مواقع مجهولة: غرب القطيف
(شمال العوامية – البدراني – غرب الجش)
أحمد مكي الغانم * - 1 / 3 / 2011م - 7:41 ص - العدد (22)

نقاء و(نكاء)

تنطق وتكتب الكلمتان، بإضافة (ال) التعريف، وبدونها.

النقاء والنكاء الأولى عربية والثانية عجمية وهي دارجة في المنطقة، اسم يطلق على الكثيب من الرمل الواقع شمال غرب سيهات وحتى منطقة الشنية جنوب غرب الجش، ويعرف أيضاً بـ(الذراع الأحمر) لنقاوة رماله، وحاز شهرته من العين المعروفة (لكعبة) كما ينطقها البعض من أبناء المنطقة، ويقال إن القرامطة استخدموا (الحجر الأسود لها)، وذكر علماء اللغة والشعراء وعلماء الجغرافيا الكثير عن أنقية بلاد العرب فقالوا: نقي: أي صفا من الشوائب، والنقى الكثيب من الرمال، وتسمى في بعض الحالات المل أو الرمال الحرة. ونقي بالكسر ثم السكون (المخُّ)، وموضع لم يحدد مكانه، والنقية: بالفتح ثم الكسر ويا مشددة بمعنى النقي من العيوب والدرن: من قرى البحرين لبني (عامر) بن عبد القيس[1]  وديارهم واسعة وبها من الأنقية الكثير.

النقي: نقاوة الشيء ونقايته، بالضم فيها خياره. ونقي الشيء بالكسر نقاوة بالفتح فهو نقي أي نظيف، والنقاء ممدود النظافة، والنقا مقصور: كثيب الرمل، وتثنيته (نقوان) و(نقيان). والنقية التنظيف. والانتقاء: الاختيار، والنقي التخير ونقت الأبل وغيرها، أي سمنت وصار فيها نقي أي مخ. يقال هذه ناقة منقية وهذه ناقة لاتنقي[2] .

والنقا: لغة هو لغة القطعة من الرمل محدودبة، جمعه أنقاء ونقي، ومثناه نقوان، وفي الحديث: خلق الله جؤجؤ آدم من نقا ضرية، أي من رمالها، وضرية المعروفة في عالية نجد والأنقية كثيرة، ومن أشهرها نقا الحسن الذي فيه قتل سيد بني شيبان بسطام بن قيس، وهو من أنقية الدهنا وأشهرها، والمورد التي كانت بقرية تعشار من نواحي إقليم سدير[3] .

وذكر يوم النقا جرير في شعره حيث قال:

ولا شهدت يوم النقا خيل هاجر

ولا السيد إذ ينحطن في الأسل الحمر

وقال:

محا طللا بين النقية والنقا

صبا راحه أو ذو حبين رائح

وقال الفرزدق يفتخر على جرير بخؤولته من بني ضبة:

وخالي بالنقا قتل ابن ليلى

وأجزره الثعالب و الذئابا[4] 

وجاء على ذكر النقاء الشاعر الأحسائي علي بن المقرب العيوني في قوله:

بعيني أرى يا ويلكما غافة النقا

نقا العين ذات الرمل فابتدراها

نقا القرامطة

لعل الاسم يكون أكثر ملائمة من أسماء أتى بها البعض من أبناء المنطقة، وما أراها إلا موضوعة بقصد تشويه سمعة القرامطة، الذين أقاموا لهم دولة، وقف لها الأعداء بالمرصاد، ولعل المنصفين عبروا عن ذلك بمرارة، فجميع الذين كتبوا عن هذه الحركة التاريخية تسابقوا في لعن أصحابها قبل الدخول في أخبارهم نفياً ولأية شبهة تلحق بهم[5]  وجاء في كتاب القرامطة: (يبدو أننا لسوء الحظ، ملزمون باستقصاء معلوماتنا كلها تقريباً من ألد أعدائهم)[6] . ويقول أحمد الخير: (إذا لاحظنا أن بعض الكتابات القديمة عن القرامطة كانت تفتتح جسراً على رغبات الحاكم، لأنها تكيف الخبر لتتماشى مع مزاج القصر وأمير المؤمنين)[7] .

