صراع السيادة على (العديد)
هيئة التحرير - 15 / 10 / 2007م - 4:18 ص - العدد (3)


 

لم يقتصر الصراع بين بريطانيا والدولة العثمانية على مواضيع مثل: البدع وقرصنة البحار، واقتسام البر والبحر وغيرها، لكنه امتد إلى منطقة أخرى هي العديد. في البدع كان اللؤلؤ، وفي القطيف كانت التمور واللآلىء أيضاً، ولكن ما الذي كان في العديد، ليبرر هذا الصراع عليها؟.‍

قررت بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، أن ادعاء تركيا حق السيادة على العديد هو أمر مختلف عليه إلى حد كبير، وأن من الأفضل، بالنسبة لبريطانيا، الاّ تنفصل العديد عن أبو ظبي متذرعة بالتبعية لتركيا، خصوصاً وأن شيخ ابو ظبي كان أحد الذين ارتبطوا ببريطانيا بموجب معاهدة. وفي عام 1877 كانت بريطانيا ما تزال تصر على أنه لا وجود لأي "دليل ملموس" على قيام سيادة تركية على العديد، ولو أن بعض المراسلات الصادرة عن وزارة الخارجية البريطانية كانت توحي بأن تركيا مسؤولة بشكل ما أو بآخر، عن المنطقة.

هذا من جهة، ولكن من جهة أخرى لم تعارض وزارة الخارجية البريطانية في مراسلاتها مع وزارة شؤون الهند، في قيام السفن الحربية البريطانية في وقف أعمال القرصنة المنطلقة من تلك المنطقة دون تدخل الحكومة التركية أو العودة إلى السلطات المحلية التركية حول هذا الموضوع. وفي رسالة وجهها اللورد سالزبري إلى حكومة الهند بتاريخ الخامس والعشرين من يونيو 1877 أعرب عن رأيه بأن في استطاعتنا مواصلة التعامل مع العديد حسبما يناسب بريطانيا ويتفق مع مصالحها، على الرغم من أن العديد ترفع العلم التركي.

مجمل هذه الأوضاع غير الواضحة دفعت المسؤولين البريطانيين إلى فتح سجلات السياسة البريطانية (المستقرة والمتواصلة) بخصوص علاقات بريطانيا بتركيا في منطقة الخليج خصوصاً في ما يتعلق بحدود مناطق القبائل التي وافقت بريطانيا (في ذلك الحين) على اعتبارها مستقلة. وتبدأ بريطانيا بدراسة إمكانية تحديد الحدود البريّة في منطقة الخليج، بهدف تضييق مناطق سيادة تركيا، ولكن متذرعة بالرغبة في "وقف أعمال القرصنة وتحميل زعماء القبائل مسؤولية هذه الأعمال". فإذا كان الأتراك، والقول هنا لمسؤولي حكومة الهند، يضيقون من نطاق سلطة الشيوخ والزعماء، في حين لا يمارسونها هم أنفسهم، فإن ذلك يصبح سبباً، في نظر بريطانيا، لمنع تركيا من مد سلطتها وسيادتها وتوسيعها في المنطقة. أما إذا لم يتدخل الأتراك في ما ترى بريطانيا من المناسب فعله، فسيكون من الصعب عليها تحديد حدود تلك السيادة (التركية).. بعد هذه الدراسة تخلص بريطانيا إلى قناعة سياسيّة أكثر منها قانونية، مفادها أن ادعاء تركيا السيادة على الشريط الساحلي الممتد بين البدع والالعقير، هو ادعاء ضعيف جداً إذا كان يستند إلى سيادتها على هاتين البلدتين (البدع والعقير) بما في ذلك طبعاً قرية العديد الوقعة على الساحل القطري.

في الثامن والعشرين من شهر مايو عام 1878، أبرق سفير بريطانيا في القسطنطينية إلى وزارة خارجيتة يقول إن وزير الخارجية التركية في ذلك الوقت، صادق باشا، قرأ على مسامعه برقية من والي البصرة يشتكى فيها من أن "زايد بن خليفة، قام على رأس سبعين قارباً ورفقة زورق حربي انكليزي والقنصل البريطاني في بوشهر، بمهاجمة العديد، التي وصفها بأنها إحدى ملحقات منطقة قطر التركية.

