الشعر المهاجر من الخليج إلى الهند
عدنان السيد محمد العوامي * - 15 / 10 / 2007م - 4:20 ص - العدد (3)


 

إذا صحَّ ما قاله البانديت سوامي ديانندجي أنَّه لما أراد (كورو) خداع أعدائهم ( باندو) بأن ينزلوهم في بيت مصنوع من الشمع أثناء حرب (مهابهاراتا)(1) كشف دروجي عن المؤامرة باللغة العربية، وأجابه بدهشتر بنفس اللغة.(2) إذا صح هذا فإنَّ صلة اللغة العربية بالديار الهندية تضرب في أغوار التاريخ، إذ تعود إلى ما قبل ميلاد المسيح بأكثر من خمسة قرون.

ولا يمكن أن نتصوَّر  أن تأتي الصلة عن غير طريق الخليج، وجنوب شبه الجزيرة العربية،  فنحن إذا فحصنا طرق التجارة بين مراكز الحضارة القديمة في الجزيرة العربية، فسنجدها منحصرة في أربع طرق فقط، إحداها تمتد من الشام محاديةً للبحر الأحمر، وتنتهي إلى اليمن، والثانية تصل بين العقبة والبصرة، وعمان بمحاذاة الخليج، ثم بين البصرة وهرمز بمحاذاة الساحل الايراني،  والثالثة تربط بين بلاد الشام ونجد، ثم تنشعب إلى شعبتين تتجه إحداهما إلى اليمن، والثانية إلى القطيف، أما الطريق الرابعة فتمتد من اليمن إلى القطيف بموازاة البحر العربي والخليج(3).

ولهذا السبب تتضح أهمية موانئ الخليج وجنوب الجزيرة في انتعاش التجارة القديمة بين الهند والرومان واليونان، فحتىالطريق الوحيدة التي تمر عبر البر الايراني  هي أيضًا متَّصلة بحرًا بالخليج، وإذن فمن غير المتصور أن تقوم هذه التجارة بغير سواعد البحَّارة العرب سكَّان الخليج وجنوب شبه الجزيرة العربية، ويفهم مما يفترضه ويلسن من قيام صلات تجارية ما بين شمال الهند ودلتا شط العرب أن هذه التجارة لا بدَّ أن تمر بموانئ الخليج أيضًا(4).

وليس من قبيل التخرص ما يقال عن دور النشاط التجاري في  تمازج الحضارات، ونقل ثقافات الأمم، وتعريف الشعوب بعضها ببعض، فمن هذا النشاط نفهم الكيفية التي تسربت بها اللغة العربية إلى الهند في وقت مبكر جدًّا، وقد لا يعدو الحقيقة من قال بانتساب الخط البراهمي إلى الأصل العربي، اعتمادًا على أنَّه دخل الهند بواسطة البحارة الفينيقيين، ثم طوَّره الهنود بما يلائم لغتهم، فالفينيقيُّون عرب كنعانيون استوطنوا الخليج العربي، وإذن فليس غريبًا ما يلاحظ من تأثر اللغات الهندية في المقاطعات الساحلية الغربية والجنوبية باللغة العربية، بل لقد وجدت اللغة العربية ذاتها في نقوش دولتين من دول الهند، هما امبراطوية (موريا Maurrian) وهي أول إمبراطورية أسَّسها الأمبراطور جندره كيتا موريا في عموم الهند، وكذلك دولة (أندرا) في الجنوب الشرقي من الهند، ولعل ما يلاحظ الآن من كتابة بعض تلك اللغات بالحرف العربي، وكثرة المفردات العربية في بعض تلك اللغات كالأردو، والكانادا،  يعود إلى تلك الأغوار السحيقة من الزمن. (5)

وكما كان الخليج الجسر الذي عبرت منه اللغة العربية إلى الهند، فقد كان أيضًا الجسرَ الذي عبر منه الإسلام إلى هناك، فالتاريخ يخبرنا أنَّ والي البحرين عثمان بن أبي العاص أرسل أخاه الحكم بن أبي العاص في جيش إلى سواحل الهند في خلافة عمر بن الخطاب(6) وهذا الجيش يعتبر أوَّل ربايا المسلمين إلى هناك، وأمَّا ما يقوله بعض المؤرخين عن اعتناق ملك المليبار الإسلام في عهد الرسول على يد مالك بن دينار وأخيه، ففيه نظر، فإنَّ مالكًا متأخر جدًّا عن زمن الرسول ، فقد توفي سنة 140 هـ.(7)

وفي عهد الخليفة عثمان وضح دور عبد القيس في استطلاع الأوضاع في الهند، حين قام حكيم بن جبلة العبدي بهذه المهمة غير أنَّ الخليفة لم يجد لديه حافزًا لغزوها فتخلَّى عنها.

وفي عهد الإمام علي بن أبي طالب غزا الحارث بن مرة العبدي السند ــ وهي من أراضي الهند ـ وتوغل حتى القيقاء، وقتل فيها سنة 42 هـ. وفي عهد معاوية بن أبي سفيان اندفع قائد آخر من عبد القيس هو عبد الله بن سوار العبدي نحو القيقاء ثأرًا لدم الحارث فعاد حاملاً بعض الغنائم، وشجَّعه انتصاره على تكرار المحاولة، ولكنه قتل هناك.(8)

إنَّ هذه الغزوات لم تحقق فتح الهند،  لغلبة الإجتهاد الفردي عليها، إذ أنَّها تمت إمَّا بدون علم الخليفة، أو بإذنه فقط دون مساعدته، ومع ذلك يمكن القول بأنَّها هي التي مهَّدت لغزاة محمد بن القاسم التي أسفرت عن إدخال الهند نهائيًا في حضيرة الإسلام.

وصلة الهند الثقافية بالعالم العربي لم تكن مقتصرة على المسلمين وحدهم، فقد لوحظ وجود صلات بين المسيحيين الأقباط في مصر ونظرائهم في الهند، فكانت الرسل تأتي إلى مصر  من حكام الأقاليم الهندية تطلب إمدادها بالأساقفة، أما لماذا افترضنا ــ آنفًا ــ وساطة الخليج في تلك الصلات، فيؤكده ما نقله القلقشندي من تذكرة (محمد بن مكرم) عن تلك الوساطة، وهذا هو نص قوله حرفيًّا: (تقدم في الكلام على المسالك والممالك في المقالة الثانية عند ذكر الديار الهندية أن من جملة ممالك الهند مملكة تعرف بالسِّيلان، وقد رأيت في تذكرة محمد بن مكرم التي جمعها في وقائع ديوان الإنشاء بالديار المصرية، أنه في سنة اثنتين وثمانين وستمائة وصل كتاب من صاحب السيلان هذه ..... عليه كتابة تشبه الخط الرومي أو القبطي، فطلب من يقرؤه فلم يوجد، فسئل الرسل عما هو مكتوب فيها، فقيل : إنَّه سيَّر رسوله رومان ورفيقه، وقصد أن يسيِّر معهما الهدية إلى الباب الشريف، فقيل له: ما لهم طريق. فقال لهم: سافروا إلى (هرمز) فحضروا إليها، وذكروا أنَّ مضمون الكتاب السلام والدعاء للسلطان..)(9).

وشبيه بهذا ما ذكره ابن بطوطة عن الملك الصالح ركن الدين العجمي، وهو شيخ الشيوخ الذي بعثه الخليفة العباسي رسولاً من قبله من مصر، ومعه الشيخ رجب، والشيخ سعيد الهندي وجماعة من الصوفية بكتاب يتضمن تولية ملك الهند النيابة عنه في الديار الهندية،  وخلاصته أنَّ ذلك الوفد قد سلك طريق الأبلة - قرب البصرة - في طريقه إلى الهند.(10)

الروحانية هي السبب
 
 

إذا كانت الصلات الثقافية وحدها قد أحدثت ذلك الأثر الذي أشرنا إليه في لغات  المقاطعات الساحلية الهندية - وهو أثر لا بد أن يظهر بشكل أو بآخر على ثقافة تلك المقاطعات - فكيف يكون الحال بعد انتشار الدين الإسلامي فيها؟ وبعد أن قامت فيها دول إسلامية مستقلة منذ عهد الغزنويين؟.

