة ولقاح الفكر والأدب.

ولا ضير في أن يقفو المبتدئ خطى من سبقوه ويتعلم على أيديهم مباشرة أو على آثارهم، فقد ألف الأدباء مثل ذلك على مر التجارب الشعرية… ولعل من طريف ما يذكر بهذا الشأن ما ورد بشأن بشار بن برد وتلميذه وراويته سلم الخاسر، حيث قال الأول:

من راقب الناس لم يظفر بحاجته

وفاز بالطيبات الفاتك اللهج

فأخذ الثاني نفس المعنى وجاء به في قالب أفضل أنسى الناس بيت بشار، حيث قال:

من راقب الناس مات هماً

وفاز باللذة الجسور

بما أن هذا الحوار -فيما يهدف إليه- يهدف إلى إثارة الذكريات عن ماضي المنطقة وعن الحياة الشخصية... فكيف رأيت المنطقة في أيام الشباب؟ حبذا لو أعطيتمونا ملخصا مفيدا عن هذه المنطقة بعامة والعوامية بخاصة من خلال منظوركم الشخصي وتجربتكم، ومن هم العلماء البارزون فيها جنبا إلى جنب مع جدكم الإمام الشيخ جعفر وابنه آية الله الشيخ علي أبو المكارم وحبذا لو حدثتنا عنهما؟

- إجابة هذا السؤال إجابة شافية تعني التأريخ للحركة العلمية في المنطقة لكني أكتفي بالإلماح والإيجاز.

فقد فتحت عيني في مطلع الخمسينيات والمنطقة تعج ببقايا حركة علمية متوهجة، حيث بدأت بعد هذا العقد بالتلاشي والاضمحلال شيئا فشيئا.. إلا أنها كانت متوهجة بالعلماء المجتهدين والفضلاء..

وكنت أرى العلماء ورواد العلم يؤمون دار الوالد P بحكم مكانته العلمية في المنطقة عامة وفي العوامية على وجه الخصوص، لاسيما بعد وفاة والده والحجة الشيخ محمد النمر، كما أنه كان على علاقة واسعة مع أكثر علماء المنطقة إن لم يكن كلهم، وممن رأيتهم في داره الشيخ عبدالله آل طعان، وأتذكر أنني فرشت له المصلى وقت الصلاة وكنت وقتها في حدود الرابعة من العمر فوجهت السجادة لجهة الجنوب فتبسم الوالد… وممن رأيتهم في دار الوالد المقدس الشيخان العليان الخنيزيان، وهما الشيخ أبو حسن والشيخ أبو عبدالكريم، كما رأيت السيد ماجد العوامي... وممن رأيتهم من علماء المنطقة الماضين وجمعتني بهم علاقة حميمة: الأستاذ الشيخ حسين القديحي، والشيخ محمد علي الخنيزي، والشيخ علي الجشي، والشيخ محمد صالح المبارك، والشيخ فرج العمران، والشيخ علي بن يحيى، والشيخ ميرزا حسين البريكي، والشيخ محمد صالح البريكي رحمهم الله أجمعين، وغيرهم. أما من العلماء الذين كانوا يفدون على المنطقة فالشيخ محمد طاهر الخاقاني والشيخ محمد أمين زين الدين والشيخ أحمد مغنية رحمهم الله جميعاً، أما خارج المنطقة فقد ربطتني مع الكثير من العلماء والمراجع علاقات طيبة وبيني وبين العديد منهم مراسلات وإخوانيات.

أما الحديث عن الجد والوالد قدس سرهما فهو حديث عن التاريخ العلمي للمنطقة ومن برز فيها من علماء في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر، وهو حديث عن قمم شاهقة إلى جانب قمم أخر شاهقة، وليس في حديث المفاضلة مزيد فائدة، إلا أنهما لم يأتيا من شجرة مجتثة ولا مبتورة، حيث لهما أصل وامتداد، كما كان لهما أخوة علماء أبرار حملوا مشاعل العلم كما حُمِّلوها وتحملوا رسالة المجتمع وخدمتَه كما تحملوها.

