من ذكريات أديب: الدكتور سلطان بن سعد القحطاني
تأملات وانطباعات عن ماضي الأحساء
عقيل بن ناجي المسكين * - 28 / 2 / 2011م - 2:39 م - العدد (21)

سلطان بن سعد بن مسعود آل عاطف القحطاني

 * من مواليد قرية " اللوزية " في العيون - الأحساء - 1369هـ /1949م

*  دكتوراه في الأدب العربي الحديث - تخصص (الرواية في المملكة العربية السعودية، نشأتها وتطورها) من جامعة جلاسكو، University of Glasgow في اسكوتلاندا - المملكة المتحدة، 1994م/ 1414هـ

* كاتب للمقال الأدبي منذ 1974م، في الصحافة المحلية والعربية..

* عضو الهيئة الاستشارية لمجلة ( الواحات المشمسة ) التي تصدر عن جمعية الثقافة والفنون في المملكة العربية السعودية..

* مستشار لبعض دور النشر المحلية، والدوائر الثقافية السعودية..

* عضو جمعية الخريجين البريطانية..

من مؤلفاته:

* روائع من الشعر العربي القديم، زائر المساء (رواية )، طائر بلا جناح، الرواية في المملكة العربية السعودية، نشأتها وتطورها، من 1930م –1989م، خطوات على جبال اليمن ( رواية )

 

 

للماضي عبق الذكريات.. ولا شك إن المبدع يرتبط بماضيه أكثر من غيره؛ خصوصاً وهو يستدعي التجارب دائماً ويوظفها في كتاباته فهي تعتبر من زاده الثقافي، ومن خلالها يترجم عطاءه الإنساني عبر حروفه الطائرة بين أمسه ويومه والمتطلعة للمستقبل..  نحن نعلم ما للروائي من اهتمامات كبيرة برصد التجربة الإنسانية بامتدادها من الماضي مروراً بالحاضر وانطلاقاً للمستقبل.. ماذا يعني لك الماضي كأديب روائي؟..

عرفت الحياة في منطقة تزخر بالعلوم والمعارف القديمة، بصيغة تختلف عن الصيغة المعهودة في الوقت الحاضر، وما تعارف عليه الناس من مسمى للثقافة، وأحسستُ أنني أعيش حالة من الترقب لما يخفيه القدر من مبهجات ومنغصات، وشممت رائحة الفن والأدب من خلال المجالس الليلية التي يقيمها كبار أهل القرية وصغارهم، ووجدت الحياة المتفاعلة مع الحكاية الشعبية والمرويات الطريفة، وقضاء الوقت في المسامرات المسلية من خلال القصة الشعبية والفكاهة البريئة، وشعرت بأنني ميال إلى الشعر، فهو المتنفس الوحيد الذي أجد نفسي فيه متأثراً بما اسمع من الآخرين، فالقصة في القرية الشرقية، وفي غيرها من المجتمعات العربية منذ القدم تقوم على الشعر أكثر من قيامها على المشافهة النثرية، منذ أن كان الخليفة معاوية بن أبي سفيان يحضر وهب بن منبه إلى مجلسه، ويطلب منه أن يحدثه عن ملوك اليمن، فبعد كل قصة يقصها عليه يطلب منه أن يأتي بقصيدة تؤيد ما قاله..

وكان لفقدي والدي وأنا في السابعة من العمر شديد الأثر في حياتي إلى اليوم، لم أكن أتخيله الآن، وكم طلبت من أمي (رحمها الله) أن تحدثني عنه، لكنها كانت تصرف الحديث في مجال آخر، أو تشغل نفسها بشيء آخر عن الحديث في سيرته، لكنني أذكر سيارته إلى اليوم، حيث تركت في مكانها بعد موته بالسرطان (وهو عدو التدخين الأول) لمدة سنة كاملة، وكنت ألعب وألهو فيها كل يوم من بعد صلاة العصر إلى أذان المغرب، وكأنه دوام يومي، وذلك يوم قررت العائلة بيع هذه " السيارة العتيقة " بدون علم مني، وفجأة أُدير محركها الذي لم يدر منذ عام كامل أو يزيد، وانطلق بها أخي محمد، وأنا أنظر إليها بعين الحسرة والأسى حتى غطّى الغبار - المتصاعد من الشارع غير المرصوف في قرية "اللوزية" - أجواء المكان ولم أعد أراها فلقد اختفت.. ثم عدت إلى البيت ونمت ولم أستيقظ إلا في ظلام الليل، وهي المرة الأولى التي أستيقظ فيها ليلاً، فوجدت الأهل قد أحضروا لي هدية من قيمة سيارة أبي العتيقة، ظناً منهم أنني حزنت على اللعب فيها، فهذه الهدية عوضاً عن الذي فقدته، لقد عوضتني أمي عن أبي، فوجدت فيها الأم والأب، بل أن بعض أهل القرية كانوا يتمنون أن الآباء فقدوا إذا كنّ الأمهات بهذا الشكل، كانت تشجعني على حضور مجالس الرجال والقيام بخدمتهم، والاستفادة من تجاربهم وأحاديثهم، وكنت أنا المقدم في مجلس جدي، ولا أعرف إلى اليوم سبب هذه الحظوة من دون غيري، وكنت شديد الولع بحضور العرضات الشعبية في المناسبات العامة والخاصة..

