عين لا ترى غيرها
تعقيب على رجال عاصرتهم (8)*
منير النمر * - 28 / 2 / 2011م - 3:00 م - العدد (21)

جميل أن يطلع الكاتب قراءه عن مدى الضغوط التي وجهت له، لتجعله يتبنى الكتابة عن أدوار معينة تُعرّي الكل من دائرة الضوء لتُبقي رجل دين واحد، ذا توجه واحد.

هذه الإطلالة تنافي كل الحقائق على الأرض.. الحقائق التاريخية من جهة والحقائق العلمية والثقافية للمنطقة من جهة أخرى.

من الغريب أن يكون الكاتب مغمض العينين تماما.. عن الآخر... دون معرفة لسبب هذا الإغماض في زمن التعدد والنظام العالمي الجديد (العولمة). إن نفي أو عدم التعرض لأدوار هامة في تاريخ المنطقة لهو أمر يبعث على الاستغراب حقاً.

التسلسل الزمني للأحداث لا يساعد الكاتب بأي شكل على تصحيح مدعياته التي أوردها كمسلمات، وإليك بعض الشواهد والملاحظات:

(1)

(وقعة الشربة) حدثت عام 1326هـ، أي بعد رجوع الشيخ أبو عبد الكريم الخنيزي حاملاً درجة الاجتهاد عام 1323هـ من النجف إلى القطيف، والذي لم يُحدثنا التاريخ عن مجتهد سواه في تلك الفترة في

القطيف بحسب الكاتب.

تُبين لنا الحقيقة التاريخية المسلمة، والتي أُتخمت بها المصادر الموثقة -لا تلك المصادر الخاصة التي لا أستوعب طرحها والتي يستحيل على الجيل الجديد الرضوخ لأفكارها- تقول تلك المصادر بين رجوع الشيخ أبو عبد الكريم وحادثة الشربة ثلاث سنوات، وتدعي هذه المصادر أيضا أن القطيف بمدنها وقراها كانت تسمى النجف الصغرى.

(2)

ويستحيل على الباحث أن يتقبل أن تسمّى منطقة ما بالنجف الصغرى لوجود مجتهد واحد أو حتى أربعة في تلك التواريخ التي أوردها الكاتب.

تحدثنا المصادر عن وجود علماء آخرين زخرت بهم المنطقة، ومن أبرز العلماء المجتهدين في تلك الفترة الزمنية اثنان من العوامية، تلك المدينة التي وصفها الكاتب بالتشدد والتمرد، أحدهما وكان أحد أبرز قادتها في تلك الفترة الإمام آية الله المجاهد الشيخ محمد بن نمر، أحد المتشددين والمتمردين حسب قول الكاتب، وقد تجاهل الكاتب هذا المجاهد الكبير وجهوده في الدفاع عن القطيف في وقعة الشربة، التي لولاها لما كانت هزيمة البدو، ولما تحررت وفك حصار المهاجمين[1] .

قيل إن ذلك حدث في (الدبابية) إحدى ضواحي القطيف، وحتى لو صح القول الأخير، فإنه لا يقلل من شأن الخطة التي وضعها الشيخ ونفذت بإحكام، فكان لها دورها في فلّ شوكة البدو وخلخلة صفوفهم وتراجعهم.

والسؤال هنا كيف لم يكن إلا أربعة مجتهدين ... وهذا الشيخ المجاهد (النمر) موجود قبل الحادثة بسنوات بل قبل مجيء الشيخ أبو عبد الكريم بسنوات.

ومسألة اجتهاده واضحة كالشمس في كبد السماء، ولكن الغريب والمحرج أن يجد المرء نفسه مضطرا للدفاع عن مسلمات تاريخية أو علمية كوقوع الحرب العالمية الأولى، أو شروق الشمس من الشرق مثلا.

(3)

ولد الشيخ النمر عام 1277هـ وتوفي عام 1348هـ على إثر الواقعة التي ذكرها الكاتب واعتبرها تشددا، حيث إن نتائجها لم توافق إباءه وشممه. وقد ترك فراغا لم يسد حتى الآن على رأي السيد سعيد الشريف في ترجمته للشيخ المجاهد بمجلة الموسم.

وقد ترجم له سماحة العلامة الشيخ سعيد أبي المكارم في كتابه الذائع الصيت (أعلام العوامية) والذي طُبع قبل 42 سنة في النجف -وذلك وقت كاف للمطالعة والقراءة والاستيعاب فيما أظن- يقول العلامة:

"كانت له اليد الطولى في سائر العلوم... حتى أصبح أحد الحجج المشار إليهم بالبنان في كل فن من فنون العلوم، وممن شهد له بذلك مرجع الطائفة في عصره حجة الإسلام الشيخ محمد طه نجف.. وله الإجازة من العلم السيد محمد الهندي ..." .