بعد أن هرب السكان، نهب المهاجمون البلدة ودمروها ثم انطلقوا في مراكبهم إلى عرض البحر. قال وزير الخارجية التركي إن الباب العالي يأمل في ان يقدم له تفسير ما لهذا الهجوم على أراض تركية. حاولت بريطانيا تأجيل الخوض في موضوع تبعية العديد، بناءً على طلب من حكومة الهند التي ضاع أو فقد من ملفاتها تقرير حول العديد اعده الكولونيل روس، لكن نسخة من التقرير تظهر فجأة لتوضح تاريخ علاقة بريطانيا بالعديد: يعتبر زعيم (شيخ) أبو ظبي، وهو من قبيلة بني ياس، أحد شيوخ العرب المطلين على البحر من الساحل العربي للخليج الفارسي، وترتبط الحكومة البريطانية بعلاقات تعاقدية معه. في عام 1836 قامت قبيلة القبيسات، وهي فرع من قبيلة بني ياس بالانفصال عن أبو ظبي والاستيطان في العديد. قاد حركة القبيسات الانفصالية الشيخ خادم بن نهمان، وكان دافعه الرغبة في تجنب عواقب عمليات قرصنة وقعت حينذاك. وفي شهر مايو 1837، هاجم الشيخ خليفة زعيم ابو ظبي، هاجم المنشقين الانفصاليين وقتل خمسين من رجالهم ودمر البلدة. لكن الرأفة والاعتدال الذي أبداه في اعقاب انتصاره شجع المنشقين على العودة إلى أبو ظبي. وفي عام 1849 قامت حركة انفصالية أخرى تبعها أيضاً عودة إجبارية  ثانية. وفي عام 1869 استقرت جماعة يقودها الشيخ بطي بن خادم في العديد مرة أخرى، وأعلنت أنها لم تعد تدين بأي ولاء للدولة الأم.

وفي الحادي عشر من مارس 1871، كتب الكولونيل بيلي، المقيم البريطاني في بوشهر آنذاك، كتب إلى حكومة بومباي بخصوص شكوى قدمها قبل بضعة أشهر من ذلك التاريخ شيخ أبو ظبي، وتتعلق بعملية الاستيطان الأخيرة في العديد الواقعة ضمن أراضيه. وقد لاحظ الزعيم أن هذا الاستيطان كان غير مناسب لمصالحه في عدد كبير من جوانبه، حيث كان له تأثير سلبي على ازدهار بلدته الأساسية، كما وفر الملجأ والمأوى لعدد من المتهربين من دفع الديون المستحقة عليهم لدائنيهم.

لم يكن الكولونيل بيلي متأكداً تماماً من تبعية العديد لشيخ أبو ظبي، ورغبة منه في التأكد من أن مخاوف شيخ أبو ظبي لها ما يبررها، فقد أمر مساعده الميجور سميث، أن يجري تحقيقاً في المسألة حين يزور الساحل العربي.

توصل هذا الضابط إلى خلاصة مفادها أن العديد هي فعلاً من ملحقات أبوظبي، وأن تجارة بلدة الشيخ الرئيسية تضررت فعلاً من الناحية التجارية ومن نواح أخرى من جراء عملية الاستيطان الأخيرة. كما خلص إلى أن الاستمرار في الحفاظ على المستوطنة واستمرار الاستيطان فيها سيؤديان، إن عاجلاً أم آجلاً، إلى احتكاك وصدامات في البحر.

كما ثبت لدى الكولونيل بيلي أن العديد جزء من ممتلكات (شيخ) أبوظبي، وأن شيخ قطر، الذي تتاخم وتتداخل حدوده من أحد الجوانب مع منطقة العديد، كان يتجاهل كل صلة أو علاقة له بها.

لكن بدأ الوضع يزداد تعقيداً نتيجة وجود قوة تركية على الساحل، في حين ظل شيخ أبوظبي يصر على أن العديد من ممتلكاته، وأن بعض العرب استوطنوها الآن، وأنه يتوجب عليهم تقديم الطاعة والولاء له، وأنه عملاً ببنود اتفاقية الهدنة البحرية أحال القضية إلى المقيم البريطاني، وأنه، بوفائه هذا بالتزاماته حسب اتفاقية الهدنة، يطالب الآن بحق التحرك بحرية على طول الشريط الساحلي ومضايقة المستوطنين الجدد، ما لم يعلنوا خضوعهم لحكمه.

