التجار البانيان في قطر
وتأثير أحوالهم على العلاقات مع بريطانيا
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 8:32 م - العدد (3)

 

اكتسب موضوع ممارسة التجارة في الخليج العربي من قبل الرعايا الانجليز، وبالخصوص الهندوس والبانيان، أهمية بالغة ومؤثرة في العلاقات السياسية العثمانية الإنجليزية من جهة، والعلاقات بين أمارات الخليج والسلطات البريطانية المحلية (سواء في المعتمديات أو في مقيمية بوشهر).

لم يكن موضوع البانيان، في الخليج، اقتصادياً بحتاً. فالمنافسة الإقتصادية وإن كانت موجودة، ولا قبل للتجار المحليين بها، نظراً لتفوق البانيان ودعم الإنجليز لرعاياهم سياسياً، والدفاع عن مصالحهم في المحافل إن تطلّب الأمر، فإنها لم تكن الموضوع الوحيد. بل هناك الموضوع السياسي، فالتواجد الإقتصادي بقدر ما يحقق من أرباح للرعايا وللحكومة البريطانية نفسها، فإنه يوفّر أجواءً مثالية للإختراق السياسي، أو لتعزيزه في مناطق خاضع للخصم.

ومن هنا اعتبرت الورقة الإقتصادية التي يمثلها البانيان ورقة سياسية، وغالباً ما تنظر السلطات المحلية العثمانية للتجار البانيان والهندوس بعين ملؤها الريبة والشك، باعتبارهم أدوات في لعبة سياسية كبيرة، تتعدّى حجم النشاط الإقتصادي الذي يزاولونه.

غير ان الجزء الفاقع في النشاط التجاري للبانيان، أو لنقل التجار الهنود في الجملة، والذين هم من الرعايا البريطانيين، هو منافستهم للقوى التجارية المحلية سواء لحكام الأمارات الساحلية، أو للتجار المحليين، وبالتالي كانوا عرضة للإنتقام بسبب إلحاحهم على البقاء والمنافسة، معتمدين على حماية حكوماتهم، التي عادة ما تتذرّع بـ (القانون الدولي) و (الإتفاقات التجارية) مع السلطات العثمانية، لكي تبقي رعاياها في مقدمة المسيطرين على التجارة المحلية.

وكما حدث لهم في القطيف، من معارضة وتضييق وزيادة الضرائب عليهم.. تعرض البانيان في أماكن اخرى الى عمليات مماثلة بغية تطفيشهم، وإبعادهم كلية عن المنافسة، كما حدث في البحرين وفي قطر وربما في امارات الساحل المتصالح.

ويبدو أن الرأي العام المحلي في الخليج، كان ناقماً على هؤلاء التجار، أو لنقل أن مشاعر عدم الإرتياح من قبل الجمهور قد دعمت مواقف المعارضين للبانيان، من جهة كونهم غير مسلمين، وبالتالي فهم نجس! (انظر الواحة العدد الثاني صفحة 8).

حول موضوع النشاط التجاري للبانيان في قطر، وصراعهم مع أميرها القوي الشيخ جاسم، اشارت (الواحة) في العدد الأول الى نتف من الأحداث (انظر الواحة العدد الأول ص 95).

وهنا نأتي الى بحث مفصل للموضوع، قد يستكمل لنا ـ بالإضافة الى بحث التجارة الهندية في القطيف ـ الصورة التي كانت عليها الأحوال التجارية في عموم منطقة الخليج، والصراع التجاري حولها، ودور البانيان في ذلك.

سنجد بالطبع انحيازاً بريطانياً مطلقاً لرعاياهم البانيان، وضد الشيخ جاسم، الذي لم يكن يفعل سوى الدفاع عن مصالحه ومصالح رعاياه، مقابل هجوم يراد له أن يكتسح المناطق غير الخاضعة للنفوذ السياسي البريطاني يكون في طليعته البانيان. وغني عن القول ان البحث يعتمد في مجمله على الوثائق البريطانية، وليس من المعقول ان يعبر محتواها عن رأي ومصالح غير بريطانية!

كان الإنجليز غاضبين على الشيخ جاسم حين جاء بالعثمانيين الى قطر، بعد أن سيطروا على الأحساء والقطيف عام 1871م، وكانوا في وضع نفسي جعلهم يبحثون عن أية مشكلة للإنتقام من الشيخ جاسم بالتحديد، لأنه كان من وجهة نظرهم وراء ذلك التدبير وليس والده.

في اكتوبر 1881، وقعت صدامات مع البانيان، الذين تعرضوا لمضايقات حسب قول السلطات البريطانية، التي بدأت بالبحث حول الأسلوب الذي يجب اتباعه للحصول على تعويض عن سوء معاملة الشيخ للرعايا الهنود البريطانيين المقيمين في البدع.

أما الأحداث التي وقعت في أكتوبر من عام 1881، فيصفها الكولونيل روس ـ المقيم في بوشهر ـ كما يلي:

"   .. لم يتصرف التجار الهنود (البانيان) تصرفاً سيئاً، ولا يوجد أي مبرر  لسوء معاملتهم، وحتى الادعاء بأن تكاليف حمايتهم باهظة هو ادعاء غير صادق. مما لا شك فيه أن جاسم راغب في التخلص من التجار الهنود جميعاً، لكني أعتقد بأن له دوافع أخرى غير دافع حب المال: فهو غير متأكد من مركزه ووضعه الآن لدى الحكومة البريطانية، وهو يرغب بلا شك في أن يخلص إلى نتائح من تتبعه ومراقبته للمسار الذي اتبعته السلطة البريطانية تجاه تحركاته. إذا رأى أننا نمتنع عن التصرف المباشر، فإنه سيعتبر نفسه آمناً في ظل الهيبة التركية وغض نظرها عن تصرفاته، وربما يزداد تطاوله على رعايانا، وقد يتجاهل مصالحنا ورغباتنا في مجالات أخرى وأكثر أهمية. جاسم يعي تماماً أن السؤال هو ما إذا كنا مانزال نعتبره حاكماً مستقلاً، أو مجرد حاكم (تركي) مستقل، أو في منزلة بين المنزلتين".

