المنطقة.. قبل النفط
علي باقر العوامي * - 28 / 2 / 2011م - 2:36 م - العدد (21)

كانت المنطقة قبل ظهور النفط تعتمد – في حياتها الاقتصادية – على مصدرين رئيسيين هما:

1 - البـحـر.

2 - الـزراعـة.

ولقد هيأ لها هذان المصدران حياة رغيدة، وثراءً نعمت فيه، استمر حتى العقد الأول من القرن الميلادي الماضي – القرن العشرين – ثم أخذت الحياة الاقتصادية تتدهور إثر قيام الحرب العالمية الأولى عام 1913 م وظهور اللؤلؤ المزروع - وهو الذي قامت اليابان بإنتاجه في أحواض صناعية -، مما جعله ينافس اللؤلؤ الطبيعي الذي كان أبناء الخليج العربي يستخرجونه من قاع الخليج، ويبيعونه في الأسواق العالمية، في عملية تعرف ب " الغوص " ولكي يعرف الجيل الجديد من أبناء هذا البلد والذين لم يدركوا تلك الفترة، يحسن بنا أن نعرض لهم بإيجاز الوضع الذي كان قائما، حتى يعرفوا كم كان آباؤهم يكافحون ويكدحون في سبيل لقمة العيش.

ففي المجال الأول – البحر – كان هناك ثلاثة موارد أو أقسام للعمل في البحر، وهي الغوص، وصيد الأسماك، والنقل.

ففي القسم الأول – الغوص – كان هذا القسم هو أهم قسم، إذ كان يشكل الوارد منه المصدر الرئيسي للثروة، والغوص هو مهنة استخراج المحار - الذي يحتوي في باطنه على اللؤلؤ - من قاع البحر، وقد جاء في المنجد " غاص غوصا وغياصا وغياصة ومغاصا في الماء: غطس ونزل فيه فهو غائص، ج غوَّاص وغاصة " ثم قال " الغوّاص كثير الغوص، من يغوص في البحر على اللؤلؤ والإسفنج ونحوهما " ومهنة الغوص مهنة قديمة، ولا نريد هنا أن نتعرض للغوص وتاريخه، ومتى بدأ ولا حتى تفاصيل عمليات الغوص، وإنما نريد أن نعطي لمحة قصيرة عنه توضح الدور الذي لعبه في وضع البلاد الاقتصادي فيما قبل ظهور النفط

يبدأ الغوص عادة في شهر مايو وينتهي في نهاية شهر سبتمبر، وهناك ما يسمى بالخانكية، وهي عملية مبدئية يقوم بها بعض الغواصين في الربيع – شهر مارس – لكنهم لا يذهبون بعيدا في البحر إلى المغاصات العميقة إذ أن الوقت لا يزال باردا، كما أن هناك ما يسمى بالردة، وهي أيضا عملية يقوم بها بعض بعد انتهاء فترة الغوص، يقومون بها في شهر أكتوبر وهي مثل الأولى لا يتوغلون بعيدا في عمق البحر نظرا لبرودة الوقت، إما عملية الغوص الرئيسية فهي تبدأ – كما قلنا - في شهر مايو وتنتهي في شهر سبتمبر، وفي هذه الفترة تتجه السفن – لاسيما الكبيرة منها، والتي تحمل أعدادا كبيرة من العاملين في المهنة من غواص وسيب – هذه السفن تتجه إلى مغاصات بعيدة في عمق الخليج، وتعرف بالهيرات – جمع هير - وتنقسم العمال إلى غيص وهو الذي يقوم بالنزول في البحر لجني المحار، وسيب، وهو الذي يظل على متن السفينة ممسكا بالحبل المربوط في رجل الغيص ليسحبه من الماء بمجرد أن يقوم الغيص بهز الحبل، ويتعرض الغيص أحيانا لعملية مهاجمة من سمك القرش، ولهذا فإنه بمجرد أن يلمح قرشا آتيا نحوه يقوم بهز الحبل حتى يسحبه السيب ويصعد إلى السفينة حتى يتفادى مهاجمة سمك القرش الفتاك.

