مسكوكات عباسية ضربت بالبحرين
محمود بن يوسف سليمان الهاجري * - 1 / 3 / 2011م - 7:35 ص - العدد (22)

تمهيد

(تاريخ النقد لشرقي الجزيرة)

تعد المسكوكات أحد أهم المصادر الأساسية الدقيقة في كتابة التاريخ لما تحمله من شعارات ومعلومات مركزة ومعبرة تحمل الكثير من المغازى الإعلامية السياسية منها والاقتصادية والدينية، وكانت أهم وسيلة إعلامية للدول في الفترات الغابرة، لذلك لا غرابة أن نجد اهتمام الدولة الإسلامية كبيراً بالمسكوكات حيث بلغ أوجه في الفترة العباسية فقد بلغ عدد دور السك في مدنها ومدن حلفائها من الدويلات الاسلامية أكثر من 190 داراً، فبالرغم من هذا العدد الهائل من دور السك فأننا لا نجد لإقليم البحرين دار سك للنقود.

فإقليم البحرين (شرق الجزيرة العربية) وبالرغم من الدور الحيوي الذي لعبه خلال فترات التاريخ القديم والإسلامي، إلا أنه لم ينل حظاً جيداً من اهتمام مراكز الخلافة الإسلامية في عهد الدولتين الأموية والعباسية، ربما يعود ذلك لأسباب سياسية أو أخرى، قد تطرق لها الكثير من الباحثين في عدد من المواضيع، وما نعنيه هنا هو حرمان أو خلو هذا الإقليم من دار سك نقد الذهب والفضة، ففي علم النميات يلاحظ الندرة العالية للمسكوكات الإسلامية التي ضربت بالبحرين أو إحدى قصباتها

إن أوج ازدهار شرق الجزيرة هي فترة الجرهائيين أبان القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الثاني / الثالث الميلادي حيث شهد طفرة اقتصادية يدل على ذلك الكم الهائل من المسكوكات الفضية والبرونزية التي عثر عليها بمواقع شرقي الجزيرة العربية مثل الدور ومليحة (الإمارات العربية المتحدة) وثاج، كنزان، الشعبة، القطيف، الظهران وجاوان (السعودية) والبحرين, وفيلكا (الكويت) , هذه المسكوكات يعتقد أنها ضربت محليا وحملت شعارات وسمات إغريقية وكتابات بالمسند الجنوبي (جنوب الجزيرة العربية) وهي رديئة السك[1] .

ظهر بعد ذلك الدرهم الساساني والذي تبين التعامل به من خلال ما عثر عليه بدارين عام 1981م[2]  والراكة (شرق السعودية) وغيرها في فترات قبيل الإسلام وحتى فترة ما قبل سك النقد الإسلامي الخالص عام 77/78 هـ في عهد عبد الملك بن مروان.

في فترة الدولة الأموية (40 هـ - 132 هـ) لم يظهر إلى الآن من النقد ما يشير بضرب مسكوكات بإحدى مدن البحرين، ولكن عثر على دراهم أموية مختلفة مدن السك بموقع الراكة كما سنرى لاحقاً.

أما بنو العباس (132هـ - 656هـ) فمن المعروف أنهم قد اعتبروا البحرين واليمامة ودجلة وفارس وأحياناً عمان من أعمال البصرة، ضربوا خلالها دراهم في اليمامة بخلافة المهدي (158 - 169هـ) فقط في السنوات التالية165 - 166 - 167 - 168 - 169هـ نقش كلمة (حجر) على مسكوكات السنوات الثلاث الأولى أما مسكوكات السنتين الأخريين فنقش اسم عبد الله بن سعيد (وهو عبد الله بن سعيد بن فلان بن سعيد بن عمرو بن الأسود والي اليمامة سنتي 168 - 169هـ)[3] ، يذكر أن المعلى مولى المهدي كان عامله على البحرين[4] .

ومن الجدير بالذكر أنه عثر على مجموعة دراهم (عددها 42 قطعة) ساسانية وأموية وعباسية شمال الخبر بالسعودية تحوي7 دراهم ضربت باليمامة سنتي 167 - 168هـ[5] .

في جزيرة فيلكا بدولة الكويت عثر على فلس عباسي ضرب سنة 157 هـ في عهد الخليفة أبو جعفر المنصور[6] .

وعثر أيضاً على درهم عباسي ضرب مدينة بلخ سنة 185هـ باحد المواقع الأسلامية بمنطقة البدراني جنوبي الجبيل شرقي السعودية بـ30كم[7] .

في أحد التنقيبات الأثرية بموقع برج أبو زهمول بالعقير شرقي الأحساء للموسم 1412هـ عثر على دينار طولوني لخمارويه بن أحمد ضرب بـمدينة حران سنة 276هـ[8] ، في ذلك دلالة على الصلات التجارية مع مصر أو الشام رغم قرب البحرين من مركز الخلافة العباسية.