أماكن عدة في القطيف اقترن اسمها بالقرامطة بشكل عام عند بعض الكتاب والمؤرخين المحدثين من المنطقة ولم أرَ سبباً لذلك ولم أجد دليلاً ملموساً أو مقنعاً عليها، ومن المؤسف أن كثيراً من الشعوب التي أقامت في هذه البلاد أخذت تاريخها من أعدائها وهو السائد، وما بعض المقتطفات التي سنأتي عليها إلا دليل لما نطن، وكلها اجتهادات وليس كل مجتهدٍ مصيب.

في عام 1992م صدر كتاب (لنا عليه مآخذ)، فإننا الرجوع للنسخة التي أشار إليها لا نرى فيها مما قال شيئاً عن (القرامطة)، وهذا الكتاب هو: (أول حركة اشتراكية في الإسلام)، لمؤلفه طه الوالي. ولعل صاحبنا معذور لأن الظروف لم تمكنه من الاطلاع على غير ما ذكر من مراجع. ما كاد يخفت لهيب نار ثورة الزنج التي أضرمها علي بن محمد في البصرة من سنة 255-270هـ، 869- 883م[8]  والتي اكتوى بنارها العباسيون حتى فوجئوا بالقرامطة يعلنون قيام دولتهم في منطقة البحرين التاريخية.

وهي تعني الشيء الكثير ابتداء من عام 286هـ، ومن المؤرخين يرى: أن تاريخ نشوء الفكر القرمطي في المنطقة سابق لهذا التاريخ ولم يتعامل العباسيون مع الدولة الفتية بالأمانة التاريخية ولا شرف الخلافة التي انتسبوا لها، بل اخذوا يكيدون لها ويروجون أراجيف الباطل على ألسنة أزلامهم، وينسبون كل الجرائم التي ارتكبوها في حق الجماهير المغلوبة على أمرها للقرامطة، ومن تلك الأقوال نقل الحجر الأسود من الكعبة المعظمة إلى منطقة البحرين، مستهدفين بذلك تسميم عقول المسلمين ضد القرامطة ، ولا إجماع على نقل الحجر، والاختلاف فيه ظاهر بين المؤرخين، فمن قائل يقول: وضعوه في جوار العين المعروفة بـ(عين الكعبة) شمال غرب سيهات، وتمادى بعضهم في القول: وأخذ القرامطة يسمون النخيل المحيطة بالعين بأسماء المشاعر المقدسة، وأخذوا يدعون الناس إلى حجهم المزعوم، وأضاف قائلاً: بستان المشعري تضم في مقصودها النخيل التي قامت فيها مشاعر كعيب القرامطة بسيحة سيهات، حيث تحولت من الصفا والمروة والمشعر...الخ إلى المشعرية[9] .

وعند زيارتي للمنطقة سألت بعض الفلاحين، إن كان بالمنطقة نخل يعرف باسم المشعري أو الصفا أو المروة، فكان الجواب بالنفي، وزيادة في التوكيد ذهبت إلى مكتب أملاك الدولة في القطيف (المالية) وطرحت نفس السؤال وجاء الجواب نافياً أيضاً، وذكر آخر: أن القرامطة عندما أخذوا الحجر وضعوه في مسجد ضرار بالقطيف على ساحل الخليج العربي. وقد ورد في كتاب (صفحات من التاريخ الحضرمي): والقطيف على ما نعرف ليس بها مسجد بهذا الاسم.

وأضاف الحضرمي عند حديثه عن مكة المكرمة: ودخل القرامطة لها وأخذوا الحجر الأسود من موضعه في الكعبة ونقلوه إلى واحة القطيف على ساحل الخليج العربي ووضعوه في مسجد الضرار هناك لكي يصرفوا الناس إليه عن مكة والحج إليها[10] .

وللأستاذ حمد الجاسر رأي مخالف لما سلف ذكره: الكعبة موضع بالقرب من سيهات، بينها وبين قرية الجش الواقعة إلى الشمال الغربي منها. يقال إنه المكان الذي بنى فيه أبو طاهر القرمطي بناء وضع فيه الحجر الأسود، حين نقله من الكعبة سنة سبعة وعشرين من الهجرة. وأضاف: ولم أر فيما اطلعت عليه من الكتب ما يؤيد هذا، وما أراه اختار لذلك سوى قاعدة ملكه الأحساء[11] .