كنت شديد الخوف من الليل، لذلك كنت من المولعين بالاعتناء بتنظيف وسائل الإضاءة من السُرج، والمصابيح البترولية " الأتريك " قبل عهد الكهرباء، وكان الليل يوحي لي بأشياء كثيرة، منها سعة الخيال، ونظم الشعر الشعبي، وأجد مع النجوم حديثاً لا أجده مع الناس، وكان انزوائي عن الدراسة لمدة ثلاث سنين سبباً في كثرة تأملاتي الليلية، أكثر من التأملات اليومية، فقد يكون السبب الانشغال بالحياة اليومية منذ الصغر وعدم الفرصة للتفكير، وأصبحت هذه عادة في الكتابة، فلا يلذ لي الوقت في الكتابة إلا ليلاً، وكان سبب هروبي من المدرسة، أنني كنت من الطلاب المتأهبين للدراسة في اليوم الأول، وفعلاً حضرنا إلى المدرسة التي تبعد عن القرية لمسافة سبعة كيلو مترات، وأفاجأ بشخص يؤتى به مكبلاً ثم يُلقى على الأرض بأسلوب وحشي، ويمسك به اثنان من العتاة العاملين في المدرسة، ظهره على الأرض ورجلاه إلى الأعلى تشدهما خشبة في طرفيها حبل شديد تسمى بالتركية (الفلقة)، ويأتي المدير ومعه عصى غليظة، فينزل في الطريح ضرباً على باطن قدميه الحافيتين، وكلما صرخ ازداد المدير ضرباً، وكل الطلاب في وجل وخوف من ذلك المنظر الذي رسخ في ذاكرتي إلى اليوم، تسللت من بين الطلاب، وهربت سيراً على الأقدام إلى القرية، وكان والدي على فراشه، يعاني آلام سرطان اللسان، فأومأ بيده بعد أن علم ما حدث بأن يتركوني حتى أرغب في الذهاب، كان - رحمه الله - مولعاً بي من دون الآخرين، والسبب أنه فقد ثلاثة من أبنائه قبل ولادتي، ولدين وبنت، كان كل منهما يولد وهو يصيح، ويظل كذلك حتى يموت بعد أربع وعشرين ساعة، وعندما ولدت وبشّر بي لم يفرح لذلك، فقد أيقن أن هذه حكمة الله في بقية أبنائه، ولكنني عشت بفضل الله ثم عجوز كوتني بين حاجبي، ولم تزل هذه الكيّة إلى كتابة هذه السطور، من هنا تعلق بي أشد تعلق، حتى فرق الله بيننا.. قال أحد أصدقائه لي: (لو كان أبوك حياً ما بلغت ما بلغته اليوم) قلت: لماذا؟ فقال: ستكون مدلعاً مدللاً.. كان لا ينام إلا وأنت بجانبه، لكن من يدري؟! كانت عودتي إلى المدرسة بحجم غرابة هروبي منها، كنت أصب القهوة والشاي في الديوانية الكبيرة في بيتنا، فوقع نظري على شخص لطيف المعشر، حلو الكلام، ثقافته عالية - بمقاييس ذلك الزمان - لم يصرف نظره عني، وأنا أتذكر هذه الشخصية الغريبة، فلها في ذاكرتي مكان لم تفارقه، حتى سأل عمي إن كنت من أبنائهم، ففهم عمي القصد مباشرة، وقال: هذا ابن أخي (سعد) -ترحّم على والدي- وأردف عمي بالحديث عن سبب تركي المدرسة، وكنت أكاد أموت من الخوف، ولولا الخجل لتركت ما بيدي ووليت هارباً، لكنه طمأنني، وقال: نحن لا نضرب إلا أصحاب الأخلاق السيئة، وأنت لست منهم، تعال إلىّ غداً وأنا أعطيت الدروس والدفاتر والأقلام، وتبدأ الدراسة من الغد - إنشاء الله -، لقد مضى من السنة الدراسية شهر أو أكثر، لكنني كنت أعرف القراءة والكتابة من أبناء القرية الذين يدرسون، كنت أكتب الحروف على الرمال، وأعرف رسم الكلمة، فعدت أدرس، وتخطيت كل الذين درسوا قبلي ولم يحصل على الابتدائية معي إلا واحد تركته في الثانوية.