"   أخشى أن يرفض جاسم الآن تقديم التعويض المناسب، وأن يفضل تحمل نتائج ذلك أنى كانت. قد يبدو تقديم احتجاج إلى السلطات التركية ومطالبتها بتعويض ما، الطريق الأسهل، ولكن العيب فيه أنه، ومن تجاربنا السابقة مع الأتراك، لن يؤدي إلى أي نتيجة. والأكثر من هذا أن الحكومة البريطانية قد لا ترغب في الظروف الحالية أن تعترف صراحة بمركز جاسم بن محمد ووضع منطقة البدع. إن إحالة غير ناجحة وغير مثمرة للقضية إلى السلطات التركية ستزعج جاسم وتشجعه في الوقت نفسه على التمادي، بحيث أنه إذا ما تم تبني ذلك المسار، فسيكون من المرغوب فيه، في رأيي، أن تبلغ الحكومة التركية أنها إذا لم تتمكن من محاسبة جاسم بن محمد وتجعله يعتذر عن سلوكه تجاه الرعايا البريطانيين، فإن الحكومة البريطانية ستجد نفسها مضطرة لأخذ زمام الأمور بنفسها".

"   إلا أنه ارتؤي في نهاية الأمر أن هناك أساساً قوياً للافتراض بأنه إذا أمكن إفهام الشيخ بصورة لا لبس فيها أننا لن نأبه باحتمائه بالعلم العثماني، وأن عليه دفع التعويض، فإن ضرورة اللجوء إلى القوة لن تنشأ أصلاً".

لم ترحب وزارة الخارجية في لندن بهذا الأسلوب الذي اقترحته حكومة الهند، وذلك لأسباب ثلاثة. أولها، أن الحكومة البريطانية اعترفت عدة مرات بأن البدع خاضعة للسيادة التركية، وثانيها، أن الاقترح يعني أن بريطانيا بدأت تخرج وتنحرف عن سياسة عدم التدخل برَّاً (على اليابسة) في شؤون شيوخ الساحل العربي، وثالثها، أنه لم يكن من الحكمة "أن نتابع رعايانا الهنود البريطانيين ونلحق بهم في جميع أنحاء الدنيا، ونطالب بالتعويض عن مظلمات ارتكبت بحقهم في كل مكان، كبيرة كانت أم صغيرة، مستخدمين الحديد والنار".

ولكن كان هناك رأي آخر في وزارة الخارجية يقول إن علاقات بريطانيا بالشيوخ العرب في منطقة الخليج لم يكن لها مثيل في علاقات بريطانيا في أي مكان في العالم: فبريطانيا تدعي السلطة والسيطرة المطلقة على البحار هناك، ثم هي تمارس سياسة عدم التدخل في شؤون البر وعلى اليابسة.

من هنا ارتأى وزير الخارجية البريطانية أن تستمر السلطات البريطانية في اتباع هذه السياسة بقدر ما يتعلق الأمر بالخلافات الإقليمية بين الشيوخ، أما حين يقوم هؤلاء باضطهاد الرعايا البريطانيين والإساءة إليهم فإن الأمر يصبح مختلفاً تماماً: ورأى أن السماح بمثل هذا الوضع سيضعف إلى حد كبير من النفوذ الذي تمارسه بريطانيا في مجال القضاء على القرصنة في الخليج. وإذا ما اعترضت الحكومة التركية على تحركات وإجراءات نقوم بها لضرورتها، فإن الوضع يمكن أن يصبح صعباً، لكن كان من راي وزير الخارجية أن الأتراك ربما يفضلون أن يروا السلطات البريطانية تتخذ الإجراءات المطلوبة بدل أن تطالبهم بريطانيا باتخاذها.

وهكذا كان. في شهر يناير من عام 1882 توجهت السفينة الحربية "وودلارك" بقيادة الكابتن نيشام ( NEASHAM )  وبموجب أوامر صادرة عن المقيم البريطاني في الخليج، إلى البدع، وذلك بهدف جسّ نبض الشيخ جاسم حول مدى رغبته واستعداده لاعتبار الاتفاقية المعقودة بين الكولونيل بيلي ( PELLY )  وبين والده عام 1868 ما تزال قائمة وملزمة.

استقبل الشيخ جاسم الكابتن نيشام وأعرب له عن رغبته في تجديد الالتزام بالاتفاقية المذكورة، بعد تعديل بعض بنودها لتتفق مع متطلبات الظروف المتغيرة اليوم، كما أعرب عن رغبته الشديدة في التخلص من الأتراك الذين عبر عن عميق ندمه لسماحه لهم بدخول بلاده.

تأكيداً لهذا كتب الشيخ رسالة وجهها إلى المقيم البريطاني، الكولونيل روس، بتاريخ السابع عشر من فبراير 1882، فقام هذا بإبلاغ حكومة الهند بمضمونها وبنتائج زيارة الكابتن نيشام إلى البدع. أوصى الكولونيل روس بضرورة الحصول من الشيخ على تجديد رسمي للاتفاقية المعقودة عام 1868، بعد إدخال التعديلات التي تتطلبها الظروف المستجدة والمتغيرة. ولم يكن لدى روس أدنى شك في أن الشيخ جاسم راغب في الالتزام بجميع بنود الاتفاقية التي ما تزال قابلة للتطبيق والتنفيذ.

اعترضت حكومة الهند على هذه التوصية، وكتبت إلى المقيم يوم 28 ابريل 1882 تقول إنه من غير المرغوب فيه تعريض علاقاتها بالحكومة التركية لتعقيدات قد تنتج عن إقامة علاقات رسمية مع الشيخ جاسم، فمع أن الحكومة البريطانية لم تعترف أبداً بسيادة جلالة السلطان (العثماني) على البدع، فإن تلك السيادة قائمة هناك فعلاً وبحكم الأمر الواقع، ولم تعترض حكومة الهند ولا مسؤوليها على قيام تلك السيادة ولم يحتجّوا عليها. وقد لا يكون الشيخ  جاسم راغباً في الدخول طرفاً في اتفاقية كهذه ما لم تلتزم الحكومة البريطانية بتوفير الحماية له من الأتراك في حال اتخاذه أية إجراءات قد يجدها ضرورية كي يتمكن من الوفاء بالتزاماته. بناء على ذلك اقترحت حكومة الهند علىالكولونيل روس الاكتفاء بتفاهم شفهي غير مكتوب مع الشيخ، ينص علىالالتزام والتقيد، قدر الإمكان، ببنود اتفاقية عام 1868".

لكن سلوك الشيخ جاسم اللاحق جعل تطبيق السياسة التي ارتأتها حكومة الهند أمراً غير ممكن: ففي الثلاثين من يناير عام 1882، رد الشيخ جاسم على تحذير وجهه المقيم البريطاني إليه من مغبة "إساءة معاملة التجار الهنود المقيمين في البدع".. ردّ بقوله إن من الأفضل أن يرحل هؤلاء التجار إلى البحرين، وأنه لا يريدهم أن يبقوا في بلاده، لأنهم يتدخلون بصفقات اللؤلؤ التي يعقدها مواطنوه.