في عهد القرامطة (289 هـ – 467 هـ) يذكر انهم شاركوا الخلفاء العباسيين تارة والفاطميين تارة أخرى بأسمائهم على دنانير ضربت بمدن الشام التي احتلها القرامطة مثل فلسطين سنة 361هـ (عباسي)، طبرية سنة 361هـ (عباسي)، فلسطين سنة 362هـ (عباسي)، دمشق سنة 365هـ (فاطمي)، دمشق سنة 365هـ (عباسي)، فلسطين سنة 365هـ (فاطمي)، طبرية سنة 366هـ (فاطمي)، فلسطين سنة 366هـ (فاطمي)، دمشق سنة 367 هـ (فاطمي)[9] ، ولم تسك هذه الدنانير بإحدى مدن البحرين وهي مركز حكمهم، والتي ذكر أنهم استخدموا فيها نقوداً محلية من الخزف والرصاص[10] .

خلال موسم 2001م عثرت البعثة البريطانية مؤخراً بمملكة البحرين وأثناء التنقيبات الأثرية بموقعي مسجد الخميس و تلة عين الحسن على مجموعة من المسكوكات ذكرت منها دينار فاطمي ضرب بالقاهرة سنة 397 هـ[11] ، وهي فترة ضعف أو احتضار بالنسبة للقرامطة، يذكر أن الأعصم القرمطي (دخل دمشق سنة 365 هـ باسم المطيع العباسي ثم ساعده للمسير إلى مصر لكن المعز لدين الله الفاطمي أرضاه بمال فعاد للشام[12] ، وفي عام 368 انهزم القرامطة أمام الفاطميين[13] .

أن وجود مثل هذه المسكوكة الفاطمية وكذلك الحال للدينار الطولوني سابق الذكر يدل على وجود علاقات اقتصادية وربما سياسية حيث لاحظنا تذبذب العلاقات القرمطية مابين العباسيين والفاطميين.

أما في فترة الدولة العيونية (467 هـ - 636 هـ) فيبدو أنه لم تكن لهم سكة خاصة بهم وأنهم تداولوا السكة العباسية لولائهم أو تبعيتهم لها، وهكذا كان حال الدويلات التي تلت ذلك كبني عصفور والجبور.

كما تجدر الإشارة إلى العثور بين الفترة والأخرى على مسكوكات صفوية وقاجارية وهندية وأسيوية أخرى بمواقع الراكة وعين السيح والعقير(السعودية) كملتقطات سطحية تعود للقرن العاشر والحادي عشر الهجري، هذا بالإضافة إلى المسكوكة ذات الشهرة الواسعة إقليمياً والغريبة شكلاً ألا وهي طويلة الحسا والتي استخدمت في القرن الثاني عشر وحتى بداية القرن الرابع عشر الهجري.

هذا بشكل موجز نبذة عن تاريخ النقد بإقليم البحرين من خلال ماعثر عليه وما اطلعنا عليه، إلا أن ظهور مجموعة من المسكوكات ضربت بالبحرين في الفترة العباسية قد أحدث نوعاً من التغيير على خارطة المسكوكات الإسلامية وإن كانت هذه المجموعة من فئة الفلوس.

والمسكوكات النحاسية نادرا ما تنتقل من المدن المضروبة بها إلى مدن أخرى لضعف قيمتها، أثبت ذلك الحفائر الأثرية بمدينة الري حيث لم يعثر على فلساً واحداً من مدينة سواها، وعادة ما تستخدم الفلوس لقضاء الحاجيات الصغيرة والرخيصة دليل على ذلك ما جاء على بعضها بأنه لأهل تلك المدينة، فأمير المنطقة أو حاكم الولاية هو صاحب الصلاحية بضرب الفلوس، وبها معلومات أكثر منها على النقود الفضية والذهبية، وكانت أسعار صرف الفلوس بالنسبة للدراهم تتغير كثيراً فأحيانا يكون 48 فلسا لدرهم وأحيانا كل 32 فلسا وأخرى 24 فلسا.

وكلمة فلس اخذت من كلمة follis البيزنطية، ويشار اليها بكتب دراسات النقود بحرفي AE، ونظراً لأنه لم تفرض الزكاة على المسكوكات النحاسية أي أنها لم تعتبر نقوداً[14] .