إلاّ أن مستوطني العديد احتجوا على هذا قائلين إن العديد لا تخص أبوظبي وليست من ملحقاتها، وأنهم راغبون في خلق مجتمع مستقل تحت راية  مجموعة الشيوخ المتصالحين، وأن حماية العلم التركي قد عرضت عليهم ولكنهم ما يزالون يرفضونها. الافتراض القائم والمحتمل الآن يقول إنهم قد يقبلون ذلك العرض إذا حاول شيخ أبو ظبي مضايقتهم، مما سيؤدي إلى زيادة تعقيد الأمور ليس في العديد فحسب، وإنما في مواقع أخرى عديدة على الساحل العربي للخليج الفارسي. بناءً على تعليمات الكولونيل بيلي قام الميجور سميث ببحث المسألة مع الشيخ بُطي بن خادم، شيخ القبيسات في العديد، الذي رفض رفضاً قاطعاً الخضوع لشيخ أبوظبي وقال إن قومه مقيمون في العديد لأن هذا حقهم ولأنهم مستقلون. أما الحدود الإقليمية للمستعمرة فكانت تمتد من رأس الهلا إلى الوكره في قطر، ممتدة على طول الساحل الجنوبي، عبر العديد، إلى نقطة مقابلة لجزيرة سير بني ياس، كما ادعى زعيم قبيسات العديد حقاً بجزيرة دالما  ( DALMA ) وجزر أخرى صغيرة ضمن تلك الدائرة كانت حتى ذلك الحين من ملحقات أبو ظبي دون أدنى شك.

وأضاف شيخ القبيسات أن أراضيه هي مواطن القبيسات القديمة التي ستدافع قبيلة القبيسات عنها ضد شيخ أبو ظبي وقبيلته، الذي لم يكن أبداً زعيماً لها، وأن الشيخ بطيّ هو، باختصار، زعيم المنطقة الحقيقي. قال الشيخ إنه سينفذ جميع رغبات المقيم، ولا يفكر في تعكير صفو السلم البحري، ويضيف أنه بدرجة من الفقر لاتسمح له بأن يقوم بمثل هذه الأعمال، ولما أنه تسلم علم الشيوخ المتصالحين، الذي يرفعه دائماً حين يكون في عرض البحر، فإنه يتطلع دائماً إلى البريطانيين طلباً للدعم والتأييد. واعترف بأن شيخ قطر عرض عليه العلم التركي، ولكنه رفضه بحجة أنه تحت الحماية البريطانية.

يبدو أنه عرض هذا الوقف أملاً بالحصول على موافقة البريطانيين بخصوص استقلاله عن الولاء لشيخ أبوظبي. وهكذا أصبح واضحاً وغير موضع شك ذلك المسار الذي سيسير فيه فيما لو امتنعت السلطة البريطانية في الخليج عن الاعتراف باستقلاله.

لا بد أن نذكر هنا، أن الكولونيل بيلي قد أوضح للحكومة البريطانية ان شيخ أبوظبي كان أحد الشيوخ الموقعين على معاهدة الهدنة البحرية (الإمارات المتصالحة)، وأنه عرض موضوع النزاع حول العديد على الكولونيل بيلي على أساس منصبه كمقيم بريطاني في الخليج الفارسي حكماً وقاضياً بموجب اتفاقية الهدنة المذكورة.

استمر الوضع هكذا حتى شهر اغسطس من عام ، حين عاد شيخ أبوظبي لإثارة موضوع العديد مع المقيم الجديد في الخليج الفارسي، الكولونيل روس ( ROSS )  أعرب الشيخ عن رغبته في أن يهاجم سكان العديد من البحر وذلك لتعذر شن هجوم بري. قال إنه يعتبر نفسه ملتزماً بموجب اتفاقية الهدنة، باستشارة المقيم والحصول على موافقته المسبقة.

كان من رأي الكولونيل روس أن الظروف السائدة في تلك الفترة لن تسمح للأتراك بإرسال حملة عسكرية معادية تشن هجوماً على أبوظبي أوعلى أي ميناء بحرية عُمانية أخرى. وإذا فكرالأتراك في إرسال قوات في هذا الاتجاه فإنها ستكون بلا شك مستندة إلى ذرائع تقول إنها تتم بناءً على دعوة من قبل العرب أنفسهم، وقد يكون مفيداً أن يدرس أحتمال قيام بعضهم بتوجيه مثل تلك الدعوة.

"    من رأيي أن أوضاع وظروف شيخ أبوظبي الحالية ربما تؤدي إلى تدخل تركي إذا توفر أحد الشروط الثلاثة التالية:

أولاً: قد يطالب العرب الذين استوطنوا العديد بحماية تركية ضد زعيم أبوظبي إذا ما حاول هذا الأخير مضايقتهم.

ثانياً: قد يطلب شيخ أبوظبي بنفسه مساعدة القوات التركية أو السفن الحربية التركية في عملياته ضد العديد.

ثالثاً: قد يمكن حث زعيم أبوظي على دعوة الأتراك للتدخل في شؤون عُمان".