كرر الشيخ جاسم شكواه في رسالة أخرى مؤرخة في التاسع من مارس عام 1882، وهنا قرر الكولونيل روس انتداب منشىء المقيمية، ميرزا أبو القاسم، الخبير بقضايا الساحل العربي، للذهاب إلى البدع والبقاء هناك طالما دعت الحاجة، وذلك للاستماع إلى شكاوى الشيخ ضد التجار الهنود والتحقيق فيها، ولإزالة أسباب الاستياء التي يشعر بها الشيخ، وإقناعه بسحب اعتراضه على إقامة التجار الهنود في البدع لأغراض التجاره، وللحصول على وعد منه بالإنصاف في معاملتهم مستقبلاً.. وصل ميرزا إلى البدع في أواخر يونيو من عام 1882 فوجد التجار الهنود في حالة فزع شديد، وكأنهم سرب قطا أمام جمع  من الثعالب. جميع محاولات ميرزا لإقناع الشيخ جاسم بتغيير موقفه ذهبت أدراج الرياح. ادعى الشيخ أنه لا يكن للمقيم والحكومة البريطانية سوى أصدق مشاعر المودّة، ولكنه أصرَّ على ترحيل التجار الهنود (البانيان)، على أساس أنهم، أولاً يتدخلون في صفقاته التجاريّة الخاصة به، وثانياً أنهم يحملونه نفقات باهظة لحمايتهم، وهم يرفضون دفع تلك النفقات، وثالثاً لأنهم يسيئون السلوك والتصرف عموماً.

وصف ميرزا هذه الاتهامات بأنها محض افتراء، ومجرد ذرائع لتحاشي القول صراحة بأن التجار الهنود غير مرغوب فيهم لا لشيء سوى كونهم تجارا. وفي أوائل يوليو من العام نفسه، أصدر جاسم بلاغاً أعلن فيه تعيين ابنه خليفة زعيماً تطاع أوامره وتحال إليه جميع المطالب والشكاوى، وعلى الفور طالب خليفة التجار الهنود بدفع مبالغ نقدية، وما أن رفض هؤلاء الدفع حتى أغلقت محلاتهم بالقوّة وبموجب أوامر من جاسم نفسه. يبدو أن ما شجعه على تبني هذا الأسلوب هو الجرأة التي نفذت فيها إجراءات مماثلة عام 1881، وكذلك التقارير التي تلقاها من معتمده من بومباي الذي وصل إلى البدع في ذلك الوقت، والمتعلقة بما كان يجري في مصر. يقال إن هذا المعتمد أبلغ إلى جاسم أن "المصريين قتلوا أربعة سفراء يمثلون دولاً وحكومات أجنبية، من هؤلاء سفيرا فرنسا وانكلترة، وأن ثمانين ألف رجل قد ضموا الصفوف لمقاتلة الحكومات الأجنبية لأنهم (المصريين) لا يريدون أن يروا رعايا تلك الدول في بلادهم. وأما أنت يا جاسم، إن لم تر من الحكمة والفائدة أن يبقى الهنود في بلادك، فلا حرج عليك ولا ملزم لك في إبقائهم".

في العشرين من يوليو عام 1882 رست السفينة الحربية البريطانية "وودلارك" في مياه البدع. حينها كان حرس بني هاجر يطوقون التجار الهنود ويضربون حول بيوتهم حصاراً، وحال هؤلاء دون قيام أي اتصال بين الهنود وأهالي البلدة، وأشعروا الهنود أن حياتهم في خطر. في تلك الظروف، وبما أن الشيخ جاسم استمر في لقائه الأخير بميرزا أبو القاسم.. استمر في إصراره على إبعادهم من من بلاده، فقد قرر هؤلاء الرحيل احتجاجاً على تلك الإجراءات. سمح لهم بنقل بضائعهم في قوارب محلية بينما بقيت السفينة "وودلارك" راسية خارج الميناء، ثم غادرت تلك المياه يوم 22 يوليو من عام 1882. وقد رحل ميرزا أبو القاسم على متنها أيضاً حيث عامله الشيخ جاسم معاملة فظة، كما تعرض لتهديد باستخدام العنف ضده.

حين كتب الشيخ جاسم رسالته إلى المعتمدية بعد ذلك، اتهم جاسم ميرزا بعدم الإنصاف، وادعى أن رحيل التجار الهنود (البانيان) كان بناءً على رغبتهم الطوعية. لكن المعتمد (ميرزا ؟) وصف هذه الأقوال بأنها "خادعة مضلله". وأضاف أن الشيخ كان، في الواقع "يتخيل أن صلاته بالأتراك ستحميه من العواقب".

وقد أشارت دلائل وظروف عدة إلى أن تلك الصلة بين جاسم والعثمانيين أصبحت أكثر وثوقاً مما كانت عليه في الماضي، إذ وصل في الحادي عشر من يوليو قاض (تركي) إلى البدع، ممثلاً للحكومة التركية، للإقامة هناك والقيام بمهام القاضي، غير أن تعليماته كانت تقضي بأن "يتصرف حسب مشيئة جاسم ورغبته"، وقيل يومها إن حاكم (متصرف) الأحساء، ما أن علم بأخبار إساءة معاملة الرعايا البريطانيين حتى بعث باحتجاجاته إلى الشيخ، ولكن دونما طائل أو نتيجة.

كان الكولونيل روس، المقيم البريطاني في الخليج في ذلك الوقت، قد بدأ رحلة إلى انكلترة لقضاء عطلته هناك حين وصلته أخبار هذه العمليات. قرر العودة إلى بوشهر على الفور، وفي الثاني والعشرين من أغسطس 1882 أرسل إلى حكومة الهند تقريراً أبلغها فيه بما حدث، وبآرائه بالنسبة للخطوات التي ينبغي اتخاذها. بعد استعرض العلاقة البريطانية بالبدع واوضاع التجار الهنود حتى زيارة ميرزا أبو القاسم للبدع، قال الكولونيل روس في تقريره:

"   كنت آمل، وبقوة، أن نتوصل إلى اتفاقية ولو مؤقته مع الشيخ جاسم، وقد أدهشني الموقف الذي تبناه. كنا على علم بأن اعتراضه على وجود التجار الهنود إنما ينبع دفاعاً عن مصالحه، فهو شخصياً تاجر لؤلؤ، ويرغب في تأمين نوع من الاحتكار القطري المحلي لهذه التجارة، وهو ما كان التجار الهنود يفسدونه عليه. فكان من المتوقع، إذن، الاّ يستسلم على الفور، لكن الطريقة المفاجئة والعنيفة التي طرد بها الهندوكيين، على الرغم من الإنذار البريطاني الذي وجه إليه، لا يمكن تفسيره سوى أنه تحدٍ من نوع ما، لإدارة الحكومة التي يعد هؤلاء الهنود من رعاياها. يبدو أنه واقع تحت تأثير وتشجيع مستشارين سيئين قالوا له إن الأوربيين يطردون من مصر، وأن صلاته بالحكومة التركية ستحميه من العواقب. ثم إنني أدرك أنه منزعج من السلطة البريطانية لأنني رفضت السماح له بالاستيلاء على العديد، إضافة إلى مسائل أخرى.

