شقائق الرجال
الدكتور تركي الحمد - 27 / 2 / 2011م - 11:29 ص - العدد (20)

لم تعد المملكة العربية السعودية ذلك المجتمع البسيط الذي تحكمه مجرد العلاقات الشخصية المباشرة بين أفراده، بل تحول إلى مجتمع مديني غاية في التعقد والتعقيد. فخلال السنوات القليلة الماضية، انقلب المجتمع في المملكة انقلاباً يكاد يكون جذرياً، بل هو جذري بالفعل، وتحولت مدنها وقراها إلى مساحات مترامية الأطراف، بسكان من مختلف الأجناس والفئات والاتجاهات والتطلعات. وبالتالي، فإنه لم يعد من الممكن تطبيق معايير وضوابط المجتمع البسيط، على مثل هذا المجتمع المعقد. ومن هنا، فإن "قضية المرأة" تأخذ أبعاداً جديدة يجب مراعاتها في ظل التغيرات التي حدثت، والتغيرات التي هي حادثة. فالمرأة السعودية اليوم لم تعد ذات الكائن البسيط الذي كانته قبل سنوات، ولكنها أصبحت جزءاً محورياً من نسيج المجتمع الجديد. فهي أستاذة في الجامعة، وسيدة أعمال، ومديرة مدرسة، وكاتبة، وصحفية، وأديبة، وفي كل مكان من المجتمع تجد المرأة وموقعها المهم.

ولكن، وبالرغم من تغير كل شيء في المجتمع السعودي إلى ما هو أفضل حضارياً، وتطور دور المرأة في المجتمع، إلا أنها مازالت حبيسة عادات وتقاليد لا علاقة لها بشرع أو عقل، تعيقها من أن تكون "شقائق" للرجال في هذا المجال أو ذاك، ورغم أنها تتفوق في مجالات كثيرة على رجال ليس لهم من كفاءة إلا أنهم رجال وحسب.

ليست القضية أن تقود المرأة سيارة أو لا تقود، أو تسافر بموافقة ولي أمرها أو لا تسافر مثلاً، بقدر ما هي في الحقوق والواجبات التي يجب ألا تفرق بين رجل أو امرأة، طالما أنهما يشتركان في الإنسانية أولاً، وفي المواطنة ثانياً، وكلا المفهومين يعنيان المساواة في الحق والواجب، دون أن يكون للجنس أو العرق أو العنصر أي دور في الموضوع.

فإذا كانت المرأة مؤتمنة على كل تلك المواقع المهمة التي تحتلها في المجتمع والدولة، أفلا تؤتمن على نفسها أولاً؟

مسألة متناقضة لاشك، وليس من حل لتناقضها إلا في التعامل مع المرأة كإنسان وكمواطنة في المقام الأول، وليس ككيان تتحدد حركته بعادات وتقاليد جعلها البعض جزء من الدين وجزء من الشرع، وهي أبعد ما تكون عن ذلك.

وأعتقد أنه من العار علينا كمسلمين أن يتعامل اليهود في إسرائيل مع المرأة تعاملاً أوصلها إلى رئاسة الحكومة، وكل مواقع الدولة المهمة، وهم الذين تحتقر توراتهم وتلمودهم المرأة بشكل لا يحتاج إلى تدليل، في الوقت الذي تعامل فيه قرآننا وسنة نبينا مع المرأة تعاملاً راقياً وسابقاً لزمانه، ومع ذلك نبخسها نحن حقها، فنعاملها كقاصر غير قادر على تمييز الحق من الباطل بنفسه، ونقيدها بقيود لم يفرضها الخالق ذاته، ولا قال بها رسوله المصطفى، صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يُقال إنها من الدين والشرع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (غافر: 56).

371320