المشوار
بعض من مسيرة حياتي (2)
السيد حسن العوامي * - 28 / 2 / 2011م - 3:04 م - العدد (21)

أيام الهجرة

لسبب طارئ لم يكن لي فيه خيار؛ غادرت الوطن في ظرف يُنذِر بغيوم بدأت سحبها الداكنة تغطي سماء القطيف، وذلك يوم الإثنين 25 من شهر ربيع الأول عام 1390 هـ وكنا قد نصبنا فيه أول يوم للعزاء على روح المقدس المرجع الديني الكبير " السيد محسن الطباطبائي الحكيم "، وقبل مغادرتي عرجت على إمارة المنطقة الشرقية، وكان أميرها – آنذاك – المرحوم " عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي "، ورئيس الديوان – يومئذ – الأستاذ " علي بن أحمد الغامدي " وقدمت تصورا لما أراه كتابيا، وألمحت إلى عدم صحة النهج القائم وخطورته، وما قد يخلفه من تبعات لا تُحمَد، غير أن وتيرة الإنفعال للوقت رجحت على الروية، وسارت الرياح بما لا تشتهي السفن.

في اليوم الثاني سافرت إلى البحرين، ومن هناك أعدت محاولة جلاء الموقف بشيء من الوضوح، مستعينا ببعض رموز المجتمع التي لها موقع وعلاقة، وفي نفس الوقت بُعد نظر، إلا أن الرياح كانت عاتية فتغلب الموج على السفن، مما أفقد ربانها قدرة السيطرة على التوجيه، أو التفكير في تحويل المسار.

إقامة قصيرة في الكويت:

بعد أيام ثلاثة من الإقامة في البحرين غادرتها إلى الكويت، وشهرا كاملا أقمت بها، وخلال إقامتي أسست علاقات صداقة إنسانية وأدبية مع كثير، وأذكر منهم المرحوم " عبد الرزاق البصير " الخطيب الذي توجه فيما بعد إلى ما يتعلق بالأدب والسياسة وأحداث الساعة، وصار يكتب في مجلة العربي الغراء - ولعله أصبح أحد منسوبيها -، وصارت تشركه الدولة في بعض الوفود الأدبية للخارج، كما أذكر العلامة " الشيخ علي الكوراني "، الذي كان ممثلا للإمام الحكيم في الكويت، وأذكر المرحوم " باقر خريبط " صاحب مجلة "صوت الخليج " التي أوشكت أن أنتسب إليها، إلا أن باكورة العمل هو أن طلب إعداد ملف عن الطيران السعودي، من بداية تكوينه والمراحل التي قطعها، وتصوُّر ما يمكن أن تصل إليه، ومثل هذا التكليف يتعذر علي القيام به، لأنه يتطلب رجوعا إلى المملكة، وقياما بالدراسة، والإتصال بمسئولي الطيران وغيره، ولعدم إمكانية ذلك لم أرتبط بالمجلة.

إلى العراق ولقاء السفير السعودي:

وبعد الشهر توجهت إلى العراق، وفي الكاظمية رأيت بعض الأخوة من البلاد وظننتها فرصة طيبة أن نجتمع بسفير المملكة لأن الأخوة يشتركون في عامل الخروج من القطيف، وهم من أدباء البلاد ورموزها، لكن هاجس القلق كان آخذا بمشاعرهم، حتى أن بعضهم غادر إلى كربلاء ليتحاشى المضايقة بطلب اشتراكه في الذهاب إلى السفارة وملاقاة السفير، وبعضهم تصور خطرا أكبر، لذلك عزمت على الذهاب بمفردي، ووقتها كان السفير معالي المرحوم " الشيخ محمد الشبيلي " الذي يعجز اللسان – لساني على الأقل – عن حصر مآثره وكريم أخلاقه، وفيض نداه وجوده، فاجتمعت به وتحدثنا طويلا، وتكرر الإجتماع، فرأيت فيه الرجل الحكيم الذي يزن الأمور بميزان العقل، ويفكر بروية وبصيرة نافذة، ونظر للحاضر والمستقبل، وتوثقت العلاقة بحيث ألزم أن أزوره كل يوم وأتغذى معه ما دمت في الكاظمية، ويطلب حضوري لأي مناسبة، حتى لو كنت لتوي خارجا من عنده، وما أكثر مناسباته.