ويقوم بتمويل سفن الغوص التجار مالكو السفن، فهم يدفعون للعمال والربان – النوخذه – مصاريف مقدما قبل عملية الغوص ليعطونها لعوائلهم كمصروف للبيت خلال عملهم في البحر، وتسمى " التسقام " وتسجل هذه المبالغ عليهم، ثم تخصم من استحقاقاتهم بعد انتهاء عملية الغوص، وبيع ما أنتجوه من لؤلؤ، كما يقوم الممولون بتزويد السفينة بما تحتاجه من مواد غذائية، وكذلك ما تحتاج إليه من مستلزماتها، وهناك تجار اللؤلؤ – وهم غير ممولي السفن – ويسمون " الطواشون " جمع " طواش " وهم الذين يقومون بشراء المحصول من اللؤلؤ من عند الغواصين، وقد نشأت بيوتات تملك ثروات طائلة، سواءً ممن كانوا يمولون سفن الغوص أو ممن كانوا يتاجرون في اللؤلؤ، وكانت عملية الغوص وتجارته مزدهرة في كل الخليج، وكانت كل أقطار الخليج تعيش في بحبوحة وثراء بسبب ازدهار سوق اللؤلؤ، وكانت البحرين مركزا لسوق تجارة اللؤلؤ، يجمع فيها التجار الكبار المحصول، ثم يذهبون به إلى بومبي في الهند لبيعه، حيث كانت سوقا عالمية يقصدها الراغبون في شراء اللؤلؤ والجواهر الكبيرة من أثرياء أوروبا.

ولا تقتصر الأخطار التي يعانيها الغواصون على ما يتعرضون له في قاع البحر من أخطار مهاجمة الأسماك المفترسة كسمك القرش وغيره، بل إن عوامل الطبيعة وعواصف البحر هي ضمن الأخطار التي يتعرضون لها، ولا يزال الناس يذكرون العام الذي عُرِف ب " سنة الطبعة" ففي الساعة الواحدة والنصف بالتوقيت الغروبي - أي وقت صلاة العشاء - (يومها لم يكونوا يعرفون التوقيت الزوالي الذي نستعمله نحن الآن) من مساء يوم الخميس (ليلة الجمعة) 13 / 3 / 1344 هـ الموافق 30 / 9 / 1925 م هبت على الخليج عاصفة قوية أطاحت بأكبر السفن وأقواها، وكسرت الأعمدة التي تعلق عليها أشرعة السفن (الدقل) وأغرقت المئات من ركاب السفن من جميع أقطار الخليج، ولقد أخبرني المرحوم " أحمد سلمان الكوفي " الشاعر المعروف، فقد كان هو يومذاك أحد ركاب الغوص – سيب – وهو الذي حدد لي وقت وتاريخ هبوب العاصفة، يقول أحمد بعد أن ألقت بنا العاصفة في عرض البحر ركبت أنا ومعي 14 شخصا من زملائي في السفينة على الدقل، وتشبث به كل واحد منا وظلت الأمواج تتقاذفنا ونحن متمسكون بالدقل كيلا نرسب في قاع البحر ونروح طعمة سائغة للأسماك، وهكذا ظللنا على ذلك الدقل من حين هبوب العاصفة حتى ضحى اليوم التالي حين انتشلتنا إحدى السفن التي خرجت بعد سكون العاصفة للبحث عن الناجين، يقول أحمد الكوفي حينما صعدنا على متن السفينة التي انتشلتنا وجد كل واحد منا قد تهرأ لحم فخذه الملاصق للخشب، لأننا كنا نضغط عليه بقوة حتى لا تطيح بنا الأمواج من على الدقل.

غير أن مهنة الغوص التي كانت مصدر الرزق الوفير في القطيف بارت وتدهورت حتى قبل ظهور النفط في المنطقة، ليس لأن أسعار اللؤلؤ قد تدهورت بسبب منافسة اللؤلؤ المزروع في أحواض فقط، ولكن حتى المحصول قلَّ عما كان عليه من ذي قبل، ولقد ظل البعض متشبثا به أملا في أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، ولأن مجالات العمل الأخرى ليست ميسورة ولا متوفرة، و لكن ما إن أتت شركة الزيت للمنطقة وصارت تبحث عن عمال حتى تقاطر الناس عليها من الغواصين وغيرهم، لأن البلاد كانت في وضع اقتصادي سئ، وكان الفقر عاما، ولقد اختفت تلك المهنة – مهنة الغوص – نهائيا من القطيف، بل من كل بلاد الخليج، وإن كان يقال أن بعض أقطار الخليج لا يزال البعض فيها يمارس هذه المهنة ولكن في نطاق ضيق ومحدود.

