في التعددية والحوار
قراءة في فكر الشيخ الصفار وآرئه
حسن حمادة * - 28 / 2 / 2011م - 2:57 م - العدد (21)

يطلق الكثيرون على عصرنا هذا عصر العولمة والإنترنت تارة والعلم والمعلومات تارة أخرى… إلخ كل ذلك بسبب هذه القفزة العلمية الهائلة وازدياد حالة الفضول لدى الإنسان للاطلاع على خبايا الكون والحياة والتعرف على الشعوب والقبائل الأخرى. فهل يصح لنا أن نجهل بعضنا وينغلق كل منا على مذهبه ومعتقداته دون سعة في الأفق والمعلومات عن الأديان والمذاهب الأخرى؟

أم ينبغي على كل داعٍ ومسؤول أن يسعى للمعرفة والاطلاع على الآخرين قبل إلقاء التهم جزافاً هنا وهناك؟ فالناس أعداء ما جهلوا.

وللأسف فإن ساحة المسلمين الفكرية تعاني من الجمود والتقوقع والإرهاب الفكري.

ونحن بحاجة إلى نهضة فكرية وثقافية تجديدية جريئة ترفع الأمة وترقى بها للانفتاح العلمي والتحرر الفكري والتنافس المعرفي الهادف لتعم الفائدة والاستفادة من إيجابيات كل المذاهب الإسلامية لتقديم صورة مشرقة عن الإسلام العظيم وبناء الحضارة المنشودة.

وعلى ضفاف نهر الدعوة نموذجان: نموذج العلماء المعصبون المتقوقعون (نقول العلماء) نعم فهم علماء ولكن لأنفسهم ومن حام حولهم ويتحمل فضاضتهم وغلظتهم، ونموذج العلماء المنفتحون الذين يبلغون الرسالة بالتي هي أحسن وبكل رحابة صدر وسعة أفق.

ولعلّ المطلع على حركة العلامة الشيخ (حسن موسى الصفار) الميدانية، والمتتبع لإنتاجاته الفكرية، والمستمع لخطاباته الجماهيرية، يلحظ أن التعددية والحوار سمتان بارزتان في طروحاته العملية والعلمية. فالشيخ الصفار عندما ينّظر لمطلب التعددية والحوار، سواءً كان ذلك في كتاباته أو عبر محاضراته، تجده يسعى بكل صدق وأمانة في سبيل ذلك. وهذا ما يؤكده الدكتور (محمد فتحي عثمان) عند تقديمه لكتاب (التعددية والحرية في الإسلام)، إذ يقول "وأشهد إنني استمعت إلى الشيخ المؤلف وهو الداعية الإسلامي الملتزم بأحكامه، فوجدته على خلاف كثير من الدعاة الملتزمين غفر الله لنا ولهم، يؤكد حقوق الإنسان وحريته باعتبارها نعم الله الكبرى وركن الإسلام الركين، وهو في عرضه للإسلام وشريعته في أصوله الثابتة الخالدة وفي القضايا الحادثة يبرز هذا الأصل الجوهري في رسالة الله للناس"[1] . ويضيف في مكان آخر قائلاً: "وهكذا سعدت بقراءة كتاب الشيخ الصفار كما سعدت بالاستماع إليه من قبل، صوت هادر في الدعوة للإسلام في هذا العصر، يؤكد حرية الإنسان وحق الآخرين ويدافع عن (التعددية) ويدين (الإرهاب الفكري)"[2] .

فحديث الشيخ (الصفار) عن (التعددية) ودفاعه المستميت عنها، تعد واحدة من المسائل، الواضحة والمحسومة في فكره، بل إنه - حسب رأي المرحوم الإمام الشيخ (محمد مهدي شمس الدين) - قد "شق طريقاً في مجال غير مطروق في الأبحاث الفقهية والفكرية الإسلامية"[3] . 

ولقد استطاع الشيخ (الصفار) من خلال طرحه المعتدل، ومعالجاته الموضوعية الواعية، واعتماده المنهج العلمي في البحث، وركونه قبل ذلك إلى كتاب الله (القرآن الكريم)، وسنة رسوله وعترته (صلى الله عليه وآله) أن يؤثر على قطاع واسع من أبناء المدرسة الإسلامية وغيرها. 