لم تكن حياتي موهوبة لغير القراءة والكتابة منذ ذلك الحين، أحسست أن هذه المنطقة على اتساعها مهد حضارة وعلم على مر العصور، وكانت انطلاقتي من مجلة " قافلة الزيت"، ثم قراءة الشعر الجاهلي بمعلقاته التي استهوتني في المرحلة الثانوية، حتى أننا كنا نؤلف عليها شعراً من عندنا، وظهرت على جيل الرواد في الوطن العربي، طه حسن، والمازني، والعقاد، وأحمد السباعي، وعبد القدوس الأنصاري، وجرجي زيدان، لكن لم تزل القرية بفنونها الأحسائية البحرانية وتراثها الأدبي من شعراء المعلقات وابن المقرب - وهو من نفس قريتي - وما قرأت شيئاً إلا وجدت لها فيه جذور، ولو استرسلت في الحديث لطال الكلام فيه..

من خلال نظرتكم الأدبية للزمن الماضي كبعدٍ من أبعاد الحياة بشكل عام وكبعدٍ من أبعاد حياة الأديب المبدع؛ كيف تقرأ تاريخ الأدوار المتعاقبة لهذه المنطقة؟ وكيف رأيت ماضي منطقة الأحساء وهي موطنك الأم؛ ومسقط رأسك؛ ومرتع صباك ونشأتك؟

حيثما تتجه تجد التغير في كل مكان، فأسلوب العصر يقتضي التغيير مهما كانت الأسباب ومسبباتها، والحاضر وليد الماضي والمستقبل في الانتظار، وقد شرقت وغربتُ، واتجهت في كل الاتجاهات، بإرادتي أو بغيرها، ووجدت أن يد التغيير الحتمي تتفاوت في أساليب التغيير من منطقة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، والفيصل في ذلك الظروف الزمانية والمكانية، فهناك من يتأثر بالتغيير تأثراً ملحوظاً وهناك من تكون خلفيته الثقافية والاجتماعية قوية، تستطيع الوقوف في وجه التيارات، لكنها في النهاية تتأثر بالتغيير، والأحساء الأرض والتاريخ والإنسان، تمتلك مقومات - قد لا توجد في الكثير من المناطق - التي لا تستطيع المقاومة في وجه رياح التغيير، فالتراث الشعبي والعلمي لهذه المنطقة غني للدرجة التي تمكنه من الصمود، والاحتفاظ بالهوية الشعبية مع عدم الانكفاء على الذات، فحاضر الأحساء هو نفس ماضيها العريق، من الناحية الاجتماعية تجد الرباط موصولاً كما كان عليه منذ عشرات العقود، الزيارات، المساعدات، التعاون الجمعي، ومن الناحية التراثية، مازالت الأسواق والموروث الشعبي قائماً، وكلٌّ يعرف عن صديقه وقريبه ما لا يتوفر في كثير من المناطق اليوم، وحتى الذين وفدوا إلى الأحساء - بحكم الوظيفة - بقوا فيها بعد تقاعدهم من الخدمة، وهذا دليل قاطع على أنها أرض خير وعطاء، وإلهامها لأبنائها من الفنانين، تشكيلاً ورواية وشعراً وفنون شعبية يفوق العد والحصر، ففيها 150 شاعراً فقط في مجال الشعر، فما بالك بالفنون الأخرى، والأحساء بموقعها الجغرافي المتوسط بين دول الخليج العربي، وتشكيلة سكانها المشكّلة من أبناء هذه الدول، وماضيها التاريخي التجاري، جعل منها محط الأنظار للتركيبة السكانية التي ما تلبث أن تتجانس، كل تلك المقومات جعلت من الأحساء مهد حضارة على تعاقب السنين والأحداث، فمعظم شعراء المعلقات وأجودهم كانوا من البحرين (وهو الاسم المتعارف عليه تاريخياً) وبالتأكيد تركت هذه المنطقة تراثاً أدبياً بارزاً في الحضارة البشرية، وما أن جاء الباحثون في اللغة والشعر حتى وجدوا أمامهم كنوز الفكر والأدب في هذه الأرض الطيبة، من أمثال الدكتور عبد الستار الحلو، صاحب كتاب (شعراء هجر) وغيرهم، وكانت المدارس العلمية، ودور العلم القديمة، مثل مدرسة أبي بكر الملا، ومدرسة آل مبارك، وغيرها من دور العلم..