وفي العصور المتأخرة تجاوزت العلاقة بين الدول الإسلامية الهندية والعالم العربي النواحي التجارية الثقافية أو الدينية إلى الناحية السياسية، كما هو ظاهر بوضوح من خضوع سلاطين تلك الدول - ولو إسميًّا -  للخليفة العباسي. يبدو ذلك الخضوع جليًّا من قيام أولئك السلاطين بالدعوة للخليفة العباسي، وكذلك صدور العهود من الخليفة إلى أولئك السلاطين بتقليدهم السلطنة، (11) ومع أنَّ هذا الخضوع «إسمي» إلاَّ أنَّه يحمل دلالات هامة على مدى تعلُّق أولئك السلاطين - روحيًّا - بالعالم العربي، وإجلالهم لرموزه إجلالاً يصل حد التقديس، ولعلنا ندرك ذلك بصورة أكثر وضوحًا إذا صدَّقنا ابن بطوطة في وصفه للكيفية التي استقبل بها ملك الهند الوفد الذي أرسله الخليفة العباسي من مصر حاملاً كتاب الخليفة بتوليته الحكم في الهند، فقد بلغ من حفاوته بالوفد أن استقبله بموكب مزين بأنواع الزينة، فيها قباب مزينة بالحرير المذهب تحمل المغنين والمغنيات والراقصات، وأركب زعيم الوفد على فيل فرشت له أثواب الحرير(12).

إن نشوء هذا الوضع الجديد الذي نتج عن قيام دول إسلامية في الهند ولَّد ضرورة لا بدَّ أن يهتم بها سلاطين تلك الدول، ألا وهي حاجة السكان المسلمين إلى فقهاء وقضاة، ومرشدين، ومعلمين يعلِّمون الناس قراءَة القرآن الكريم، ويفقِّهونهم في دينهم، وهذا يستلزم افتتاح المدارس لتعليم الفقه، وتحفيظ القرآن، ويستتبع هذا - بطبيعة الحال - تدريس علوم اللغة العربية، بجميع فروعها من نحو، وصرف وبلاغة، فلا غرابة - إذن - أن تروج فيها بضاعة العلم، فيؤمّها العلماء من العالم الإسلامي، ويستوطنوها، وأن يرحل من سكانها طلاب العلم إلى مضانه في العواصم الإسلامية وأهمها مكة المكرمة، للإستزادة من التحصيل، وربما عزي لهذا  السبب اهتمام هؤلاء السلاطين بالعلماء والمفكرين، وبحثهم عنهم في جميع الأصقاع، واستقدامهم إلى ممالكهم.

ولعل السلطان محمود الغزنوي ( 388 - 421 هـ) أوضح الأمثلة على هذا الإهتمام، فقد كان لا يسمع بعالم أوشاعر إلاَّ استقدمه. وقصة تواري ابن سيناء عنه لما طلبه في جملة من العلماء من أمير خوارزم توضح لنا مقدار هذا الإهتمام.

أمَّا ما يقوله جرجي زيدان: إنَّ رغبة السلطان محمود في تقريب العلماء وإكرامهم لم تكن لمجرد حب العلم، وإنما هي في نظر أهل ذلك العصر من أسباب الأبَّهة، وأدلة الحضارة(13) فأمر لا تسنده وقائع التاريخ، فقد رأينا بعض أولئك السلاطين لا يكتفي باستقدام العلماء فقط بل يصهر إليهم، بتزويجهم إحدى بناته، كما حدث من السلطان عبد الله قطب شاه الذي زوج ابنته للسيد نظام الدين المدني «ابن معصوم»، ثم أقامه نائبًا عنه، ولو قدر له أن يعيش إلى ما بعد وفاة السلطان فغير بعيد أن يرث عرش السلطنة بعده، وابن معصوم لم يكن وحده الذي نال هذه الحظوة، فقد نالها غيره كالسيد حسن بن شدقم المدني، وهو أيضًا  قد زوجه أحد ملوك الهند من إحدى بناته(14).

وليس من غرضنا تتبع من أصهر لسلاطين الهند، وإنما عرضنا لذلك إيضاحًا لما كان يطمع فيه أولئك السلاطين من الشرف واستدرار حب الشعب لهم بسبب إكرامهم للعلماء.

أندلس في الشرق
 
 

ومهما يكن، فقد كان من نتائج تلك الضرورات، واهتمام السلاطين بأمرها أن أصبحت الهند محجة يؤمها العلماء من جميع البلدان، وقد حملت إلينا كتب الرجال تراجم عددٍ من العلماء من أمثال الشيخ مسعود بن سعد بن سليمان اللاهوري، وأصله من همذان ثم رحل إلى الهند، وبها توفي سنة 515هـ، ومن آثاره العربية : ديوان شعر. وعبد الغافر بن اسماعيل الغافري المتوفى سنة 529 هـ ومن آثاره: المفهم في شرح غريب مسلم، والسياق في تاريخ نيسابور، ومجمع الغرائب في شرح غريب الحديث. والحسن بن محمد الصاغاني المتوفى سنة 650هـ. درس بمكة، واليمن، والهند، ومن مؤلفاته: مجمع البحرين في اللغة، والعباب الزاخر، والشوارد في اللغات، وغيرها. والشيخ إسحاق بن علي بن إسحاق البخاري الدهلوي المتوفى سنة 690 هـ ومن مؤلفاته أسرار الأولياء، في التصوف.  وحسن بن عالم الدهلوي المتوفى في  سنة 718 هـ وله ديوان شعر. وسعيد الدين بن عبد الله الدهلوي المتوفى سنة 749 هـ، ومن آثاره : كتاب في واقعة بغداد، وعُدَّة الطائفين. وجمال الدين عبد الله الدهلوي المتوفَّى سنة 750 هـ، ومن مؤلفاته: العباب في شرح اللباب في النحو، وشرح تنقيح الأصول، والشيخ فريد الدين الناكوري الهندي المتوفَّى سنة 752 هـ، ومن مؤلفاته سرور الصدور من ملفوظات حميد الدين المبرور، ومخلص بن عبد الله الدهلوي المتوفى سنة 764 هـ، وله كشف الكشاف في التفسير، وشرح الهداية في الفقه. وشير خان مقبول الله الدهلوي، من أمراء الهند، ومن آثاره التمهيدات في التصوف، ومرآة العارفين، وقد توفي في سنة 836 هـ. والشيخ كبير الناكوري المتوفى سنة 858 هـ وله شرح ضوء المصباح في النحو. وسعد الدين الخير ابادي المتوفى سنة 882 هـ، ومن مؤلفاته مجمع السلوك في التصوف. ورزق الله الدهلوي المتوفى سنة 889 هـ، وقد ألف كتابًا أسماه تاريخ اسكندر لوري، وسعد الدين الدهلوي، توفي سنة 891هـ، وله إفاضة الأنوار في إضاءة المنار، وهو شرح منار الأنوار  للنسقي في الفقه. ورحمة الله بن إبراهيم السندي الدهلوي، توفي سنة 908 هـ، وله لباب المناسك وعباب المسالك، وغاية التحقيق، ونهاية التدقيق، ومجمع المناسك في نفع الناسك، والشيخ تاج الدين ابن زكريا النقشبندي الهندي، المتوفى 1050 هـ.(15)

ومن البلاد العربية هاجر إلى الديار الهندية عدد من العلماء والشعراء، فمنهم من توفي فيها، ومنهم من رجع إلى بلده وتوفي هناك، ومنهم من غادرها ثم عاوده الحنين فرجع إليها،  وعلى سبيل الإختصار لا الحصر نذكر منهم: الشاعر ابن عنين المتوفى سنة 630هـ  ومن شعره:

أشكو إليك نوىً تمادى عمرها

لا عيشتي تصفو، ولا رسم الهوى

أضحي عن الأحوى المريع محَلأً
 حتى حسبت اليوم فيها أشهرا

يعفو، ولا جفني يصافحه الكرى

وأبيت عن ورد النمير منفَّرا
 

ومحمد بن يعقوب الشيرازي الفيروز ابادي المتوفى سنة 816 هـ صاحب القاموس، ولي القضاء في اليمن ثم هاجر إلى الهند، ومن شعره:

أحبتنا الأماجد، إن رحلتم

نودِّعكم، ونودعكم قلوبًا
 ولم ترعوا لنا عهدًا وإلاّ

لعل الله يجمعنا، وإلاَّ
 

ومحمد بن أبي بكر الدماميني المتوفى في 827 هـ في بكلبرجا، له شروح على التسهيل ومغني اللبيب، والمنهل، وضعها بأمر محمد بن مظفر شاه ملك الكجرات، واختصر حياة الحيوان للدميري، وأثبت فيه كلَّ مؤلفاته التي وضعها في الهند، وله محاورات ومجادلات مع علماء الهند في مسائل النحو بلغ من كثرتها أنهم أفردوا لها كتابًا مستقلاً، ومن شعره ملغزًا في العلَميَّة:

أيا علماء الهند لا زال فضلكم

ألمَّ بكم شخصٌ غريب لتحسنوا

وها هو يبدي ما تعسَّر فهمه

فيسأل ما أمرٌ شرطتم وجودَه

فلما وجدنا ذلك الأمر حاصلاً

وهذا لعمري في الغرابة غايةٌ
 مدى الدهر يبدو في منازل سعده

بإرشاده عند السؤال لقصده

عليه لتهدوه إلى سبل رشده

لحكمٍ فلم تقض النحاة بردِّه

منعتم ثبوت الحكم إلاَّ بفقده

فهل من جواب تنعمون بردِّه؟
 

ومنهم شعبان بن محمد الآثاري. توفي سنة 828، من مؤلفاته أرجوزة في العروض، وأرجوزة في علم الكلام.(16)

صلة الخليج بالهند
 
 

الحقيقة إن من ذكرنا من الأعلام لم تتَّضح صلتهم بالخليج بشكل قاطع، سوى الشيخ تاج الدين بن زكريا الهندي النقشبندي، فقد أقام بالأحساء، ودرَّس بها، وتخرَّج منها على يديه بعض الفقهاء عرفنا منهم إثنين هما: الشيخ يحيى ابن حاكم الأحساء علي باشا العثماني، والشيخ إبراهيم بن حسن الأحسائي، والأخير توفي بالأحساء، وبها دفن سنة 1048 هـ.(17)

وإنما أردت بهذا الإستطراد - وإن كان طويلاً - أن أعطي لمحة عن صلة الهند بالعالم العربي عمومًا، عسى أن يفضيَ بنا إلى التعرف على ملامح العلاقات الثقافية بين الهند والخليج، تلك العلاقات التي تبلورت بصورة جلية في القرن الحادي عشر  الهجري، في أعقاب نكبة الهند والخليج على السواء بالغزو الإستعماري البرتغالي.

لعل من المناسب أن أذكِّر بأنَّ هذا العدوان ألحق أضرارًا بالغة بكلا البلدين، فتأثرت التجارة بينهما تأثرًا بالغًا بسبب سيطرة البرتغاليين على الطرق المائية، أمَّا الصلات الثقافية فلم أتمكن بكل أسف من تبين ملامحها  إلاَّ في مستهل النصف الثاني من القرن الحادي عشر، وفي اعتقادي أن الأمر يستحق من المعنيين في مجلة الواحة مزيدًا من الإهتمام إذ من غير المستبعد وجود الكثير من المخطوطات، والوثائق في مكتبات الهند تحوي الكثير مما يحتاج إليه الباحثون من المخطوطات العربية، مثل:

Raza library في رامبور، و Kuda baksh library في باتنا - بيهار، و Maulana azad library     في Aligarh muslim university في Aligarh . U.P، والمكتبة العامَّة في حيدر أباد، وغيرها، ولا يعزب عن البال أن في الهند مكتبات أسسها بعض المهاجرين العرب مثل مكتبة السيد أحمد بن معصوم المدني في حيدر أباد، ولكي لا يعد هذا القول ضربًا من التكهن والتخمين أشير إلى أن واحدًا من المهتمين بأمر التراث العربي الثقافي هو الأستاذ عبد العزيز الميمني، أستاذ الأدب العربي في جامعة عليكره بالهند قد أدى به التنقيب إلى العثور على مختارات الجرجاني من شعر  المتنبي والبحتري وأبي تمام، في مكتبة حبيب الرحمن خان الشيرواني في قرية حبيب كنج من أعمال حيدر أباد، وهذا المخطوط فرغ منه كاتبه في ذي الحجة سنة 648هـ، وتعزى أهمية هذا المخطوط إلى احتمال صلته بالخليج إذ ربما يكون كاتبه من القطيف، فهو أبو العلاء بن ابي الفوارس بن مهدي ( القطروي )، وقد يبدو هذا الإحتمال بعيدًا بل مستغربًا عند من لا يعلم أنَّ في القطيف أسرة تعرف بأبي الفوارس كان أحد أفرادها قاضيًا للقطيف في عهد عزيز بن المقلد العيوني في مطلع النصف الثاني من القرن السادس الهجري - حدود سنة 554 هـ - وقد أشار اليه العماد الإصفهاني في خريدته.(18) فغير بعيد أن يكون كاتب تلك المخطوطة من أحفاده، وربما أشكل على هذا الإستنتاج بورود كلمة (القطروي) مضافة إلى لقب أبي الفوارس، لكن هذا الإشكال يضعفه قول المحقق أن الكلمة غير واضحة في الأصل في الموضعين، فاحتمال تصحيفها عن (القطيفي)، أو (القطري) وارد، والقطري إما أن يكون من قطر أو منتسبًا  إلى آل القطري، وهو لقب لأسرة معروفة في القطيف والبحرين، وأهم من هذا عثور الأستاذ الميمني المار ذكره على قصيدة اليتيمة لـ (دوقلة المنبجي) في مخطوطة بالهند أيضًا، وهي قصيدة بقيت مجهولة النسب ردحًا من الزمن حتى عثر عليها الأستاذ الميمني.(19)

وفضلاً عن ذلك فإنَّ ما طبع من المخطوطات التي تركها أولئك المهاجرون قد كشف لنا شيئًا في غاية الأهمية، على قلته، كـرحلة ابن معصوم (سلوة الغريب وأسوة الأريب )، وديوانه، ومؤلفه القيِّم (سلافة العصر)، وتحفة المجاهدين لعز الدين المليباري، وغيرها. فبفضل هذه المخطوطات أمكن التعرف على كثيرٍ من سمات العلاقة الثقافية بين الهند والخليج، فابن معصوم(20)  يخبرنا أنَّه تتلمذ في الهند على يد الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني، ومنه نعرف أيضًا أنَّ تلك التلمذة كانت أثناء وفادة الشيخ جعفر على والده السيد نظام الدين بن معصوم عام 1069 في حيدر اباد، وكان السيد نظام الدين - يومئذٍ - يشغل منصب نائب السلطان عبد الله قطب شاه، وقد نقل في رحلته شيئًا من شعره، فمنه قوله :

وقائلة سمعنا أنَّ بكرًا

فقلت لها سماعك ليس شيئًا
 له فضلٌ على عمروٍ وزيدِ

وهذا مثل تسمع بالمعيدي
 

وقوله أيضًا :