لذلك، لا غرابة في أن تحظى كتاباته التي عُنيت بهذا الجانب، بالقبول والاستحسان من عددٍ كبير من العلماء والمثقفين والكتّاب[4] . ولا غرابة في أن يصفه العلامة الكبير المحقق الشيخ (جعفر السبحاني) بقوله عنه بـ: "الأستاذ المجاهد والكاتب القدير"[5] . فالشيخ (الصفار) - كما يرى الدكتور محمد عبده يماني - "رجل من علماء المذهب الشيعي، الذين عُرفوا بالاعتدال والموضوعية، وممن عرفنا فيهم الحرص على الحوار الهادف، في معالجة القضايا الأساسية"[6] .

لا إكراه في الدين

ما أحوجنا في الساحة الإسلامية، لمثل هذا الصوت، خاصةً ونحن نلاحظ أن الصراعات المذهبية والطائفية تعصف بالمسلمين في عددٍ غير محدود من البلدان الإسلامية، وما مثال (أفغانستان وباكستان والجزائر)، وغيرهم عنا ببعيدٍ. فما أعظمها من مصيبةٍ، وما أفدحه من ذنبٍ، عندما يقتتل المسلم مع أخيه المسلم؛ لخلافٍ في الرؤية والموقف!! أو لخلافٍ في اجتهادٍ، أو عند إبداء وجهة نظرٍ قد تخالف المألوف السائد! وكأننا ندين بدينٍ غير الإسلام! نحن الذين نتلو قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ(البقرة: 256)، كما نردد قول الحق جلّ شأنه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ(هود: 118-119). نحن الذين نقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(سورة يونس: 99).

فالاختلاف في حياة البشر، أمرٌ فطري، وشيءٌ طبيعي، وهو بمثابة البديهيات التي لا تحتاج منا إلى إثراءٍ فقد كفينا عناء الحديث في هذا الجانب. وقد أشار الشيخ (الصفار) في أكثر من مكان إلى أن هناك آيات عديدة في القرآن الكريم تتحدث عن التنوع والتعدد في حياة البشر، رغماً من أنهم يتساوون في إنسانيتهم العامة، وفي خصائصهم الأولية المشتركة، فإنهم، في حقيقة الأمر، يتمايزون داخل المحيط البشري. وهذا التنوع إنما هو جزء من ظاهرة كونية، تشمل أصناف المخلوقات والكائنات؛ فمجرات الفضاء وكواكبه متنوعة، وعالم النبات يحتوي على ألوان وأشكال مختلفة، رغم وحدة التربة التي ينبت منها، والماء الذي يسقى به. يقول تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ(الأنفال: 141). 

فالتنوع ظاهرة في جميع المخلوقات من ملائكة، وبشر، وحيوانات، و...الخ[7] .

والغاية من وجود الاختلاف امتحان الإنسان في هذه الحياة الدنيا، فنحن مبتلون في ظل اختلافاتنا، لذا يتحتم علينا أن نعي الطريقة المثلى، التي ينبغي أن تحكم تعاملنا مع الآخرين.. الطريقة المثلى.. تلك الطريقة التي نستقيها من تدبرنا في آيات القرآن الكريم، الذي أنزل تبياناً لكل شيء، كما نستقيها من واقع حركة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي انطلق في حواره مع الآخر من منطلق: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ(سبأ: 24)، كما نلمحها أيضاً في موقف الإمام علي (عليه السلام) مع الخوارج الذين يمثلون جبهة المعارضة آنذاك، إذ لم يمنعهم عن مساجد الله، ولم يقطع عنهم الفيء، ولم يبدأهم بقتال؛ وإنما عاملهم كبقية المسلمين، وهم من هم!!

فالشيخ الصفار ولوعيه المبكر بأهمية إثراء الساحة الإسلامية بثقافة: التعددية، والحرية، والحوار، والتعايش في ظل التنوع، نراه قد قدّم الكثير من الكتابات والبحوث والمحاضرات، - بل والزيارات الميدانية - التي تنصب ضمن هذه المحاور، ومن كتبه في هذا الشأن، ما يلي:

1-التعددية والحرية في الإسلام: بحث حول حرية المعتقد وتعدد المذاهب. الطبعة الأولى، 1410هـ/1990م.