ومن أولئك على سبيل الذكر لا الحصر آل الشيخ عبد الله الستري ومنهم آل أبي المكارم، وآل المبارك وآل طعان وآل البلادي وآل عبد الجبار وآل العوامي وآل العمران وآل الخنيزي وآل المعتوق والنمر وغيرهم.

وطلبك الحديث عنهما بشكل خاص، لا يتسع المقام له، ولكن ليراجع من يشاء الاطلاع على شيء من حياتهما كتابي (دراسة الأحياء على ضوء حياة المقدس الشيخ علي أبو المكارم) ففيه حديث مستفيض عن الشيخ علي وملف عن والده الشيخ جعفر، وهو نواة لمشروع (دراسة الأحياء على ضوء حياة الإمام الشيخ جعفر) ثم بقية علماء المنطقة، الذي أسأل الله أن يوفقني لإتمامه عما قريب إن شاء الله. كما بإمكانه مراجعة بعض أدبيات مجلة الواحة والبحوث المنشورة فيها.

بخصوص مؤلفات جدكم ووالدكم قدس سرهما، طبع بعضها ولا يزال الكثير مخطوطا، فمتى سترى النور؟ وما هي قصة ضياع مكتبة والدكم التي تضم الكثير من الكتب القيمة؟

- في عالمنا العربي والإسلامي يصرف المؤلف الكثير من الجهد والوقت والمال والصحة و… في سبيل تأليف كتاب، ثم يصرف أضعاف ذلك في سبيل طباعته في مرحلة الصف والتدقيق والإخراج ثم نشره وإيصاله إلى قرائه، ثم ردود أفعال قرائه، فمن ألفَّ استهدف من كل جانب وفي كل مفصل في حياته…فإذا كان هذا هو حال المعاصر وهو قادر على متابعة مصنفاته طباعةً وإخراجاً ونشراً فماذا عن المخطوط القديم الذي يحتاج إلى تحقيق وبكل ما يعنيه مصطلح التحقيق من تفاصيل: تدقيقاً للنص وإخراجاً وتخريجاً للأقوال وشرحاً وفهارس، فإذا تمت المرحلة الأولى على الوجه الأكمل، جاءت مرحلة الطباعة ومعاناتها… وهذا سبب تأخير صدور الكثير من مصنفات السلف بعامة ومصنفات الجد والوالد بخاصة، على كثرة ما عثر عليه وظهر منها مؤخراً.. فليست المسألة مجرد تصوير للمخطوط وإن كان في ذلك حفظ له. وقد قام بذلك بعض المؤمنين مشكوراً، كما أنها ليست مجرد صف حروف بالآلة أو الكمبيوتر، وإلا فقد صف من كتب الجد أكثر من خمسة وعشرين كتاباً، لكنها تحتاج إلى ما ذكر من تحقيق، والتحقيق بإطلاقه لا يكفي ما لم يقم على المهمة الرجل الكفء المخلص؛ لأن التحقيق ليس مجرد مهنة للكسب، وحتى لو سلمنا جدلاً بذلك فلابد من الإخلاص والمسؤولية في إتمامها.

وبين يدي عدد من مصنفات الجد يصل إلى عشرة ما بين مدقق النص ومحقق يحتاج إلى سواعد تكمل مهمة إخراجها إلى النور، ولعل بارقة الأمل تلوح.

وينبغي هنا أن أنوه بجهود الأخ الشيخ عبدالمجيد وكذلك بعض الأبناء في هذا السبيل وفقهم الله لإتمام المسيرة.