"    أنا لا أميل للاعتقاد بأن شيخ أبوظبي على هذا القدر من التهور، ولكن بدو عمان مشهورون بقصر النظر، وهم غالباً ما يضحون بالكثير من أجل مكاسب آنية. أما الشيخ زايد بن خليفة، فإنه يكن أشد الحقد والكراهية لشيخ دبي. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى، فزايد غير راض عن قلاع وحصون البريمي. كان الشيخ زايد في ماضي الأيام يمارس نفوذا كبيراً على فرع من فروع قبيلة النعيم، التي تسيطر الآن علىالبريمي. وقد اعتاد أن يزور الواحة عاماً بعد عام، ويقيم في قلعتها، لكنه مُنع مؤخراً من مزاولة عادته تلك. وبناءً على ذلك، لا يجوز أن نتجاهل حقيقة أن تفاهماً بين الشيخ زايد والأتراك يهدف إلى وضع البريمي تحت سيطرة الأتراك، ربما يكون فيه من الإغراء ما يكفي لجذب الطرفين".

"    حين زار شيخ أبوظبي مسقط في شهر سبتمبر من العام الماضي، أخبرني بأنه تلقى رسالة من مسؤول تركي اعتبرها هو دعوة موجهة إليه للاعتراف بسيادة الحكومة العثمانية المطلقة.. بعدها قام الشيخ زايد بالتشاور مع الكولونيل بيلي بخصوص مضمون الرد الذي يتوجب إرساله رداً على الرسالة المذكورة.

"    مما لا شك فيه، حسب رأيي، ان السلطات التركية في الجزيرة العربية تنظر إلى كل من أبوظبي والبريمي على أنهما جزءان من مقاطعة نجد، وأنها ستكون مسرورة جداً حين تتوفر لها أية فرصة مناسبة لاحتوائهما، خصوصاً الموقع الثاني ـ البريمي".

بعد هذه الرسالة، وفي سبتمبر من عام، 1873 أعد الميجور غرانت مساعد الكولونيل روس، تقريراً حول معلمومات تتعلق بمخططات مزعومة وضعها الأتراك، وتهدف إلى مدّ النفوذ التركي ليشمل عمان. إثباتاً لهذا، ألحق الميجور غرانت بتقريره ترجمات الرسائل بعث بها مسؤول تركي يدعى يوسف أفندي إلى كل من شيخ أبوظبي وشيخ دبي، وكذلك ترجمة لرسالة أرسلها شيخ أبوظبي زايد بني خليفة إلى الكولونيل روس. من جميع هذا رسائل خلص الكولونيل روس إلى أن "السلطات التركية في نجد تحاول إقامة تفاهم ودي مع زعماء عمان، لأغراض سياسية وتجارية" وأعرب عن اعتقاده بأن شيخي أبوظبي ودبي لا يرغبان في إقامة علاقة مع السطات التركية، وينهي تقريره بالقول ان التحركات التركية تلك تثير شكوكه ويوصي حكومته بالاستفسار من تركيا عن مغزى محاولاتها.

في شهر مارس عام 1875، عاد الكولونيل روس إن إثارة موضوع مخاوف شيخ أبوظبي، زايد بن خليفة، بخصوص اتصال مستوطني العديد بالسلطات التركية بهدف تأمين حماية تركية للمنطقة، ورغبة شيخ أبو ظبي في مهاجمة العديد عن طريق البحر. كان رد روس على الشيخ زايد أن عليه الإمتناع عن التدخل في شؤون العديد. أما شيخ العديد فقد كتب إلى روس يعلمه بمخاوفه من هجوم قد يشنه زايد على العديد، واعترف في رسالته أن بحوزته علمين اثنين: علم الشيوخ المتصالحين (الموقعين على معاهدة الهدنة البحريّة)، وعلم تركي أيضاً! وأنه كان يرفع الأول أو الثاني حسب مقتضيات الحاجة والضرورة.

خلال عامي 1876 - 1877 وقعت عدة أعمال قرصنة انطلقت من أراضي العديد، واعتقد في بادئ الأمر أن بني هاجر هم مرتكبوها. تأكد نتيجة هذه الأعمال أن شيخ العديد يدفع للأتراك، من خلال شيخ البدع، جزية سنوية تتراوح بين أربعين الى خمسين دولاراً. كما ثبت فيما بعد أن مرتكبي أعمال القرصنة الأخيرة لم يكونوا بني هاجر بل آل مرة (المتحالفين مع الأتراك) وأن شيخ العديد لم يكن متورطاً فيها، ولكنه كان أضعف بكثير من أن يمنع استخدام موانئه لهذا الغرض.