2-الوطن والمواطنة: الحقوق والواجبات. الطبعة الأولى، 1416هـ/1996م.

3-التنوع والتعايش: مدخل لتأسيس الشراكة للبناء الحضاري. الطبعة الأولى، 1417هـ/1997م.

4-التطلع للوحدة وواقع التجزئة في العالم الإسلامي. الطبعة الأولى، 1418هـ/1998م. 

ولم تخلُ كتاباته الأخرى عن الحديث في هذه المحاور المشار إليها، ففي كتابه (علماء الدين: قراءة في الأدوار والمهام) يعقد فصلاً بعنوان: علماء الدين ومسؤولية الوحدة، وآخر بعنوان: أخلاقيات الاختلاف العلمي...الخ.

"ولعل من أهم القضايا - كما يقول - التي يجب أن نستوضح رأي الإسلام ورؤيته حولها هي قضية الحرية، فهي روح الإنسان، وعمق إنسانيته، وهي أخطر وأهم امتحان يواجه الإسلاميين في هذا العصر.

فإذا كانوا يريدون تطبيق الإسلام وبناء الدولة والمجتمع على أساسه، فما هو موقفهم من الرأي الآخر والمعتقدات المخالفة؟ وضمن دائرة الإسلام هل هناك مجال للتعددية في الرأي والموقف؟ أم هو الرأي الواحد، والموقف المتفرد، ولا موقع لسواه؟

إن عصور التخلف المظلمة التي مرت على أُمتنا أعطت عن الإسلام صورة سلبية بأنه يدعو إلى الدكتاتورية والاستبداد، ويسمح بممارسة القمع والإرهاب! كما أن بعض الجهات والطروحات في الساحة الإسلامية، لا تزال إلى اليوم تصر على التَّفرد بالساحة، والاستبداد بالرأي، ولا تعترف بالرأي الآخر، ولا تحترم الموقف المغاير!!"[8] .

وللحقيقة أقول: إن الشيخ الصفار - حسب وجهة نظر المرحوم الإمام محمد مهدي شمس الدين – "قد وفق توفيقاً كبيراً في إثارة الأسئلة الصعبة في هذا الحقل، ووفق إلى حدٍ كبير في تقديم الإجابات الملائمة على هذه الأسئلة"[9] . 

ففي كتابه (التعددية والحرية في الإسلام)، أماط – الصفار - اللثام عن حقيقة مهمة، وهي أن "من يفرض دينه على الناس بالقوة والقهر إنما يعترف بفشل عقيدته وعجزها عن استقطاب النَّاس وإقناعهم، أو أنه يستغل الدين كستار وغطاء لعدوانه وتسلطه على الناس"[10] . 

فهو يرى أن الطريقة المثلى التي دعا إليها القرآن الكريم هي محاولة إقناع الآخرين بالتي هي أحسن، والتأثير عليهم إنما يكون بواسطة الحجة والبرهان بما يعتقده الإنسان أنه الحق؛ لا أن يفرض رأيه على الآخرين بالقسر والإكراه، فهذا دليل الفشل، واستشراء الجهل، وتنامي روح التسلط والظلم، وإعلان واضح وصريح يعبر عن فشل المعتقد، الذي ينهج مبدأ الإكراه؛ فالله جلّ شأنه لم يعطِ حق الإكراه لأحدٍ من عباده، حتى عباده المصطفين من الأنبياء والرسل لم تكن وظيفتهم تتعدى حدود التبليغ والتذكير والإنذار. بل إن الله سبحانه وتعالى خاطب نبيه الحبيب وخاتم رسله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكل صراحة ووضوح بقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ(21)لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ(الغاشية: 21-22) وأمره في موضع آخر بقوله:﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(النحل: 125)، فالأنبياء (عليهم السلام) كانت وظيفتهم التبليغ والتذكير، ولم يعطوا حق الفرض.

والأنبياء جميعاً ينهجون طريقة: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر(الكهف: 29). وغير ذلك من آيات قرآنية حريٌ بنا أن نتدبرها لتكون لنا نبراساً في الطريق.