أما الشطر الثاني من سؤالك،

فدع عنك نهباً صيح في حجراته

ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

لكن بحمد الله ظهرت بعض كتب علماء الأسرة ولا تزال تظهر بين الفينة والأخرى من هنا وهناك بعض المؤلفات والمخطوطات التي صرفوا أعمارهم في تأليفها مما يجود به ذوو النفوس المعطاءة فنسأل الله لبقيتها الظهور… ومعقد الأمل في إظهارها إلى عالم الطباعة بعد التحقيق على عواتق شبابنا ممن نذروا أنفسهم لمثل هذا العمل الإسلامي والوطني العظيم سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات.

وبحمد الله لقد ظهرت بعض المؤسسات التي تهتم بتراث المنطقة والتي نتمنى لها التوفيق في أداء رسالتها في تحقيق التراث وعدم الخوض في لجج الفئوية ومضائق ضيق الأفق التي أربأ بمن أعرفه منهم عنها، حيث أن الإخلاص والانفتاح على كافة التراث الموجود سيقود لإظهار وجه البلاد الحضاري الذي يمكن رسمه بوضوح من خلال المؤلفات التي سطرتها أقلام علماء المنطقة التي لو ضمت إلى بعضها لشكلت مكتبة إسلامية متكاملة في شتى أبواب المعرفة.

يعد مجلسكم العامر منتدىً إسلامياً يحضره الكثير من محبيكم ومريديكم من رواد العلم وغيرهم للاستفادة من معينكم وإفاضاتكم العلمية والمعرفية.. برأيكم ما هي رسالة مجالس العلماء وكيف ينبغي أن تكون؟

- مجالس العلماء إحدى وسائل التواصل بينهم وبين الناس، وربما كان للعالم وسائل تواصل أخرى كالمنبر الحسيني ومحاضرات المسجد من خطب جمعة أو جماعة أو دروس فقهية، لكن تبقى المجالس وسيلة الاتصال الأكثر مباشرة والأبعد من التكلف حيث لا تخضع لذات البروتكولات المسجدية أو المحاضراتية، والجليس ينفتح على جليسه دون خجل أو حواجز. وهنا تكمن أهميتها، ومن هنا تتبين رسالتها حيث إنها مصدر من مصادر التوعية والتواصل بين الناس ومد الجسور بين فئاتهم، وإصلاح ما بينهم.

وكونها مصدر لبث الوعي يأتي تحت عنوان عريض والتفصيل فيه ليس هنا محله، لكن على وجه الإجمال رواد مجالس العلماء من جميع طبقات المجتمع وفئاته، فيهم العالم والأديب والمثقف بمستويات عديدة، وفيهم الإنسان العادي، ولكل واحد من هؤلاء حقه في المجلس والذي ينبغي أن يضع بحيث يكون جميع من في المجلس سعيداً وراضياً، إما مفيداً أو مستفيداً أو كليهما. ومهمة العالم في مجلسه المحافظة على التوازن بين الجميع إضافة إلى كونه أحد المفيدين والمستفيدين.

وهذا يذكرني بقصة للجد الشيخ جعفر (قدس سره) في إحدى زياراته للبحرين كما نقل العم الحاج محمد الشيخ جعفر (رحمه الله) حيث كان بين زواره الشيخ شرف أبو الفتوح وهو أحد علماء إخواننا السنة في البحرين فدار النقاش بينهما حول بعض المسائل اللغوية حيث أخذت منحىً اختصاصياً، فتوجه الجد له قائلاً: انظر الجلوس، لو واصلنا الحديث في هذا الشأن ولهذا المستوى فسيكون في ذلك ظلم لهم، ولكن نجعل المناقشة كتابة، وبالفعل كان الأمر كذلك ونتج عن ذلك كتابه القيم (درة الصدف) في أجوبة مسائل الشيخ شرف وبقي للتاريخ، وحفظ للجلوس حقهم.

كما لا ينبغي أن تخلو من الطرفة، وكما يقول أمير المؤمنين: "إنّ هذه القلوبَ تَمَلُّ كما تَمَلُّ الأبدَانُ، فابتغوا لها طرائفَ الحكمة".