قام الشيخ المجاهد بإنشاء مدرسة تُعنى بالعلوم الدينية الإسلامية: من النحو إلى البحث الخارج في الفقه والأصول، وخرّجت هذه المدرسة عدة علماء وفقهاء مميزين وبارزين منهم: العلم الشيخ محسن بن الشهيد الشيخ عبد الله العرب البحراني الذي حضر البحث الخارج فيها، وكذلك الشيخ المجاهد آية الله حسن علي البدر.

(4)

وكان ضمن من نهل من علم الشيخ النمر الشيخ أبو عبد الكريم الخنيزي نفسه الذي عدّه الكاتب المجتهد الوحيد، وذلك في النجف عام 1308هـ، أضف إلى ذلك أن الشيخ كان يُدَّرِّس البحث الخارج بعد أوبته من النجف. وللتفصيل في ذلك راجع أعلام العوامية المذكور، والأزهار الأرجية للحجة العمران.

(5)

يقول كاتب المقال:

"لكني لم أجد بين علماء الدين ممن عاصرتهم من أسهم إسهاما قويا ومباشرا في قضايا المجتمع ومشاكله" ويستثني القضايا المتعلقة بالفتاوى في مسائل التكليف والواجبات العبادية.

ربما أجد للكاتب العذر، ما دام قد حدد فترة حديثه بالمعاصرة، فلعله لم يبلغ مبالغ الرجال فترة حياة الشيخ النمر أو لعله لم يحض بشرف التعرف عليه وصحبته، وإن كانت تلك خيوطا عنكبوتية نقض غزلها الكاتب بذكره لأحداث ينطبق عليها ذات المفهوم والعصر ومنها حادثة تسليم السلاح.

ولربما لم يفهم الكاتب هذا الإمام المجاهد ولذا اعتبره متشددا، بل اعتبر أهل موطنه متشددين وصانعي فتنة.. وكأن المخالف في أي زمان ومكان متطرف ومتشدد.

إن إلغاء الرأي الآخر (الكفء والند) لا يُرى فيه إلا إجحاف ومصلحة تبنيها قاعدة تقاطع المصالح.

(6)

وما ينبغي التنبيه إليه قبل تجاوز هذه النقطة هو أن حادثة تسليم السلاح تحتاج إلى وقفة أطول من مجرد تمجيد دور شخص فيها: النمر أو الخنيزي، أو غيرهما ... ينبغي دراستها في أجوائها المحلية، وظروفها الإقليمية، وفي دقائقها وتفاصيلها التاريخية.

(7)

ويتابع الكاتب "أما الهموم الأخرى كالقضايا الاقتصادية والعلاقات بين المواطنين والسلطات الحاكمة فهم مبتعدون عنها..." ، وتجاهل الكاتب -مرة أخرى- مشاركة الشيخ النمر في كل القضايا التي حدثت من وقعة الشربة إلى تسليم السلاح في العوامية، وغيرها، إلا أنه كان رأيا مخالفا؟

هل هذا يعني أن هناك اهتماما سياسيا ينظم العلاقة بين مختلف الأطراف حسب قناعة محددة؟

لا أعرف كيف أُنكرت هذه الحقيقة من قول الكاتب.

لم أجد دليلا متينا يرتكز عليه الكاتب سوى (حسب معلوماتي الخاصة)، ولغرابة الجملة على التاريخ اضطر الكاتب وضعها كجملة معترضة، أثارت الاعتراض في وجه التاريخ.

ولو تطرقنا للتاريخ بصفته الموضوعية لخرجنا هزيلين غير قادرين على النهوض لأننا لم نأخذ التاريخ إلاّ من جانب واحد لا غير، وهذا ما فعله الكاتب بالحقائق التاريخية.. ويبدو أنه أخذ من مصدر واحد، وهذا المصدر (خاص).. لم يحب أن يُطلع عليه القارئ.