من خلال تجربتك في التحصيل الدراسي؛ ولأنك واصلت في هذا السلك العملي ومارست التدريس حتى المرحلة الجامعية.. ما انطباعك العام عن الحركة التعليمية النظامية في الأحساء خصوصاً ضمن انطلاقة نهضة التعليم النظامي في المملكة بشكل عام؟..

لم تختلف الأحساء في نهضتها العلمية الحديثة عن بقية أجزاء المملكة، فيما يتعلق بالمنهج الدراسي، لكن الاختلاف الذي لمسه كل من عمل في الأحساء أو درّس فيها كان في جهود أبنائها في النشاط اللاصفي، وهذا النشاط هو العصب الحيوي الذي خرج الكثير من الكتاب والفنانين وأصحاب الحرف، وأهل الأحساء من المشهورين بالحرف، حتى أن الدولة العثمانية كانت تعفي أبناء الأحساء ومكة من الخدمة العسكرية، فهم بحاجة إلى خدماتهم الحرفية أكثر من الخدمة العسكرية، ووجود عدد من المتعلمين في الأحساء فاق الكثير من مناطق المملكة، فمعظم الذين درّسوني في المراحل الأولية من الدراسة لم يكونوا من خريجي المدارس النظامية، لكنهم كانوا يحملون في داخلهم العلم بكل ما في الكلمة من معنى، وكان الإقبال على التعلم في الأحساء شديداً للغاية، أذكر أن أحد المفتشين، وهذا كان المسمى الوظيفي قديماً للموجه التربوي، كان يقول: الأحساء البلد الوحيد التي لم أجد فيها طفلاً يلعب في الشارع في وقت الدراسة، فنهضتها العلمية في اطّراد مستمر، وكثافتها السكانية تفوق كل منطقة..

منطقة الأحساء ومنطقة الساحل الشرقي عموماً - وهي ما تسمى قديماً البحرين - وُجد بها حركة علمية وفكرية وأدبية منذ القدم ولعل الكثير من المصادر قد تطرقت لهذا البعد في تاريخ المنطقة.. برأيك ما أهم معالم هذه الحركة العلمية والأدبية التي شكّلت الشخصية العامة للثقافة قديماً وما هي أبرز أشكالها وتنوعاتها على مسرح الواقع في منطقة الأحساء؟..

يجب أن نأخذ في الحسبان الظروف التي تتمتع بها كل منطقة، لنعرف السبب أو الأسباب التي جعلت هذه المنطقة تتفوق على غيرها، وقد اهتم الباحثون والمؤرخون بهذه المنطقة على امتداد سواحلها من سلطنة عمان إلى الكويت، وما زال الكثير من تراثها مطموراً تحت الأرض يترقب من يخرجه من سباته العميق، فقديماً كانت حضارة بني عبد القيس، وما تعاقب على المنطقة من الغزاة، كالبرتقاليين والفرس، إضافة إلى الحضارة العربية التي أنتجت أروع فنون الأدب، وحضارة جواثا، ودور أهلها في الإسلام معروف لكل من قرأ تاريخ هذه البلاد، كما أن المركز التجاري وموقعها قد هيأ لها الصدارة، والاختلاط بالكثير من الناس منح أهلها سبل التعامل مع الأحداث والمستجدات، لذلك أصبح الفرد يتعامل مع مختلف الثقافات بروح عصرها بدون تكلف ولا مشقة، وتجد على مسرح الواقع التعامل مع الفنون والآداب بثقة وقدرة، فتجد الفنان الذي لم يدخل أكاديمية، لكنه تعلم من المحيط الزاخر بالفنون الطبيعية، فالنخيل والمياه وهدوء البيئة يمنح الإنسان التأمل والتفكير، والإنسان لا يجد مشقة في طلب الثقافة وهي موجودة بين أفراد مجتمعه، فالمتاحف الشخصية تكثر في هذه المنطقة أكثر من غيرها، على سبيل المثال.. متحف الأستاذ إبراهيم الذرمان، الذي جمع تراثه بصفة شخصية، من كل مكان في الجزيرة العربية، وجلسات السمر الشعري، في كل مكان، والندوات الثقافية، مثل ندوة الشيخ أحمد المبارك، تقام كل يوم أحد في منزله، وهناك الكثير مما لا يتسع المقام لذكره.