وهناك رأي يقول: وضع في مسجد جواثا. وهذا القول يتفق ورأي الجاسر. ويروي المسعودي: وقلع الحجر الأسود ومقدار وضعه ما يدخل فيه اليد إلى أقل من المرفق[12]  ولم يحدد المكان الذي نقل له. ونقل الملا عن زكار قوله: إن أبا حفص عمر بن زرقان، وهو صهر أبي سعيد، حجوا إلى البحرين وهاجروا إلى الأحساء[13] ، ونحن لسنا على يقين من هذه الرواية، ونعود لرواية وجود قصر للقرامطة بجانب العين.

تكررت الزيارات وفي كافة الفصول، وكانت المحصلة لا أساس لوجود أي مبنى في المنطقة غير الجدار المحيط بالعين وغرف التنظيف لقناتي العين، واحدة من جنوبها وتأخذ باتجاه جنوب شرق فتخترق مزارع بلدة سيهات، والثانية شمال شرق فتخترق بلدة الجش وتنتهي القناتان بالبحر شمال وجنوب بلدة عنك، والصورة الجوية التي التقطتها أرامكو في السنين الأولى من مجيئها بحثاً عن مكامن النفط خير دليل إلى ما ذهبنا إليه.

ومن المعلوم أن المناطق التي سكنت من قديم وجد فيها ما يدلل على أنها كانت يوماً ما عامرة، وحتى وإن لم توجد بها أساسات لمبانٍ ظاهرة فلا أقل من العثور على بعض الكسر الفخارية، أما طافحة على وجه الأرض أو بأعماق الأرض إذا نقب بها، وهذا ما لم نره في هذه البقعة في يوم الخميس 8/ فبراير/ 2001م - 14/11/1421هـ كنت برفقه لجنة التعريف السياحي، المشكلة من قبل محافظة القطيف، نعم عثرنا عن طريق الصدفة على كسرة من قاعدة جرة بلون بصلي فاتح بطول: 12سم وعرض: 4.5سم، وثانية بدن طولها ما بين 11وَ18سم وعرض يتراوح ما بين 5.6 وَ 15سم، بلون رمادي يميل إلى الحمرة، الأولى متوسطة الجودة أما الثانية فجيدة، وهاتان هما القطعتان التي رأيتهما في هذه البقعة ولا علاقة لهما مطلقاً بفخاريات القرامطة المعروفة لدى الخبراء والتي عثر على الكثير منها في المنطقة.

وبعد ذلك كررت الزيارات للمكان ولم أسعف بمشاهدة غيرهما.

ويبلغ قطر العين: 16.60م، وارتفاع السور من نقطة الاستراحة: 1.40م، هذا قبل التعلية المستحدثة، وعلوه حالياً في الشمال 3م وفي الجنوب الغربي يصل إلى: 3.50ومحيط السور من الخارج: 51.70م، وسماكة الجدار: 1.10م وللعين كما أسلفنا قناتان يسيل فيهما الماء، واحدة بالجنوب تميل نحو الشرق حيث تسقي بلدة سيهات وتصل البحر فتدفق فيه المياه الزائدة، والثانية باتجاه الشمال ثم تنعطف شرقاً فتروي نخيل بلدة الجش مجتازة الملاحة ثم عنك وأخيراً إلى البحر أيضاً وفي المناطق البرية تسير القناتان تحت الأرض من منبع العين إلى أن تصل المزارع، ولهما فتحات للتنظيف يطلق عليهما (تناقيب).

وفي رأيي أن تسمية العين بـ(عين الكعبة) جاء من كبر العين وغزارة مياهها وصفائه، والمتعارف عليه إذا أريد المبالغة بحجم الشيء قيل عنه كعبة، والعين ما تزال تحتفظ بمائها.