(8)

هناك أدوار هامة جدا لفقهاء مجتهدين على مختلف الأصعدة والأدوار، وإن كان الكاتب يقصد أن الأدوار التي كانت تهتم بالقضايا الاقتصادية والسياسية متقدمة في طرحها على غرار الإمام محمد مهدي شمس الدين وسماحة السيد آية الله العظمى فضل الله وغيرهم لم يكن الجميع في تلك المرحلة جاهزين لاستيعاب هذه السياسة، وهذا أمر طبيعي بحكم الزمن.. ربما خُلط الأمر على الكاتب بين القديم والحديث، لذلك تراه حينما يمر على المخالف يسميه متشددا ناسيا أن تلك المدينة العوامية وغيرها ممن خالفوا ذلك التوجه أنجبت فقهاء قادة، وزعماء أفذاذاً شهد لهم التاريخ في تلك الفترة الزمنية.

(9)

وإليك قارئي الكريم المثال الآخر: إنه آية الله العظمى الشيخ جعفر بن الشيخ محمد أبو المكارم العوامي.

ولد عام 1281هـ وتوفي عام 1342هـ ومكان إقامته الأساسي العوامية وكان يتردد على مدن وقرى المنطقة كسيهات وقرى المحيط وصفوى، وبين الحين والآخر يتردد على البحرين، ومسألة اجتهاده ومرجعيته أمر مسلم به في حقيقة التاريخ، ذلك ما قاله في حقه –في رسالة بعث بها إليه- أحد رجال الطائفة الإمامية الكبار والمصنف ضمن مجتهديها العظام الشيخ محمد أبو خمسين، ولك قارئي الكريم بعض مما جاء فيها "  وحيد العصر والأوان علامة الزمان شيخنا ومولانا الشيخ جعفر بن الشيخ محمد… عمدة البلغاء المدققين فخر العلماء الراسخين حاوي فضائل المتقدمين والمتأخرين جامع جوامع أنواع العلوم الشرعية…" .

وهو علم بارز من أعلام القطيف والبحرين، أدى دور العالم الملتزم والفقيه المسئول، وكانت حياته عامرة بالعطاء العلمي والنشاط الاجتماعي [ لاحظ الاجتماعي ] كأنموذج للعالم الصادق، يبذل علمه وزكاة معرفته ضمن مجالات التدريس والتأليف والإرشاد الاجتماعي بكافة الوسائل المتاحة بذلك العصر، كما يعبر عن ذلك العلامة الشيخ حسن الصفار في بحث له عن أبي المكارم في العدد 19 من الواحة، فليراجع لمعرفة صورة أوضح عن هذا العالم العامل.

وقد أُجيز من كبار العلماء ومنهم: والده الحجة الشيخ محمد، ومرجع الطائفة في عصره الشيخ محمد حسين الكاظمي، والإمام الشيخ أحمد الشيخ صالح آل طعان، وغيرهم.

وله أكثر من رسالة عملية، فهو مرجع من مراجع التقليد، وله حضور في وجدان الناس لا يزال صداه في نفوس الكثيرين إلى اليوم.

(10)

ولو قمنا بسرد قائمة الفقهاء المجتهدين في تلك الفترة الزمنية لعجزت هذه الورقة عن استيعابهم. فهناك مجتهدون أفذاذ من جميع مدن القطيف وقراها، لكن الظلم التاريخي الذي مارسه بعض الكتاب تجاه ما حول المركز، جعلهم يعيشون في ظل تاريخ المركز.

(11)

ولذلك، ولما جاء عن الكاتب تجاه العوامية حيث وصفها ووصف زعيمها الروحي في تلك الفترة بالتشدد، اقتصرت على مثالين من العوامية، فقط لإيضاح الحقيقة لك أيها القارئ الكريم، وإلا ففي غير العوامية أيضا ما ينقض على الكاتب مقالته.

(12)

ربما كانت تلك المدينة النائية والمتشددة.. تُنشئ الفتنة كما يقول الكاتب، لكن من المهم أن يفهم أنها أنجبت رجالات من الطراز الأول، ولم تكن يوما تتعالى على سائر البشر، لأنها آمنت بفلسفة الكون التي تقول: إن الوجود فانٍ ولن يبقى إلا الخير.

* المنشور في مجلة الواحة العدد (20) بعنوان: الشيخ علي أبو عبد الكريم الخنيزي، لعلي باقر العوامي.

[1]  قيل إن الشيخ أعطى أوامره بوضع الرمل في قلال التمر على أسوار القلعة وقال إذا كثر الرمي عليكم افتحوها فيعتقد العدو أنه دمر السور فيتقدم فتباغتوهم وفعلا نجحت الخطة العسكرية.. هذا ما أكدته المصادر وما ذكره عضو المؤرخين العرب الأستاذ (صالح الذكير) في أحداث وقعة الشربة الشهيرة.
شاعر وصحافي - السعودية.
203365