حين اتسعت العبارة
قراءة في رجال عاصرتهم: الشيخ أبو عبدالكريم الخنيزي
عبدالله علي التاروتي - 28 / 2 / 2011م - 3:02 م - العدد (21)

التاريخ المدون الوجه الأول لعملة الحياة، وثمة وجه آخر لم يكتب بشكل واضح لكن يمكن قراءته من بين السطور، أو بتسليط أضواء كاشفة على زيف ما كتب ودوِّن لتتبين الحقيقة أو بعضها. وعادة ما يكتب أو يرسم هذه الوجه المزين المنمق الصوتُ الأقوى والأظهر سواء سلطة حاكمة أو حزباً متسلطاً أو بيدقاً لهذا وذاك أو نرجسية طاغية على مستوى الوطن كأوسع دائرة أو الذات كأضيقها، مروراً بالإقليم والمدينة والأسرة، وليس غمط الآخرين حقهم تحت مظلة الدين عن هذا ببعيد.

والذي يسلك هذا النهج ممن يتحمل مسؤولية الكتابة وحمل القلم، إنما يعتبر إمعة يتجه حيث النواعير تتجه بفعل الرياح ولا يمكن إلا أن يصنف ضمن الطبقة الثالثة من الناس بحسب التصنيف العلوي.

ويمكن أن يلحق بهم أولئك الذين يصدقون أنفسهم ويصدقون بأن الناس تصدقهم حينما يدعون أنّ واحة خضراء أو حتى دوحة تظهر فجأة في صحراء قاحلة بين عشية وضحاها، دون مراعاة لسنن الكون والطبيعة، ثم ما تلبث أن تختفي تلك الواحة فجأة فلا سوابق ولا لواحق فالصحراء من قبلها ومن بعدها في هجير.

إن هذا أمر لا يصدقه عقل إلا أن يكون من باب المعجزة التي لا تأتي إلا على يد الأنبياء!!

هناك أصوات ترتفع هنا وهناك، تحتج على من يدعي أن وصف عصر ما قبل الإسلام بالجاهلية يقصد منه انتشار الجهل والتخلف، ويقصرون دلالة اللفظ على معنى واحد هو ما يقابل الإسلام!! ويستدلون على ذلك بأن خالقاً حكيماً لا يمكن أن يخاطب أمة جاهلة متخلفة بمعنى الكلمة ولا مقومات للحضارة فيها البتة بالخطاب القرآني البليغ في ألفاظه، العميق في دلالته، ثم يصفه بأنه عربي مبين.

وليس هذا من الواقع ببعيد، حيث كانت الجاهلية جاهلية الممارسة والفعل، لا جاهلية الفكر بالضرورة هي المنتشرة.

الأمر ذاته ينطبق على الحركة العلمية والثقافية في أي بلد من بلاد الله. لا يمكن أن تتشكل فيها حركة متموجة ملفتة للأنظار يدعى  أنها نجف صغرى، وتكون هذه الحركة خرقاً للعادة ومصادفة، تظهر فجأة وتختفي فجأة، إلا أن يكون ذلك -مرة أخرى- من باب المعجز الذي لا محل له هاهنا.

والذين يعولون على مثل هذا الطرح يسيئون لأنفسهم كما يسيئون لأمتهم التي أنبتتهم ليكون البعض منهم ابناً عاقاً لها ولأبنائها عدا نفسه.

تلك مقدمة للدخول على العديد من نتاج القطيف "المدينة" أو ما تبقى من أطلالها، ونبدأ بتسليط الضوء على بعض ما ورد في مقال لعلي باقر العوامي في مجلتكم الموقرة الواحة، العدد 20، في مقال له بعنوان "الشيخ أبو عبدالكريم الخنيزي" ضمن سلسلته (رجال عاصرتهم) التي يتحفنا بها، وربما أتينا على غيره في ما بعد تأكيداً للمدعى وتعميقاً للفائدة.

رغم أن الكاتب معروف بنزاهة النفس عند عارفيه إلا أن للاشعور أثراً يرى جلياً على سطور مقالاته وبين طياتها، وذلك ما يعده بعض المتابعين شنشنة معروفة لدى بعض العظاميين، ولعل السيد العوامي سمعها فدخلت في روعه وتلقفها دون تمحيص.

إيضاح معجم

كان في إيضاح العوامي -الذي صدّر به مقاله ليبرر به ترجمته لأبي عبدالكريم- تعريض ضمني بأصحاب تجارب سابقة.