صيد الأسماك

وهي إحدى المهن التي يمارسها أبناء القطيف، وهي مهنة لا تزال قائمة، وإن كانت قد تطورت أساليبها وطرق الصيد، نعم كانت هناك طريقة لصيد الأسماك اختفت الآن ولم يعد لها وجود، هي ما يسمى ب " الحضور " جمع حضرة، وهي مصائد تقام من جريد النخل في مواقع معروفة في البحر، وطريقتها أن يغرس الجريد على شكل جدار ممتد طويل ويربط الجريد بحبال حتى يظل متماسكا يصمد أمام الأمواج وهبوب الرياح وفي نهايته يعمل دائري على شكل برج له مدخل ضيق، ثم يعمل جدار آخر مرتبط بمدخل البرج الدائري، فإذا ما جاء المد يجئ معه السمك والروبيان ويدخل في البرج وعند الجزر يجئ الصياد بشبكته ويدخل في هذا البرج ويصطاد ما هناك من سمك وروبيان، وللحضور مواقع محددة يعرفها الخبراء، إذ ليس كل مكان يصلح لبناء الحضرة، بل إن موقع الحضرة إذا أخطأ العمال في موقع تركيز الجريد ومالوا بها عن موقعها الذي يجب أن يكون فيه تختل الحضرة، ولا تصيد شيئا، أو يصبح صيدها قليلا وإذا ما لاحظ أصحابها ذلك أرسلوا من الخبراء من يقوم بتعديل البناء، وأحيانا تتسبب الرياح القوية في قلع الجريد وتخريبه، مما يضطر أصحاب الحضرة للقيام بإعادة البناء أو إصلاحه، وكان ساحل رأس تنورة من أهم المواقع الذي تبنى فيه الحضور، وفيه موقع الحضرة الشهيرة بكثرة صيدها، وهي المعروفة بحضرة " أم رحيم " وكانت تصيد يوميا عشرات الأمنان (المن يساوي 16 كيلو غرام) وكانت الحضور ملكا لأفراد، وكانوا يؤجرونها في الموسم على أناس مقابل قيامهم بأخذ ما فيها من صيد، ولما قامت شركة الزيت بمد خط الأنابيب من مواقع آبار الزيت إلى مصفاة رأس تنورة تعرضت الحضور التي هناك للخراب وقلة الصيد، ومنها حضرة أم رحيم، وقد قامت دعاوى بين مالكي تلك الحضور وبين شركة الزيت، واضطرت الشركة إلى دفع تعويضات لمالكي تلك الحضور، لكن هذه الحضور لم يعد لها وجود الآن.

النـقل البحـري

كان في القطيف أسطول للنقل بين القطيف وبين موانئ الخليج عامة والبحرين بصورة خاصة، ولم يكن هذا الأسطول ملكا لشركة، بل كان مؤلفا من سفن يملكها أفراد، ولما كانت القطيف تعتمد في تأمين حاجياتها على ما تستورده من الخارج – لاسيما البحرين – التي كانت مصدرا أساسيا لاستيراد ما تحتاجه من مواد غذائية وملابس وأثاث وغيرها فقد كانت السفن الشراعية هي التي تقوم بنقل البضائع من البحرين إلى القطيف، كما كانت تقوم بنقل ما تصدره القطيف – حينذاك – من مواد زراعية – كما سيأتي بيان ذلك – عند ما نتعرض للزراعة، كما أن هذه السفن كانت تنقل المسافرين للبحرين وغيرها، وكان هناك ربابنة – نواخذه – معروفون ومشهورون بأمانتهم وصدقهم، وقدرتهم على مواجهة مشاكل البحر ومفاجآته، لما يتصفون به من خبرة ومراس، وكان التجار يهتمون بهم ويتساءلون عن أوقات وصولهم، غير أن هذه المهنة قد أخذت في التلاشي تدريجيا حينما أُنشئت الموانئ وصارت تصل البواخر محملة بالبضائع، وحينما أتت السفن الصغرى التي تسيرها المكائن لنقل الركاب، (اللنشات) ثم الطائرات، وأخير الجسر، فلم يعد للسفن الشراعية من وجود، وأصبحت جزءا من الماضي، وتلك طبيعة الحياة في تطورها.

الـزراعـة

من المعروف أن القطيف أرض خصبة وفيرة المياه، بعيونها الكثيرة الغزيرة ذات المياه الوافرة المنتشرة في كل مدنها وقراها، وأن الزراعة مهنة أساسية فيها، يعيش عليها الأكثرية الساحقة من سكانها، وأن نتاجها الرئيسي هو التمور، وكانت تصدرها إلى كل أقطار الخليج، وكان تجار التمور يأتون في فصل الشتاء ليشترون من التمور المخزنة في مخازنها الخاصة "الكناديد " وكان لدى هؤلاء التجار خبرة بأنواع التمور وجودتها، كما كانت تصدر الليمون والبطيخ الأصفر، يقطع وهو لا يزال أخضر لم ينضج بعد، حتى يتحمل البقاء صالحا لمدة أيام قبل أن يصل إلى المكان المراد تصديره إليه، وحتى الجريد والسعف كانت تصدر للخارج.