أي متتبع لتاريخ شبه الجزيرة العربية.. وأي قارئ جاد لنشاطات الإنسان وفاعليته الحضارية وما يحمله من مبادئ وقيم وأفكار يجد على مسرح الواقع الاجتماعي - في المنطقة الشرقية من المملكة وفي بعض المناطق الأخرى أيضاً - ثنائيتين عَقَدَيتين وهما عقيدة السنة وعقيدة الشيعة، وقد تعايش أصحاب هاتين العقيدتين وامتزجا بروح وطنية واحدة خصوصاً في عهد المملكة العربية السعودية التي أخذت على عاتقها توحيد المجتمع في ظل الروح الوطنية.. وما جرى في تاريخ هذه المنطقة من خلافات بين الفئتين يعتبر حالة شاذة عن القاعدة وليست أصلاً وأساساً.. أي إن أي خلاف أو نزاع حصل في تاريخ مجتمع المنطقة بشقيه الشيعي والسني يعتبر خارجاً عن الروح الوطنية..  كيف تقرأ هذا الجانب الحيوي من خلال معايشتك لهذه الحالة سواء في الأحساء أو في أي منطقة أخرى من مناطق المملكة؟.. وما رأيك أليست التعددية وحرية المعتقد حقاً مشروعاً للإنسان المسلم؟.. أليس الانفتاح والحوار بين المذاهب هو الأجدى في سبيل التقارب والتعايش؟..

لقد عشت في منطقة تجمع هاتين الفئتين، ولم اكن أشعر أن هناك ما يفرق بينهما، لا سلباً ولا إيجاباً، وكدت أنسى هذا الفرق - إن كان هناك فرق - حتى يوم عاشوراء كان يوماً عادياً، نزور بعضنا البعض، ومنهم من تربّيت على يديه وهو يعمل في قريتنا، ولا أنسى الشيخ محمد الجلواح (عم الأديب الشاعر محمد الجلواح) كان من أعز أصدقاء أعمامي، وكان يحفظ الود لوالدي، ولي من الأصدقاء الكثير، منهم من لم يتغير إلى اليوم ومنهم من غيرته الظروف، فلم نكن نعرف التفرقة قبل 1979م، فهناك من تغير من الطرفين، وهناك من لم يتغير، ومنهم أنا، فمهما اختلف الطرفان فالمصدر واحد، وهذه أمة محمد- صلى الله عليه وسلم - وكلهم أهل قبلة واحدة، فما الداعي للاختلاف؟.. فما أراه (خلاف وليس اختلاف) وهذا لا يفسد للود قضية، لكن المشكلة بدأت من المبالغات في الشيء، والتعددية ظاهرة صحية في المجتمعات التي تعرف معنى الحوار، فليس كل من خالفني عدوي، ولربما يفتح الحوار آفاقاً لن يتأتى لها سبيل غيره، والإيمان بوجود الرأي الآخر حق مشروع لكل إنسان على وجه الأرض، شريطة أن لا يتعارض مع حرية الآخرين، ومن يعود إلى كتب الأئمة من الطرفين، لن يجد ما يخرج على تقاليد العقل والمنطق، فهذه طرق جانبية، وضعها الإنسان وهو الذي يمكنه أن يتراجع فيها تحت مظلة القناعة والعدل، وهو مطلب كل الناس، وقد ناقشت هذه الثنائية في روايتي الأخيرة [خطوات على جبال اليمن] بطرح فكري، يناقش أبعاد هذه التفرقة المصطنعة..

من خلال ارتباطك بالريف الأحسائي، ولأنك أبن إحدى قرى هذه الواحة الغنية وسبق أن كتبت بعض المقالات عن هذا الريف الجميل؛ وكما هو معروف أن الريف والكتابة عنه أصبح أحد عوالم النتاج الأدبي – والروائي بشكل أدق – في إبراز صورة المكان / الطبيعة / فطرة الإنسان / المجتمع الصغير.. كيف كانت نظرتك الأدبية للريف الأحسائي قبل اجتياح التطور العمراني وزحفه على الرقعة الجغرافية لكثير من القرى والأرياف وتغيير معالمها القديمة واختفاءها تدريجياً؟.. ونعلم ما للعصر والمدنية من تغيُّرات كثيرة وكبيرة على الإنسان الذي يجد نفسه قد انفصل تدريجياً عن مرحلة زمنية سابقة ليعيش مرحلة زمنية جديدة لها الكثير من المتناقضات، وقد كتب علماء النفس والاجتماع عن هذا الموضوع الشيء الكثير.. ما انطباعك؟..