وأذكر على وجه التحديد اثنتين، إحداهما، وجبة أقامها داعيا رئيس طائفة البهرة " الشيخ برهان الدين "، وكان في زيارة إلى العراق، ومعه ولده " السيد نجم الدين " المُهيَّأ أن يكون خليفته من بعده، وآخرون لا أذكر أسماءهم، وقد حدث بيني وبين السيد نجم تعارف في حديث متشعب الجوانب، وقد دعاني لزيارتهم في الهند، وأعطاني العنوان، إلا أنني لم أتصل به حين زيارتي الهند للعلاج عام 1400 هـ.

وإلى أفراد طائفة البهرة – الأتباع – خضوع وطاعة إلى الرئيس، لا توجد إلا عند أتباع بوذا، هؤلاء ينطلقون من مبدأ تسلسل الطاعة والخضوع المطلق إلى أول زعيم قام بتأسيس الديانة البوذية منذ القرن الخامس قبل الميلاد، إلى وصولها آخر زعيم، وأولئك ينطلقون من مبدأ تسلسل الإمامة التي لا تزال -في عقيدتهم- تنتقل من سلف إلى خلف[1] ، ومرَّة زرت الشيخ سيد برهان في منزلهم الواقع خارج سور النجف – أيام كان للنجف باعها الطويل – وبعد هنيهة من الانتظار نزل السيد قادما إلى المجلس، فرأيت صورة غريبة لم أكن قد ألفتها عند أو مع علمائنا الكبار، ومراجعنا العظام، فقد كانت كف يده اليمنى ملفوفة بقطعة قماش ناصعة البياض، وهي – أي الكف – على يد رجل يرافقه، وكأنها منفصلة عن يمينه، والحضور من الأتباع – وهم قِلَّة يومذاك – ينحنون إلى حد يقرب من السجود في خضوع بإيماءة التحية، وتعيدني هذه الصورة إلى صورة أخرى تكررت أمامي فيما بعد في الهند عام 1404 هـ حيث رغبت في زيارة إلى ممثلي بوذا لمعرفة شيء عن طقوسهم، وبداية البوذية، وعلى يد من ؟ ومن هو الآن ؟

وكان موقعهم في حديقة الهند الكبرى التي توجَّه لها مياه الأمطار الموسمية، وتبعد عن بومبي 32 كم، وفي الموقع تماثيل ثلاثة من الصخر الصلد - كبير ومتوسط وصغير - أقيمت على مرتفع يقرب من عشرة أمتار، شبيهة بالتماثيل التي قامت بتحطيمها طالبان في أفغانستان هذه الأيام ( 12 / 3 / 2001 م ) وفي الموقع مبان مستطيلة بغرف لإقامة الموظفين والحرس والمباشرين، وإلى جانب قريب من التماثيل على بساط الأرض يجلس ثلاثة رجال كبار السن، عيونهم حادة عراة حتى مما يستر العورة، مستندين إلى الحائط، أحدهم يغزل من ريش الطاووس، والآخر يشك بمسلة، والثالث نسيت ما يقوم به، وهم في فضاء من الأرض فُرِشَت مساحة منه بطول يقرب من ثلاثين مترا، وبعرض خمسة عشر مترا بسجاد غاية في البساطة، والقادمون من الأتباع ينزعون الأحذية، ويمشون في انحناء، فإذا ما وصلوا قرب الرجال الثلاثة قدموا ما لديهم - إما نقود، وإما حب حنطة وما أشبه – ثم يسجدون على الأرض احتراما وخضوعا إلى زعمائهم الثلاثة الروحيين، ولم يكن الرجال يتكلمون العربية، وأنا لا أعرف لغتهم، لذلك استعنت بمرافقنا مترجما لأقوالي ورد كبيرهم عليها، إلا أن المرافق خاف ولم أستفد بشيء، مضافا إلى أنه – كما بدا لي – ليس له القدرة على الترجمة، فعدت بحافظة خالية من المعلومات.