حتى الآن لم يكن البريطانيون يتوقعون أن تطالب تركيا بالسيادة على العديد على الرغم من امتلاك شيخها لعلم تركي كان يرفعه بين الحين والآخر حسب متطلبات الظروف، فقد كانت حتى قبيل سنوات، جزءاً لا يتجزأ من أراضي أبو ظبي. من هذا المنطلق خولت حكومة الهند المقيم البريطاني في الخليج الفارسي، عام 1877، أن يقدم الدعم والمساندة، إذا دعت الحاجة إلى شيخ أبو ظبي (الداخل في معاهدة الهدنة) لمعاقبة الإنفصاليين المنشقين في العديد. كما خول المقيم صلاحية اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع استخدام موانئ العديد من قبل القراصنة.

كما سمح له ببذل المساعي، خدمة للمصلحة البريطانية لتوحيد صف الشيوخ المتصالحين وتعزيز قوتهم، ومن هذا اللمنطلق العمل أيضاً على إعادة الوحدة ورأب الصدع بين مستوطني العديد والقبيلة الأم، قبيلة بني ياس، وبالطبع دعم شيخ أبو ظبي ضد الإنفصاليين في العديد. لم تحرك تركيا ساكناً كرد فعل على هذه الإجراءات، لكن السفير البريطاني في القسطنطينية قدم احتجاجاً إلى وزارة الخارجية التركية على ازدياد أعمال القرصنة على الساحل القطري نتيجة مدّ النفوذ التركي إلى  تلك المناطق، وطالب تركيا بمنع القبائل الخاضعة لها من القيام بأعمال القرصنة أو استخدام موانئ خاضعة لها لشن هذه الأعمال. لم يثر السفير في احتجاجه إلى العديد نظراً لشك الحكومة البريطانية في احتمال ممارسة الأتراك لأية سلطة فعلية في تلك المنطقة.

نفت الحكومة التركية أي علم لها بأي أعمال قرصنة على الساحل القطري، وطلبت منه تقديم تفاصيل دقيقة. في ردها على هذا الطلب ألمحت حكومة الهند إلى أنها طلبت من المقيم في بوشهر (مايو 1877) اتخاذ كل الإجراءات المناسبة لمنع استخدام العديد ملجأ للقراصنة. وقد نقل هذا الطلب إلى الحكومة التركية كجزء من التفاصيل التي طلبتها.

وفي يونيو من عام 1877، أرسل المقيم تقريراً وصف فيه جريمة ارتكبها في عرض البحر مالكو قوارب من العديد، حيث اعتدوا على قارب مملوك لسكان الوكره. وقع الحادث في شهر إبريل من ذلك العام. وفي نفس الوقت عرض شيخ العديد على مساعد المقيم البريطاني شروطه لمصالحة شيخ أبوظبي، فرفضها مساعد المقيم على الفور، وأشار عليه أن يقبل تسوية ومصالحة يحدد شروطها المقيم البريطاني، وأنذره بأن استمراره في رفض هذا الطلب قد يؤدي إلى اتخاذ خطوات أخرى، وكتب المقيم رسالة إلى شيخ أبوظبي أعلمه فيها أن حكومة الهند مصممة على إعادة العديد إلى الخضوع إلى سلطته، وأنها مستعدة وراغبة في دعم جهوده المبذولة لتحقيق هذا الغرض، شريطة الاّ ينفذ هذه الجهود إلا بعد الرجوع إلى المعتمد البريطاني في الشارقة، وطمأنه إلى أن سلطته ستعود عما قريب إلى العديد.

في الوقت نفسه أمر المقيم شيخ العديد بأن يعيد جميع الأشخاص الذين أسروا نتيجة عملية القرصنة الأخيرة، كما أنذره بأن سلوكه تحت المراقبة. اعترف شيخ العديد باشتراك أفراد من قبيلته في عملية القرصنة المرتكبة ضد قارب الوكره K ولكنه تجاهل عملية طلب المقيم القاضي بإخلاء سبيل المسجونين (الأسرى).

اعتبر المقيم أن شيخ العديد انتهك اتفاقية الهدنة البحرية، وبدأ يستعد لأرسال سفينة حربية إلى العديد لأجبار الشيخ على دفع تعويضات للمتضررين من الاعتداء على قارب الوكره.