"   ..إن طرد التجار الهندوكيين من البدع، والتدخل المفاجىء في نشاطهم التجاري قد كبدهم خسائر يقدرونها هم بخمسين ألف روبية. ربما أمكن تخفيض هذا المبلغ بعض الشيء، لكن يمكن اعتبار الرقم ممثلاً أو معبراً عن المبالغ التي يمكن أن تطالب الحكومة البريطانية الشيخ جاسم بدفعها تعويضاً عن هذه الخسائر. لقد تأكد أن التهم التي يوجهها جاسم إلى التجار الهنود لا اساس لها من الصحة، وليس لسكان البدع أية شكاوى من وجود هؤلاء التجار".

"   في تعاملي مع الشيخ جاسم حرصت دائماً وبإصرار علىالتحلي بأعظم الصبر، وبذلت كل جهد ممكن إحلال التفاهم والاتفاق، لكن مواصلة مثل هذه الجهود الآن سيكون بلا جدوى، بل ومضراً بالمصالح. الشيخ جاسم مصمم تصميماً قاطعاً على إبقاء التجار الهندوس خارج البدع. وقد أبلغ بما لا يدع مجالاً للشك لديه بأن مثل هذا السلوك سيعتبر موقفاً غير ودي، وأنه يتحمل كامل المسؤولية المباشرة عن انتهاك الحقوق البريطانية. اسمحو لي بأن أبين هنا أن مسألة حق التجار في الإقامة في البدع لم تعد قابلة للتأجيل. وهي مسألة كبيرة الأهمية بالنسبة للخليج الفارسي. يعتبر جاسم من الزعماء العرب المستقلين داخل نطاق النفوذ البريطاني الأوسع، ولاحاجة لأن أبرهن بالحجّة مدى الإضرار والأذى الذي سيلحق بنفوذنا الحق العادل والشامل إن نحن سمحنا لجاسم بأن يفعل ما يريد. فقد يحذو زعماء آخرون حذوه فيمارسون تكتيكات مشابهة، كما أن وضع رعايانا من التجار سيتعرض للتهديد والخطر في موانىء أخرى. وإذا كان علينا، مرة أخرى، أن نعتبر البدع إقليماً تركياً فإن لتجارنا الحق، بموحب المعاهدة، بأن يقيموا هناك".

وينهي روس تقريره بتوصية مفادها أن منتصف أكتوبر 1882 هو الوقت المناسب لتوجيه ضربة موجعة للشيخ جاسم، علماً بأن "العلم التركي سيكون مرفوعاً على الحصون والمباني والسفن الراسية في البدع".

أما المطالب المحدودة التي اقرح الكولونيل روس تقديمها للشيخ جاسم فكانت: أولاً، التعويض عن الخسائر التي تكبدها التجار الهنود البريطانيون نتيجة تحركاته وإجراءاته، وثانياً، السماح لحريّة دخول التجار إلى البدع مستقبلاً، وثالثاً: تقديم اعتذار عن سلوكه. وإذا ما امتنع عن تنفيذ هذه المطالب، تخول السفن البريطانية الحربية صلاحية استخدام القوّة ضده.

وافقت حكومة الهند، ووزارة شؤون الهند في الوزارة البريطانية على اقتراحات الكولونيل روس على أن تتحاشى السفن البريطانية الاصطدام المباشر بالجنود الأتراك في البدع. ومن المؤكد أن علاقات الحكومة البريطانية بتركيا بخصوص مصر جعلت تلك الفرصة غير مناسبة لعمليات عسكرية سيعتبرها السلطان بلا شك تدخلاً بشؤونه وانتهاكاً لسيادته. وفي محاولة أخيرة لتجنب استخدام القوّة أجلت العملية حتى مطلع نوفمبر 1882، وفي التاسع من ذلك الشهر وصلت من الكولونيل روس برقية تحمل تاريخ السابع من نوفمبر وتفيد بما يلي:

"    تمّت موافقة الشيخ جاسم على المطالب المقدمة له دون اللجوء إلى استخدام إجراءات شديدة. خفضت التعويضات النقدية إلى ثمانية آلاف روبية، أي ما يعادل الخسائر الفعلية فقط التي تكبدها التجار. حذفت جميع المطالبات غير المباشرة. وتمت استعادة المبلغ المذكور".

ولكن كيف نجح الكولونيل روس في تحقيق هذا الحل بدون لجوء إلى القوة ؟ الجواب يكمن في التفاصيل التالية:

في الخامس والعشرين من أغسطس 1882 أرسل الشيخ جاسم رسالة إلىالكولونيل روس قال فيها إن بالإمكان حل المعضلة عن طريق عودة التجار الهنود (البانيان) وهو اقتراح رأى المقيم أنه جاء متأخراً بعد فوات الأوان بحيث لم يعد بالإمكان قبوله، إلا إذا دفعت التعويضات ودفعت المظالم الناتجة عن الخسائر التي تكبدها التجار.

كما تلقى المقيم رسائل لاحقة أخرى من الشيخ جاسم، ولكن المقيم لم يجد فيها أو في مضمونها الأساسي ما هو صادق أو مخلص. ولم يجد المقيم في رسائل الشيخ ما يوحي باستعادة لتقويم تعويض ملموس عن المعاملة المؤذية للتجار الهنود، وتوصل إلى النتيجة القائلة بأنه لا يمكن تحصيلها منه إلا بالقوة.

وفي السادس من نوفمبر 1882 تلقى الكولونيل روس برقية من حكومة الهند تقول إن حكومة صاحبة الجلالة قررت التعامل مباشرة مع الشيخ عن طريق استخدام القوة إذا ثبت أن ذلك بالغ الضرورة. خولت البرقية الكولونيل روس صلاحية مطالبة الشيخ جاسم بالموافقة على مطالب الحكومة البريطانية حسب البنود:

1- دفع تعويضات عن الخسائر التي تكبدها التجار بغير وجه حق.