إن ترد إيلادَ من زوِّجته

إنَّ ماء المزن عذبٌ طعمه
 فاتخذ - وفقتَ - زوجًا صالحا

فإذا أسبخ أضحى مالحا
 

وكان الشيخ جعفر قد حج قبل نزوحه إلى الهند، وبعد قضائه المناسك توجَّه إلى اليمن، وأقام فيها فترة من الزمن، واجتمع بإمامها السيد إسماعيل بن القاسم، ويبدو أنه نال حظوة لديه، يظهر ذلك من مناظراتهما في علوم الكلام، وكان السيد إسماعيل معجبًا بأبيات للشيخ تقي الدين، المعروف بابن دقيق العيد، وهي:

تجادل أرباب الفضائل إذ رأوا

وقالوا عرضناها فلم نُلف راغبًا

فلم يبق إلاَّ رفضها واطِّراحها
 بضاعتهم موكوسةَ الحظ في الثمن

ولا من له في مثلها نظرٌ حسَن

فقلت لهم:لا تعجلوا، السوق في  اليمن
 

وآنس الشيخ جعفر منه ذلك فكتب إليه يمدحه بأبيات، منها:

نعَم، قد وجدناها، فإن كنت راغبًا

أليف الندى، بحر الهدى، كاشف الصدى

وذاك الذي قد سيط بالقلب حبُّه
 فقرن أمير المؤمنين أبي الحسن

ومصقع أرباب البلاغة، واللسن

كما سيط حبُّ النومِ بالعين والوسن
 

وممن التقى بهم الشيخ جعفر في اليمن أيضًا والي تعزَّ السيد يحيى بن محمد بن القاسم، وكتب أبياتًا يمدحه فيها، ويثني على تعز، وقد نقل منها السيد علي هذين البيتين:

تعزُّ دارٌ تناهت في محاسنها

وحيث كان الفتى يحيى العزيز بها
 فليس يوجد في الدنيا مضارعها

عزَّت فصارت على الماضي مضارعها
 

والتقى أيضًا بالسيد زيد بن علي بن إبراهيم، والي المخا، فأنشده شعرًا لنفسه، وسأله أن ينشده بعض شعره فقال:

لك العتبى، ومنك الصفح يرجى

وإن هم قد جنوا عمدًا، وجهلاً

فإنَّ البدر لا يثنيه شيئٌ

وأنت على أذاهم ذو اقتدارٍ

فطب نفسًا، فكلُّهم ذليلٌ
 إذا لم تَستبن منهم وقارا

وما راعَوا، وما طلبوا اعتذارا

من العجما ضباحًا أو جُؤارا

عليٌّ إن تُسامى، أو تُبارا

لعزَّتك اختيارًا، واضطرارا
 

وفي الهند عرض مرَّة كتاب اللباب، على تلميذه ابن معصوم فأعاده إليه مشفوعًا بأبيات يمدحه فيها، ويستهجن الكتاب جاء فيها:

يا أيُّها المولى الذي

ما كان ردِّي للكتا

إلاَّ لعملك أنَّه
 أضحى بمجدٍ مستطابِ

ب، وحقِّ فضلكَ والكتاب

قشرٌ، وسمِّي باللبابِ
 

فأجاب الشيخ على أبيات السيد علي بهذه القصيدة :

يا ماجِدًا، في شعره

أنَّى لمثلي يستطيـ

إذ أنتمو بيت العلى

وكلامكم خير الكلا

تبني كما تبني كهو

لكن تفضُّلكم علـ

كم نعمةٍ لكمُو، وكم

أنا عاجزٌ عن شكرها

وأنا الموِدُّ على الحقيـ

يحلو لديَّ على الهوى

وإذا رأيتم لي صلا

هذا، وإن رغمت به

ديني الذي منه افتخا

وإليكمُ من مخلصٍ
 قد جاء بالعجب العجابِ

ـعُ لمثلكم ردَّ الجواب

بل أنتمو لبُّ اللباب

م، وعندكم علم الكتابِ(21)

لكمُ أماجيد الشبابِ

ـيَّ أذلَّ شاردة الصعابِ

من منَّةٍ ملأت وِطابي

حتّىَ أوسَّد في الترابِ

ـقةِ أينما اتجهت ركابي

فيكم تجرُّع كلِّ صابِ

حًا فهو لي عين الصوابِ

آنافُ أقوام غضاب

ري في الورى، وله انتسابي

أزكى دعاءٍ مستجاب
 

ولعلَّه أعجب بمعنى قول الشيخ عبد علي بن رحمة الحويزي يرثي السيد مبارك بن مطلب المشعشعي:(22)

سفهٌ توهُّم ما أرَقْن من الظبى

هذا عمود الماء طلقًا جاريًا
 أيدي القيون من الأشعة جوهرا

وافاه ما صدع العلى فتكسَّرا
 

فنظم على منواله  مجاريًا:

لا تظنن جوهر السيف فيه

بل لأمرٍ من الأمور مهولٍ
 من جلاً جاده القيون صقالا

صادف الماءَ فاستحال نمالا
 

ولتلميذه السيد علي المدني صاحب السلافة في مدحه:

هو طود علم لا يبارى رفعةً

علَم إذا جارت صوائب غيره

أحيى رباع المكرمات بفضله

وإليه ألقى الفضلُ صعبَ زمامه

كم حجَّة في الخلق شاد عمادها

 
 ومحيط فضل لا يزال مديدا

أبدى لنا رأيا لديه سديدا

من بعد أن كانت مهامه بيدا

ودنا له طوعًا، وكان بعيدا

كرهًا، وأرضى العدل والتوحيدا
 

ويروى الشيخ يوسف بن عصفور في الكشكول(23) عن سبب نزوحه إلى الهند، أنَّه ضاقت عليه أسباب المعيشة في البحرين، فسافر إلى شيراز فلم يجد فيها مجالاً للعيش، فاتفق هو ورصيف له اسمه الشيخ صالح بن عبد الكريم الكرزكَّاني على أن يخرج أحدهما من شيراز، ويبقىالآخر فيها، فايٌّ منهما أثرى في مهجره أوَّلاً يعين الآخر، فهاجر الشيخ جعفر إلى الهند، وبقي الشيخ صالح في شيراز، واتفق أن تبدَّلت الحال بكليهما فأصبح ذا مكانة عالية في مهجره، وتقلد منصبًا رفيعًا في القضاء.

وهذه القصة لا تخلو من الغرابة، فالمعيشة في البحرين في ذلك الوقت ليست بهذا القدر من الضيق،  فأبو البحر الشيخ جعفر الخطي المتوفي سنة 1028هـ - ولا يبعد أنهما أدركاه - يصف البحرين فيقول :(24)

آهٍ، وقلَّ على أوالَ تأوُّهي

ما كنت مبتاعًا أزقةَ فارسٍ

هيهات ما شيراز وافية بما

بلد تعادل صيفها، وشتاؤها

يتكأَّد الرزقُ العبادَ وإنَّه

سيَّانِ عيشةُ كادحٍ، ومرفَّهٍ

إن طبَّق المحلُ البلادَ فإنَّنا
 فإذا جننت بها فغير كثير

بالفيح من عرصاتها، والدور

في تلك لي من نعمة، وحبور

في الطيب للمقرور، والمحرور

فيها على باغيه غير عسير

فيها، ونعمة موسر، وفقير

في روضةٍ من خصبها، وغديرِ
 

وحين غضب من صديقه السيد ماجد بن هاشم الصادقي لمنافرة وقعت بينهما، لم ينس أن يذكِّره بالنعيم الذي خلَّفه وراءه مختارًا حياة الشظف في شيراز لأجله فيقول(25) :