حينما يلزم نفسه بعدم التعرض لفئة من "علماء الدين" أو "الشعراء" فذاك شأنه حتى ولو بذريعة " إن هؤلاء قد تعرض لهم آخرون وكتبوا عنهم" ، وحينما يرغب في الخروج على هذا المنهج فإنه يحتاج لذريعة غير مقولته: "غير أن كثيرين من الأصدقاء ناقشوني في هذه الفكرة، وقالوا: إن الذين تعرضوا لعلماء الدين وترجموا لهم اهتموا بجانب العلم الديني فقط، ولم يهتموا بنشاط البعض منهم في الجانب الاجتماعي والسياسي" ص53.

بعد أن عرَّض بمن ترجم علماء المنطقة وشعراءها كونهم لم يسلطوا الأضواء إلا على الجانب الديني فقط، عرّض بعلماء المنطقة دون "البعض منهم" الذي كان له نشاط اجتماعي وسياسي، ويبدو أن لدى الكاتب خلطاً بين النشاط الاجتماعي الذي يصعب نفيه عن علماء المنطقة على وجه الإجمال وبين النشاط السياسي الذي كان يستلزم التعامل مع السلطان والذي كان يتأباه بعض العلماء وعلى رأسهم السيد ماجد العوامي الذي أبى التوقيع على العريضة التي سعى فيها علي أبو السعود لفك سجن الشيخ منصور المرهون حتى لا يظهر اسمه في وثيقة تصل ليد السلطان، نعم لقد أبدى استعداده للتبرع بثمن البرقية العريضة.

الغريب أن هذا الموقف جاء من السيد ماجد بعد تدخله في ما سمّاه الكاتب التمرد والفتنة التي حدثت عام 1348هـ، التي سيأتي ذكرها فيما بعد، ولعل السيد أدرك كيف تدار الأمور فأراد نفسه أن يكون ابن لبون فاعتزل ما يمت للسياسة والعمل الاجتماعي بصلة حتى القضاء، فيما عدا دوره في صيانة الأوقاف كما هو معروف.

ثم لم يلبث الكاتب أن قلّص هذا البعض ممن عاصرهم إلى فرد واحد حتى لكأنه لم يقدم بهذه المقدمة الطويلة إلا ليبرر خروجه على منهجه الذي قيَّد نفسه به، وكأنه يوحي بأن "كثيرين من الأصدقاء" ليسوا إلا واحداً.

لكنه يضع لنفسه خط رجعة حتى لا يضطر لاعتذار آخر كالذي أورده في الواحة 14، ص101، فيستدرك على استحياء بهامش رقم (2) ليتعثر فيه غير مرة دون أن يلاحظ ذلك، ومن ذلك إيراده قضية اعتقال الشيخ منصور المرهون وكونها القضية الوحيدة التي برز فيها الحجة الشيخ علي الخنيزي (أبو حسن) في حين كان بطل هذه القضية هو الزعيم علي بن حسن أبو السعود الأمر الذي لم يذكره الكاتب في ترجمته التي افتتح بها سلسلته.

وليس لدينا أي اعتراض أو انتقاد لمبدأ ترجمة الحجة الشيخ أبي عبدالكريم، فهو يستحق أكثر من هذه الترجمة لرد بعض الاعتبار لمكانته الاجتماعية والعلمية والخلقية، وقد عرف الرجل بالحلم وسعة الصدر ولم ير غاضباً إلا في حالات نادرة ولأسباب وجيهة، كما عرف عنه التبسط مع عامة الناس والتواضع لهم واللين معهم.

لكن النقد يتناول التبرير كما سلف، كما يتناول بعض المسلمات! أو الحقائق! أو بتعبير أدق ما أورده الكاتب كمسلمات وحقائق جاء بها في تضاعيف مقاله.

شخصيات اجتماعية

"تمسكاً بمفاهيم وأفكار كانت سائدة بينهم [العلماء] ترى أن الورع الديني هو في الابتعاد عن الحكام" ص53.

ولسنا بصدد مناقشة الكاتب في تعميمه وإطلاقه، لكنه تناسى أن الشخصيات الاجتماعية ما كانت لتخرج عن رأي علماء الدين في تحركاتها الاجتماعية والسياسية، وكانوا يقفون وراء المجتمع بما في ذلك شخصياته رعاية وتوجيهاً ولا نقول وصاية!