السلوق

كان السلوق من ضمن ما كانت تصدره القطيف من منتجات زراعية، وكان للسلوق دور هام في اقتصاديات القطيف الزراعية، إذ كانت تجارته رائجة، وكان له تجار مختصون في بومبي – الهند، وفي البحرين والقطيف، ولأن عملية إنتاج السلوق وتجارته قد اختفت منذ عقود ولم يعد لها وجود، فإنه يجدر بنا أن نعطي عنها الجيل الجديد الذي لم يدركها فكرة موجزة.

السلوق مشتق من كلمة " سلق " والسلق هو غليان الشئ بالماء، يقال سلق البيض ونحوه إذا غلاه بالماء، والسلوق هو بلح – قبل أن ينضج ويصير رطبا – من نوع معروف في القطيف – الخنيزي - وهو يمتاز بشدة حلاوته، يقطع من النخل – وهو لا يزال بلحا (بسر) ثم يغلى في قدور كبار وبعدها ينشر حتى ييبس، ثم يعبأ في أكياس الخيش – الجوت - ويحمل بالسفن، وعملية السلق تحتاج إلى فئات متعددة من العمالة لكل واحدة اختصاصها، فهناك من يقوم بالصعود على النخلة لقطع العذوق وربطها بالحبال وإنزالها رويدا رويدا حتى لا يتناثر البلح إذا ما ألقي من أعلى النخلة، ثم يتناوله عمال النقل " الحمَّارة " وهم أرباب الحمير – وسائل النقل يومذاك – ويوصلونه إلى محل الغليان، ثم يتناوله آخرون ليسلمونه إلى شخص يجلس على الأرض وقد عمل أمامه شبك صغير من جريد النخل القوي مغروس في الأرض ومربوط بالحبال، وقد أفرج ما بين كل جريدة ليضع العذوق في الشبك ويخرط البلح من الشماريخ، ثم يلمه آخرون في زبلان ليوصلونه إلى حيث القدر الذي تعمل له ثلاث أثافي قوية ومرتفعة، يوضع عليها قدر من النحاس كبير الحجم وتشعل النار من سجين النخل (السجين شرائح من جذوع النخل مستطيلة وعريضة ونارها حامية) وبعد الغليان يخرج من القدر بواسطة مغارف على شكل مشخال ذات مقابض طويلة، ويظل السلوق منشورا في أرض الفدا (الفدا بفتح الفاء موضع تجميع التمور والسلوق) وبعد أن تنتهي عملية الغلي ويجف السلوق بل وييبس، تبدأ عملية التجميع والوزن وهناك وزانون مختصون، ويبدأ الوزن في كل البلاد بيوم محدد، وقبل خروج الوزانين يقوم الفلاح بتجميع السلوق المنشور في كوم (جمع كومة) حتى يسهل وزنه وعلى المالك أن يؤمن الأكياس اللازمة لحصته من السلوق، ويقوم الوزان بملء الأكياس إذ يضع في كل كيس 4 أمنان (تساوي 64 كيلو غرام) وهناك تبع الوزان أناس اختصاصهم خياطة الأكياس، ويعطى الوزان أجرته هو وعماله كمية محددة بنسبة معروفة لمقدار ما وزن.

وبعد اكتمال عملية الوزن والتعبئة في الأكياس يجري نقل السلوق لأصحابه، وهم إما مالكو النخيل، فينقل إلى المحلات المعدة من قبلهم لحفظه وتخزينه لبيعه في الوقت الذي يشاؤن وإما إلى التجار مباشرة الذين يشترون السلوق من الملاك أو من الفلاحين، ثم بعد ذلك يجري تحميله وتصديره، وكانت ميناء القطيف في موسم تصدير السلوق تغص بالسفن الهندية الكبيرة المعروفة بالسنابيك (جمع سنبوك) تأتي لتنقل أكياس السلوق ذاهبة به إلى موانئها.

وكانت تجارة السلوق قائمة على قدم وساق،- وكما أشرنا من قبل - فإنها تمتد من بومبي – الهند حيث مركز الإستيراد إلى البحرين حيث التجار وكلاء للتجار الهنود، فالقطيف حيث التجار ينقسمون إلى نوعين، نوع يتعامل في شراء السلوق لنفسه ليبيعه هو بعد ذلك لطالبيه، ونوع آخر هو وكيل للتجار في البحرين يشتري الكميات التي يعمده عليها موكلوه.