ألم ترني استقبلت أوجه شقوتي
 لديك، وخلفت النعيم ورائيا؟
 

وغير خاف أنّهَ يقصد النعيم الذي خلفه وراءه في البحرين، فليس متصوَّراً في حالة الرخاء هذه أن يضطر عالم جليل للهجرة منها لضيق المعيشة، وإنما الأقرب إلى الإحتمال هو أنه استدعي إلى الهند بطلب من سلطان حيدر أباد عبد الله قطب شاه للتدريس، شأنه في ذلك شأن نظام الدين بن معصوم وابنه السيد علي، ولا يبعد أن يكون ذلك متأتِّيًا من ذات المنظور الذي أشرت إليه آنفًا، وهو تعلق أولئك السلاطين بالعرب لأسباب روحية دينية، فابن بطوطة على سبيل المثال قد لاحظ ذلك منذ زمن بعيد، فهو ينقل لنا صورة من هذا التعلق، فيقول:

( فعدت إلى قالقوط، ووجدت بها بعض مراكب السلطان، فبعث فيها أميرًا من العرب يعرف بالسيد أبي الحسن، وهو من البرد دارية وهم خواص البوابين، بعثه السلطان بأموال يستجلب بها من قدر عليه من العرب من أرض هرمز، والقطيف لمحبته في العرب، فتوجهت إلى هذا الأمير، ورأيته عازمًا على أن يشتي بقالقوط، وحينئذ يسافر إلى بلاد العرب، فشاورته في العودة إلى السلطان فلم يوافق على ذلك. )(26) ووصف ابن بطوط رسول السلطان بالأمير يدل على أن من أرسله إليهم السلطان ليسوا من عامة الناس، إذ يكفي أحد ربابنة السفن لتلك المهمة لو كان البحث عن عمال أو خدم أوجنود وما شابههم.

وفي اثناء إقامة الشيخ جعفر في حيدر أباد، وفد عليه الشيخ عيسى بن صالح بن عصفور الدرازي البحراني، ومدحه بالقصيدة التالية :(27)

الهندَ بعد صلاة الليل في القدَم !؟

وبعد تعفير خدٍّ، وابتهال يدٍ

وبعدما عرَّفت، واستشعرت، ورمت

وبعدما وقفت، واستأذنت، ودنت

وبعد ما عُطِّرت بالعفو تربتها

وبعد ما جدَّدت عقد الولاء لمن

وبعد ما غسلت أدرانها ونقت

تبًّا لها، يالها عن حالها غفلت

قالت لديَّ حديثٌ إن صغوت له

فكن لما أنت لا ترجو على ثقة

فرب طالب نارٍ جاء مصطليًا

إنِّي لأوردك الكهفَ الذي قصرت

إرخِ الأعنةَ، طوبى إن ظفرت به

وعن (شيَتَّا؟) وعن أم الخشيب، وعن

فقلت من ذا؟ فقالت جعفرٌ، فغدا

حتى أنخت بواديه الكريم فيا

رأيت شخصًا كأنَّ الله قلَّده

فتى إذا المرءُ عاداه الزمان دعا

نجل الأكابر والسادات من هجرٍ

أعطى الإلهَ يمينًا في خلائقه

أمسى يمير عشار المزن وابلُه

فكَّت لأفواهها الأصداف مذ علمت

وافيته فسمعت الجودَ ينشدني :

أبواب غيرك ما فيها لنا أربٌ

خذ يا أخا الدهر فيما سدت محمدةً

صلَّى الإله على المبعوث من مضر
 يا ضيعة العمر، بل يازلّةَ القدم

بين الحطيم، وبين الحجر، والحرم؟

وأثرت في منى من أعظم النعم

من حجرة حلَّ فيها أفضل الأمم

في داره بين طوَّافٍ، ومستلم؟

حلَّ البقيعَ، ونالت أوفر القِسم

أذيالها، رجعت بالخسر، والندم

أم ساقها ما جرى في اللوح، والقلم؟

كفيت من خطرات الهم، والألم

وما رجوت له فاعزب،ولا تنم

وربَّ طالب سحرٍ جاء بالسلم

عن دون محتده الأملاك في القِدم

يغنيك عن غوص مسني، وذي بهم

فيض المدامع، والدلماء والقرم(28)

يسوقني الشوق للمستكمل الشيم

بشرى لما وفق الرحمن في القسم

أعباء وحي تلاها الروح بالحكم

بجاهه جاءه في جملة الخدم

شُمِّ الأنوف، سقاة المحل بالديم

فلم يقل: (لا)،  ولا يلوي لها بفم

ليضحِك البحرَ، والأشجار في الأجَم

بوبله، فغدت باللؤلؤ الرخم(29)

مَن أمَّ باب جوادٍ فاءَ بالنِّعم

ولا لغيرك تثنى العيس بالرمم(30)

فأبعد الله من لم يجزِ بالنعم

وآله ما حدا الحادي بذي سلَم
 

ومن شعره أيضًا ما قاله ارتجالاً وقد رأى امرأةً جالسة في مقبرة المشهد في البحرين وهي تنظر متعجبة من سقوط أحدى منائر المسجد المجاور للمقبرة فوق قبر الشيخ يوسف البلادي، فارتجل هذه الأبيات :(31)

مررت على امرأة قاعدة

وتسترجع الله في ذي المنار

فقلت لها يابنة الأكرمين

رأت تحتها يوسفي الكمال
 تحولق في صورة العابدة

ة ما بالها في الثرى راقدة

رأيت أمورًا بلا فائدة

فخرَّت لهيبته ساجدة
 

و ممن هاجر إلى الهند أيضًا السيد محمد بن السيد عبد الله - أو عبد الحسين - بن أبي شبانة البحراني. وفد على السيد نظام الدين أحمد بن معصوم فقدَّمه إلى السلطان عبد الله قطب شاه،  ملك حيدر اباد، فأكرمه، وجرت بينه وبين السيد نظام الدين مراجعات، ومطارحات، مطولة ليس هنا مكان الإلمام بها، وحين عزم على مغادرة الهند إلى إيران كتب إليه يقول:(32)

ما كنت أحسب أنَّ الدهر يبعدني

لكن جرى قلم التقدير من قِدمٍ
 عن سيدٍ قربه في الدهر مطلوبُ

أنَّ الفراقَ على الإلفين مكتوب
 

وفي نفس المعنى أيضًا:

ما كنت أحسب أنَّ الدهر يحرمني

لكن جرى قلم التقدير من قِدمٍ
 من الحضور بذاك المجلس العالي

أن لا يدوم نعيم قطَّ في حال
 

وعلى رغم الحظوة التي نعم بها في الهند بجوار السيد نظام الدين بن معصوم المدني، والسلطان عبد الله قطب شاه، فإنَّ طموحه كان أبعد شأوًا من هذا المدى، والظاهر أنَّه عُرض عليه منصب مشيخة الإسلام ( رئاسة القضاء ) في شيراز، فغادر الهند سنة 1070هـ، ومن هناك كتب إلى السيد نظام الدين يقول:

لو لا مضايق أحوال وقعت بها

لما جرى بشكاة الدهر لي قلمٌ

والحر ما زالت الأقدار تقحمه

ما زلت في موقف الإخلاص منتصبًا

وكنت عندك في قرب، ومنزلةٍ

لا زال عمرك بالتأبيدِ متَّصلاً
 لم تبق لي سبذًا فيها، ولا لبدا

ولا جمعت عليه أصبعًا أبدا

شدائد الدهر حتى يفقد الجلدا

وفي مجاهدة الأعداء مجتهدا

فليت شعريَ ما بعد البعادِ بَدا؟

وعضد عزك بالتأييد معتضدا
 

ومن القصيدة التي بعث بها إلى ولده السيد عبد الله من شيراز بعد مغادرته الهند نفهم أنَ ولده لم يوافقه على الخروج معه من الهند، وبقي فيها، وهذه هي القصيدة :