شاركتم في الكثير من الاحتفالات الدينية والمهرجانات الإسلامية بكلمات وقصائد إحياء لذكرى أهل البيت عليهم وذكرهم، ما هو تقويمك للاحتفالات الدينية في مناطقنا بين الأمس واليوم، وما هي اقتراحاتك لتطويرها إلى الأحسن دائما؟

- ربما كان لوسائل الإعلام الحديثة دور في صرف انتباه الناس عن حضور هذه المهرجانات، بما ينعكس على روعة الحضور وكثافته، لكن على وجه الإجمال، لا أظن أن هناك فوارق مبنية على الزمن بما هو، نعم للقائمين على هذه المهرجانات والمشاركين فيها أثر قوي في إنجاحها وأدائها للأهداف التي أقيمت من أجلها وأهمها بث الوعي وروح الوحدة والتسامح في صفوف الناس، ولا علاقة للأمس واليوم بشيء من ذلك.

يقوم بعض الكتاب المهتمين بتراث المنطقة بالكتابة حول تراث الإمام الشيخ جعفر وابنه الحجة الشيخ علي أبو المكارم، وهما يستحقان أن تكتب فيهما العديد من الدراسات، كونهما من أبرز علماء المنطقة وكان ولا يزال لهما حضور في وجدان الناس.. فإلى أي مدى أنتم مستعدون للتعاون معهم ودعم مشاريعهم؟

- لا شك في أن أهدافا نبيلة تدفع جيل الأبناء لخدمة تراث المنطقة وتاريخها وأعلامها، ونحن لن نتوانى في تقديم أي نوع ممكن من الدعم لأي عمل من هذا النوع سواء فيمن ذكرت أو سواهما، فكله خدمة لتراث المنطقة وتاريخها وهويتها، وقد سبق لنا وخضنا هذه التجربة، تجربة العمل على إحياء التراث وخدمته، وواجهتنا الكثير من المصاعب، ولذا فإننا نثمن الدور الذي يقوم به شباب اليوم ومدى المعاناة التي يواجهونها. وما ذلك إلا لأهمية هذا النوع من العمل والأمل المعقود عليه.

عرفت العوامية في السابق بكثرة العلماء فيها.. كيف تقارن ذلك الزمان بالزمن الحاضر من حيث الكم من طلاب العلم ومستواهم العلمي؟

- في العوامية، كما في جميع المنطقة، من الأماثل من رواد حياض العلوم الدينية والإنسانية، وفي العديد من التخصصات، نسأل الله لهم المزيد من التقدم ليصلوا إلى مواقع متقدمة كل في مجال اختصاصه، وأن ينفع بهم أمتهم وبلادهم، ومما يسعدني ظهور طبقة بين هؤلاء الأبناء ممن جمع بين الدراسة الدينية والأكاديمية حيث نأمل منهم الكثير في خدمة المبدأ والوطن.

ليعذرنا الشيخ سعيد لو طلبنا منه توضيحا تاريخيا للخلاف الفقهي والاجتهادي بين الأصوليين والأخباريين وهم أبناء مدرسة واحدة هي مدرسة الإمام جعفر الصادق عليه السلام؟

- لقد كتب الكثير من علمائنا حول هذه المسألة ومنهم من غلبت عليه الحدة وقلة منهم لم يعط الموضوع اهتمامه بشكل كافٍ حتى بدا على كتابته عدم وضوح الرؤية وعدم الإلمام الكامل، ومن خيرة من كتب في هذا المضمار الشهيد الصدر (رحمه الله) في (المعالم الجديدة للأصول)، وآخر ما رأيت ما كتبه آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم حيث أجاد فيما كتب على اختصاره.

ومن الضروري هنا التنويه إلى أن هناك اختلافاً ونزاعاً في هذا الميدان وفرق بين الاثنين فالاختلاف مشروع والنزاع مرفوض.