إما المرة الثانية عند معالي السفير فكانت حفل عشاء أقامه في حديقة السفارة تكريما إلى عميد السلك الدبلوماسي في بغداد بمناسبة انتهاء مدة سفارته لبلده، وأظنه – حسب ذاكرتي - عبد الهادي التازي الأديب المعروف، ويُعتبَر كل سفير عميدا إذا كان أقدم السفراء مدة في البلد الذي هو سفير فيه عن حكومته.

وكانت الحفلة تضم كل السفراء والقناصل العرب، وبعض الشخصيات، ومنهم خير الله طلفاح – محافظ مدينة بغداد، وكانت الحفلة بهية جميلة مفرحة بالحضور وبما زينت به القاعة من الأضواء والورود والرياحين ومباخر العود ودلال القهوة العربية وموقدها، والعشاء الفخم الذي تنوعت فيه ألوان الطعام والشراب الحر غير المحرم، بطهي غاية في الجودة، والرائحة الأخاذة، ومن كرم السفير تنويع مائدة الطعام، ولاحظت بين الجالسين ثلاثة نفر ليسوا على مستوى الحضور فسألت معاليه عنهم وعن سبب حضورهم، فقال إنهم جواسيس من حزب البعث، وما شئت إخراجهم، ولو أردت لأشعرت السيد طلفاح، وليس عندنا ما نخشاه، وهذه هي دماثة خلق معاليه.

إلى النجف الأشرف:

لما قررت دراسة الفقه ومتعلقه من أصول ومنطق وبيان انتقلت إلى النجف الأشرف -الجامعة الإسلامية الجعفرية- مثوى مرقد الإمام علي عليه السلام، ومهوى قلوب الشيعة، ومحط آمالهم، البقعة التي تشع بالإيمان، وتنشر العرفان في ربوع الإسلام، ومنها تنطلق الفضيلة بأسمى المعاني، ومنها يتضوَّع أريج العدل والسماح والعلم الغزير، بما تخرجه مدارسها من أعلام إلى كافة الأقطار، ولم تكن النجف محط أنظار العالَم الأحياء منهم خاصة، بل إن كثيرا منهم يوصون بنقل جثثهم إلى النجف لدفنها بالغريين، سواء من أقطار العالم الإسلامي، والدول التي يكثر فيها المسلمون، مثل الهند وباكستان، وبعض الدول العربية وغيرها.

وقد قال أحد شعرائها يصف العطاء الخير للدنيا والآخرة الذي تمنحه النجف:

وواردات بلدتي جنائز

وصادرات بلدتي عمائم

ويظن البعض أنها سخرية بالنجف وساكنيها، وهذا خطأ محض، لأن العمامة رمز للعالم المجتهد، والمرجع الكبير، أو الذي ينتسب إلى العلم ويقوم بتحصيله، وهل أشرف في الحياة من العلم، لاسيما العلم الديني الذي يعيد صاحبه دائما وأبدا إلى حضرة ذي الجلال.

فإذا كانت النجف تصدر العمائم بالدرجة الأولى فإن ذلك يعني أنها مركز العلم الأولى وحاضرته التي تأتي في مقدمة المراكز العلمية في العالم الإسلامي، ويكفي أن نعلم أنها خرجت صاحب كتاب الجواهر " الشيخ محمد حسن الجواهري " والشيخ السيد " بحر العلوم " والشيخ " محمد حسين كاشف الغطاء " الذي أم جموع المصلين من جميع المذاهب الإسلامية في المسجد الأقصى، وقال كلمته الشهيرة " بني الإسلام على اثنتين كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة " وهو صاحب كتاب " المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون " وقبله جده الشيخ كاشف الغطاء الكبير، المرجع العظيم، ومعه السيد " أبو الحسن الإصفهاني " الذي قال فيه الأستاذ " محمد علي الحوماني " الكاتب المعروف " لو كان لله قلب لكنت أنت ذلك القلب " والآلاف المؤلفة من الأولين منذ تأسيس الجامعة النجفية علي يد العلامة شيخ الطائفة " الشيخ الطوسي " أعلا الله مقامه حتى الآن من علماء باحثين ومؤرخين وكتاب وشعراء وخطباء، ويكفي أن يطلع المرء على بعض الموسوعات مثل " الذريعة في تصانيف الشيعة " أو " نقباء البشر " ليعرف ما هي النجف ومن هم الشيعة.