الفلوس العباسية المسكوكة بالبحرين

(موضوع البحث)

نشر الأستاذ / سمير شما كتاباً بعنوان (ثبت الفلوس العباسية)، وهو إصدار قيم

رصد فيه جميع الفلوس العباسية المنشورة والمعروضة بالمتاحف والمجموعات

العالمية، ضمنه مجموعة من الفلوس التي ضربت بالبحرين في خلافة أبي جعفر المنصور (136 - 158هـ)، هذه المجموعة وعددها 9 تسعة قطع تعد من النوادر، جمعت من القطيف والجبيل واستقرت في جمعيات و متاحف عالمية متخصصة مثل ANS[15]  و BM[16]  وسنوردها بالتفصيل لما لها من أهمية بالغة من حيث المعلومة التي حوتها هذه الفلوس، أرى أو أتمنى أنها ستفيد الباحثين وأن تسد إحدى الثغرات في التسلسل الزمني لأمراء البحرين في العهد العباسي وعلى الأخص فترة الخليفة أبو جعفر المنصور، هذه الفلوس المسكوكة بالبحرين هي عبارة عن ملتقطات سطحية تم جمعها عن طريق أفراد ثم وجدت طريقها للمتاحف العالمية والمجموعات الشخصية، وقد حوت معلومات جيدة.

أما مجموعة الفلوس التي نشرها الأستاذ شما فيبدأ تاريخها من سنة 140هـ، وهي كما وردت في كتابه:

1 - فلس ضرب سنة 140 هـ، كتب على وجهيه (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) (/// الفلس بالبحرين سنة أربعين ومئة)

يوجد 6 نماذج من هذا الفلس عثر عليها بالقطيف قطرها 16-17 ملم محفوظة لدى BM كما يوجد نموذج أخر عثر عليه قرب الجبيل، الوزن 2.783غ، القطر 18ملم محفوظ لدى ANS.

2 - فلس ضرب قبل 148 هـ، كتب على وجهيه (بسم الله محمد رسول الله) (مما أمر به الأمير عبد ربه بن شريك لأهل البحرين)

يوجد4 نماذج من هذا الفلس عثر عليها بالقطيف محفوظة لدى BM.

3 - فلس ضرب قبل 148 هـ كتب على وجهيه (بسم الله محمد رسول الله) (مما أمر به الأمير عبد ربه لأهل البحرين)

يوجد 4 نماذج من هذا الفلس عثر عليها بالقطيف القطر 14-19 ملم محفوظة لدى BM.

4 - فلس ضرب سنة 148 هـ كتب على وجهيه (لا اله إلا الله) (صلى الله على النبي وسلم. مما أمر به الأمير عبد الملك. /// بالبحرين سنة ثمان واربعين) عن tubingen ?

5 - فلس ضرب سنة 155 هـ كتب على وجهيه (الأمير) (بسم الله ضرب بالبحرين سنة خمس وخمسين ومئة)

يوجد نموذجين من هذا الفلس عثر عليها بالقطيف محفوظة لدى BM.

كم توجد قطعة لدى ANS مصدرها محمد الفارس القطيف عام 1965 م، الوزن 1.477غ، القطر 16 ملم.

6- فلس مجهول التاريخ كتب على وجهيه (ضرب هذا الفلس /// مئة ///) (محمد. بسم الله مما أمر به الأمير ///)

يوجد 4 نماذج من هذا الفلس عثر عليها بالقطيف، القطر 15-19 ملم محفوظة لدى BM

7 - فلس بدون تاريخ أو مفقود كتب على أحد الوجهين (محمد رسول الله الحرث يؤمن بالله)

يوجد5 نماذج من هذا الفلس عثر عليها بالقطيف، القطر 16-19 ملم محفوظة لدىBM.

8 - فلس بدون تاريخ أو مفقود كتب على أحد وجهيه (الأمير الربيع. بن عبد الله. محمد رسول ///).

يوجد نموذجين من هذا الفلس عثر عليها بالقطيف محفوظة لدى BM.

9 - فلس مفقود التاريخ كتب على وجهيه (مما أمر بها. لمهدي محمد بن. أمير المؤمنين. على يدي///. // مئة) (لا اله إلا الله وحده لا. شريك له. محمد /// الله)

يوجد 4 نماذج من هذا الفلس عثر عليها بالقطيف محفوظة لدى BM.

الخاتمة

من خلال ما تقدم يتضح أن غالبية النماذج المذكورة عثر عليها بالقطيف، ربما يعني ذلك ثقلاً إقتصادياً لها في تلك الفترة، ويبداء تاريخها من 140 هـ حتى 155 هـ،وكذلك ورود ثلاثة أسماء لأمراء بالبحرين وهم:

1- الأمير عبدربه بن شريك بدون تاريخ على المسكوكة، على الفلس رقم 2.

2- الأمير عبدالملك لسنة 148 هـ، على الفلس رقم 4.

3- الأمير الربيع بن عبدالله بدون تاريخ أو مدينة السك، على الفلس رقم 8.