ما تزال صورة الريف الأحسائي محفورة في ذاكرتي، وعندما أكتب اليوم أجتر أصداء الماضي في كل كتاباتي، ثلاثة عقود أو أكثر، وقد تنبّه الكثير من الدارسين لأعمالي إلى هذه النقطة الهامة، وذكروا إنني أكتب عن تلك العقود، فالريف يمثل لي الفضاء الروائي بكل معطياته، التاريخ، الإنسان، الطبيعة، الصفاء، وعندما أبدأ في الصيغة الفنية للعمل، أجد تلك الصور ماثلة أمامي بكل معطياتها، فـ " سوق الأربعاء " أحد الأسواق الشعبية في الأحساء منذ الجاهلية إلى اليوم، والناس يذهبون إليه للتسوق، بينما نقلته إلى القرية، فكل الشخصيات التي تتكلم في السوق هم أهل القرية، وهي شخصيات مركبة - بالطبع - فأنا لا أؤمن بالكتابة المباشرة، فكل ما يمكن أن يحدث في السوق تجده في القرية، فبدلاً من نقل الشخصية إلى السوق، تم نقل السوق إليها، و في (طائر بلا جناح) وهي روايتي الثانية، استخدمت الشخصية الريفية البريئة تهاجر إلى العالم الآخر للبحث عن الذات، وما تزال تتمسك بروح القرية وطيبة أهلها،وفي العمل الثالث (خطوات على جبال اليمن) استخدمت صنعاء المدينة التاريخية العريقة فضاء للحدث، والطبيعة اليمنية مجالاً للعطاء، فكل هذه الأحداث مستقاة من الريف الذي أوحى لي منذ الصغر بالتفكير والتأمل، ووجدت فيه القيمة التاريخية والفنية، وفي حياته العطاء اللامتناه، ولم أهمل التغيير الذي حدث عليه وعلى أهله، فكل أبطال أعمالي يعودون فيجدون التغير ثم يصابون بالخيبة مثل ما أنا أشعر به..

لقد نشأت وترعرعت في الأحساء إلا أنك التحقت بالسلك التعليمي خارجها لسنوات طويلة سواء داخل المملكة أو خارجها إلى أن استقر بك المقام في عاصمة المملكة.. الرياض.. ما هو برأيك أثر الأحساء كوطنٍ أم.. بكامل عطاءاته الحيوية والحضارية على شخصكم الكريم.. وبمعنى آخر.. أنت أحسائي المنشأ ولكن هل يصح أن نطلق عليك.. نجدي العطاء؟..

كانت بداية دراستي في الأحساء، وهي الركيزة الأولى التي بدأت منها، وبعد المرحلة المتوسطة التحقت بمعهد المعلمين الثانوي في الرياض لعدم وجود معهد للمعلمين في الأحساء في ذلك الوقت (1388هـ 1968م) ثم تخرجت فيه بعد ثلاث سنوات، مارست فيها التدريس في قرية " نخيلان " بالقرب من " القويعية " لمدة قصيرة جداً، حوالي شهر ونصف، وكانت تلك القرية تذكرني بقريتي فكنت سعيداً فيها، لكني نُقلت إلى الرياض، للتدريس في مدرسة عبد الله بن الزبير الابتدائية، ومن ثم حصلت على البعثة للتدريس في اليمن الشقيق، ودرّست سنة واحدة في المرحلة الابتدائية، وبعدها في المرحلة الإعدادية، بأمر من موجه اللغة العربية، وهنا شعرت بالنقص، فكل من يدرس معي في تلك المرحلة من الجامعيين، وأنا أحمل دبلوماً من معهد المعلمين، وقررت العودة إلى الرياض للالتحاق بالجامعة وإكمال دراستي التي تركتها في السنة الثانية في كلية الآداب، قسم اللغة العربية، وبالفعل عدت إلى الجامعة وتخرجت فيها، للتدريس في معهد اللغة العربية، وكنت السعودي الأول في هذا المعهد، وبعثت إلى المملكة المتحدة(بريطانيا) للدراسة في جامعة [ سانت أندروس ] في اسكوتلاندا، لكن الدراسة في تلك الجامعة لم تتوافق وميولي الدراسية، فكانت الدراسة في علم اللغة التطبيقي، الذي وجدت أن ما درسته في الدبلوم العالي في جامعة الملك سعود، بعد البكالريوس يفوقه بكثير، وحولت إلى جامعة [ جلاسكو Glasgow ] التي وجدت فيها رغبتي في دراسة الأدب الحديث على يدي العالم المستشرق، الأستاذ الدكتور جون ماتوك، أستاذ الأدب والنقد، ورئيس تحرير المجلة العالمية (مجلة الأدب العربي (JAL) Journal pf Arabic literature) فدرست على يديه النظرية الأدبية وعلى مجموعة من العلماء درست النظرية النقدية، في تلك الجامعة العريقة، ونلت منها درجة الدكتوراه، وعدت أدرس هذه المادة في الجامعة الأم التي تعودت عليها وعلى التعايش في جوّها، المرتبط دائماً بالجو الأول على حدّ قول الشاعر:

نقِّ فؤادك ما حييتَ منَ الهوى

ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأول

ولا فرق اليوم بين الأقاليم في ظل التوحد، وهناك وجه الشبة الكبير بين منطقة الأحساء ومنطقة نجد، فأنا وطني العطاء شرقي الهوى..

" سوق الأربعاء " هي إحدى رواياتك التي لم ترَ النور.. وتدور أحداثها في الأحساء..عمَّ تتحدث في هذا السوق عبر هذه الرواية؟..وما مصيرها؟.. وهل سترى النور؟.

هذه الرواية تتحدث عن المجتمع الأحسائي، من حيث المادة التاريخية والاجتماعية، بالطريقة الروائية وليست الطريقة السردية، ولم ترَ النورَ - فعلاً - لظروف تاريخية، وكان من المفترض أن تخرج قبل روايتي الأخيرة (خطوات على جبال اليمن) لكنها تأخرت إلى الآن، وأرجو أن ترى النور قريباً.

لك تجربة في التعليم باليمن وسبق أن أصدرت ثلاث روايات تدور بعض أحداثها انطلاقاً من مسرح ذلك المكان.. ما سر ارتباطك أدبياً وروائياً بدولة اليمن الشقيقة؟..

ما تدور أحداثه في اليمن روايتان، أما الأولى فتدور أحداثها في فضاء الأحساء، لكنها تجربة بدائية، لا تمثل إلا فترتها الزمنية، وسر الإرتباط باليمن يعود إلى أنني ذهبت إلى اليمن باكياً وعدت منها باكياً عليها، ففي اليمن (صنعاء) وجدت نفسي وكتبت الرواية لأول مرة في حياتي بالطريقة الصحيحة، كما يقول الدارسون، ذهبت إلى صنعاء هارباً من ظروف عاطفية لم استطع معها صبراً على البقاء، وهناك وجدت ضالتي في القراءة والبحث والمشاركة الكريمة في الصحافة اليمنية في جريدة " الثورة " و " المسرح الطلابي " ومازلت أحتفظ بخطابات الشكر من المسئولين اليمنيين، ووجدت عبق التاريخ العربي الذي قرأته في سنوات عمري المبكرة، وعندما خططت كتابة روايتي الجديدة، فكرت كثيراً في فضاء يمكنه استيعاب ما أريد قوله فيها، فوجدت اليمن المكان المناسب لاستيعاب هذه الأطروحات، التاريخية العقدية، الروحية، الاجتماعية، وغيرها.. فأنا أبحث عن الحركة الزمانية والمكانية الصالحة لتوظيف الحدث الروائي الجاد، الذي يقف القارئ الجاد عنده ويشحذ همة عقله للتفكير في ما يدور فيه، وليس الحدث العابر عبور الخبر اليومي، فإذا وظفت الحركة الزمانية والمكانية توظيفاً جيداً، أمكن الكاتب أن يوجد كل العناصر الهامة بكل يسر وسهولة..

من خلال تجربتك في التعليم الجامعي والإشراف على برامج التخرج ومناقشة الرسائل العلمية.. كيف ترى المشهد التعليمي الجامعي في المملكة عموماً؟..