ولعل الاختلاف بدأ مع عصر الغيبة وبدء عصر الاستنباط ثم تبلورت الاختلافات المنهجية في طرق استنباط الأحكام ومصادرها حتى تشكلت وتبلورت المدرسة الأصولية في مقابل مدرسة الحديث، وقد أثرى هذا الاختلاف المنهجي الحركة الفكرية الإمامية بعامة وعلمي الأصول والحديث بخاصة وكان لهما الأثر العميق في تطور الفقه الجعفري تطوراً باهراً لا يضاهيه فقه أي مدرسة إسلامية أخرى.

أما النزاع فلعله بدأ في القرن العاشر وبعد الحملة التي حملها صاحب الفوائد المدنية الإسترابادي على الأصوليين والتي يراها السماهيجي سبباً في إعادة علم الأصول إلى مساره الطبيعي وإيقاف تأثره بمدارس القياس.

واستمرت المعارك بعدها، واستمر التنظير لعلمي الأصول والحديث وخرجت الموسوعات الأصولية والحديثية التي يفتخر بها، ولو قصرت هذه المعارك في حدود الاختلاف المنهجي لكانت أروع معركة فكرية في التاريخ، لكن التجاوزات التي رافقتها واستغلال سلاح الفتاوى والتطرف إلى درجة القتل، كل ذلك شوه صورتها إلى درجة، وبقيت الصورة الشوهاء في أذهان البعض ولا تزال تؤثر على كتاباتهم حتى اليوم، ليس على صعيد الفكر وحسب بل وحتى التاريخ يلقى له نصيب حيث التصنيف ثم المعاملة على هذا الأساس حيث ينعكس ذلك شعورياً أو لا شعورياً على خطاب البعض.

وحقيقة العنف الذي جرى والنزاع الدموي لا تعدو كونها معارك شخصية كما يرى ذلك بعض المتتبعين كالشيخ أحمد آل طعان في مراسلاته مع الجد الشيخ محمد أبو المكارم (نشرت في العدد الرابع من مجلة الواحة) فإذا شئت التفصيل فراجع، لكن مما دلل به على ذلك وجود الألفة بين بعض متشددي الفريقين وليست المعارك إلا بين أفراد منهما.

أما من الناحية العملية فيرى الجد الشيخ جعفر -فيما نقله عنه السيد الغريفي في تقريض (يقظة الوسنان) والمنشور بكاملة في أعلام العوامية في القطيف- يرى أن الاختلاف بين فقهاء الفريقين لا يتعدى كثيراً الاختلاف بين فقهاء المدرسة الواحدة وما تتميز به مدرسة من آراء يوافقها عليه بعض فقهاء الأخرى، ويرى أن الأصولي أخباري والأخباري أصولي…

وهذا هو الواقع حيث إن الاختلاف في الوسيلة والمنهج لا في الهدف ولا في المنبع، وإن استعرت الخلافات في مرحلة من الزمن أو في مكان ما لوجود من يسعرها بِليِّ الأذرع والحرب حتى في الأرزاق فما ذلك إلا لضيق الأفق. وقد اضمحل ذلك وتلاشى مع تطور المدرستين، ومن شاء التفصيل فليراجع الكتب التي ذكرنا وغيرها مما أُلِّفَ في هذا المجال وينظر بعين الإنصاف.

نعم نريد التأكيد على وجوب العمل من أجل توحيد الصف وتجاوز العقبات في سبيل ذلك. وإذا كنا ندعو للوحدة بين أمة الإسلام بفرقها ومذاهبها فمن باب أولى أن نعمل على لم الشمل بين أبناء الصف الواحد، حيث لا وجود لنا إلا بالألفة والتعايش ورص الصف.