بليت بدهر بالأفاضل غادر

قطعت حبال الوصل خوف خصاصة

وبعدك عني إن سلكت طريقة

فإن شئت أن أرضى عليك فلا تكن

عسى الدهر يومًا أن يلمَّ شتاتنا

وذلك موكولٌ إلى رُحم راحم

ولله تدبير، وللدهر رجعةٌ

وما انغلقت أبواب أمرٍ على امرئٍ

تحيَّة مشتاقٍ، وتسليمَ والدٍ
 وأنت على علاَّته غير عاذر

ولم تك في الضراء عندي بصابر

تؤدي إلى رشدٍ فليس بضائر

على غير منهاج الصلاح بسائر

وتقطع أسباب النوى والتهاجر

ومنَّة منَّانٍ، وقدرة قادر

وللعسر تيسيرٌ، بحكم المقادر

فصابر إلاّ فتِّحت في الأواخر

إلى غائبٍ بين الجوانح حاضر
 

والمتأمل في شعر السيد يجد فيه مسحة من رموز السالكين من المتصوفة، كما في قصيدته التالية :

لعمري لقد ضلَّ الدليل عن القصد

فبتُّ بليل لا ينام، ومهجةٍ

وقلت عسى أن أهتدي لسبيلها

فلما أتيت الديرَ أبصرت راهبًا

فقلت له: أين الطريق إلى الحمى؟

فقال، وقد أعلى من القلب زفرةً

لعلك يا مسكين ترجو وصالهم

إذا زمرة العشاق في مجلس الهوى

ألم ترَ أنَّا من مُدامة شوقهم

فكم ذهبت من مهجةٍ في طريقهم

فقلت: أأدنو ؟ قال: من كلِّ محنة

ألم ترنا صرعى بدهشة حبِّهم

فكم طامع في حبِّهم مات غصَّةً
 وما لاح لي برقٌ يدلُّ على نجدِ

تقلَّبُ في نار من الهمِّ، والوجد

بنفحة طيبٍ من عرار، ومن رند

به ثمَلٌ من خمرة الحبِّ، والودِّ

وهل خبَرٌ من جيرة العلَم الفرد؟

وفاضت سيولُ الدمع منه علىالخدِّ:

وهيهات لو أبلغت نفسك بالكدِّ

نشاوى غرامٍ من كهول، ومن مُرد

سكارى، ولم نبلغ إلى ذلك الحدِّ؟

وما وصلت إلاَّ إلى غاية البعد؟

فقلت: أأرجو؟ قال: شيئًا من الصدِّ

نقلِّبُ فوق الترب خدًّا إلى خدِّ؟

وقد كان يرضى بالمحال من الوعد
 

ومن المشاركين في الثقافة العربية في ديار الهند السيد عبد الله ابن ابي شبانة، وهو ابن السيد محمد بن ابي شبانة المتقدم ذكره، وله قصائد طويلة في مدح السيد نظام الدين المدني ( ابن معصوم) أوردها ولده السيد علي في السلافة، والمحبي في نفحة الريحانة،(33) وتشير تلميحات السيد علي بن معصوم إلى أنَّ السيد عبد الله بدرت منه بعض الهفوات مع والده السيد نظام الدين أحدثت أثرًا في تكدير صفو العلاقة بينهما، وأدت إلى أن يتغير السيد المدني عليه، وقد أحس هو بذلك فغادر الهند إلى ايران، وغير واضح إن كان غادرها لهذا السبب أم لا، لكن هذا غير مستبعد،  فالظاهر أنَّ تأثر السيد نظام الدين منه كان شديدًا حتى أنَّه تعذر عليه إنشاده قصيدة نظمها في مدحه يسترضيه فيها،  ويعترف له بخطئه، معتذرًا بأنه خطأ غير مقصود، والقصيدة طويلة نجتزئ منها:

إيابًا، يا أبا يحيى، إيابا

ولا تُبعِد من الغفران رقًّا

نحا  لك داخلاً للصفح بيتًا

تنصل من ذنوب موبقات

وأمَّل من نداك جميل ستر

ولم يك ما أتاه، سلمت، عمدًا

وليس عن المقدر من مفرٍّ

ويحسن عفو مقتدرٍ لجانٍ

ومثلك من عفا عن حُوبِ عبدٍ

ورب جريرة جرَّت لقتل

وإني إن جنيت لديك ذنبًا

فرفقًا، يا أبا الإحسان رفقًا
 فقابل بالتجاوز من أنابا

أقرَّ بذنبه عمدًا، وتابا

وأمَّك قارعًا للعفو بابا

عظام لا يطيق لها عذابا

لجرم ليس يحصيه كتابا

ولكن سابقَ الخطأ الصوابا

إليه يرى أخو حزمٍ ذهابا

خصوصًا إن تنصل واستنابا

وإن جلت جنايته اكتسابا

فعاد عقاب فاعلها ثوابا

فقد أعددت فضلك لي مثابا

فأنت أجلُّ مدعوٍّ أجابا
 

من تقاليد أهل الدكن بالهند إقامة العزاء على الحسين بن علي بن أبي طالب في العشر الأول من شهر المحرم من كل عام، فيلبسون الملابس السوداء إظهارًا لمشاعر الحزن، وأتفق أن اجتاز بالسيد علي المدني (ابن معصوم) فتى حسن الطلعة، يلبس السواد في عشر المحرم سنة 1074 هـ فدفعته روح المفاكهة والمرح إلى أن ينظم فيه أبياتًا، فنظمها، وبعث بها إلى صديقه عفيف الدين عبد الله بن الحسين الثقفي، وهي:

لا تقلِ البدر لاح في الغسق

إنسان عيني بدا بأسوَدها

يا لابسًا للسواد طبت شذًا

لبست لون الدجى فسرَّ، وقد

حتى بدا فيه وهو منفلقٌ
 هذا سواد القلوب والحدَق

فعاد لي، إذ رمقته، رمقي

ما المسك إلاَّ من نشرك العبق

أغَرت ضوء الصباح في الأفق

يشقُّ ثوب الظلام من حنق
 

وأصبحت تلك الأبيات موضوعًا لمطارحات نفيسة بينه وبين صديقه العفيف الثقفي، حتى انتهت إلى السيد عبد الله، فأحب مجاراتهما، فنظم الأبيات التالية:

أبدر تمٍّ بدا من الأفق

أم قد سبَت مهجتي محاسنه

أصبح من لبسه، وطلعته

أبرزه لبسه السوادَ لنا

قد قلت لما رأيت صورته:

وبت حتى الصباح في أرق

أعيذه والقوى تؤمِّنه
 عم جميع البلاد بالشرَق ؟

يختال في ناعم من السرَق

يجمع بين الصباح والغسق

بمنظرٍ ذي ملاحةٍ أنق

سبحان باري الأنام من علق

من هيَمَان به، وفي قلق

بالناس من شرهم، وبالفلق
 

ومن الشعراء البحرانيين الذين هاجروا إلى الهند السيد عبد الله بن السيد حسين بن قاضي القضاة السيد عبد الرؤوف الجدحفصي. لم يذكر أحد من مترجمبه شيئًا عن هجرته إلى الهند، لكن وردت في ترجمة السيد علي ابن معصموم له في السلافة(34) إشارة تكشف بوضوح أنَّه كان بصحبته عدة سنين حتى فرق الدهر بينهما. وعبارة ابن معصوم بالنص : ( وقد صحبني سنينأ حتى فرق الدهر بيننا ) ولا يسعنا تفسير هذه العبارة إلاَّ بصحبته له في الهند، فالسيد علي لم يعش بعد خروجه من الهند إلاَّ ست سنين قضاها متنقلا بين مكة المكرمة والمدينة المنورة والبصرة والنجف وكربلاء، وبغداد، وخراسان، وقم وإصفهان، وانتهى به المطاف إلى شيراز حيث توفي فيها سنة 1120هـ،(35) وهو في جميع هذه المدن لم يقم مدة طويلة تتيح له تكوين علائق الصحبة، وإنما كان يتنقل باحثًا له عن مستقر حتى وجده أخيرًا في شيراز، ولكن حياته فيها لم تدم إلاَّ قليلاً، وإذًا فقوله (صحبني سنينًا) لا يفهم منه إلاَّ صحبته له أثناء إقامته في الهند.