ليس في القطيف مجتهدون

"لم يكن ثمة بالقطيف شخص مجتهد يتولى القضاء" ص54.

ولسنا ندري عن أي قطيف يتحدث الكاتب. هل يقصد بذلك القطيف المدينة أو ما يحلو للبعض بتسميته (العاصمة أو الحاضرة) أو بتعبير أوضح القلعة، أم يقصد القطيف المنطقة من سيهات إلى صفوى؟

ولسنا ندري أيضاً إذا كان يقصد عدم وجوده بين المواطنين أم بين المواطنين والوافدين؟

ولم يبيّن لنا كيف كان يسير القضاء في العهد التركي!

وإذا شئنا الدقة فإن كلام الكاتب -إذا صح- فإنه ينطبق على قلعة القطيف لا منطقة القطيف، إلا إذا دخلنا في متاهات نفي الآخر لا سيما إذا استحكمت نعرة الأصولي / الأخباري التي كانت مستحكمة في الفترة التي يؤرخ لها الكاتب وكان لها أثرها لأجيال عديدة وفي العقل الباطن لدى الكثيرين من المنتسبين إلى سلك العلم والأدب والثقافة، ليظهر في أدبياتهم وسلوكياتهم وكأنه الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وليس بخاف على المتتبعين إبطال الوصايا ورد شهادة الشهود وافتعال المعارك التي جرّت مزيداً من التخلف على المنطقة بتأثير من تلك النعرة.

القاضي الوحيد

"كعالم للبلاد وقاضيها الوحيد" ، "وقد أهله لمنصبه [مكرراً] خلو الساحة من وجود عالم مجتهد" ص54.

ولسنا ندري على أي أساس بنى هذين الجزمين.

فمنذ متى كان (القاضي) وحيداً؟ لقد كان الناس يتقاضون إلى علماء البلاد وليسوا مضطرين لشد الرحال إلى (الحاضرة) ليتقاضوا إلى (قاضيها – الرسمي – الوحيد).

نعم كان أبو عبدالكريم القاضي الرسمي الوحيد في العهد السعودي بتنصيب من جلالة الملك عبدالعزيز، كما لا يخفى، ولعله كان كذلك في العهد التركي.

القطيف تحت الحكم السعودي

إلى الآن، لم يكتب أحد بشكل صريح وجريء وصادق عما وراء كيفية دخول الملك عبدالعزيز إلى القطيف ودخولها سلماً تحت حكمه، فالخلافات المستبطنة بين الفرقاء، وغياب الثقة المبني على التجربة والتاريخ والطموحات الشخصية، والاتفاقات السرية، وزيارةُ بعضِ الشخصياتِ للملك في الأحساء قبل قدوم طلائعه إلى القطيف وعوامل أخرى كثيرة منها ما ذكره المؤرخون.. كانت وراء دخول المغفور له الملك المؤسس سِلماً إلى القطيف. وواضح من مقالة العوامي كيف مثّل القطيفيون دور ابن سويلم في إرهاب القائمقام التركي (ص55) لإرغامه على مغادرة القطيف سلماً، بله لو كان المتكلم هو ابن سويلم لربما لم يكن أقوى أثراً وإقناعاً للأتراك بالمغادرة دون إراقة دماء.

المجتهدون والمطاوعة

"وأجبر الناس على الصلاة وراءهم [المطاوعة]، على الرغم من أن أهل القطيف كان يصلون جماعة وراء علمائهم" ص59. لكنهم لم يكونوا يقيمون الجمعة وكان ذلك مأخذاً كبيراً ضدهم. وقد  أجبر الناس -كل الناس- بما في ذلك العلماء وعلى رأسهم أبو عبدالكريم وأبو حسن والسيد ماجد العوامي على ذلك.. مما لم يذكره الكاتب وهو في صلب موضوعه.

مؤتمر الدرويشية

رحم الله آباءنا الذين سمعنا منهم هذه الرواية وروايات أخرى كثيرة، يضرب بعضها أعناق بعض، سواء ممن عاصروا الأحداث أو شهدوها، لاسيما مع غياب تواريخ الأحداث التي ربما تساعد على رفع اللبس وكشف الحقائق.