ولو كانت النجف لم تُنجِب إلا الخطباء أمثال الشيخ الوائلي، والشعراء أمثال الشبيبي والفرطوسي والجواهري والحبوبي لكفاها فخرا، فكيف وتصدير الألوف من العلماء إلى العالَم الإسلامي وغيره.

إما ورود أو توريد الجنائز لها فهل غيرها كذلك من بقاع العالم ؟ أبدا، وما ذاك إلا لأنها بقعة مقدسة، وكم لله من بقاع في أرضه مقدسة، وفيها مثوى أفضل رجل في العالم – بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) – وأقدس شخصية عرفتها البشرية – بعد أخيه المصطفى – فهو وجيه عند الله وشفيع لديه برضاه، فلا غرو أن تهفو أفئدة المؤمنين إلى جوار قدسه أحياءً وأمواتا.

والدراسة الدينية في النجف لا تقوم على انتظام زمني ومراحل لها، لكل مرحلة فصول معينة يجتازها الطالب أو يعيد دراستها، إنما تقوم على نظام يُطلَق عليه اسم "الحوزة " وهو دراسة لفيف من الطلبة عند متخصص في العلم الذي يدرس فيه، ابتداءً من أول نقطة الدراسة وهي – مباديء النحو – إلى أن يرتقي الطالب فتكون لديه القدرة على حضور البحث الخارج عند أحد المراجع – المجتهدين الكبار – ولا يحضر طالب العلم بحث الخارج إلا بعد الإنتهاء من دراسة النحو والبلاغة والمنطق والأصول، والإنتهاء مما يُعرَف بالسطوح، وتظهر ملكة الطالب وقدرته على استيعاب محاضرات الفقيه في البحث الخارج، ومناقشته مع أستاذه، والإستظهار على بعض ما يطرحه من مادة علمية.

وكلما كان الطالب ذكيا مستوعبا كانت فترة دراسته وحصوله على درجة الإجتهاد أقل من غيره بكثير في سني دراسته، فعلى سبيل المثال، إن العلامة الحلي قد اجتهد قبل البلوغ، والعلامة الصدر بلغ درجة الإجتهاد بعيد البلوغ، وكثيرون أمثالهم.

إن النجف -كأي حاضرة من حواضر العالَم- تستقطب مختلف شرائح المجتمعات ونوازعهم وميولهم ودوافعهم الخيرة والشريرة -وهذا طبيعي في البشر- كما أن أي علم يمكن أن ينفذ فيه الإنسان الطامع لتحقيق رغباته ونزعاته، ويحاول الأدعياء الانتماء إليه، لاسيما العلم الديني الذي يحظى صاحبه بالتبجيل والطاعة من لدن الآخرين، لذلك فليس من الغريب أن يتخفى عشرات الأفراد بين طلبة الحوزة الدينية في النجف وليس هدفهم إلا كسب المال والجاه والعيش على حساب الآخرين، بل منهم من كان يتلبس بلباس الدين وهو عين لحكومته، ومبشر بين المبشرين ضد الإسلام والمسلمين، والعلماء – لاسيما المرتبطون بالله – ليس لديهم جهاز استخبارات ومباحث لاستقصاء سلوك الأفراد، بل هم على عكس ذلك يعتقدون في الأفراد والمسلمين الصلاح والإيمان، كما ينظرون لأنفسهم، ويتعاملون مع الآخرين من حديث " احمل أخاك على أحسنه "

والطالب المتمرس في الحياة يرى الآخرين من حيث كونهم بشر -وربما بشر من النوع الشرير- فهو يلاحظ الحياة العامة وسيرة الأفراد والخط المغاير في ذلك البلد الذي يعيش فيه.