أورد له ابن معصوم في السلافة عددًا من المقطعات والقصائد نورد منها :

أتت تحمل الإبريق شمسُ الضحى وهنا

حكاها قضيب الخيزران لأنه

ترينا الضحى والليل ساج، وما الضحى

مهفهة الأعطاف حوراء خلتها

لها كفَلٌ كالدعص ملءُ إزارها

عليها برودُ الأرجوان كأنَّها

ولا عيب فيها غير أنَّ مليكها

تقوم تعاطينا سلافة ثغرها

هي الروح، والريحان، والراح، والمنى

قصرت عليها محضَ ودِّي فلم يكن
 ولو سمحت بالريق كان لنا أهنا

يشاركها في الإسم، والوصف، والمعنى

وطلعتها من نور طلعته أسنى؟

من الحور إلاَّ أنَّ مقلتها وسنى

وقدٌّ إذا ماست به تخجل الغصنا

شقائق، أو من وجنتيها غدت تجنى

براها بخلق يعقب الحسن بالحسنى

على وجلٍ نلنا به المنَّ، والأمنا

عليها بها معطي المواهب قد منَّا

سواها له في القلب ربع، ولا مغنى
 

وأورد ابن معصوم من نثره قطعة مثقلة بالسجعات البديعية يمدحه فيها، وقد صدَّرها بالأبيات التالية :

فخر العلى، بحر المكارم لم تزل

طوَّقتني طوق السرور، فهاك مِن

فمتى أقوم بشكر برِّك سيدي

ويودُّ مني كلًّ عضوٍ أنَّه

عبدًا ملكتم، سامحوه تقضُّلاً
 بكم المعالي تستطيل علاءَا

جيد تَطوَّق بالسرور ثناءَا

والنذر لا أسطيعه إحصاءَا

يمسي، ويصبح ناطقًا ثنَّاءا

إذ كنتمو السُّمَحاءَ، والفضلاءا
 

والحق أن رحلة الشعر العربي من الخليج إلى الهند تستحق وقفة أكثر من هذا العرض، فعسى أن توفق الواحة لمثل هذه الوقفة قريبًا بإذن الله.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

( 1)  - مهابهاراتا : ملحمة سنسكريتية تنسب إلى الحكيم الهندي Vyasa. القرن الخامس قبل الميلاد. تعد مع ملحمة Ramayana     أهم أثرين في الأدب الهندي. راجع موسوعة المورد. قدري قلعجي. دار العلم للملايين. بيروت. الطبعة الأولى. 1981م. جـ 6 / 171.

( 2) - تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين. أحمد بن عبد العزيز بن زين الدين المعبري المليباري. تحقيق محمد سعيد الطريحي. مؤسسة الوفاء. بيروت. الطبعة الأولى. 1405. ص: 35 - 36.

( 3)   - أطلس التاريخ الإسلامي. د. حسين مؤنس. دار الزهراء للإعلام العربي. مصر. الطبعة الأولى. 1407 هـ خارطة (35).

( 4) - الخليج العربي. السير أرنولد ت. ويلسون. ترجمة عبد القادر يوسف. مكتبة الأمل. الكويت. ص : 73 - 74.

( 5)  -  تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين. مصدر سابق. ص: 36 - 37، و131 وساحل الذهب الأسود. محمد سعيد المسلم. دار مكتبة الحياة. بيروت. الطبعة الثانية. 1962م ص: 61 - 73، وموسوعة المورد مرجع سابق. جـ 10 / 63.

( 6) - أطلس التاريخ الإسلامي مصدر سابق. ص: 131 - 132.

( 7) - شك صاحب تحفة المجاهدين في هذه الرواية وعارضه محققها الأستاذ محمد سعيد الطريحي بلا طائل، مستندًا إلى اكتشاف نقود إسلامية مسكوكة سنة 71 هـ ولم يلاحظ أن تلك النقود نفسها ضربت متأخرة عن زمن الرسول فاكتشافها لا يثبت دخول الإسلام إلى الهند في زمن الرسول حتى لو ثبت أنها جلبت إلى هناك في السنة التي ضربت فيها. راجع تحفة المجاهدين ص : 78، 79، و229، ووفيات الأعيان. ابن خلكان. تحقيق إحسان عباس. دار صادر. بيروت.  جـ 4/ 139 - 140، وفوات الوفيات. محمد بن شاكر الكتبي. تحقيق إحسان عباس. دار صادر. بيروت. جـ 1/ 13.

( 8) -  أطاس التاريخ الإسلامي. مرجع سابق, وشذرات الذهب في أخبار من ذهب. عبد الحي بن العماد الحنبلي. دار الكتب العلمية. بيروت. بدون تاريخ. جـ 1 / 55.  ومعجم البلدان. ياقوت الحموي. دار صادر. بيروت بدون تاريخ جـ 4 / 423. وتاريخ خليفة بن خياط. تحقيق أكرم ضياء العمري. دار طيبة للنشر والتوزيع. الرياض. الطبعة الثانية. 1405 هـ ص: 191.

( 9) - صبح الأعشى. أحمد بن علي القلقشندي. تصنيف محمد قنديل البقلي. إشراف وتقديم سعيد عبد الفتاح عاشور. عالم الكتب. مصر.. مصورة عن الطبعة الأميرية. بدون تاريخ جـ 5/ 315 وجـ 8 / 77.

( 10)  - تحفة النظار في غرائب الأمصار أو (رحلة ابن بطوطة ) محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي. شرحه وكتب هوامشه طلال حرب. دار الكتب العلمية. بيروت. الطبعة الأولى. 1407هـ ص: 175.

( 11) - صبح الأعشى. مرجع سابق  جـ 10 / 129. وتحفة النظار في غرائب الأمصار  مرجع سابق. ص: 173.

( 12) - تحفة النظار. مرجع سابق. ص: 173 - 174.

( 13)  - تاريخ آداب اللغة العربية. جرجي زيدان. دار مكتبة الحياة. بيروت. 1983. جـ 1 / 531.

( 14)  - سلافة العصر  في محاسن الشعراء بكل مصر. السيد علي خان المدني « ابن معصوم» مطابع علي بن علي. قطر. الطبعة الثانية. 1382هـ ص:10، و249  - 250، ونفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة. محمد أمين بن فضل الله المحبي. تحقيق عبد الفتاح الحلو ة. مطبعة عيسى البابي الحلبي. مصر. الطبعة الأولى. 1389 هـ. جـ 4/ 178، و 327، وخلاصة الأثر  في أعيان القرن الحادي. محمد أمين بن فضل الله المحبي. دار صادر. بيروت. بدون تاريخ. جـ 1 / 349، وجـ 2/ 23.

( 15)  - راجع فهرس الأعلام بمعجم المؤلفين. عمر رضا كحالة. والضوء اللامع. محمد بن عبد الرحمن الشخاوي. جـ 3 / 301. دار الكتاب الإسلامي. القاهرة. بدون تاريخ. ووفيات الأعيان. مرجع سابق. جـ 3/ 225.، وفوات الوفيات. محمد بن شاكر الكتبي. تحقيق إحسان عباس. دار صادر. بيروت. بدون تاريخ. جـ 1/ 358، وبغية الوعاة.  جلال الدين السيوطي. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. المكتبة العصرية. صيدا - بيروت. بدون تاريخ. جـ 1/ 519، وخلاصة الأثر. مصدر سابق. جـ 1 / 18، و464 - 470.