وفي ديسمبر من ذلك العام، كتب الكولونيل روس إلى حكومة الهند يقول، إن محاولاته إجراء مصالحة بين شيخ أبوظبي وشيخ العديد قد باءت بالفشل، بسبب اعتماد شيخ العديد على تركيا ودعمها له. في نفس العام أحال روس على حكومة الهند رسالة من شيخ العديد أكد فيها هذا الأخير أنه "مرتبط بالحكومة العثمانية، وهو ارتباط لن ننحاز عنه، ولن يكون هناك تغيير أو تبديل في ولائنا".

وفي شهر ديسمبر من عام 1878 يعود الكولونيل روس إلى إثارة موضوع العديد ومسألة السيادة التركية فيقول في تقرير أرسله إلى حكومة الهند في السابع عشر من ديسمبر، إن هناك نقاطاً ثلاث ينبغي استعراضها عند دراسة هذا الموضوع:

أولاً: هل مارست تركيا السلطة الفعلية على العديد في أي وقت من الأوقات؟.

ثانياً: هل ثبت مثل هذا الحق لتركيا بسبب فتحها للحسا، أو احتلالها لقطر؟!.

وثالثاً: هل يمكن أن تعتبر رغبات السكان سبباً مبرراً لإثبات مثل هذا الادعاء أو الحق؟!.

جواباً علىالنقطة الثالثة يقول روس، إن سكان العديد، طبقا للأفكار والعادات العربّية، هم تابعون لشيوخ أبوظبي منذ القدم، وهذا هو رأي الحكومة البريطانية. لكن الادعاءات التركية التي طرحتها الحكومة التركية حينذاك بتشجيع من بعض شيوخ المنطقة، ربما كانت مبنية على اساس الجهل بالحقائق، حتى إن روس يؤكد أن ولاية البصرة لم تكن حتى عام 1877 قد سمعت باسم "العديد". من هذا كله يخلص روس إلى القول بأن لا اساس لادعاء الحكومة التركية بحق السيادة على العديد. وهنا يوصي روس حكومته بمنع امتداد النفوذ التركي إلى تلك المنطقة، حماية للمصالح البريطانية، ولما قد يسببه الاعتراف بالمطلب التركي من اضرار، حيث تعود العديد لتكون ملجأ للقراصنة، بعد أن نقل هؤلاء مراكز نشاطهم إلى نقاط متاخمة للقطيف، وقد تثار مطالب أخرى تشمل الجزر الأخرى المجاورة التي ربما كان لها صلة ما قديمة بالعديد، مما قد يحرك الاضطرابات في تلك المياه ولا تكون بريطانيا قادرة على إخمادها، والتي قد لا تكترث السلطات المحلية التركية بها.

لم تكتف السلطات البريطانية بالطلب من الكولونيل روس أن يبدي رأيه في الموضوع، لكنها دعت الكولونيل نكسون، المعتمد البريطاني في العراق في تلك الفترة لإبداء رأيه أيضاً. قال روس في رسالة أرسلت نسخة منها إلى السفير البريطاني في القسطنطينية، إن بريطانيا لم تتورط أو تتدخل أبداً في نزاعات أو خصومات مع قبائل الأحساء، وأن بريطانيا تتحاشى التدخل في شؤون هذه القبائل الداخلية، وأنه لم توفر أية محاولة أو فرصة سنحت لتحميل الأتراك مسؤولية الاضطرابات في المناطق الخاضعة للسيادة التركية. ويضيف روس أن نكسون، حين كتب عن الأحساء في رسالته المرسلة إلى السفير البريطاني في القسطنطينية، ربما كان يشير ضمناً إلى قطر. يرى روس أن نكسون، إذا قصد ذلك، فهو على خطأ. صحيح أن الأتراك أخضعوا الأحساء لسيطرتهم، وان احتلالهم العسكري لتلك المقاطعة أدى إلى إقامة سلطتهم في كل من القطيف والعقير، إلا أن سلطتهم في قطر أكتسبوها في مرحلة لاحقة وبطريقة مختلفة، أي عن طريق دعوة زعماء البدع المحليين للأتراك للحضور إلى قطر. وباستثناء البدع والمناطق المتاخمة لها لم تتخذ تركيا أية إجراءات لإقامة السلطة التركية على الساحل القطري. بناءً على ذلك، فإن تواصل السلطة التركية ينقطع وينتهي عند نقطة  قرب العقير. من تلك النقطة وحتى البدع تمتد منطقة لم تقم عليها السلطة التركية.. هذه المنطقة تشمل شبه الجزيرة التي تقوم عليها زبارة، وتنتهي عند رأس ركان. في نهاية الدراسة يخلص روس إلى الاراء التالية:

1 - أنه ليس هناك عائق سوى ممارسة تدخل بريطاني في طريق إحكام الطوق بشأن الاحتلال التركي لقطر وصولاً إلى البدع.