ويكفي أن نعلم بأن القرآن الكريم يهتف بـ: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ(البقرة: 256)، كما يهتف بأن: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(الكافرون: 6). فأين نحن عن القرآن؟ وأين نحن عن تعاليمه؟ 

إذ "لا ينبغي للاختلاف الديني بين الناس أن يؤدي إلى الصراع والنزاع فالأصل في العلاقة بين أبناء البشر هو الانسجام والاحترام المتبادل"[11] .

ومن الأمور الجديرة بالتأمل أن الإسلام ينهى المسلم "عن جرح مشاعر أتباع الديانات حتى لو كانت وثنية، بسب مقدساتهم، لأن رد فعلهم الطبيعي سيكون سب مقدسات المسلمين"[12] : ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ(الأنعام:108).

في تدبره لهذه الآية، يقول الشيخ الصفار: إنها "تلفت أنظار المؤمنين إلى عدة حقائق يجب أن يأخذوها بعين الاعتبار في تعاملهم مع الآخرين:

1-إن كل أمة أو جماعة لها مبدأ فإنها تعتقد بقداسته وإن كان باطلاً في نظر الآخرين.

2-إن الدنيا دار حرية واختيار للإنسان وهو مسؤول أمام ربه غداً يوم القيامة، ولا يحق لأحد في الدنيا أن يفتش عقائد الناس ويحاكمهم على أديانهم، فذلك الأمر موكول لرب الخلق يوم الحساب.

3-إن أي فعل تجاه الآخرين يسبب ردّ فعل من نوعه وجنسه، فإذا كان المسلمون حريصين على احترام دينهم، ومقدساتهم فعليهم أن يحترموا أديان الآخرين ومقدّساتهم في ظاهر التعامل معهم وإلا فليتوقعوا الإهانة لمعتقداتهم حينما يسبّون معتقدات الآخرين"[13] .

هذه ملاحظات ورؤى قرآنية دقيقة - أحسن الصفار في التنبيه إليها - تُشخص حالة الإنسان والجماعات الضالة عندما يتعرضون لسبٍ أو تجريحٍ لما يظنون أنها الآلهة؛ فإذا كان القرآن ينهانا عن سب من يدعون من دون الله، فهل يقبل منا نحن أتباع الديانة الإسلامية أن نشتم ونسب بعضنا بعضاً؛ نتيجة قصورٍ أو جهلٍ أو عدم إطلاعٍ على أفكار الآخر الذي قد نختلف معه في الساحة الإسلامية؟

التنوع والتعايش

ضمن محاولاته الجريئة والناجحة على صعيد الساحة الفكرية والوطنية والإسلامية، حاول الشيخ (الصفار) أن يؤسس للتعايش كخيار لواقع التنوع والتعدد، الذي تشهده البلدان الإسلامية؛ لأن "أول خطوة تضعنا على طريق التنمية والتقدم، هي امتلاك إرادة التعايش والقدرة على تحقيقه. 

فإذا ما اعترفنا ببعضنا بعضاً، واحترم كل واحد منا الآخر، وأقر بشراكته ودوره، حينئذٍ يمكننا العمل معاً لتجاوز حالة التخلف العميق والانطلاق نحو أفق الحضارة الواسع"[14] .

ففي الكثير من بلداننا العربية والإسلامية توجد حالة من التعددية المذهبية والفكرية والسياسية، فلا ينبغي أن يفسح المجال في بلد من البلدان لاتجاه دون آخر أو لجماعة دون أخرى، فإن ذلك من أسباب الجمود والتخلف.

فمن الخطأ أن نعمم في مجتمع من المجتمعات ثقافة الاتجاه الواحد ونكمم الأفواه الأخر، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة الطحالب في المجرى وبالتالي تلوث (الأفكار) التي نتجرعها، والتي ربما تتسبب في هلاكنا.

ثم أن السماح للآراء المتعددة والمختلفة بالبروز في الساحة قد يؤدي إلى زيادة إطلاع الناس وإقبالهم على قراءة الأفكار الجديدة علهم يجدون فيها خلاصهم ونجاتهم؛ فالناس لن تقبل على آراء قديمة وبالية، أكل الدهر عليها.