الوحدة الإسلامية أمل منشود بين أبناء الإسلام، فكيف تنظرون لها ولدورها في نهضة الأمة؟

- مرت الأمة الإسلامية بمراحل عديدة بلغت في بعضها الأوج في عزتها وتقدمها وتميزها على سائر الأمم.. وتمر اليوم بأحلك الظروف وأقسى المراحل حيث تداعى عليها الأمم كما تداعى الأكلة عل قصعتها، وليس عن قلة، بل عن كثرة، ولكن كغثاء السيل، كما قال سيد الكونين صلى الله عليه وآله).. وما آلت إلى ما آلت إليه إلا لتفككها وهوانها على أبنائها … ورغم أنها تمتلك كل مقومات الحضارة والقوة إلا أن داءها العضال هو ابتعادها عن مناهج الله ونتيجة لذلك جعل بأس أبنائها بينهم بدل أن يكون على أعدائهم... ولا سبيل إلى النهوض إلا بالعودة إلى المناهج الشرعية فلا يصلح حاضر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وأول الطريق الألفة والوحدة والحوار البناء والانفتاح على الآخر والإنصات إليه بعقل ووعي.

والوحدة ليست حبا من طرف واحد،كما يعبر أبناء اليوم، فيذوب عشقا في الآخر بينما الآخر معرض عنه. إنها علاقة تجاذب بين أبناء الإسلام قاطبة، أخذاً وعطاءً، تسامحاً وتعاوناً، اختلافاً لا خلافاً، عتاباً لا نزاعاً، وتجاوزاً عن الصغائر لا إصراراً على إبرازها وتشويهها وتشويه الآخر بها.

وليست الوحدة -أيضاً- ذوبانا في الآخر، إنما هي بحث عن المؤتلف وتعميقه وعن المختلف والتغاضي عنه، لا سيما أن المتفق عليه كثير وعملي، والمختلف عليه فرعي أو نظري، وإن خرج عن هذا وذاك شيء فليس مما يستدعي الشقاق، بل ضرورة الأيام تفرض على المسلمين قاطبة وعقلاء الفرقاء بوجه خاص أن يعيدوا النظر في كيفية تعاطي بعضهم مع بعض، وأن يتعلموا كيف يختلفون، لأن ذلك هو السبيل الوحيد للوصول إلى الاتفاق.

والوحدة الإسلامية ليست شعاراً أجوفَ يتشدق به حين اللزوم.. بل دستور وجود ينبغي العمل على تنفيذه وإيجاده على أرض الواقع.. يتطلب حسن النوايا، كما يتطلب القول لمن أحسن: أحسنت، ولمن أساء: غفر الله لك، في سبيل الأخذ بيده إلى طريق الهدى والصواب.

أما إذا أصررنا على التعامل بالشتائم وإبراز السوءات وسياسة كسر الجماجم والنظر إلى ما دون الأنف وبخس الناس أشياءهم والتصعر لقوم والتعالي على آخرين بمط الخدود وامتداد الأصابع كمن لا يرى إلا نفسه وذويه وكأن الجنة التي عرضها السماوات والأرض لا تتسع إلا لقوم دون آخرين، فلا وحدة إذاً ترجى ولا من يوحدون.

ومن الضروري التأكيد على أن السب والشتم ليس من منهج آل البيت (عليهم السلام).

والإمام الرضا (عليه السلام) يقول: إن أعداءنا وضعوا السب على ألسنتنا.. كي يسبونا.

من خلال مسيرتكم الإصلاحية عبر المنبر وغيره الممتدة لأكثر من نصف قرن، كيف تقومون المجتمع في المنطقة بين الأمس واليوم، وما هي الظواهر الاجتماعية التي يتميز بها أبناء الأمس عن جيل اليوم سلبا أو إيجابا؟

- تصر دائما على المقارنة بين الأمس واليوم، وكأن هناك حدودا فاصلة بينهما … لا يكاد يختلف مجتمع الأمس عن مجتمع اليوم وخصوصاً في المجال الذي ترمي إليه، فالخصائص والسمات العامة متشابهة، إلا أن تعقيدات الحياة ازدادت والانفتاح على العالم من خلال وسائل الاتصال الحديثة سلب مجتمع اليوم الكثير من الهدوء والاستقرار النفسي، كما أن الفوضى المعرفية نتيجة هذه السيول من المعلومات التي تنهال على الناس في أيامنا هذه جعلت البعض يفرط في حسن الظن بنفسه إلى حد الإفراط وعدم احترام الآخر أحيانا بشكل لم يعتده مجتمع الأمس، لكن هذا لا يفقد مجتمع اليوم بريق تميزه من انتشار التعليم واتساع دائرة الوعي.