وليتنا نعلم متى عقد مؤتمر الدرويشية الذي يذكرنا بمؤتمر علماء بغداد، وليت الذين حضروا الاجتماع أرخوا له! وليت الكاتب ذكر تاريخه وتاريخ ذهاب الوفد للملك عبدالعزيز؛ ذلك لأن بين الباحثين من يدّعي بقاء المطاوعة وانتشارهم إلى أواخر الستينات الهجرية، بل هناك من يقول إن بعض العلماء اعتل بسبب ما ناله من ضيم في إجباره على الصلاة خلف (المطوع)، وللتاريخ لم يكن (المطاوعة) القادمون لتعليم الناس (الدين) في القطيف نموذجاً مشرفاً، بل كانوا ذوي مستوى متواضع من العلم والفهم، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك مما تناقله المعاصرون والمشاهدون للأحداث.

هوامش على الهوامش

"نستطيع أن نضيف إلى قائمة علماء الدين الذين اهتموا بقضايا المجتمع" !! ص62

لعل الكاتب يستخدم كلمة (قائمة) هنا تجوزاً، وإلا فـ(القائمة) مكونة من شخص أبي عبدالكريم أضيف لها أبو الحسن، فأية قائمة هذه؟!

والشيخ أبو حسن "لم تتح له الفرصة ليستمر في نشاطه الاجتماعي، ذلك أنه تولى القضاء نيابة عن ابن أخيه (أبو عبد الكريم) في أوائل عام 1362هـ على أثر مرض الشيخ (أبو عبد الكريم) وسفره للبحرين للعلاج، وبعد وفاة ابن أخيه (أبو عبد الكريم) في 3 صفر 1362هـ تولى الشيخ (أبو حسن) القضاء رسمياً، وبتوليه القضاء [رسمياً] أتيحت له الفرصة بأن يقوم بالدور الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى دوره الديني المتميز، لكن الأجل لم يمهله، وتوفي في ذي القعدة عام 1363هـ فلم تتح له الفرصة لكي يبرز دوره السياسي والاجتماعي، والقضية الوحيدة التي برز فيها الشيخ (أبو حسن) كزعيم اجتماعي هي دوره في قضية اعتقال الخطيب الشيخ منصور المرهون -يرحمه الله- وابنه الشيخ علي -أطال الله في عمره -، في الوقت الذي كان فيه الشيخ (أبو عبد الكريم) في البحرين يتعالج عن مرضه الذي توفي فيه" ص62.

ولنا مع هذا النص عشر وقفات:

1-   ربط العمل الاجتماعي بمنصب القضاء، وهذا ربط لا معنى له، ولو فرضنا صحته فأي لوم على العلماء الآخرين ماداموا لم تتح لهم (الفرصة) ولم ينصبوا رسمياً للقضاء؟!

2-   رغم أنه أضاف أبا الحسن للقائمة إلا أنه عاد فنكص على مقولته، حيث أصر على عدم بروز أبي حسن إلا في حادثة واحدة هي قضية اعتقال الشيخ المرهون، فأي حضور اجتماعي هذا الذي ينسبه لرجل امتد به العمر أكثر من سبعين عاماً ولم يشارك إلا في قضية واحدة؟! إن هذا لظلم بيِّن لأبي حسن، بل هو ظلم لغيره من العلماء إذا اتبعنا نفس المنهج، فلابد أن نجد لكل منهم ولو قضية شارك فيها لخدمة المجتمع!!

3-     هل الدور الاجتماعي مقيد بمنصب القضاء؟! لو صح ذلك فكل ما قاله الكاتب مما يوحي بإدانة العلماء مردود عليه لواحد من سببين أو لكليهما:

أولاً: ليس كل العلماء قضاة، فبالتالي يجب أن ينتظروا دورهم ليصبحوا قضاة ثم ليؤدوا دورهم الاجتماعي، وفي هذا المقال مبالغة في الخيال وفي مجانبة الصواب.

ثانياً: لم يكن القضاء مركزياً قبل الترسيم –بل ولا بعده- فجميع مجتهدي البلاد قضاة -وفي البلاد مجتهدون كثر!!- يؤدون الدور الذي يقول به الكاتب والحق أن العاملين على خدمة الدين والمجتمع وحل مشاكله كثيرون على مستوى المنطقة.. إلا أن يكون حديث العوامي عن حاضرة القطيف تحديداً، فهنا يجب أن يحدد المنطقة التي يتحدث عنها -جغرافياً- بوضوح.

4-   مكره أبو حسن لا بطل، هكذا يفهم القارئ من عبارة الكاتب، حيث لم يشارك في هذه القضية الوحيدة "إلا لكون أبو عبدالكريم في البحرين يتعالج" ، وإن كان راغباً لا مكرهاً فهذا يعني أن حضور أبي عبدالكريم الاجتماعي القوي أجبر عمه على الانكفاء على ذاته وعدم الظهور، وفي ذلك ما فيه بحق الشيخين!!