وللأسف فإن"واقع التنافر والإحتراب الداخلي يعوق أي محاولة للنهوض والإقلاع فشعوبنا كسائر المجتمعات البشرية تتنوع ضمنها الاتجاهات وتتعدد الانتماءات، دينياً وقومياً وسياسياً، لكن مشكلتنا أن كل اتجاه أو انتماء يعيش القلق من الآخرين في محيطه، حيث تسود أجواءنا حالة الشك والارتياب تجاه بعضنا البعض، مما يدفع كل طرف للحذر من الآخر، والاستعداد لمواجهته، والعمل، على إضعافه، مما يحول بيننا وبين التعاون الجاد المخلص، بل ويوجه طاقاتنا نحو الهدم بدل البناء.

إن أذهاننا وأفكارنا مشغولة بمعاركنا الداخلية، وإن الجزء الأكبر من إمكانياتنا تستنزفه تلك المعارك. ومن الطبيعي أن يستفيد أعداؤنا من هذا الواقع السيئ، وأن يشجعوا حال التمزق والتشردم في مجتمعاتنا، لنستمر في الخضوع لهيمنتهم، وليأمنوا خروج المارد الإسلامي من قمقمه.

إن القوى المسيطرة في العالم لا تريد لنا السير على طريق التنمية والتقدم، لتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، بل تريدنا محتاجين إليها دائرين في عجلة اقتصادها.

فمتى سنتجه إلى معركتنا الحقيقية في ميدان التنمية، ما دمنا منشغلين بمعارك خلافاتنا المزمنة والزائفة؟ متى سنتصدى لأعدائنا الواقعيين، ما دمنا مستغرقين في العداوات الداخلية الوهمية؟"[15] .

فالتنوع والاختلاف.. من واقع الرؤية الإسلامية، - التي سعى الصفار لبلورتها - يعد: مظهراً للقدرة والحكمة الإلهيتين، وهو أمر مشروع، ويدعو الشيخ (الصفار) إلى أن يكون هذا التنوع دافعاً نحو التعارف والتواصل بين المجاميع البشرية المختلفة، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات: 13).

كما يدعو سماحته إلى أن يكون هذا التعارف في ظل تنافسٍ إيجابيٍ، فـ "القرآن الكريم يوجّه البشرية إلى أن تستفيد من واقع التنوع في إذكاء رو ح المنافسة الإيجابية، بأن تسعى كل جهة لبناء ذاتها، وأن تثبت تفوقها عبر ما تنجزه من أعمال الخير والصلاح، وما تحققه من عمارة للأرض وخدمة الحياة"[16] .

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (المطففين: 26).

فالمطلوب - حسبما يرى - التركيز على تقوية الذات، لا العمل على إضعاف الآخر.

وهناك شرطان أساسيان يضعهما - الصفار - يمكننا بهما تجاوز ما تفرزه حالة التنوع غالباً، من إشكاليات في التعاطي والتعايش، هما:

1- ضمان الحقوق والمصالح للأطراف المختلفة. 2- الاحترام المتبادل.

وعن ضمان الحقوق والمصالح للأطراف المختلفة، والتأكيد على الاحترام المتبادل، للأطراف الأخرى ضمن الدولة الإسلامية، يكفي الإنسان أن يطلع على الدستور السياسي التنظيمي لإدارة المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة، وكيف أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم ) وضع "دستوراً سياسياً تنظيمياً لإدارة المجتمع والدولة الإسلامية الناشئة، عرف بصحيفة المدينة. وقد تضمنت هذه الصحيفة الاعتراف بمواطنة غير المسلمين، وعضويتهم في تكوين المجتمع الجديد، وحدد الواجبات التي عليهم، والحقوق التي لهم، شأنهم في ذلك شأن باقي المواطنين المسلمين"[17] . 