كأي مفكر ومصلح اجتماعي، لا بد وأنكم واجهتم العنت من بعض أبناء المجتمع، وجوبهتم بأعمال صبيانية ولا عقلانية من بعض الجهلاء، فما هي أهم تلك المجابهات، وكيف واجهتموها، وهل كان لها أثر على مسيرتكم التوجيهية ورسالتكم التوعوية والإصلاحية في المجتمع؟

- ذلك هو سبيل الدعاة إلى الله منذ عرف الأنبياء والحكماء، وذلك هو خط المصلحين، فالناس أعداء ما جهلوا، لكننا لم نلق لهذه المواجهات والممارسات بالا، ولم نلاقها إلا بالسلام، بل إننا لم نحاول التعرف على شخوص أصحابها درءاً لما قد يحدث في النفس كرد فعل طبيعي للنفس البشرية، وما كل ما يعلم يقال، وقد أتيت على بعض من تجاربي في هذا الميدان في كتابي (أدب الاعتراف) وهو سيرتي الذاتية ولا بد له أن يظهر يوما إلى النور بعون الله … ولكني أذكر الآن نموذجا تفوق على من سواه في رسائل مجهولة التوقيع فعرضتها على بعض المراجع وفقهاء العصر وقتها، فأما الإمام الحكيم (قدس سره) فقرأ بعضها ودمعت عيناه، وقال هذا فعل من لا دين له...، بينما قال آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين متألما متفجرا: ثق بالله واعتمد عليه... أما الإمام الشيخ محمد طاهر الخاقاني فقد قال: يا بني، أترى أنك تتصدى للدعوة إلى الله ولا تصيبك هذه المحن كما أصابت من كان قبلك؟!

وقد طلب بعض الأحبة بعضا من تلك الوثائق وقتها لحاجة في نفسه وليقيم دعوى ضد بعضهم، لكنني أبيت ذلك ووكلت أمرهم إلى الله.

من خلال تمرسك في العمل الديني وقربك من العلماء ورجال الدين وأجواء الحوزة العلمية، مَنْ مِنَ المجتهدين حاليا يوجد بالمنطقة؟ ولماذا لا يطرح بعضهم رسائل عملية؟ ألا ترى أن المنطقة بحاجة إلى مراجع محليين يرفعون من شأن المنطقة ويخدمون المجتمع عن قرب.. ومن المعروف أن المنطقة كانت تزخر سابقا بمراجع ولهم مقلدون في المنطقة وخارجها ومنهم جدكم الشيخ جعفر... فما رأيك؟

- التقليد في الفقه الجعفري، سواء في المنطقة أو في غيرها، مرتبط بالاجتهاد والأعلمية لا الإقليمية، والعلماء المراجع الذين طرحوا رسائلهم العملية ولهم مقلدون في المنطقة، لهم سفراء باسم الوكلاء لاستلام الحقوق وصرف ما أذن لهم به منها في وجوهها، والسعي في الإصلاح والتوجيه وسد حاجة المعوزين، والبلاد غنية بذلك وكفى، فإذا أدى الوكيل دوره المناط به بوعي وإخلاص وورع واجتهاد وعفة وسداد فكأن المرجع موجود بيننا، لا فرق بين أن يكون محليا أو عالميا، ولعل لدى البعض تحفظا على مصطلح المرجعية المحلية في هذا العصر الذي ينزع نحو العالمية والعولمة في كل شيء حتى حولوا العالم إلى قرية. نعم لا يمكن أن نغفل ما ذكرناه صدر الإجابة لما فيه من منفعة للبلاد والعباد … أما ما نريد التأكيد عليه هاهنا، فهو عدم جعل المرجعية سببا في الفرقة الشتات، فما دام الفرد قد اطمأن ووثق بأحد المراجع وقلده فهو مثاب ومأجور إن شاء الله، وليس لأحد أن يتعرض للآخرين بهذه الذريعة، ليكون أدعى للألفة وأقوى للشوكة، وأوفر لبذل الجهد فيما ينفع الناس وفي نشر كلمة الله لتكون هي العليا ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