2 - أن الحكومة البريطانية غير ملتزمة بأي تعهدات تفرض عليها مقاومة هذا الأجراء التدخلي.

3 - بافتراض ان الحكومة البريطانية لا تجد مبرراً كافياً لاستئناف الإشراف على ذلك الجزء من الساحل والتحكم فيه، فإنه سيكون من الأفضل إطلاقاً أن تتحمل الحكومة التركية تلك المسؤولية وتتخذ الإجراءات الفّعاله للمحافظة على الأمن والنظام. وأخيراً يعرض روس التوصيات التالية علىحكومته: لا يجوز السماح بمد النفوذ التركي إلى ما وراء نقطة محدودة لا تبعد كثيراً عن بلدة البدع. ويجب اعتبار الوكرة ملحقة بالبدع، ويسمح بالتالي بمدّ النفوذ التركي ليشملها. والخلاصة أن الحدود الجنوبية لهذه المناطق يمكن أن تطابق مسار الدرجة الخامسة والعشرين من خطوط العرض الشمالية.

أما بالنسبة للعديد تحديداً فيقول الكولونيل روس إن وضعاً مستقراً في المنطقة يتطلب ترسيماً للحدود يجري التفاوض عليه بين الأطراف المدعية للسيادة والمطالبة بتقاسم النفوذ وتحمل المسؤولية هناك. ويرى روس أن صعوبة قد تبرز فيما يتعلق بادعاءات تركيا ومطالبها في شبه الجزيرة العربية عموماً، ومع ذلك يوصي بدعوة الحكومة التركية إلى تحديد الامتداد الدقيق من الساحل العربي الذي تكون مستعدة لتحمل المسؤولية فيه وتحقيق الأمن والنظام فعلاً على امتداده ومنع استخدامه في ممارسة القرصنة البحرية، بينما تبين الحكومة البريطانية امتداد الساحل الذي تعتبره مجالاً لنفوذها، بما في ذلك العديد، وجزر البحرين ومنطقة الزعماء المتصالحين بأجمعها.

وفي تقرير ذاته يورد الكولونيل روس قائمة بالنتائج التي ستترتب على اعتراف بريطانيا بالحقوق والالتزامات التركية فيقول:

"    مما لا شك فيه أن ظهور الأتراك في مياه الخليج الفارسي واستيلائهم على مناطق هناك قد ضيق امتداد حدود النفوذ البريطاني في المنطقة. لكن لم يكن مناص من ذلك.. فقد امتنعنا منذ سنوات العديدة عن التدخل في شؤون ذلك الامتداد من الساحل الخاضع كلياً أو جزئياً، للنفوذ والحكم التركيين.. مما يجعل انتقال هذا الكم من سيادتنا القانونية إلى الأتراك أمراً مفروغاً منه، فقد كان واضحا للجميع، ومنذ البداية، أن الحكومة البريطانية لم تكن تقصد مقاومة أو لجم الزحف والتقدم التركيين حيث مصالحنا الخاصة لم تكن مهددة، ولهذا فانا لا أعتقد أن اعترافاً كاملاً من جانبنا (بريطانيا) بالحقوق التركية والالتزامات والواجبات التركية سيؤثر الآن تأثيراً ضاراً وسلبياً على مجال النفوذ والهيبة البريطانييين في مناطق نفوذنا. مرة أخرى أقول لو أن تفاهماً واضحاً أمكن تحقيقه كما ورد في الاقتراح، حيث اتضح للحكومة التركية بما لا يدع مجالاً للشك أننا لن نسمح بأي تدخل في البحار حيث نمارس سلطاتنا ونفوذنا، إذن لتلاشى الدافع لدى الأتراك لزيادة قوتهم البحرية في الخليج بدون داعٍ أو سبب، في حين تبقى القوة البحرية البريطانية القوة الأعظم، كما هي الحال الآن".

مما يجدر ذكره في هذا المجال أن الكولونيل روس لم يعثر على "حالة مدونة ولو واحدة أعطى رفعها إلى السلطات التركية عن طريق المسؤولين السياسيين (البريطانيين) في الجزيرة العربية الخاضة للأتراك (مثل الكولونيل نكسون) أية نتائج إيجابية أو مرضية!!. خذ الكولونيل نكسون نفسه كمثال، فرسالته إلى السفيرالبريطاني في القسطنطينية، التي ورد ذكرها قبل قليل، لا تعدو أن تكون استنكاراً مسبقاً لأي إجراء قد يتخذ فيجرح الأحساس والكبرياء التركيين.