وللوصول إلى زمن التعايش علينا نبذ التعصب السلبي المذموم، باعتبار أن التعصب ينقسم إلى قسمين، هما: "تعصب إيجابي وتعصب سلبي. والإيجابي منه: هو أن ينحاز الإنسان إلى فكرة ما أو جهة ما، نتيجة تفكير وبرهان. ويقصد بالتعصب السلبي: التفكير السيئ تجاه الآخرين دون وجود أدلة كافية، واتخاذ موقف عدائي تجاههم. فلا ضير في أن أتعصب لديني ولمذهبي دون أن أكون ضد الآخرين، أو أن يكون لديّ انطباع وتفكير سيئ تجاههم بلا دليل وبرهان، أو أن أمارس ممارسات عدوانية تجاههم فهذا تعصب سلبي ومذموم"[18] .

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "من كان في قلبه حبّة من خردل من عصبيّة، بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهليّة"[19] ، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "ليس منّا من دعا إلى عصبيّة، وليس منّا من قاتل على عصبيّة، وليس منّا من مات على عصبيّة"[20] .

فالتعايش هو الخيار الذي ينبغي أن نسعى جميعاً لصناعته ومعايشته؛ لأن محاولة الفرض والإلزام، لن تجدي نفعاً، كما أن حالة العداء والصراع، تدخل المجتمع في نفق الصراع الداخلي، والذي قد ينتهي إلى حرب أهلية، كما حصل في بعض البلدان، بالتالي لم يبقَ إلاّ خيار التعايش، "بأن يعترف كل طرف للآخر بحقه في التمسك بقناعاته ومعتقداته، وممارسة شعائره الدينية، والعمل وفق اجتهاداته المذهبية، ويتعامل الجميع كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات، متعاونين لتحقيق المصلحة العامة ومواجهة الأخطار المشتركة"[21] . 

ومسؤولية تحقيق هذا التعايش، في المجتمع الإسلامي تقع على عاتق الجميع، فـ"كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته"[22] ، كما جاء في الحديث النبوي الشريف. وبالدرجة الأولى يخص (الصفار) الحاكمين في البلاد الإسلامية، وعلماء الدين، ورجال الفكر والإعلام، وأخيراً، المواطنين الواعين؛ لأن الصراع والتناحر يهددان مستقبل الوطن، ويضران بمصلحة الشعب.

الحوار لغة التعامل

"للحوار دور كبير في توضيح صورة كلّ طرف أمام الطرف الآخر، وفي استجلاء حقيقة رأيه، وفهم أدلّته ومستنداته، كما قد يسهم في تجاوز الحساسيات والحواجز النفسية"[23] . 

هكذا هي رؤية الشيخ (الصفار) للحوار، وهو يعيب على الكثير من العلماء، عندما يتحول الاختلاف بينهم إلى مواقف نفسية أو شخصية تنبع من الحسد، وتؤدي إلى المقاطعة والهجران، وتتدرج حتى تصل إلى إساءة الظن ثمّ التفسيق، وربما التكفير في بعض الأحيان. 

فالاختلاف في الرأي، قد يؤدي أحياناً إلى قطع كل أواصر المودة والأخوة، التي يدعو إليها الدين، بالرغم من أن "الحقيقة يجب أن تكون هي الغاية التي ينشدها الإنسان فلا يرضى لنفسه إتباع الجهل والخطأ والوهم، وخاصة في مجال الديانة والمعتقد وهي القضية الأهم والأخطر، فلا بد أن يتصف الإنسان بالحذر والدقة، ويتسلح بالموضوعية والمنطق حتى لا يتخبط في متاهات الضلال والإنحراف"[24] . وعليه أن يعلم بأن الخيار الوحيد المتاح له "من أجل إقناع الغير...هو الحوار والمجادلة، أما العداوة والمخاصمة فإنها ليست عاجزة عن إقناع الطرف الآخر فحسب، بل ومن شأنها أن تحوله إلى عدو لدود، وعندما تنعكس المعادلة تنعكس النتيجة﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(فصلت: 34)"[25] .

والإسلام كما يرى الشيخ (الصفار) يحمل أبناءه المسؤولية في هداية الآخرين، والسعي في دعوتهم إلى إتباع الحق ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ(يونس: 32). ولا يكون ذلك؛ إلاّ بالحوار الهادئ البعيد عن التشنّج، والمناقشة الموضوعية الهادفة بعيداً عن الانفعال والتجريح، وكل ذلك ينبغي أن يكون تحت مظلة سقفٍ من الحرية، والاحترام المتبادل، "أما وسيلة إكتشاف الحق والتعرف عليه فهي العقل ولا غيره"[26] . ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا(الحج: 46).