2- عودة التجار إلى البدع وإطلاق حرية الإقامة فيها مستقبلاً.

3- تقديم اعتذار مناسب إلى الحكومة البريطانية عن سوء المعاملة والطرد التعسفي.

وفي حال رفض هذه المطالب أو المماطلة في تنفيذها، خولت الحكومة البريطانية الكولونيل روس صلاحية مرافقة السفن الحربية البريطانية إلى البدع لاتخاذ ما يراه ضرورياً من إجراءات.

في الخامس عشر من نوفمبر كتب وزير الخارجية البريطانية معلقاً على التعليمات الصادرة إلى الكولونيل روس:

"   طلب مني أن أعلمكم بأن سعادة نائب الملك (على الهند) راغب اشدّ الرغبة في ألاّ تلزم الحكومة البريطانية بتقديم الدعم غير المحدود وغير المشروط لجميع المطالب التي تقدم التجار الهنود بها. فهم (البانيان) كطبقة، مشهورون وذوو سمعة سيئة كفئة تتقدم بمطالب غير معقولة وغير منطقية، وتستغل مركزها ومنزلتها كرعايا بريطانيين أبشع استغلال. هم طبعاً أصحاب حق في الحماية، ولهم أيضاً حق المطالبة بتعويض معقول حين يتعرضون للاضطهاد وسوء المعاملة. لكن حتى في المناطق البريطانية لا تنفذ المحاكم مطالب مثل هؤلاء الأشخاص تنفيذاً كاملاً، ولا بطريقة آلية، وعندما يختار هؤلاء البانيان، سعياً وراء الأرباح الطائلة، أن تتعرض مصالحهم لمخاطر حتمية في سعيهم للتجارة في البلدان غير المتحضرة (؟!) فلا يستحسن أن يوفر لهم دعم الحكومة البريطانية بدون تحفظ أو بدون دراسة متفحصة لادعاءاتهم، حين تنشب الخلافات بينهم وبين الحكام الأجانب. وإن الحاكم العام لعلى ثقة من أنك ستتفهم عدالة هذا الرأي، وأنك ستكون قادراً على تجنب أي مظهر من مظاهر الإنحياز لطرف معين في تعاملك مع جاسم بن ثاني أو الظهور بمظهر التدخل بحقوقه أو انتهاكها".

ويختتم وزير الخارجية رسالته بقوله "إن الوضع الناشئ لا بد وأن يوفر الفرصة الملائمة للكولونيل روس كي يتوصل إلى تفاهم مع الشيخ جاسم بخصوص الإلتزام باتفاقية عام 1868".

بناءً على هذه التعليمات أرسل المقيم البريطاني رسالة إلى الشيخ جاسم مؤرخة في الرابع عشر من نوفمبر، حملها إلى الشيخ شخص يدعى آغا محمد رحيم، وهو على علاقة وطيدة به. أما الرسالة فقد خاطب المقيم الشيخ من خلالها قائلاً:

"   في رسالتكم المؤرخة في العاشر من شوال، أخبرتموني أن التجارالهنود يمكنهم العودة إلى البدع إذا كانت تلك رغبتي. وقد أمرت بأن أعرب عن رضا حكومتي عن هذا العرض، ولكن أمرت أن أبين، بما أن فترة العمليات التجارية التي يقوم بها رعاياها الهنود قد مضت، فإن العرض جاء متأخراً بحيث لا يمكنهم الاستفاده منه، وبما أن طردهم من البدع كبدهم خسائر كبيرة، فإن هذا العرض غير كاف بحد ذاته لتلبية رغبات سعادة نائب الملك والحاكم العام للهند، الذي يطلب تنفيذ البنود والشروط التالي تفصيلها:

أولاً: دفع تعويض عادل عن الخسائر التي لحقت بالتجار البريطانيين الهنود نتيجة طردهم التعسفي من أراضيكم.

ثانياً: أن تقوموا بترتيب عودة هؤلاء التجار إلى البدع، والسماح لهم بدخولها والاقامة فيها بحرية في المستقبل، ومعاملتهم معاملة حسنة كتلك التي يوفرها (الشيوخ) الأصدقاء، والتي نتوقعها منهم.

ثالثاً: أن تعرب، من خلالي، إلى حكومة الهند عن اعتذارك".

"   إنني إذ أوجه إليك هذه المطالب، استطيع أن أؤكد لك أن الدافع الذي يحدو بالحكومة البريطانية إلى تقديم هذه المطالب ليس إلاّ عزمها وتصميمها على حماية الحقوق العادلة لرعاياها، وهي في الوقت نفسه، راغبة في استمرار العلاقات الوديّة التي نشات بين أجدادك وبين الحكومة البريطانية. ولكن ينبغي عليّ أن أؤكد لك أن قرارات الحكومة رغم اعتدالها وعدالتها وإنصافها، هي قرارات حازمه، وأن أي مماطلة أو رفض لهذه المطالب سيؤدي إلى عواقب لا أرضى، أنا صديقك، لك بها".

"   لقد حاولت وسعيت دائماً إلى تعزيز علاقات الصداقة بيننا، من باب الاحترام الذي أكنه لوالدك، ومن باب الصداقة الشخصية التي نمت بيننا حين زرت مضرب خيامك في زباره، وهي صداقة كنت آمل أن تتطور وتتحسن. لكنك تذكر بلا شك أنني أخبرتك قبل عدة أشهر أن إساءة معاملة الرعايا الهنود البريطانيين وطردهم التعسفي من بلادك ستكون تصرفات لا تتفق وعلاقات الصداقة، فجميع الحكومات الصديقة والزعماء الأصدقاء في جميع أنحاء العالم يسمحون للتجار البريطانيين بالقدوم والرحيل وممارسة نشاطهم التجاري في أراضيهم، وتلقي الحماية المستحقة والكافية. ولقد أرسلت مندوباً ليوضح هذه الأمور لك شخصياً، وقد أصابتني دهشة عظيمة حين علمت أنك لم تأبه لنصحي، وعاملت مندوبي معاملة فظة. إذا تدخل التجار الهنود في نشاطك التجاري، فإنك لا تستطيع أن تتوقع أن تعتبر الحكومة البريطانية ذلك سبباً كافياً ومبرراً لطردهم، أو رفض السماح لهم بالدخول (إلى البدع) إذ إن الحكومة (البريطانية) تعتبرك شيخاً وزعيماً وحاكماً للبدع. لن يرفض دفع نفقات حماية التجار البانيان إذا كانت معقولة، ولكن يجب أن يكون ذلك بموافقتي، وألاّ يبالغ في هذه النفقات".