هذه المجموعة حسب علمي المسكوكات الوحيدة المكتشفة إلى الآن التي ضربت بالبحرين طوال الفترة الإسلامية يستثنى من ذلك قطعتين مشكوك في سكهما بالبحرين، إحداها دينار عباسي (محفوظ بمكتبة الخديوي بمصر) ضرب عام 261 هـ، نقش أسفل اسم الخليفة المعتمد على الله كلمة (بحرين) قرأها لافوكس (نجران) وقرأها روجرز (إيريز)[17] ، ولي هذا العام على البحرين كما يذكر الطبري موسى بن بغا[18] .

إن سك هذا الدينار لو صحت قراءته يأتي في فترة قتال المعتمد لصاحب الزنج

والتي استمرت من 258 - 270 هـ، وكانت بداية ظهوره بمنطقة البحرين وقتل بالبصرة (وهي أيضاً الفترة التي سبقت ظهور القرامطة بـ 25 عام) أي أنها فترة ثورات وقلاقل وأن الخليفة أراد بهذا أن يلعب دوراً سياسياً وإعلامياً بولاء وتبعية إقليم البحرين للخلافة العباسية.

أما المسكوكة الأخرى فهي لنقد فضي (محفوظ بمتحف البحرين) للسلطان أبو سعيد الإيلخاني (721 - 736 هـ) نقش على أحد وجهيه كلمة (ضرب بحرين)

بدون تأريخ، وهو كما ذكر د/ محمد باقر الحسيني نقد إعلامي شكك في سكه بالبحرين[19] .

كما ذكر الأستاذ الحسيني أن هناك مسكوكة لدرهم بويهي ربما سك بإحدى مدن البحرين ضرب ببرقان سنة 354هـ لعضد الدولة في عهد الخليفة العباسي المطيع لله، وبرقان هذا قيل أنه جبل قرب كاظمة[20] .

ولكن يستبعد ذلك لخضوع تلك المنطقة جنوب البصرة لنفوذ القرامطة.

يجب ملاحظة أننا استبعدنا عمان من موضوع البحث لأنها لم تكن في نطاق اقليم البحرين مع العلم أن بها داراً للسكة.

في الختام هناك تساؤلاً يتبادر للذهن حول اقتصار سك هذه المجموعة في فتر أبي جعفر المنصور دون غيره من الخلفاء العباسيين، ولماذا تركز وجودها في القطيف ؟، مع العلم أن في هجر أحد الأسواق المعروفة في الجزيرة العربية كان يقام سنويا وجزيرة أوال هي العمق الإستراتيجي للتجارة البحرية للمنطقة، آمل أن أجد إجابةً من الباحثين والمؤرخين كما آمل مستقبلاً المزيد الكشوفات الأثارية والتاريخية حتى يتسنى لنا كتابة تاريخ هذه المنطقة بشكل أفضل، كما أنوه بأن ما ذكر بالمقدمة لا يمثل مسحاً شاملاً لما عثرت عليه دول الخليج من مسكوكات بقدر ما هو مدخل لموضوعنا الرئيسي.

[1]  د. بوتس - مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية. ترجمة د. صباح عبود جاسم الإمارات 1998 م.

[2]  المغنم.علي - دراهم ساسانية. مجلة الوثيقة العدد3.

[3]  العش محمد أبو الفرج. النقود العربية الإسلامية المحفوظة بمتحف قطر الوطني 1404هـ.

[4]  آل عبد القادر. محمد بن عبد الله ين عبد المحسن - تحفة المستفيد. 1379هـ.

[5]  روبرت.و. موريس. تقرير لم ينشر - ارامكو السعودية. 1966م.

[6]  مجلة العربي - العدد492 1420 هـ ص 96.

[7]  عثر عليه أحد المواطنين كملتقط سطحي.

[8]  المغنم. علي بن صالح وآخرون - تقرير حفرية العقير .

[9]  الزيلعي. أحمد بن عمر - مسكوكات ذهبية جنابية ضرب بلاد الشام. 1412هـ.

[10]  آل عبد القادر. المصدر السابق.

[11]  http.//www chinatopnews.com

[12]  أل عبد القادر - المصدر السابق.

[13]  حبيبة - د/ علي - قضايا التاريخ في البحرين - مجلة الوثيقة العدد 5.1404هـ.

شما. سمير - ثبت الفلوس العباسية. الطبعة الأولى 1998م.

[15]  ANS =American numismatic Society

[16]  BM=Uncatalogued coins in the british museum

[17]  catalogue of the collection of Arabic coins. by Stanley lane - poole. 1984

[18]  أل عبد القادر - المصدر السابق.

[19]  الحسيني. د. محمد باقر - الوثيقة العدد 7.

[20]  الحسيني. المصدر السابق.
كاتب - متحف الدمام الإقليمي - السعودية
304701