التشكيك والنسبة
محمد الجلواح * - 27 / 2 / 2011م - 11:26 ص - العدد (20)

استَنْجَدْتُ في مقال سابق بـ(أهل الشعر) في مثالين استعرضتهما، ومضى ما يزيد على العام، ولم نجد لذاك الاستنجاد.. مُنجداً، ويبدو أنني سأنجدُ نفسي بنفسي على الطريقة الأجنبية.. وأمري للّه.. من قبل، ومن بعد.

يُشْغلني هذا الأمر منذ زمن، وأحاول أن أُبعد عن رأسي كل صور الشكوك، والأوهام، وما يدخل في دائرة الرَّيْب.

فمنذ عهد الصِّبا وأنا ألحظُ العديد من كتب التراث، والتأريخ، والسِّيَر، والتراجم والمؤلفات المختلفة.. بعض الأحاديث، والأبيات، والحِكَمْ، والأقوال… إلخ: تُنسَب -هي نفسها- إلى أكثر من قائل واحد، وأقرب شخصين عظيمين يَمْثُلان الآن في ذاكرتي من أرباب ذلك هما: الإمام علي (عليه السلام) والإمام الشافعي (رضي الله عنه)، فأنت تجد البعض ينسب هذا القول وهذه الحكمة للأول، والبعض الآخر.. للآخر..

وكنت إذا ما صادفتُ شيئاً من هذا حاولت صرفَ النظر عن القائل والبحث فيما قيل، فاعتدتُ ذلك، ولم يعد يترك إزعاجاً.. بل حتى لو وجدت قولاً فيه حكمة اختص بها الإسلام.. تحت توقيع غير إسلامي (مثلاً).. قرأتُه، واستخرجتُ روحه المعنوية، لأنه بكل صراحة -والحال تلك- لن تجد حلاًّ لذلك سوى ترديدك هذا البيت الذي يقفز ويتراقص بين كل أدواتك وأنت تقرأ، وأقصد بالأدوات القلم والأوراق، والكتب، وصور الأبحاث، والتعليقات، وغيرها. أما البيت فهو لشاعر لا أذكر اسمه تجنّباً لما حَذَّر منه:

هُمُ نقلوا عنِّي الذي لم أفُهْ به

وما آفةُ الأخبار إلا رُواتها!

نعم أقوم بترديد هذا البيت وأريح (رأسي) وينتهي الأمر!

ولكن يبدو أن الأمر لن ينتهي بل هو جدّ خطير، وأراه يستفحِل بصورة متسارعة، وصارخة.

وهذه المرة تأتي من أبناء جامعاتنا، لا من أعدائنا، كما نحن دائماً نتّهم، ونتوهّم..، ورحم الله الدكتور العالم الأديب أحمد زكي، رئيس تحرير مجلة (العربي) الأسبق، الذي يقول: "لم أجدْ قلوباً أكْرَهَ للعرب من (بعض) كُتَّاب العرب"[1] .

* * * *

جاءني صديق شاب يحبّ الأدب، وله هواية في جمع النصوص المختلفة، والأخبار الغريبة، والضدّيات، وغيرها، وقدم لي مجموعة مصوّرة مما يجمعه وتركني.

تصفحتُ الأوراق، فغرقتُ في محيط عميق من الذهول والدهشة، وازدادت حيرتي السابقة التي كانت تطل برأسها الصغير في الذاكرة بين حين وآخر فأقوم بإسكاتها.

والنصوص التي قدمها هذا الصديق العزيز عبارة عن دراسات، ومقالات، وشبه أبحاث. لكتب، و دواوين، وقصائد، ومقالات.. يحاول كُتّابها من خلال ما يُرْوُونه من أدلة دامغة، ومُوثّقة -أو هكذا تبدو لهم- أن ما هو شائع، وذائع، ومعروف عن نصٍّ مُعيّن، ارتسم في ذاكرة الأمة منذ بداية التاريخ الإسلامي وما قُبَيله هو غير صحيح، والصحيح -في نظر ذلك الكاتب- هو كذا.. و كذا..