ومن يرغب في إجراء الحوار مع الآخرين، فإن الإسلام يدفعه نحو ذلك ولكن ضمن ما ذكر من أمور. و "لكي تتجاوز شعوبنا حالة التنافر السائدة في علاقات فئاتها وتجمعاتها مع بعضها البعض، وتصل إلى مستوى الانفتاح والتواصل والتعاون، لا بد من إطلاق عملية حوار مفتوح جاد، يستهدف التعرف المباشر من كل جهة على الأخرى، بدل الاعتماد على المعلومات غير الدقيقة والشائعات والمواقف المسبقة، ويتوخى اكتشاف القواسم المشتركة، والتركيز على المصالح العليا للأمة، ومواجهة التحديات الخطيرة للمجتمع والوطن.

فبينما تفرض العولمة نفسها على الحياة، ويتحول العالم إلى قرية صغيرة واحدة، تتضاءل فيها تأثيرات الحدود الجغرافية والسياسية، لا يصح لنا أن نحافظ على هذه الحواجز والجدران المعززة بالعوازل، لكي تفصل بين أبناء هذه الأمة، تحت عناوين قومية أو مذهبية أو حزبية أو قبلية. 

ومن الملفت للنظر أن تكون خطوط الاتصال بين كل فئة منا والعالم اكثر منها مع أبناء محيطها وشركائها في الدين والوطن"[27] . 

ويؤكد الشيخ (الصفار) حقيقة هامة حينما يقول تحت عنوان: (القرآن مدرسة الحوار) بأنه "إذا كان ربنا العظيم سبحانه يدخل مع عباده الضعفاء الذين لا قيمة لهم ولا وجود لهم إلا بفضله ورحمته، يدخل معهم في حوار، ويجيب على إشكالاتهم وتساؤلاتهم، فهل يحق لأحد بعد ذلك أن يترفّع على النقاش أو يعتبر فوق التساؤلات والإشكالات؟

إن القرآن الحكيم وحينما يخصص مساحة وافية من آياته الكريمة للتحاور مع الرأي الآخر، إنما ليكون مدرسة للمسلمين والبشرية جميعاً، يتتلمذون من خلاله على أسلوب الحوار والتعامل الفكري والعقائدي بعيداً عن تبادل البطش والإرهاب..

لقد حاور القرآن الحكيم كل المخالفين لرسالات الله والمنكرين لوجوده تعالى فينقل آراءهم بأمانة وإن كانت تشتمل على أفكار باطلة أو عبارات بذيئة ثم يناقشها بموضوعية ووضوح ويردها بالأدلة والبراهين"[28] . 

أما عن معطيات الحوار، كما عدها الشيخ (الصفار)، فهي:

1- إن الإنسان بالحوار يتأكّد ويتحقّق من صحة رأيه وموقفه.

2-بالحور يقدّم الإنسان رأيه للآخرين، ويتعرف على آراء الآخرين.

3- الحوار هو الطريق الصحيح والأمثل للتبشير بالرأي والموقف الذي يؤمن به الإنسان[29] .

أخيراً، ومن خلال عرضنا الموجز؛ لمسألة التعددية والحوار، من واقع فكر الشيخ الصفار، ربما اتضح للقارئ الكريم شيء من الجهد الذي يبذله الشيخ ولا يزال، لتأصيل رؤية علمية إسلامية قرآنية، في سبيل مشروعه النبيل الداعي إلى التعددية في ظل الوحدة، والوحدة في ظل التعددية، باعتماد أسلوب الحوار وجعله لغة في التعامل؛ لتحقيق مطلب التعايش في مجتمع التنوع، وأحسبه قد قطع مشواراً كبيراً في مسيرته الشاقة هذه.. وهو عندي درسٌ في التعددية والحوار.