أسعدتنا بهذا اللقاء وفقكم الله وسدد خطاكم. حبذا لو ختمتم لقاءنا بكلمة أخيرة توجهونها لمجلة الواحة وللقراء الكرام

كلمتي موجهة إلى كافة المسلمين للعودة إلى منابع الإسلام الأصيلة، والألفة والتكاتف، ليكونوا يداً على من سواهم، وليقفوا مع إخوتهم المسلمين في كافة بقاء الأرض ولا سيما في أرض فلسطين الجريحة وليدعموا شعبها الأبي، شبانها الغيارى، خصوصاً في هذه الظروف العصيبة حيث تنمُّر الصهاينة من جهة وغض الطرف من قبل الكثير ممن يهمهم الأمر من جهة أخرى إلا من رحم ربي، وعسى أن تتحول الحجارة إلى لهب يحرق أعداءهم، ودماء أطفالهم عاراً يلاحق بني صهيون، ولينصرن الله من ينصره.

إضاءة

- الشيخ سعيد بن الحجة الشيخ علي بن الإمام الشيخ جعفر أبو المكارم.

- ولد في العوامية إحدى مُدن القطيف سنة 1350هـ.

- نشأ في بيت عُرف بالعلم والأدب والريادة العلمية والاجتماعية يمتد تاريخه العلمي لعدة قرون.

- تلقى تعليمه في أيام طفولته بالكتّاب فدرس فيه القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة والتجويد.

- درس على يد والده وبعض مشايخ المنطقة مقدمات العلوم الدينية كالفقه والنحو ومبادئ الخطابة.

- رحل إلى النجف الأشرف عام 1375هـ وحضر عند ثلة من العلماء.

- مارس الكتابة شعراً ونثراً ولما يبلغ الخامسة عشرة من عمره.

- كتب في المعارف الإسلامية كالتوحيد والعقائد والتاريخ الإسلامي والأدب والأخلاق والحكمة، ويتميز نثره بقوة السبك ووضوح العبارة وتجلي المعنى بحدّه المنطقي دون شطط أو زيغ عن جلال الفكرةِ ووضوح المفهوم.

- له إجازات عديدة في الرواية من أكابر علماء الأمة ومفكريها. ويعتبر عطاؤه وجهاده في الساحة الإسلامية؛ ودعوته الصادقة؛ وتفانيه في حب محمد وآل محمد (عليهم السلام) هي شهادة له أكبر من أي إجازة أو شهادة من أيٍّ كان.

- يعدّ مدرسة مستقلة في الخطابة المنبرية، يمتاز بأسلوبه الخاص ولمساته الإبداعية التي عُرف بها من بين الخطباء، وله تجديدات جوهرية على صعيد الخطابة الإسلامية من خلال تجربته الطويلة في هذا المجال.

- له أكثر من ثلاثين مؤلفا في شتى المعارف الإنسانية كأصول الدين والحديث والتفسير والدعاء والدراسات الإسلامية العامة والفلسفة والأدب والشعر والتراجم والتاريخ، ناهيك عن آلاف المحاضرات التي ألقاها في أيام المواسم الثقافية والمناسبات الدينية.

عضو هيئة التحرير
304694