وهنا أستعرض شيئاً من تلك النصوص:

دراسة عن (المُعلّقات) في شرح طويل عريض للدكتور محمد بن سليمان السّديس، من جامعة الملك سعود/ كلية الآداب، في 14 صفحة من مجلة (المنهل) ينفي (تذهيب) المعلقات، بل ينفي تعليقها على الكعبة أصلاً، ويبرهن ذلك بالمقارنات، والقرائن، والكتب وغيرها، ويَخْلُص -في اطمئنان- أنها (سبعاً) فقط، وروايتها بشكلها المعروف/ مختلفة، ومتفرقة في بطون الكتب!

دراسة طويلة أيضاً عن القصيدة المعروفة (بانت سُعاد) التي أنشدها الشاعر الصحابي كعب بن زهير أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للدكتور جابر خليل أبو صَفيّة من الجامعة الأردنية - عَمّان نشرها في 33 صفحة من جملة (أبحاث اليرموك) ينفي -في استماتة- هذا الموضوع من جذوره، فلا قصيدة، ولا كعب، ولا قصة إسلام، ولا عفو من النبي لكعب، وبالتالي لا (بُرْدَة) ولا غيرها…!

وهذا ثالث اسمه: عبدالناصر إسماعيل عساف من سوريا.. يصرخ على قلمه.. نافياً أيَّ شعر قاله أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) بل نافياً أي شعر قاله الخلفاء الراشدون كلهم، واستبعد قولهم الشعر، واستبعدهم عن الشعر، وكأنهم لم يعيشوا في منبع الشعر، وكأنّ الكاتب أراد أن يشملهم بالآية التي أبعدت النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الشعر، وهو هنا يقدم دراسة في 8 صفحات من مجلة (المنهل) عن تحقيق لديوان أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، ويختم دراسته بقول منسوب للسيدة عائشة زوج النبي في أبيها أنه لم يقل شعراً في جاهلية أو إسلام، وهذا يتعارض مع إجماع لم يأتِ من فراغ، في قصيدة مشهورة لأبي بكر في رثاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي مطلعها:

أجدك ما لعينك لا تنامُ

كأن جفونها فيها كلام

لأمر مصيبة عَظمت، وجلّت

ودمع العين أهونه انسجام

ويأتي الأمر إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) المعروف بفصاحته، وبلاغته، وحِكَمِهِ الكثيرة السائرة على ألسنة المسلمين، الشعر منها، والنثر، فهذا محمد محمد حسن شراب من المدينة المنورة ينفي أبياتاً، بل ديواناً كاملاً عن الإمام علي، في مقالة من 11 صفحة في مجلة (المنهل)، ورغم أن هذه المقالة، كغيرها ممن ذكرت، ومما سيأتي، تحتاج إلى أخذ وردّ، فإنني أريد أن أذكّر هذا الكاتب فقط.. إلى أن الإمام علي (عليه السلام) حينما يقول: "ولو كنت بواباً على باب جنة" يدرك تماماً أنه لا يملك أي مخلوق مفاتيح الجنة، مع أنه من المبشرين بها، وقد يُشَفَّع في بعض المؤمنين بإذن الله، ولكن (لو) هنا رغم أنها -كما يقال- تفتح عمل الشيطان، جاءت -كما يدلّ معناها الدائم- في صيغة التمني، ومن يتمن شيئاً.. معناه أنه لا يملكه، إذ هناك فرق بين الملكية، والتمني.

ومن ناحية لماذا هذا الاستغراب، والاستنكار من أبيات شعرية عربية معروفة، وصاحبها معروف، ويكفي أنه ربيب البلاغة النبوية، أما ما ذهبت إليه من أسانيد وقرائن وغيرها، فهي أدواتك أنت، التي تحتاجها لإثبات ما تقوله، وقد يكون ذلك حقاً مشروعاً لك، ولكن سيكون على حساب التاريخ.. يا أخي.