مع هذه حمل آغا محمد رحيم تعليمات تقضي بأن يوضح للشيخ جاسم تفاصيل التعويضات المالية التي خفضت إلى ثمانية آلاف وتسعة وأربعين روبية، بحيث تغطي فقط الخسائر المباشرة والفعلية التي تكبدها الهندوس.

خلاصة النقطة الاساسية التي تركز عليها الحوار بين آغا محمد رحيم والشيخ جاسم كانت أن الشيخ لم يكن يمانع في الاعتذار، وانه كان مستعداً لاستقبال التجار الهنود العائدين، لكن بشروط غير مواتية، لكنه رفض دفع التعويضات ما لم يعد التجار الهنود ويثبتوا حقهم فيها.

أثناء الحديث قال جاسم: اذا مورس الضغط والقوة ضدي، فسأكون مضطراً لأن أتحرك على رأس عشرة آلاف مقاتل الى البحرين، وأفتك بجميع التجار الهنود البانيان. فعلق المندوب البريطاني آغا محمد رحيم قائلاً: ها انت تحلم بأنك صرت "عرابي باشا الثاني" عندها ردّ الشيخ جاسم بقوله: "أنا العرابيان معاً" ثم غادر المكان.

في أعقاب فشل مهمة محمد رحيم، تحرك المقيم إلى البدع، ترافقه السفينتان الحربيتان البريطانيتان: وودلارك، والعربي، فوصلها في الأول من نوفمبر 1882. ما أن ظهرت السفينتان الحربيتان حتى رفع العلم التركي على المقيمية التركية.

بعد رسو السفينتين في مياه البدع أرسل الكولونيل روس رسالة إلى الشيخ جاسم، صاغها بأسلوب بالغ اللياقة والملاحظة والرغبة في المصالحة، مع الإصرار على وجوب دفع التعويضات المطلوبة على الفور، وتقديم ضمان معاملة وديّة ولطيفة للتجار الهندوس في المستقبل.

في الرسالة التالية المؤرخة في السابع من ديسمبر 1882 يصف الكولونيل روس ما جرى بعد ذلك فيقول:

"   أرسل الشيخ جاسم الشيخ علي بن رشيد، شيخ الوكره، حاملاً رده على الرسالة، مع رسالة شفهية مفادها أن جاسم يرغب في مقابلتي على الشاطئ. أخبرني الشيخ علي بن رشيد أنه يرى أن زيارتي للشيخ جاسم بطريقة وديّة ستسهل عليه قبول الشروط، وإلا فإن الشيخ جاسم بقدر من الذاتية والعناد قد يدفعه إلى ركوب جمله والرحيل من البدع. بدا لي أن أفضل فرصة لتحقيق تسوية وديّة إنما تكمن في نزولي إلى البر ومقابلة جاسم، وهكذا قررت أن أفعل ذلك. من المعتاد أن يزور شيوخ القرى المقيم على ظهر سفينته، ولكني كنت على يقين من أن موقف جاسم المرتاب والمتشكك لن يسمح له بالصعود إلى ظهر السفينة".

"   في الثالث من نوفمبر، نزلت إلى البر وبرفقتي الكابتن نيشام والسيد آ. ر. حكيم خان باهادور، وتوجهنا إلى منزل جاسم فاستقبلنا بأدب وود ظاهر، وبعد تبادل الحديث حول مواضيع عامة، انتقلنا إلى غرفة في الطابق الأعلى، وبدأنا نقاش موضوع الشكاوى المرفوعة ضده. سألني إن كان لدي من الصبر ما يكفي لسماع كل ما يريد قوله، فقلت له إن تلك كانت رغبتي ونيتي. قال إنه بعد سماعي لإيضاحاته، سيفعل ما أقرره، إلا أن أقواله لم يكن فيها ما يضع سلوكه وموقفه تحت ضوء أكثر إيجابية.

فقد راح يكرر تأكيداته السابقة القائلة بأنه يطرد التجار الهنود طرداً جماعياً وتعسفياً، وليس مسؤولاً بأية حال، عن خسائرهم. بعد سماعي لكل ما أراد أن يقوله، أبلغته بأنني لا أرى سبباً يدفعني إلى تغيير رأيي بخصوص تواطئة، وأعربت عن أملي في أن يُسوي المسالة بطريقة ودية، وذلك بأن يدفع التعويضات المعتدلة جداً التي طلبت منه. ولما وجدت أنه مازال يرفض بإصرار حول هذه النقطة، قلت له إنني آسف جداً، لكن لم يعد لدي ما أقوله ولذا فأنا أستأذن بالرحيل. عندها طلب الشيخ جاسم مني أن انتظر حتى يؤدي صلاته، وأستمع أنا إلى ما يريد وزيره محمد بن عبد الوهاب أن يقوله لي. لقد قام هذا الرجل بدور المستشار والناصح الشرير لجاسم، وهو مسؤول إلى حد ما عن الأمور السيئة التي وقعت. اقترح عليّ تعويضات أقل بكثير من المطلوب، فصعدت إلى السفينة وبرفقتي الكابتن نيشام، تاركين وراءنا المساعد  المحلي (العربي) والمنشئ ليكمل المفاوضات. في مساء ذلك اليوم حضر محمد بن عبد الوهاب، وبعد أخذ ورد عرض أن يدفع ألفي روبية نقداً، وأن يقدم ضمانات بدفع باقي المبلغ الذي نطلبه. نظراً للثروة الطائلة التي يملكها الشيخ جاسم ووزيره، وجدت العرض تافهاً وغير مبرر، لكن، ورغبة في تسهيل الأمور قدر المستطاع، أبلغت محمد بن عبد الوهاب أنه إذا أحضر ألفي روبية نقداً صباح اليوم التالي، وقدم ضمانات كافية ومرضية، فسأقبل عرضه. في الوقت نفسه، أفهمته بما لا يقبل الشك بأنه إن لم يحضر المال إلى السفينة في الوقت المحدد فسأعود إلى المطالبة بدفع كامل المبلغ عداً ونقداً".

"   وبالفعل حضر محمد بن عبد الوهاب صبيحة الرابع من نوفمبر إلى السفينة ولكن بلا مال، مما اضطر الكولونيل روس إلى أن يغير من لهجته ويلجأ إلى التهديد باتخاذ إجراءات قسريّة. نقلت هذه المطالب إلى جاسم على صورة مذكرة هذا نصها:

"   بعد التحية.. لما كنت فشلت في الحصول على رضوخكم لمطالب الحكومة البريطانية، أجد لزاماً عليّ أن أبلغكم بأني وضعت القضية بين يدي قائد سفن صاحبة الجلالة الحربية، وأنه ما لم يحضر مبلغ ثمانية آلاف روبية إلى هذه السفينة في موعد أقصاه الساعة الواحدة من بعد ظهر هذا اليوم، فإن سفن صاحبة الجلالة ستفتح نيرانها على قلعتكم. وبناءً على ذلك يطلب منكم الرحيل وجميع النساء والرجال غير المسلحين قبل حلول ذلك الوقت".