المشهد التعليمي اليوم يمر بحالة تذبذب، وهناك من الطلاب من يستحق الشكر والتقدير على اهتمامه وجهده، وقد استطعت - والحمد لله - أن أكوّن حصيلة ثقافية من بين الكثير من الطلاب، وأغلبهم يدرسون مع أناس آخرين، لكنني أصبحت لهم بمثابة الأب الروحي، ولا يضيق صدري بطلباتهم، ومنهم من تولّيت الإشراف عليه، فوجدته في حالة ارتباك في البداية، لكن بعد فترة من الزمن تغير مستواه وتقدّم في دراسته، ولكن هؤلاء قلة بالقياس إلى أعداد الطلاب الجامعيين، وهنا من حصل على الدرجات الجامعية العليا وهو لا يستحقها، ويعود ذلك إلى البناء الثقافي الأول، وليس كل من يحمل مؤهلاً عالياً هو مؤهل، فالمشهد الثقافي بحاجة إلى إعادة النظر في كثير من الأمور يطول شرحها، والبناء يكون من أساسه..

انطلاقاً من تخصصك في الأدب السعودي وبالذات الرواية السعودية.. وهو موضوع رسالتك للدكتوراة.. ما هي برأيك أهم معالم المشهد الأدبي الروائي والقصصي خلال العقود القليلة الماضية وكيف تقيِّم لنا هذا المشهد في العصر الحاضر وبماذا تتنبأ له؟.. وبشكل خاص ماذا عن الجانب القصصي والروائي في منطقة الأحساء؟

المشهد الروائي ليس بالجديد على المملكة العربية السعودية، فقد بدأ مع بداية النهضة العربية، في الثلاثينيات من القرن العشرين، لكنه تراجع لأنه ظهر قبل وقته، فالمجتمع في حالة من الجهل لم يستوعب معها هذا الفن الراقي جداً، وكانت البداية تعليمية موجهة، فقد مرّ بأربع مراحل، البداية كانت تعليمية كما قلنا، والثانية فنية، والثالثة تحوّل من الفنية التقليدية إلى الفنية الناضجة، والرابعة تحول للتحوّل من الوصف الخالص إلى الطرح الفكري من خلال الزمان والمكان والمرور بالشخصيات،

المشهد الروائي تغلب عليه الكثرة في العدد، والقلة في النوع، فمن حيث القيمة الفنية نستطيع القول بأنه أخذ طريقه إلى العربية العالمية في بعض الأعمال، لكنه لم يثبت مثلما ثبت غيره في البلاد العربية الأخرى، والسبب ليس في المشهد الروائي نفسه، لكنه في الرأي العام الثقافي والمحلي، فالتوزيع ما يزال في بداياته الضعيفة، والمتلقي لم يفهم معنى الرواية، والكثير ممن سموا أنفسهم نقّاداً يجهلون معنى الرواية، وقد أثبتت الرواية في السعودية جدارتها عند بعض الروائيين أكثر من بعض الكتّاب في الوطن العربي..

في منطقة الأحساء الكثير من المثقفين، والروائيين، وكتّاب القصة القصيرة، الناجحين ولم يظهر على الساحة منهم إلا القليل، عند ناصر الجاسم، وبهية بوسبيت، وغيرهما من الكتاب، وقد التفتت الدراسات الأدبية إلى الرواية في الآونة الأخيرة، بعد أن خرج كتابي (الرواية في المملكة العربية السعودية، نشأتها وتطورها) حيث وجد الباحث مصدراً علمياً موثقاً يمكن الاعتماد عليه، فقد سجّل على الكتاب إلى الآن ثمان درجات ماجستير، وأربع درجات دكتوراه..

كلمة تحب أن توجهها لمجلة الواحة وقراء الواحة..

قد تكون كلمتي محل شك عند من يعرفونني، فأنا من المعجبين بمجلة " الواحة " منذ صدورها الأول، وأنا لا أعجب بشيء إلا وله سبب، فقد وجدت في مجلة " الواحة " كتاباً وليس مجلة، فهي من المجلات العلمية التي أتمنى في يوم من الأيام أن أجدها محكمة يعتمد عليها الباحثون في الدرجات العلمية، وهي كذلك، فلا أريد منها إلا أن تستمر على هذا النهج الصحيح، وأن تصلنا بانتظام، وأطلب من قرّائها الوقوف بجانبها ومساندتها، فالمبدع لا يساوي شيئاً من دون قرّائه، والمطبوعة كذلك، وأرجو لها ولقرّائها التقدم والعافية، وأرجو أن لا أكون قد أثقلت عليهم وعليها، فالكلام طويل والشجون أطول..

نشكر الدكتور سلطان بن سعد القحطاني على تجاوبه معنا وإثارة بعض التأملات حول بعض من تجاربه الشخصية ونتمنى له دوام التوفيق..

عضو هيئة التحرير
294633