وفي مجلة الحرس الوطني يقدم محمد أحمد العقيلي مقالاً من 4 صفحات ينفي فيه -بأدلته، واستعراضه- قصيدة (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته) المعروفة التي قالها الشاعر الفرزدق في الإمام علي بن الحسين بن علي (عليهم السلام) المعروف بـ(زين العابدين)، ويذكر أنها -مثل أغلب سواها- مضطربة الثَّبت، مختلفة في عدد أبياتها، وفيها تقديم، وتأخير، وزيادة، ونقص، ومنسوبة لأكثر من واحد، وهي قد قيلت أصلاً -كما يقول الكاتب- في قثم بن العباس بن عبدالله العباس M، وبالتسليم (الافتراضي لذلك كله، فماذا يصنع الأخ الأستاذ محمد العقيلي بالبيت الثاني من القصيدة:

هذا ابن خير عباد الله كلهم

هذا التقيّ الطاهر العلمُ

الذي لا ينطبق إطلاقاً إلا على الإمام زين العابدين (عليه السلام).

هل هو زائد؟ أم مضاف؟ أم غير ذلك؟ هذا والمصادر كلها بين يديه؟!

ويقدم الدكتور أحمد بسام الساعي، بحثاً قصيراً من 3 صفحات في مجلة (العربي) حزل خطبة القائد المسلم طارق بن زياد في عبوره المضيق الذي عُرف باسمه، ويطرح الموضوع بصورة هادئة لينفي الخطبة من الأساس، وطرق روايتها.

وحتى لا أستمر في الإطناب في هذا الموضوع بعد استعراض ستة نماذج مختلفة، نكتفي بذكر ما تبقى من النصوص التي زودنا بها ذلك الصديق مشكوراً عرضاً:

خطبة أحمد بن الحسن الزيّات الخالية من الألف، والمنسوبة كذلك إلى الإمام علي (عليه السلام) حسب ما ورد في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي.

كتاب شرح الحماسة، ومعجز أحمد، لأبي العلاء المعري، بقلم محمد عبدالمجيد الطويل الذي يقول: إنهما ليسا لأبي العلاء.

وهذا يسري عبدالغني عبدالله من مصر يردّ في (المجلة العربية) على من يزعم أن (طه حسين) قد سرق رواية (منصور) للدكتور أحمد ضيف، قام بإلحاقها في كتابه (الأيام).

وآخر يقدم دليله أن الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبدالعزيز (رضي الله عنه) لم يضع الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ… بدلاً من تلك السُّنة المعروفة التي سَنّها الأمويون قبله، في خطبتي صلاة الجمعة… إلخ.

* * * *

إن هناك حدوداً معينة في كيفية التعامل مع الموروث، ومتى يمكن مناقشته، أو التسليم والسكوت بما جاء.. وكيفما جاء؟

ولقد ناقش عدد من الباحثين والمختصين وأرباب هذا الفن، ذلك التعامل في الندوات الكثيرة المصاحبة أو المنبثقة من المهرجان الوطني للتراث والثقافة المقام بالمملكة في سنواته الأربع الأولى، وأشبعوا هذا الجانب نقاشاً وتوثيقاً.. ومما خَلَصوا إليه أن هناك بعض الأبواب في التراث العربي ينبغي التوقف عندها لما يَلحق طَرْقها من ضرر وتشويش عام.

إن نبش التراث بالطريقة التي وردت في الأمثلة السابقة أو بأي طريقة كانت يعتبر لعبة خطرة جداً، ربما نسفت جذورنا، وتاريخنا، ومجدنا الفكري من أصوله، وما أخطر أن تكون أمة بلا تاريخ، والذريعة أو الحجة البحث عن الحقيقة.