كان لهذه المذكرة التهديدية أثرها، حيث تم ارسال المبلغ إلى السفينة على الفور. كانت السفينتان الحربيتان قد اتخذتا مواقع هجومية وقتالية في تلك الأثناء، واستعدتا لإطلاق النار. لم تكن هذه النتيجة موضع شك في ذهن الكولونيل روس في أي وقت، لأنه كان يدرك ويعلم حق العلم أنه لم تكن هناك أية صعوبة في جمع أي مبلغ، حتى لو كان أكبر من المبلغ المطلوب.

الوزير محمد بن عبد الوهاب أحضر المبلغ بنفسه، وأرسل الكولونيل روس مساعده المحلي والمنشئ إلى الشاطئ برفقة الوزير لترتيب الوفاء بالبنود الأخرى. وحين همّ بالرحيل لاحظ تغيراً نحو الأفضل في لهجة الوزير الذي سأل بحرارة عما إذا كان قد تمت تسوية الأمور الآن. رد الكولونيل روس قائلاً إنه يعتبر الماضي ميتاً، وعفى الله عما مضى، أما في المستقبل فسيجري التعامل معه (محمد بن عبد الوهاب) والحكم عليه بناءً على تصرفاته المستقبلية.

بعد أن سلم المساعد المحلي إيصالاً بالمبلغ إلى جاسم، حصل المساعد منه على رسالة اعتذار تلبية لمطالبتنا لضمان المعاملة الحسنة للتجار الهنود مستقبلاً.

خلال وجوده في البدع، لم يجر الكولونيل روس أي اتصال رسمي مع المسؤول التركي أو السلطة التركية، لكن عدداً من الجنود الأتراك صعدوا إلى السفنيتين طلباً للمعالجة الطبية.

أرسلت حكومة الهند موافقتها إلى الكولونيل روس على إجراءاته، كما أعربت عن تقديرها "للحذاقة والحصافة والصبر والمقدرة" التي أظهرها على امتداد فترة هذه القضية، كما أن وزير شؤون الهند أعرب باسم حكومة صاحبة الجلالة عن موافقته الكلية والكاملة على هذا الإطراء.

وكما كان متوقعاً، لم تمر هذه الإجراءات دون أن تلاحظها الحكومة التركية.

ففي العاشر من شهر فبراير 1883، تلقى القائم بالأعمال البريطاني في القسطنطينية مذكرة شفهية من الباب العالي تستند إلى تقرير من الحاكم العام (والي) لولاية بغداد، تحتج على إجراءات الكولونيل روس باعتبارها منافية للقانون الدولي، وتطالب بإعادة المبالغ التي أخذت من الشيخ جاسم الذي أطلق عليه لقب "الحاكم العام" لقطر. كما قدمت مذكرة احتجاج مشابهة إلى اللورد غرانفيل من قبل السفير التركي في لندن. ولما كان من رأي اللورد غرانفيل الذي وافقه عليه اللورد كمبرلي، أنه سيكون من المستحسن أن نتجنب الخوض في نقاش حول الموضوع سواء في القسطنطينية أم في لندن، فقد تقرر عدم إعطاء ردود مكتوبة على هاتين المذكرتين، ولكن، وإذا دعت الضرورة، إبلاغ كل من الباب العالي والسفير، شفهياً، أن "حكومة صاحبة الجلالة تجد لزاماً عليها أن ترفض الإعتراف بمطالب السيادة التركية على البدع".

لكن الحكومة التركية أصرت على شكواها، مما اضطر وزارة الخارجية البريطانية إلى إرسال رد إلى موسوروس باشا حمل تاريخ السابع من مايو1883 وجاء فيه ما يلي:

"    لي الشرف أن أوضح لسعادتكم أن هذه الإجراءات أصبحت ضرورية نتيجة التجاهل الكامل الذي أبداه الشيخ تجاه الإحتجاجات المتكررة التي قدمتها له السلطات البريطانية في أعقاب معاملته لبعض التجار الهنود البريطانيين المقيمين في البدع، الذين أقدم في نهاية المطاف على طردهم بطريقة مفاجئة وعنيفة، وتعريضهم وتكبيدهم بالتالي خسائر في تجارتهم.

"   وقد حُذِّر الشيخ بأنه سيعتبر مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن أية تصرفات لا تتماشى مع العلاقات الودية التي ظلت قائمة حتى الآن بينه وبين السلطات البريطانية، وبناءً عليه سمحت حكومة صاحبة الجلالة باستعراض للعضلات في حال رفضه دفع التعويضات المعتدلة التي طلبت منه تعويضاً عن الأضرار التي لحقت بالرعايا البريطانيين الذين كان من المستحيل على حكومة صاحبة الجلالة أن تتخلىعن حقهم في الإقامة في البدع".

"   وإنه لمن دواعي الأسف وأن يجبر هذا الموقف المتحدي الذي وقفة الشيخ، حكومة صاحبة الجلالة على تبني إجراءات كانت تتمنى الاّ تلجأ إليها، ولم تلجأ إليها إلاّ بعد أن استنفد ممثلوها كل الجهود الممكنة لتحصيل التعويضات بوسائل غير هذه.

"   وختاماً، اسمحوا لي بأن أذكر سعادتكم بأن ادعاء الباب العالي حق السيادة على ساحل قطر هو أمر لم تعترف حكومة صاحبة الجلالة به أبداً.

تنفيذاً لأوامر الباب العالي أرسل موسوروس باشا يوم الثاني من أغسطس 1883 رداً على هذه المذكرة، أكد فيه حق السلطان بالسيادة على الساحل موضوع البحث بطريقة بالغة الصراحة والتحدي، فقد كتب يؤكد أن قائم مقام قطر تابع بالوقائع إلى متصرفية نجد، وأن سيادة السلطان على الساحل القطري قاطعة ولا مجال للنقاش فيها.