5-   أين دور الشيخ أبي حسن بعد هذه الحادثة التي تزامنت مع وفاة أبي عبدالكريم، فهل وقف به دولاب الزمن بعد وفاة ابن أخيه؟ فهاهو قد صار القاضي الرسمي والشخصية الأولى في حاضرة القطيف! أم أن هذه الفترة بلغ فيها المجتمع رتبة من الكمال لا حاجة لهم فيها لعالم أو رجل يقوم بدور اجتماعي؟!

6-   أما بالنسبة لقضية الشيخ المرهون، فاسمعها إذا أحببت مفصلة من (ابنه سعيد) الذي يقال إنه لفّ على بيوت بعض مشايخ القطيف وشخصياتها ليتحركوا في أمر أبيه -وكان لا يزال حدث السن إلا أنه أكبر أخوته بعد الشيخ علي المعتقل مع أبيه- فلم يتحرك معه أحد سوى الحاج علي أبو السعود الذي استأجر سيارة وذهب معه للأمير سعود بن جلوي –في الخبر وقتها-، فأسف أنهم وصلوا متأخرين فالسيارة قد ذهبت بهم متوجهة إما إلى الأحساء أو الرياض، ولو أنهم وصلوا قبل ترحيل الشيخ وابنه لقبل شفاعة أبي السعود فيهما، وكتب بذلك للملك عبدالعزيز.. لكنه تمنى أن يُذهب بهما إلى الرياض لعلمه بسعة أفق الملك ورحابة صدره.. وقال: أما إذا وصلوا الأحساء فاقرؤوا عليهما الفاتحة.

وهنا ينبغي الإشارة إلى عدم ذكر الكاتب لدور أبي السعود وكثير من مواقفه الاجتماعي -في هذه القضية وغيرها- عندما ترجم له في نفس السلسلة (رجال عاصرتهم 6، العدد 18).

7-   إن هذا الوصف لدور العلماء منقوص ومنقوض جملة وتفصيلاً، وربما استشعر من صاحبه عدم إدراك واقع علماء الدين وكيفية أدائهم لرسالتهم ودورهم الديني والاجتماعي. وتسليط الضوء على هذا الجانب ليس هدفاً لهذا التعقيب.

8-   استطراده في مشاركة أبي حسن الاجتماعية الوحيدة في غير محله وكان ينبغي أن يكتفي بالإشارة ويعد بترجمة لأبي حسن يعرض فيها هذه القضية بكافة جوانبها لما فيها من الفائدة وقراءة الظروف التي كانت تمر بها المنطقة آنذاك، بدقة وروية وتتبع، فشخوص القضية لا يزال كثير منهم أحياء، واحدٌ منهم أحد المعتقلَيْن، ويذكر فيها مشاركات أبي حسن الأخرى.

9-   "وبعد أيام قليلة من توقيعهم على الإقرار باستعدادهم للكفالة أطلق سراح الشيخ منصور" فهل هذا يعني أنهم استعدوا للكفالة لكنهم لم يكفلوا فعلاً؟! أم أن إطلاق سراحه جاء نتيجة للكفالة؟

أغلب الظن أن لا ربط بين إطلاق سراحه وأية كفالة صحت في أصلها أم لم تصح. رغم أن صحتها وموقف وجهاء القطيف المتردد يكشف لنا واقعاً سلبياً لسنا بصدد التفصيل فيه، وهذا يشبه إلى حد بعيد قصة كفالة ابن جمعة المعروفة لدى الكثير!! ورحم الله الشيخ محمد علي بن مسعود الجشي الذي لو كان حاضراً بينهم لما تردد في كفالته!! أي المرهون.

10-   لماذا أرسلت البرقية لعائلة المرهون ولم ترسل لمن أرسل البرقية؟ سؤال يطرح نفسه ويدعم التشكيك في التفاصيل المذكورة.

المجتهدون الأربعة

"ضمت القطيف في عصر الشيخ علي (أبو عبد الكريم) ثلة من العلماء الأفاضل، منهم أربعة مجتهدون، هم: الشيخ علي أبو عبد الكريم والشيخ علي أبو حسن والسيد ماجد العوامي والشيخ عبد الله المعتوق - تاروت" ص63.