ولا تقتصر تجارة السلوق على وقت الموسم فقط، بل إنها قائمة طوال العام، إذ أن كثيرا من الملاكين يبيعون السلوق بما يُعرَف ببيع " المعلق " وهو يعني بيع الشئ قبل حلول موسمه، إذ أن كثيرا من الملاكين يحتاجون للمصروف فيضطرون لبيع جزء من نتاج نخيلهم – سواء كان تمرا أو سلوقا – قبل حلول الموسم، وهناك تجار مستعدون للشراء، ولا يقتصر بيع المعلق على الملاكين، فهناك أيضا بعض الفلاحين يبيعون المعلق لتأمين المصروفات التي يحتاجونها للقيام بمستلزمات النخل، ويؤدونها مما يفضل إليهم من منتوج النخل بعد أداء ما عليهم من ضمان للمالك، وطبعا فإن قيمة التمر والسلوق حين بيعه معلقا تقل عن قيمته في الموسم.

ولقد بدأ تدهور تجارة السلوق ثم اندثارها نهائيا منذ أواخر عقد الأربيعنات من القرن الميلادي الماضي – القرن العشرين – حينما استقلت الهند عن بريطانيا، وقامت دولتا الهند وباكستان، إذ قامت الحكومات الوطنية في كلا البلدين بالحد من استيراد السلوق لأنه ليس غذاءً ضروريا للبلاد، وإنما هو يستعمل كنوع من النثار والحلويات.

وقد كان لظهور النفط أثر سلبي على الزراعة في القطيف، ذلك أن الوضع الإقتصادي كان في غاية التدهور والإنحطاط، ومن ثَمّ كان سعر التمور متدنيا على الرغم من كونه غذاءً رئيسيا للغالبية العظمى من سكان القطيف، إذ لم يكن ثمة موارد أخرى، لهذا فما إن أتت شركة الزيت وصارت تبحث عن العمال حتى تقاطر عليها الفلاحون، وأهملوا الزراعة، كما أن العيون التي كانت تروي النخيل قل ماء بعضها وغار أو نضب ماء البعض الآخر، وحاول الملاكون وأرباب الأراضي الزراعية علاج نقص مياه العيون بحفر الآبار الإرتوازية، لكن هذا العلاج لم يكن سوى علاج مؤقت، لأن حفر الآبار لم يقم على تخطيط ودراسة لمواقع المياه، وإنما كان كل من أراد أن يحفر لنخله بئرا اشترك هو وجيرانه في حفر البئر أينما شاءوا، كما أنهم لم يكونوا يضعون على الآبار صمامات – أقفال – لسد البئر حينما لا تكون هناك حاجة للمياه، بل كانوا يتركون المياه تتدفق طوال الليل والنهار، ولقد أدركت الدولة ذلك ولكن مؤخرا وبعد خراب البصرة فألزمت كل من يحفر بئرا بوضع صمام – قفل – عليها، وهكذا تفاقمت مشكلة نقص المياه وجفت كثير من النخيل، ولما كانت القطيف محصورة بين البر غربا والبحر شرقا، وكان ثمة حاجة للتوسع العمراني بسبب ازدياد السكان، فقد لجأ الناس لقطع النخيل، - لاسيما المجاور منها للمدن – وتحويلها لأراضي، وتخطيطها وإقامة مساكن عليها، وأدركت الدولة خطر ذلك على الزراعة، ولكن مرة أخرى بعد خراب البصرة، فمنعت تحويل النخيل إلى أراضي للبناء إلا إذا كان ذلك النخل لا يستفاد منه ولا يمكن إحياؤه، واستدار الناس للبحر يدفنونه ويقيمون عليه مساكن لهم، وقامت وزارة الزراعة بتخطيط الأراضي الصالحة للزراعة وغير المستثمرة، ومنحتها لمن يريد استثمارها زراعيا، فقامت مزارع كبرى خارج المدن والقرى التي كانت قائمة من قبل، وتحولت هذه المزارع إلى استراحات، إذ أقيمت فيها المباني للسكن أو الإستراحة فيها وقتما يريد المالك ذلك، وعُمِل فيها برك للسباحة وزودت غرفها بالمكيفات وكل أدوات ووسائل الراحة، - وانتعشت الزراعة – لاسيما زراعة الخضار والفواكه - ولكن النخلة – أم الزراعة والشجرة الأولى والرئيسية في القطيف – أصيبت أخيرا ببلية لم تكن في الحسبان، هي الدودة الحمراء، فقامت وزارة الزراعة بإعدام عشرات الألوف من نخيل القطيف من أجل اجتثاث هذا الداء الوبيل، وعلى كل الزراعة الآن أفضل كثيرا مما كانت عليه في السنوات التي أعقبت ظهور النفط،،،

كاتب
304978