[1]  حسن الصفار. التعددية والحرية في الإسلام: بحث حول حرية المعتقد وتعدد المذاهب، ط2، (بيروت: دار المنهل، 1416هـ). ص 23.

[2]  نفس المصدر، ص 26.

[3]  نفس المصدر، ص 12.

[4]  انظر على سبيل المثال بعض ما كتب عن كتاباته وأفكاره حول الموضوع الذي نحن بصدده:

أ- غازي القصيبي. حسن الصفار والدعوة إلى الحوار، المجلة العربية، (السعودية)، ع273، شوال 1420هـ، ص 20-21.

ب- إدريس هاني. على طريق التنوع والتعايش رهانات التقدم والإنماء، مجلة الكلمة، (بيروت)، ع16، صيف 1418هـ. ص 138-144.

ج- حسن آل حمادة. الصفار والدعوة إلى التعايش، جريدة الحياة، (لندن)، ع 13633، 7ربيع الثاني 1421هـ/ 9تموز (يوليو) 2000م.

د- عبد الله الشباط. التنوع والتعايش، جريدة اليوم، (السعودية)، ع9918، 10 جمادى الأولى 1421هـ.

[5]  جعفر السبحاني. مفاهيم القرآن. ج7، ط1، (قم: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1412هـ ). ص5.

[6]  حسن الصفار. التنوع والتعايش: بحث في تأصيل الوحدة الاجتماعية والوطنية، ط1، (بيروت: دار الساقي، 1999م). ص 10. ضمن تقديم الدكتور (محمد عبده يماني) للكتاب.

[7]  انظر عرضنا لكتابه (التنوع والتعايش) في مجلة (قرطاس) الكويتية، ع(53)، يونيو2000، ص 18-20.

[8]  حسن الصفار. التعددية، مصدر سابق، ص 40-41.

[9]  نفس المصدر، ص 12.

([10[) نفس المصدر، ص 58.

[11]  حسن الصفار. التنوع والتعايش، مصدر سابق، ص 36.

[12]  نفس المصدر، ص 36.

[13]  حسن الصفار. التعددية، مصدر سابق، ص 84.

[14]  حسن الصفار. التنوع والتعايش، مصدر سابق، 15.

[15]  نفس المصدر، ص 16.

[16]  نفس المصدر، ص 47.

[17]  نفس المصدر، ص60.

[18]  حسن الصفار. كيف نواجه التعصب؟ (محاضرة)، ألقيت بالقطيف، في: حسينية العوامي، 12/ محرم/ 1420هـ. إضافةً لهذه المحاضرة، خصص الشيخ أربع محاضرات أخرى عنيت بالحديث عن التعصب، تحت العناوين التالية: (في معنى التعصب: 5/محرم/1420هـ)، و(الفكر بين المنهجية والتعصب: 6/محرم/1420هـ)، و(التعصب الديني: 8/محرم/1420هـ)، و(شخصية الإنسان بين الانشراح والتشنج: 9/محرم/1420هـ).

[19]  محمد الريشهري. ميزان الحكمة. ج5، ط2، (بيروت: مؤسسة دار الحديث الثقافيّة، 1419هـ). ص 1992.

[20]  نفس المصدر ونفس الصفحة.

[21]  حسن الصفار. التنوع والتعايش. مصدر سابق، ص 94.

[22]  محمد الريشهري. مصدر سابق. ج3، ص 1212.

[23]  حسن الصفار. علماء الدين: قراءة في الأدوار والمهام، ط1، (بيروت: دار الجديد، 1999م). ص 200.

[24]  حسن الصفار. التعددية، مصدر سابق، ص 91.

[25]  حسن الصفار. الخصومة في الدين: هل لها من مبرر؟ كلمة الجمعة - القطيف: مسجد الفتح، 30/رمضان/1420هـ.

[26]  نفس المصدر، ص 92.

[27]  حسن الصفار. ذوو الرأي ومسؤولية الحوار. كلمة الجمعة - القطيف: مسجد الفتح، 14/شوال/1420هـ.

[28]  نفس المصدر، ص 93.

[29]  حسن الصفار. علماء الدين: قراءة في الأدوار والمهام، مصدر سابق، ص 204-205.
كاتب وإعلامي - السعودية
305236