إما العالِم -أو المرجع- فهو ينوء بثقل المسئولية، ويتكل في النظر إلى الناس وإلى تصريف الأمور على حاشيته وأعوانه الذين يثق بهم كل الثقة، ويمنحهم من التفويض ما يعينه على أداء مهماته، ولا بد للعالِم أن يثق بحاشيته وإلا كيف يدير شئونه، هذا علاوة على حسن ثقته بالمسلمين.

دعوة لإعادة النظر:

وكلما تقادمت عادة من عادات المجتمع -سواء كانت إيجابية أم سلبية- زادت تراكماتها ونشأت بها زوائد واحتاجت إلى إعادة نظر وتشذيب وتهذيب، وهذا ما كان قائما في النجف، فمن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر.

1 - وجود مندسين بين الطلبة من مختلف الجنسيات هم أصحاب حرف ومهن، خبازين وندافين وسواهما، فإذا جاء آخر كل شهر لبسوا العمامة وحضروا صلاة الجماعة، ولازموا مسجد ومنزل المرجع للحصول على المرتب الذي يدفعه المرجع كل شهر إلى طلبة العلم.

2 - الاستغلال الذي يقوم به بعض سدنة الروضة الحيدرية للبسطاء من الناس، لاسيما الأميين وأهل الأرياف والمعايدة باسم بركة أهل البيت، والنذور ونحوها.

3 - المبالغ الطائلة التي ترمى في مبنى المرقد الشريف، ويستبد بها رئيس السدنة – الكليدار – حتى إن بعضهم ملأ بها أكياسا من الجوت وخزنها في سرداب منزله فذاب أكثرها بسبب رطوبته وطول المدة عليها، ويندرج في هذا الإطار.

أ - عدم تنظيم الموارد المالية إلى المرجعية وجهة صرفها، لعدم إعداد موازنة مالية للمرجعية كل عام.

ب - تسنم منابر الخطابة لكل من يطلب الكسب بأسهل الطرق، ليحفظ بعض القصيد، وشيئا من الشعر النبطي، والأخبار المشكوك في صحتها، لإرضاء مشاعر العوام، فيهرف بما لا يعرف.

ج - التنافر بين أتباع المراجع وتوسيع هوة عدم الالتقاء، بما يضيع فوائد الاجتماع والنقاش، وبحث المسائل التي تهم الطائفة.

د - عدم مراجعة وكلاء المراجع في الأقطار الإسلامية، ومدى كفاءاتهم وعلاقتهم بالجمهور، وفاعليتهم في تمثيل المرجع، ورضا الناس عليهم، وملاحظاتهم.

هـ - الدعاة والمبتعثون من قِبَل المراجع والمؤسسات الدينية،كيف هم وقدرتهم ومستواهم الأخلاقي والمعرفي، مع قدرتهم العلمية على المناظرة.

و - إعداد لجان ذوات اختصاص وقدرة ومهارة للرد على الإفتراءات ضد الشيعة ومعتقدهم، ودفع الشبهات التي تُلصِق –باطلاً- بهم.

ز - تنقيح بعض كتب التراث، لاسيما التي يتناولها الجمهور، وبالأخص كتب الأدعية التي تتضمن ما يجعل الفرد الساذج يعتمد على ما ورد فيها من عظيم الأجر والثواب، والعفو عن الذنوب، لمجرد تلاوة سطر أو سطرين فيها.

ح - تصرف بعض حواشي المراجع بالقيام بعمل يظن أنه يرفع من مقام المرجع ويحسن إليه، وربما كان لأجل الحصول على التقرب منه أكثر فأكثر، كأن يقوم بعمل آلاف الملصقات والصور لتوزيعها في أنحاء العراق، وهذا يكلف خزينة المرجعية ويضر بالمرجعية عند العلماء والمثقفين.