ويذكرني هذا بالدعوات المتتالية التي لا تزال تطالب بإعادة كتابة التاريخ، وإعادة النظر في كل الكتب الأصلية التي يعوّل عليها المسلمون في تاريخهم وأدبهم، ومجدهم بعد القرآن الكريم.

إنني أرى التسليم بما هو في الموروث فيما يخص الجانب الأدبي على الأقل كما جاء، وأن لا نأتي في آخر الدهر، ونتسلق على هذه الكنوز العربية بدعوى أننا أكاديميون، ونحمل شهادات عالية في التراث وفي الأدب والتاريخ وغيره، فتكون هذه الشهادات وبالاً علينا، وعلى حساب تاريخنا الفكري، بقصد ودون قصد، بدلاً من أن تكون مفيدة لنا. أما إذا أصررنا على خوض غمار هذه اللجة فينبغي أن نخوض فيها بأدواتها وبروية وتعقل حتى يمكننا أن نصل إلى نتائج أكثر مقاربة إلى الواقع.

نعم هناك أمور قد تكون مقبولة مثل: اكتشاف نص ناقص لأحد النصوص المعروفة لاستكماله، الذي قد يكون سقط أثناء النسخ والكتابة، أو استغلال أي شهادة جامعية عُليا في إزالة وتعديل بعض (التصحيفات) التي تجري على أغلب النصوص، أو ما يزوّره بعض الوراقين قديماً أو غير ذلك.

أما أن تنسف كياناً فكرياً عربياً قائماً لتبرّر نفيه، وعدم صحته، أو نسبته إلى غير صاحبه بدعاوى، ووثائق يبدو لك أنها موثقة، فذلك أمر غير مقبول تماماً، ويجب على أصحابه الكفّ عن ممارسة هذه اللعبة الخطرة، وتناول مثل هذه الأمور الحساسة.

* * * *

وقبل أن أصل إلى ميناء المغادرة لهذا الموضوع الشائك أود الإشارة إلى نقاط هي:

ما ذكره الأخوة -رغم ما به من لهجة متفاوتة الطرح، تتراوح بين الهدوء الهامس، والصراخ المتشنج، فإنه يحتاج في الواقع إلى مقاربة وتفاهم موضوعي تجنباً لأسلوب مصادرة الأفكار، وليس ذلك تناقضاً من دعوة السكوت والتسليم بما جاء في بعض التراث، ولكن أقصد أن المختصين فيه يجب أن يقولوا كلمتهم الأخيرة، مثلما قالوا في ندواتهم السابقة بالجنادرية أمثالها.

وإن كنت إلى السكوت في الأمثلة الواردة كلها في هذا المقال أميل.

أحياناً تجد نفسك أنك تطمئن -إلى حدّ ما- فيما قاله هؤلاء أثناء قراءتك تلك المقالات، والأبحاث، وتجد في أغلبها ما يمكن أن يكون مقبولاً.. منطقياً، ومعقولاً! ولكنك تصطدم بقُدْسيّة وحواجز، وموانع، ومحاذير، ومسلمات، وصدق الموروث؛ لأن ذلك يدخل في قناعاتك التربوية التي نشأت عليها، فهو ليس سهلاً.

لا أشك -مع ذلك كله- في (احتمال) وجود نية طيبة لدى الأخوة الكُتّاب، وأنهم غرقوا هم أيضاً في الشكوك فراحوا يبحثون، وينقِّبون في بطون الكتب لمناداة الحقيقة، والحقيقة وحدها فقط، رغبة في اصطيادها والوقوف عليها، ولكن مرة أخرى لابد من العودة إلى هذا البيت الرائع:

هُمْ نقلوا عنّي الذي لم أَفُه به

وما آفةُ الأخبارِ إلا رُواتها

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والله أعلم.

[1]  مجلة العربي: العدد 175، يونيو 1973، ص19.
شاعر وكاتب
323558