تياران..
الدكتور تركي الحمد - 1 / 3 / 2011م - 6:32 ص - العدد (21)

وفق نظرة عالمية شاملة، تتجاوز جزئيات السياسة إلى عمومياتها، يمكن القول إن المشهد السياسي العالمي اليوم، يتجاذبه تياران أو ظاهرتان بالأصح: تيار وحدة وتيار تجزئة في ذات الوقت. ففي الغرب، والأوروبي منه خاصة، هناك اتجاه للوحدة الشاملة، بل هو حقيقة سياسية بالقيام الفعلي للاتحاد الأوروبي، وخاصة بعد تبني اليورو عملة واحدة لمعظم أقطار أوروبا الغربية. وفي الشرق، الأوروبي وغير الأوروبي، هناك اتجاه للتجزئة متسارع منذ تفتت الاتحاد السوفيتي. فالاتحاد اليوغسلافي تفتت، والاتحاد الروسي على وشك أن يتبع مصير الاتحاد السوفيتي، وسيرلنكا والهند وأندونيسيا تواجه مشاكل انفصالية، ناهيك عن السودان والصومال وأثيوبيا.

أما بالنسبة لعالم العرب، فهم ملتهون بوهم الوحدة العربية الكبرى، فيما ذات الدول القطرية مهددة بالتفتت، وكأن ما ينطبق على العالمين أجمعين، لا ينطبق على عالم العرب منفردين وغير منفردين.

ليس هذا هو المهم هنا حقيقة، مع أنه مهم، ولكن المهم هو ذلك السؤال المؤرق: لماذا يجري في الغرب ما يجري، ويجري في الشرق عكس ما يجري، رغم أننا جميعاً ننتمي إلى عصر واحد، زمنياً على الأقل؟

حقيقةً ليس لديَّ إجابة مطلقة، وإنما هي مجرد افتراضات تحتاج إلى مزيد من الفحص والتمحيص، ومحاولة لربط التاريخ بالسياسة، قبل أن تكون المسألة ربطاً ما بين التاريخ والجغرافيا.

فالغرب عبر عن نفسه وعن حركة مجتمعاته خلال فترات طويلة من التاريخ الحديث والمعاصر، وكانت السياسة معيناً له على ذلك طوال فترات تطوراته الداخلية، فوصل في النهاية إلى تلك النتيجة المنطقية، ألا وهي أن البحث عما هو مشترك بين شعوبه ومجتمعاته، أجدى وأصلح للجميع من البحث عما هو مختلف فيه. تُركت المجتمعات لنفسها، فوصلت في النهاية بنفسها، وهنا يكمن في اعتقادي فصل الخطاب.

أما الشرق، أوروبياً كان أو غير أوروبي، فقد كان دوماً خاضعاً للتوجيه والوصاية، داخلية كانت هذه الوصاية أو خارجية، فكرية وثقافية كانت أو سياسية واقتصادية، فكان مجرد الشعور بالحرية في نهاية الأمر،دافعاً لكل ممارسة وأي ممارسة، دون أن يكون ذلك مترافقاً بوعي معين للمسؤولية التي لا تستقيم الحرية من دونها، وإن أدى ذلك إلى ضياع أهداف لا يُلبث أن يُسعى وراءها بعد حين.

ولا يمكن لوم الشعوب والمجتمعات هنا، طالما لم تُمنح فرصة التعبير عن نفسها من قبل، ولم تُدرب على ممارسة الحرية منذ البداية.

وفي الختام، هل رأيتم رقيقاً يحسن الاختيار حال تحرره؟

هذا هو السؤال..

وفيه يكمن الجواب..

371308