( 16)  - وفيات الأعيان مرجع سابق. جـ 5 / 14 - 17، وبغية الوعاة. مرجع سابق. جـ 1 / 273 - 275. وروضات الجنات في أحوال العلماء والسادات. الميرزا محمد باقر الخونساري. تحقيق أسد الله اسماعيليان. نشر مكتبة اسماعيليان. قم. ايران. بدون تاريخ. جـ 8 / 111.

( 17)  - خلاصة الأثر  مرجع سابق جـ 1 / 18، و464

( 18)  - الطرائف الأدبية. تحقيق عبد العزيز الميمني. دار الكتب العلمية. بيروت. بدون تاريخ. ص: 196، وخريدة القصر وجريدة العصر. عماد الدين الإصبهاني. تحقيق بهجت الأثري. تكملة قسم العراق. ص: 854.

( 19) - أحلى عشرين قصيدة حب في الشعر العربي. فاروق شوشة. مكتبة مدبولي. القاهرة، ودار العودة. بيروت الطبعة الثانية. 1979. ص: 151.

( 20) - سلوة الغريب وأسوة الأريب (رحلة بن معصوم) سيد علي بن معصوم المدني (صدر الدين). تحقيق شاكر هادي شكر. مكتبة النهضة وعالم الكتب. بيروت. الطبعة الأولى. 1408هـ. ص: 66، و72، 224 - 226، وديوان ابن معصوم. تحقيق شاكر هادي شكر. مكتبة النهضة، وعالم الكتب. بيروت. الطبعة الأولى. 1408هـ، ص: 9، و592، و599، وأنوار الربيع في أنواع البديع. السيد علي بن معصوم. تحقيق شاكر هادي شكر. مطبعة النعمان. النجف. العراق. الطبعة الأولى. 1388هـ. جـ 1/ 9

( 21)  - يشير بهذا إلى أهل البيت فالممدوح حسيني النسب. راجع نسبه في سلوة الغريب. مرجع سابق. ص: 5، و87.

( 22)  - مبارك بن مطلب الممشعشي. كان ابوه مطلب يحكم الحويزة، والدورق، ورامهرمز في عربستان، و يقال إنَّ مباركًا كان في حداثته غير مرضي السيرة عند والده فلما يئس من تقويمه طرده، فاتصل بشرذمة من عشيرة آل غزي تحترف قطع الطرق في بطائح العراق قرب العمارة، ثم وقعت محاولة من عرب الحويزة للإستيلاء على الحكم بزعامة شخص إسمه زنبور، وكان سعد بن بركة صهر مطلب و خال مبارك أحد المتعاونين مع زنبور، فاتصل مبارك بميرزا خان الأفشاري يستنجد لأبيه فلم ينجده، فترصده حتى أصاب منه غرة فقتله، ثم تسلل إلى الدورق حيث تمكن من الإستيلاء على الحكم، وذلك بين سنة 997 هـ - 999هـ ويتصف مبارك هذا بالشجاعة ,وبالفظاظة أيضًا، وقاده سوء الظن إلى أن أسمل عيني أخيه خلف، للحيلولة بينه وبين الإستيلاء على الحكم منه. ولأبي البحر الخطي، جعفر بن محمد العبدي القطيفي قصيدة  في هذه المناسبة يمدحه فيها ويؤنبه على ما فعله بأخيه، منها :

خليليَّ إن ألممتما بمبارك

فقولا له عن شاعر الخط قولةً

أحين صرفت العمر في طلب العلا

عمدت إلى معطي الأخوة حقها

فأوجرته كأسًا يضيق بمرها

وأسملت عينيه، فأجثمت ضيغمًا
 ثمال اليتامى في المُحُول أبي بدر

يداوى بها سمع الأصم من الوقر

وسيرت ما سيرت من صالح الذكر

ومستعمل الإخلاص في السر والجهر

يدًا، ولو استسقى لها نطف الغُدر

إذا نزل اختار الوثوب على الخدر
 

توفي سنة 1024، او 1025هـ. ويسجل له التاريخ مقاومته العنيفة للأتراك، ورفضه التعاون مع البرتغاليين عندما طلبوا منه ذلك. راجع: أعيان الشيعة. سيد محسن الأمين  دار التعارف للمطبوعات. بيروت. 1406 هـ. مجـ 9 / 42، وقبيلة الفضول اللامية، وتفرعاتها العشائرية. كاظم محمد علي شكر. مطبعة القضاء. النجف. 1395هـ. ص: 103، وإمارة المشعشعيين. محمد حسين الزبيدي. دار الحرية. بغداد. بدون تاريخ. ص: 18، ودليل الخليج. ج ج لوريمر. منشورات قسم الترجمة  بديوان أمير دولة قطر. القسم الجغرافي. جـ 5/ 2395، وأربعة قرون من تاريخ العراق الحديث. ستيفن همسلي لونكريك. ترجمة جعفر الخياط. مطبعة المعارف. بغداد. 1968م، وديوان أبي البحر جعفر بن محمد الخطي. أخرجه السيد علي الهاشمي. مطبعة الحيدري. طهران. 1373 هـ. ص: 61.

( 23) - الكشكول. الشيخ يوسف بن عصفور البحراني.دار مكتبة الهلال. بيروت، ومكتبة الريف الثقافية بالبحرين. الطبعة الأولى. 1986م. جـ 2 /274.

( 24)  - ديوانه. مرجع سابق. ص: 52.

( 25) - نفسه ص: 122.

( 26)  - تحفة النظار. مصدر سابق ص: 576.

( 27)  - أعيان الشيعة. مصدر سابق. مجـ 4/ 137، والكشكول. مصدر سابق. جـ 2 /274.

( 28)  - ما بعد غوص : أسماء مغاصات اللؤاؤ في الخليج، وفي الأصول : عوض مكان غوص، ولعل ما أثبتناه أقرب للمعني.

( 29)  - كانوا يتصورن أنَّ اللؤلؤ يتخلق في المحار  من المطر، فتفتح المحارة فمها عند سقوط المطر فتسقط فيه قطرة من المطر فإذا كانت القطرة كبيرة جاءت اللؤلؤة كبيرة، وإذا كانت القطرة صغيرة كانت اللؤلؤة صغيرة. أما العلم الحديث فيقول: إن اللؤلؤة تتكون بسبب دخول حسم غريب، إلى أحشاء المحارة - حبة رمل غالبًا أو دودة صغيرة - ويسبب ذلك أذًا لأحشاء المحارة، ولكي تحمي المحارة أحشاءها تفرز مادة قوامها كربونات الكلسيوم : Calcium carbonate. تتراكم حول الجسم الغريب فتتكون اللؤلؤة، وحين عرفت هذه الخاصية في المحار أصبح يزرع زراعة، وهو ما يعرف باللؤلؤ الصناعي. راجع الكشكول. مصدر سابق. جـ 3 / 23..

( 30)  -  أي بالجملة. يقال أخذه برمته.

( 31)  - أنوار البدرين. الشيخ علي بن حسن البلادي القديحي. مطبعة النعمان. النجف. العراق. 1377 هـ. ص: 146 - 147..

( 32)  - سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر. مرجع سابق. ص: 505 - 513، و سلوة الغريب وأسوة الأريب. مصدر سابق. ص: 153 - 155.ونفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة. مرجع سابق. جـ 3 / 186 - 190.

( 33) -  سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر. مرجع سابق. ص: 513 - 522، وسلوة الغريب وأسوة الأريب. مصدر سابق. ص: 276، ونفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة. مرجع سابق. جـ 3 / 191 - 194.

( 34)  - سلافة العصر. مصدر سابق. ص: 528 - 532. ونفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة. مصدر سابق. جـ 3 / 195.

( 35) - راجع ترجمته في سلوة الغريب وأسوة الأريب، ص: 5 - 8، وأنوار الربيع جـ 1 / 5 - 22،  وديوان ابن معصوم ص: 5 - 24.

 

مدير التحرير
307189