رداً على هذا التصريح الرسمي، كتب اللورد غرانفيل، بناء على اقتراح من وزارة اشؤون الهند، إلى موسوروس باشا، يقول إن الحكومة البريطانية لا يمكنها قبول وجهات نظر الباب العالي حول الموضوع كما وردت في مذكرة الباشا، وهي غير مستعدة لأن تتخلى عن حق مارسته لفترات طويلة عبر سنوات طويلة، أي حق التعامل مباشرة عند الضرورة مع الزعماء العرب المقيمين على الساحل القطري، وذلك للحفاظ على السلام والأمن في البحار، أو لتحصيل التعويضات في حال وقوع اعتداءات على رعايا أو اشخاص بريطانيين يتمتعون بحق الحماية البريطانية".

أما فيما يتعلق بالبدع، فقد توجه، في صيف عام 1883، عدد من التجار الهنود البريطانييين إليها من البحرين، ولكن سرعان ما غادروها في أعقاب المطالب الباهظة التي فرضها عليهم شقيق الشيخ جاسم، وبعد تهديدهم بممارسة العنف ضدهم، ولأنهم كانوا يرغبون في العودة بهدف استيفاء ديون مستحقة لهم، فقد ناشدوا المقيم البريطاني في الخليج الفارسي، الذي لبّى نداءهم بأن كتب إلى الشيخ جاسم رسالة يوم التاسع من يوليو قال فيها:

"   الهدف الأول من كتبابة هذه الرسالة الودية هو السؤال عن صحتكم وأحوالكم، وبعدها أرجو أن تمنحوا مساعيكم الحميده وعطفكم لرعايا الحكومة البريطانية الذين يرغبون الذهاب إلى بلدكم من أجل تجارتهم، وأن تقدموا لهؤلاء المساعدة المعتادة والحماية المتوقعة من علاقات الصداقة القائمة بينكم وبين الحكومة البريطانية، وكذلك الاتفاقية القائمة بيننا. آمل أن تخبرني دائماً عن أحوالكم وأموركم والسلام عليكم".

"   رد الشيخ جاسم علىهذه الرسالة بما يلي:

"   وصلتني رسالتك المؤرخة في الثالث من رمضان، وقد سررت لأخبار صحتكم الجيدة، وفهمت كل ما كتبتم. لقد طلبت مني، بصورة خاصة، إعطاء حمايتي الودية إلى رعايا الحكومة الامبراطورية، وإنني لن أهمل أي شيء أستطيع عمله. لكن اسمحو لي بأن أخبركم أن هذه البلدة خاضعة للحكومة العثمانية. أنا شخصياً استقلت من  منصب القائم مقام وأمور البلد معلقة لأن الحكومة (العثمانية) لم تعين بعد حاكماً من قبلها. وبناء عليه فإن كل من يرغب في العودة إلى هنا إنما فعل ذلك مختاراً، وكذلك كل من فضل أن يبقى بعيداً. وطالما أنا باق هنا، سأبذل جهدي لحماية رعايا الحكومة الامبراطورية قدر ما استطيع. أرجو أن تحيطني علماً بأخبارك دائماً".

على الرغم م كل هذه التفاعلات السياسية، أو ربما "السيادية" تميزت مياه الخليج بالهدوء في صيف ذلك العام (1883) باستثناء الثاني من يونيو، حين هاجم بدو بني هاجر قارباً تابعاً للبحرين ونهبوا ما فيه، يقودهم زيد بن محمد. وفي تقريره عن الحادث كتب الكولونيل روس إلى حكومة الهند يقول  (14 يونيو 1883):

"   كما كان الحال في أعمال السطو السابقة الأخرى، فالسارقون هنا ليسوا من رواد البحار، ولا يملكون قوارب خاصة بهم، لكنهم استولوا على قارب وجدوه قرب الشاطىء في جوار القطيف، وانطلقوا إلى البحر بحثاً عن الغنائم. وحين عثروا على قارب يملكه بحرانيون هاجموه وسرقوا ما فيه، واطلقوا النار على الناخوذه الذي الذي مات بعد ذلك متأثراً بجراحه".

"   إن الأساليب التي يلجأ إليها بنو هاجر لا تعطي فرصة لأي إجراء فعال تنفذه السفن الجربية التابعة لحكومة صاحبة الجلالة، فهم لا يملكون سفناً أو قوارب خاصة بهم، وليس لهم مواطن مطلة على البحر، وهم يقومون بغزواتهم البحرية في المياه الضحلة، حين يدركون أن الساحل خال من الدوريات (البريطانية). الطريقة الوحيدة الممكنة لهزم لصوص بني هاجر تكمن في عمليات تشن عليهم براً، وبما أنهم يرتكبون جرائمهم منطلقين من مناطق خاضعة للاحتلال التركي، فإن الحكومة التركية تتحمل المسؤولية في هذه القضية. منذ خمسة أعوام وزيد بن محمد يتمتع بحماية كاملة أثناء ارتكابه لعملياته الإجرامية الشائنة، ومن المحتمل أن يستمر هذا الوضع إلى ما لا نهاية ما لم يفرض على الحكومة التركية دفع تعويضات عن جرائمه تلك".

والحقيقة أن شيخ البحرين رفع إلى المقيم شكوى شديدة اللهجة حول المخاطر التي يتعرض لها رعاياه أثناء مزاولتهم أعمالهم التجارية حين يقتربون من ساحل القطيف وما جاوره. وفي رسالة خطية، وحين قام بزيارة للمقيم في بوشهر، أعرب شيخ البحرين عن رغبته في أن يسمح له بمعاقبة قبائل القرصنة على البر كما في البحر. وقد أُبلغ الشيخ، رداً على ذلك، بأنه سيكون من المستحيل السماح بمثل هذه الإجراءات التي ستشير استياء الحكومة التركية، وقد تفشل وتؤدي إلى حالة من الفوضى تكون أسوأ بكثير من تلك التي كانت سائدة في ذلك الوقت.

قدمت الحكومة البريطانية، عن طريق وزارة الخارجية في لندن، شكوى بهذا الخصوص إلى الحكومة التركية التي جاء ردها كالمعتاد: الحقائق كانت غير التي وردت في الشكوى. قدمت الشكوى في أكتوبر وجاء الرد في نوفمبر، فأعادت وزارة الخارجية البريطانية فتح الموضوع مرة ثانية، وعندها وعدت الحكومة التركية بإجراء تحقيق جديد. في تلك الأثناء تمكنت السلطات المحلية (التركية) من استعادة اربعة من العبيد الذين سُرقوا من القارب، وأعادتهم إلى مالكيهم في البحرين. ولكن بريطانيا ارتأت الاّ تثير مسألة السيادة التركية على الساحل في هذه المناسبة، وهكذا أسدل الستار على هذه الحادثة، عن طريق إهمال متعمد من قبل حكومة الهند ووزارة الخارجية البريطانية. 

225306