لو حددنا ما سمّاه الكاتب عصر أبي عبدالكريم بعودته من النجف إلى وفاته سيكون ما بين (1323 – 1362هـ).

في هذا العصر الذهبي للقطيف الذي يُدّعى بتسميته (النجف الصغرى) ليس فيها إلا مجتهدون أربعة ثلاثة من القلعة وواحد من خارجها!

ولو لم يذكر الكاتب الشيخ المعتوق لقلنا حديثه مرة أخرى عن القلعة، وعليه في ذلك مآخذ.. فكيف والحال أنه يفهم منه الحديث عن المنطقة ككل.

لقد ضمت القطيف قائمة طويلة من المجتهدين قبل الفترة المذكورة وفيها وبعدها.. لكن عوامل عديدة ليس هنا محلها أدت إلى غشاوة على بصر وبصيرة البعض فصنف علماء المنطقة بطريقة أقل ما يقال فيها: إنها عاطفية، وجاء بعدهم أقوام لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث -على أقل تقدير- فأخذوا ما كان عليه آباؤهم!!

على الباحث المنصف اليوم أن يتتبع آثار هؤلاء العلماء ليقرأها قراءة واعية ويضع كل واحد منهم بحسب ما أداه من دور اجتماعي وتركه من آثار علمية، ويترك جانباً جعجعة الإقليم وطنطنة البنوة، وإلا فكل يدعي وصلاً بليلى، وذاك زبدٌ، وما ينفع الناس هو ما تركوه من ورائهم من علم ينتفع به أو صدقة جارية أو ولد صالح يذكر الناس بصلاح أبيه.

أما عن مجتهدي القطيف في تلك الحقبة، فمنهم لا على سبيل الحصر، وغير من ذكر الكاتب: الشيخ حسن علي البدر الذي كان ينكر اجتهاد أبي عبدالكريم كما قيل في (ذكرى الزعيم) ولا خلاف في اجتهاده بين متورعين، والشيخ محمد بن ناصر النمر العوامي العائد من العراق قبل 1320م، والشيخ علي البلادي أستاذ السابقين وأستاذ الشيخين أبي حسن وأبي عبدالكريم ، والشيخ علي بن الشيخ سليمان المبارك، والشيخ جعفر العوامي العائد من العراق عام 1313هـ وبالتالي هو الأسبق وجوداً ويدّعى بأنه الأقوى حضوراً بحسب مدونات أسرته المطبوعة، والشيخ علي الجشي وإن كان مهاجراً، والشيخ محمد صالح المبارك الذي أقصي عن القضاء رغم أهليته له بعد وفاة أبي حسن مباشرة لأسباب ليس هنا محلها، وهو صاحب هداية العقول: كتاب فقهي استدلالي من تصنيفه متناً وشرحاً، ويدعي البعض أنه أفضل وأقوى كتاب استدلالي مطبوع لعالم قطيفي. وغير هؤلاء كثير. فلماذا تجاهلهم الكاتب هنا رغم إشارته لاجتهاد الجشي في موضع سابق من نفس الصفحة؟!

باء .. وباء!

"وما دمنا قد تعرضنا للسيد ماجد العوامي، فإنه يجدر بنا أن نستدرك ما فاتنا ذكره في العدد (18)… فلقد اشترك السيد ماجد مع الشيخ أبو عبدالكريم في جزء من الجهود لإخماد الفتنة… هناك اجتمع الثلاثة مع بعض من شخصيات العوامية وزعمائها وفي طليعتهم المرحوم الشيخ محمد بن نمر وكان من أكثر الناس تشددا في موقفه، ودار نقاش حاد بينه وبين كل من الشيخ والسيد ماجد حتى أنه غمز من قناة الاثنين، إذ قال لهما: إذا كنتما خائفين على زوجتيكما فخذاهما معكما إلى القلعة، إما نحن فسنظل صامدين مهما كان الثمن، لكن الشيخ النمر – يرحمه الله – لم يُدرِك أن موقف الشيخ وعدم تأييده لحركة التمرد قد ضرب مسمارا قويا في نعشها، لقد قام الشيخ خلال جلسة المفاوضات بالذهاب للمرحاض لقضاء حاجة، وعند خروجه وقف أمامه أحد الأشخاص المسلحين وهو يحمل بندقيته فسأل الشيخ هل أُعتَبَر شهيدا فيما لو قاتلت وقُتِلت ؟ فقال له الشيخ لا، لأنك تقاتل مسلمين، وليس قتالك دفاعا عن بيضة الإسلام، فألقى الشخص بندقيته وقال لن أقاتل إذن" ص63.