ط - تعطيل الدراسة الحوزية لأدنى مناسبة، فلو حُسِبت العُطَل طوال العام لأصبحت تشكل ثلثي العام، فشهور محرم وصفر وشهر رمضان المبارك، وعطلة الصيف ثلاثة شهور، والوفيات والأعياد، ومناسبة وفيات العلماء، والخميس والجمعة من كل أسبوع، وهلم جرا، وهذا يستدعي إنفاق مبالغ على الطلاب وهم في عطل مستمرة فيرجع مردود الإنفاق على الموارد، وبما يعيق إدارة المرجعية عن إنفاقها في سبل أخرى كما إنه يضيع على الطالب سنين من عمره.

صحيح إن فترات العطل تعطي للمدرس والدارس فترة للراحة والمراجعة والمذاكرة لكن لا بحيث تفوق أيام الدراسة والتدريس، إلى غير ذلك من الملاحظات التي يُحسها المقيم المتتبع.

بل هناك ما هو أكثر، هناك من يحاول طعن المرجعية من الظهر، لتقويض فاعليتها وإساءة سمعتها، من جهات مسئولة تسعى لمحاربة خط آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) متمثلا في علمائهم والقادة، فترى تلك الجهات تبعث بطوابير بصفة أحادية متكررة لتقيم ليالي الرقص والغناء في الأماكن المقدسة لاسيما في النجف، وتحاول البروز بشكل علني لاسيما بعد منتصف الليل، وفي شارع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالذات الذي يبدأ من أحد أبواب الحرم الشريف، وكأن الموجود فيه في شارع الحمراء -على حد تعبير أحد الخطباء-.

هذا من جانب إشاعة الميوعة الأخلاقية، ولابد أن تجد لها صدى واستجابة عند سائر الناس، وجمهور من غيرهم لأن أسباب الترفيه مما يتبعها أكثر الأمة، ومن جانب آخر تؤهل السلطات -وهي بصدد محاربة المرجعية والمذهب- أناسا تُلبِسهم العمة، وتدفع لهم مقررات شهرية، وتستأجر مقرا، وتشكل لهم حاشية وتدعم موقفهم، فيقومون بمضايقة العلماء العاملين وأصحاب المؤسسات والمراكز الإرشادية والتعليمية، بل ربما زاحمتهم في مواقعهم واحتلتها منهم قهرا، وقد حصل ذلك.

لهذه وأمثالها رأيت أن أُسهِم بما أجده واجبا علي وعلى كل ذي غيرة مذهبية يملك القدرة على الكلمة الهادفة أن يقولها، فأعددت ثلاث رسائل إلى ثلاثة مراجع ومقلَّدين -بفتح اللام- ضمنتها بعضا من تلك السلبيات، ورسمت لها حدودا ومعالجة، وكانت تفي بشيء كبير لو طُبِّقت، وحسب علمي أن واحدا له طموح كبير جدا، وله هدف مرسوم للتغيير، وغايات بعيدة المدى تطوِّر أوضاع الطائفة والمرجعية، وآخر بعيد عن هذا التوجه، وآخر يكاد يكون مطاردا -بل وهو كذلك- وإلا فله خطوات رائدة في فتح مدارس للبنين والبنات، ومكتبات ومراكز توجيه وغيرها، وباب مجلسه مفتوح طوال الوقت بمنظومة من المستقبلين، ولا يخرج الزائر -أي زائر- إلا وهو مزود بمجموعة من الكتب الدينية والثقافية. ولو تركت الجهات المسؤولة له فرصة الحركة والعمل لأصبح له وقع كبير وقيادة في الارتقاء بالطائفة في العراق على أقل تقدير، ولكنها لما رأت أجهزتها جموع الزوار يوميا وإمامته بصلاة الجماعة يضيق الصحن بالمأمومين، أوجدت لها بطانة من أدعياء العلم فقاموا باحتلال بعض المراكز التابعة له، ومضايقته وأعوانه، ومن ثم أُجبِر على المغادرة.

[1]  يجب أن يُعلَم أن الشيعة الإمامية لا تُقِر هذا المبدأ، ولا تلتقي مع هذه الطائفة في عقيدتها وآرائها، والشيعة – كما هو معروف – تحصر الإمامة في اثني عشر إماما فقط، أولهم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم المهدي المنتظَر محمد بن الحسن.
كاتب
305236