كان هذا أحد الأسباب التي دفعت حكومة الهند، والحكومة البريطانية طبعاً، إلى إسقاط مراسلات نكسون حول هذا الموضوع من حسابها، واعتماد تقرير الكولونيل روس وتوصياته التي اعتمدتها حكومة الهند كلها تقريباً، ورفعتها إلى وزير شؤون الهند ليطلب موافقة الحكومة البريطانية في لندن عليها.

ولأن المسألة الأساسية التي يوصي بها روس بحلّها في أسرع وقت ممكن هي مسألة تحديد الحدود بين مجالات النفوذ والسيادة المختلفة في منطقة الخليج ومياهه، فقد اعتمدت حكومة الهند خط الحدود الذي اقترحه روس أيضاً، والمبينة معالمه في الفقرات السابقة، شريطة أن تؤخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:

1 - أن تصر الحكومة البريطانية على موقفها القائل بأن البحرين مستقلة عن أية حكومة باستثناء حكومة بريطانيا العظمى.

2 - أن تضمن بريطانيا إجبار شيخ البحرين على الالتزام ببنود المعاهدة والامتناع عن أي تدخل في شؤون يابسة الجزيرة العربية.

3 - وفي حال تعرض جزر البحرين لاعتداءات القرصنة يسمح للشيخ، بعد موافقة المقيم، باتخاذ الإجراءات الضرورية الكفيلة بالدفاع عن أراضية حسبما تقتضي الضرورة حتى لو اقتضى الأمر مطاردة مهاجميه إلى داخل مناطق السيادة التركية.

4 - حكومة الهند هي صاحبة الصلاحية المخولة التصرف بمصائر القراصنة، مهما كانت جنسيتهم، الذين يلقي القبض عليهم سواء في المياه الإقليمية التركية أو على يابسة الجزيرة العربية الواقعة ضمن مرمى مدفعية السلطات البريطانية.

5 - لا تقوم السلطات البريطانية بأية عمليات عسكرية على الجانب التركي من خط الحدود، لأن مهمة تدمير معاقل القرصنة هناك تقع على عاتق السلطات التركية.

حل مشكلة العديد، إذن، أخذ أبعاد حل شامل لمسألة السيادة القانونية في منطقة الخليج، لكن بريطانيا تصر على الاحتفاظ بحق السيادة القائم على مياه الخليج بأكمله، وعلى فرض حماية كاملة وشاملة على جزر البحرين الواقعة داخل خط الحدود التركية، وعلى عدم السماح لأية قوة أو دولة أخرى بالتدخل في الإجراءات والتحركات على الجانب البريطاني من خط الحدود، سواء كان ذلك التدخل من البر أم من البحر.

إضافة إلى ذلك تصر بريطانيا على ضرورة اعتراف تركيا بخضوع الزعماء المتصالحين لبريطانيا خضوعاً كاملاً وشاملاً، وليس فقط بالنسبة لإجراءاتهم أو تحركاتهم في البحر. وفي استقراء للمستقبل البعيد، يقترح الكولونيل روس على حكومته أن، تقوم في وقت ما في المستقبل بدمج جميع إقطاعات هؤلاء الشيوخ الصغار وقبائلهم وضمهم إلى مسقط، حيث يمنح سلطان مسقط صلاحيات السيد الإقطاعي وتصل حدود سيادته إلى الحدود التركية. مقابل هذا التوسيع في أراضي شيخ مسقط تعرض بريطانيا عليه جزية تساهم في نفقات القوة البحرية المتمركزة في الخليج الفارسي. يعود تاريخ هذه التوصية إلى عام 1879، ومن الواضح أنها كانت تهدف إلى صيانة المصالح البريطانية والتخفيف من النفقات والمسؤوليات الإدارية قبل كل شيء. ومن الطبيعي أن تستتبع هذه التوصية توصية أخرى تقضي بإعادة النظر في جميع الاتفاقات والمعاهدات المعقودة بين الحكومة البريطانية من جهة وبين شيوخ القبائل المتصالحة وكذلك مسقط. أما المفاوضات مع الباب العالي حول هذا الموضوع، التي يوصي بها روس أيضاً فيجب أن تهدف إلى تحديد معالم وحدود السيادة التركية، ولكن يجب أيضاً أن تضمن مركز بريطانيا وهيبتها التي يقول روس إن بريطانيا حرية بها نظراً لما قدمته من عظيم الخدمات لتلك المنطقة.
 

200412