وهنا أيضاً ملاحظات عشر:

1-     استطراد آخر من أجل السيد ماجد حيث كان الأول من أجل أبي حسن.

2-   (أحداث التمرد)، (إخماد الفتنة)، (العوامية إحدى المدن المتشددة في عملية التمرد)، مفردات تعبر عن نظرة الكاتب إلى مجريات الأحداث في تلك الحقبة التي لا يزال بعض معاصريها أحياء ولو قصدهم لأدرك صورة أكثر وضوحاً عن الواقع.

3-     أبطال (إخماد الفتنة) في العوامية هم أبو عبدالكريم والعوامي والغانم.

4-   مادام الكاتب يعبر عن الأحداث بالتمرد والفتنة وعن الحجة النمر بالمتشدد، فلا غرابة أن يعتبر من قام (بإخماد الفتنة) صاحب دور اجتماعي وسياسي بينما من كان على هرم (التمرد) و (الفتنة) ليس صاحب دور اجتماعي أو سياسي. الكاتب يناقض نفسه بنفسه، فالدور والدور المقابل يؤكدان المشاركة الاجتماعية والسياسية، بغض النظر عن صوابية الموقف وأحقيته سياسياً أو شرعياً، وبغض النظر عن توظيف الدين في السياسة.

5-   كيف لم يدرك النمر أن موقف الخنيزي قد دقّ مسماراً قوياً! في نعش حركة التمرد؟ إن انفعاله وغمزه من قناة السيد والشيخ إلى حد مخاطبتهما –كما نقل- بـ"أنت يا علي وأنت يا مويجد" دليل على علمه بشقهما للصف وإضعافهما للحركة؛ ولذا فعل ما فعل وقال ما قال ليري الحضور أن المتكلمين ليسا إلا بهذا المقام عند مقامه.

6-   رغم أن الكاتب لم يبيّن ما دور السيد ماجد عدا عن مرافقته للخنيزي، حيث من دقّ المسمار هو الأخير، إلا أنه هنا يوحي بموقف مداراة من قبل وسطاء إخماد (الفتنة) تجاه رغبة إمارة القطيف، التي وضعت سيارتها تحت تصرفهم فأفادت من نفوذهم لإخماد (الفتنة).. وكان بإمكانهم أن يرفعوا مطالب المتمردين ويكونوا وسطاء حوار وحملة ضمانات إنهاء (التمرد) لا أن يدقوا المسمار في نعشه.

ومعروف لدى المتتبعين أن القلق والمانع من تسليم السلاح هو غياب الثقة وخوف الغدر لعدم وجود الضمانات للالتزام والوفاء بالالتزام تجاه المواطن الذي سيسلم مصدر قوته.

وكانت الخشية بشكل أساسي من دور (الإخوان) المتغلغلين بنفوذهم لدى الملك عبدالعزيز والذي يشاع عنهم، والتعبير منسوب بالتحديد للحجة النمر، أنهم "جماعة خذ عدو الله بعهد الله" وهم يعتبرون الشيعة رافضة وأعداء الله وأشد على الإسلام من اليهود والنصارى!!

7-   في الواقع لقد وجد الشيخ أبو عبدالكريم الطريق مسدوداً أمامه، فلم يجد بداً من الانسحاب، وكان المرحاض أسهل وسيلة لقطع النزاع.. يقول بعض الرواة أنه لما آيس من نجاح مهمته خرج متذرعاً بالمرحاض وهو (يتحرطم) محتجاً على موقف الشيخ النمر، فسمعه أحد حملة السلاح وهو من أقرب المقربين إلى الشيخ النمر يقول ما معناه: إن هذه معركة خاسرة وأن الميت فيها ليس شهيداً، فسأله: إذن لو قتلت سيكون مصيري النار، فقال الشيخ: نعم، فقال الرجل: "اشهدوا أنني أول من أطاع الله" وسلم سلاحه.. وقد ذهبت هذه الكلمة مذهب الأمثال في موارد التهكم فيما بعد، فدب الخذلان في من حول الشيخ وسلموا أسلحتهم تباعاً.. فلما علم الشيخ النمر بذلك.. سأل: وماذا عن (فلان) يعني ذلك الرجل، فقيل له: حتى فلان. فألقى بجسده مستنداً إلى الجدار مرسلاً تنهيدة من أحس بالخذلان من أقرب المقربين قائلاً: حتى أنت يا فلان.. ومعلوم أ ن هذه الحادثة كانت سبب اعتلال الحجة النمر ووفاته فيما بعد. وللحادثة تفاصيل مهمة ليس هنا محلها. والمسمار القوي الحقيقي الذي دق في نعش الحركة -كما ينقل بعض أبناء العوامية- هو تبنِّي بعض شخصيات العوامية وزعمائها رأي الشيخ أبي عبدالكريم لكنهم لم يجاهروا به فلما وجدوا فيه الغطاء الشرعي نفذوا رغبتهم.

8-   ألم يكن حرياً بالشيخ والسيد أن يأخذا معهما عرضاً وضمانات لزعماء ووجهاء البلاد من أجل أن يكونوا واسطة خير لإنهاء (التمرد) وإعطاء الناس حقوقهم، بدلاً من استغلال نفوذهم لدى بعض الجمهور (لدق مسمار قوي في نعش حركة التمرد) بشق صفها في العوامية وسيهات وغيرها!!

9-   أرفق الكاتب صورة رسالة موجهة للملك عبدالعزيز من الشيخ أبي عبدالكريم، ووجود هذه الرسالة الأصل في تركته وهي مختومة بختمه وواضح أنها المبيضة يشكك في أمر وصولها للملك عبدالعزيز، فلعله كتبها رغبة في إرسالها ولم يفعل.

10-  كان للشيخ دور في (إخماد الفتنة) لكن لم يبيِّن الكاتب دوره في دفع أسباب (السخط العام) أو ما سمِّي بـ(الجهاد المثنى) والرسالة المرفقة بالمقال مؤرخة بـ 1354هـ في حين أن الأحداث والاضطرابات وقعت في عام 1348هـ وهي نفس السنة التي توفي فيها الحجة الشيخ محمد بن نمر ونتيجة لأحداثها، فهل انتظر الشيخ ست سنوات عجاف ليكتب بعدها لجلالة الملك عبدالعزيز في الأمر؟!

كي لا نكيل بمكيالين

في المنطقة بمركزها وأطرافها علماء فقهاء مجتهدون وزعماء وشخصيات اجتماعية يتكاملون في أدوارهم ويشكلون بمجموعهم تاريخ هذه المنطقة العلمي والثقافي والسياسي والاجتماعي ولا نريد لأنفسنا ولا لغيرنا أن يغمط أحداً حقه أو أن يفرط في مدح رجل على حساب الآخرين، وينبغي أن نغتبط إذا كنا أصحاء بوجود العشرات من العلماء المجتهدين في البلاد عبر القرون لا أن يظهر عالم فجأة بين جهال ليذهب بعد أن يقضي عمره بينهم ولا يزالون جهالاً، فهم قبله وبعده يعيشون في ظلمة.. إن في مثل هذه المقولة التي يراد بها التعظيم ذم قبيح مبطن لا يحس به القائل، وإلا فماذا صنع هذا العالم أثناء وجوده بين الناس،  ألم يتمكن من إشعال شمعة تنير الدرب للناس بعده؟!

في منطق الإدارة الحديثة هذا هو الفشل الذريع بعينه. أن يغيب امرؤ ذو منصب دون أن يصنع من يمكنه سد الفراغ والقيام بالأعباء بعده. وأبسط تحليل أنه كان يعيش لنفسه.

القلم مسؤولية ويجب على الكاتب أن يلتزم بأصول البحث العلمي، وأن يترفع عن الحدود الضيقة، وأن يتجنب السقوط في هوة الحط من قدر الآخرين أو تجاهلهم أو المغالاة فيهم بناءً على أواصر النسب أو الصداقة أو الإقليمية أو الحزبية بشتى آفاقها وظلالها الضيقة.

والحقيقة بنت البحث، وللبحث أدواته، وينبغي للباحث أن يتوفر على أدوات البحث قبل أن يخوض في لجته، حتى لا يغرق نفسه والآخرين.

من هذا المنطلق أصررنا على كتابة هذه الملاحظات التي تهدف إلى إيضاح الحقيقة ليس إلاَّ.. ولعلمنا برحابة صدر هيئة تحرير الواحة التي لا نشك في أنها ستنشر هذا التعقيب تعميماً للفائدة وفسح المجال أمام الملاحظات العلمية من أجل إثراء الحركة الثقافية في المنطقة. وعسى أن يتسع لها صدر الكاتب والقارئ.

225610