القرامطة والحجر الأسود

أحاديث في نقل الحجر الأسود من الكعبة المشرفة، كثيرة وقصة نقله من قبل القرامطة إلى البحرين، يكاد يكون عليه إجماع العديد من المسلمين، وليس في مقدور أي من كان الخروج عن هذا الإجماع، وقد يكون مستهجنا القول- إنه دسيسة من قبل العباسيين، وما أكثرها في التاريخ عامة وفي الإسلامي خاصة، يقول بعض الشعراء:

ليت ظلم بني مروان عاد لنا

وعدل بني العباس في النار

وعملية النقل -إن صحت لها مدلولات- سياسة وعسكرية واقتصادية. والدارس لتاريخ المنطقة قديماً وحديثاً، يدرك مدى أهمية البحرين تاريخياً واقتصادياً، وماذا يعني موقع البحرين في الشرق والغرب، وهذا ليس مهماً لنا في هذه العجالة، حيث قيل فيه الكثير ولسنا بحاجة إلى إضافة أي سطر أو جملة حتى يزداد وضوحها فهو غني عن ذلك. والسؤال الذي قد يرد في بعض الأفواه: ما فائدة نقل الحجر، وهل يشكل الحجر- ركن من أركان الدين أو ركناً من أركان الحج، حيث إن نقله مخلاً بشعيرة الحج بشكل واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار كما يقال، واصغر المسلمين يعلمها، ويعرف أن الحجر الأسود ليس من أركان الحج، إذ هو لا يقدم ولا يؤخر في أداء الشعيرة المفروضة شرعاً. وتحضرني مقولة تنسب إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حين وقف على الركن والمقام: (والله لأعلم أنكما حجران لا تنفعان ولا تضران، ولكنني رأيت رسول الله يقبلكما وأنا أقبلكما كذلك)[14] .

فرغم قداسة الحجر الأسود عند المسلمين ومكانته العالية، ما هو سوى علامة يبدأ بها الحاج الطواف حول الكعبة، وفي رأينا أن معارضة المعتضد للقرامطة ليس حرصاً على قدسية الحجر ومكانته بل للسيطرة على مقدرات المسلمين لذا قال مقولته حين بلغه نبأ هزيمة جيشه: لعنهم الله، المسلمون رعيتي. ولم يقل المسلمون في رعايتي أو بحمايتي، وعلماء اللغة يفرقون بين رعيتي وفي رعايتي.

لم توجد على وجه الأرض حركة سياسية، خاصة إذا كانت ثورية تنهج نهجاً اجتماعياً إلا وكان لها أنصار، وعلى الطرف الآخر لابد أن يكون لها أعداء، وحركة القرامطة تميزت عن سابقتها ثورة الزنج التي قادها علي بن محمد في الشكل والمضمون والإعداد، وأكثر الآفات خطراً على الإنسان أن يكون محباً موارياً في حبه ومفرطاً في بغضه، يقول المنصفون: (لا يتورع العدو من إلصاق التهم بعدوه، وبعكسه يكون المحب حيث إنه لا يتوقف عن تعداد فضائل محبوبه أو خلقها) والأمر يعود في تلك الحركة إلى انتصارها أو هزيمتها.

وخلاصة القول: إذا كان القرامطة من الذين يعملون على هدم الإسلام فلماذا سميت بعض المساجد في المنطقة بأسماء بعض قادتهم؟ مثل سنبر المعروف في العوامية. ومن المعلوم أن جل اهتمام العباسيين هو تحريض المسلمين على القرامطة الذين نافسوهم السلطان، يقول ذوو الرؤية الحسنة من الذين تناولوا قيام الدولة القرمطية في منطقة البحرين، والدولة العباسية من جهتها تريد إثارة مشاعر المسلمين ضد هؤلاء المتمردين، وأفضل وسيلة هي نصب الشرك للقرامطة ليكونوا في مواجهة الجماهير المسلمة قاطبة بتعرضهم لحجاج بيت الله الحرام. فصارت تسيِّر (أي الدولة العباسية) قوافل الحجاج على هيئة تشبه الجيوش، وربما تكون الدولة العباسية قد استخدمت هذه الوسيلة في بادئ الأمر بأن أرسلت جيشاً على هيئة حجاج.. من يدري؟ ليس كل ما وقع حدثنا به التاريخ ولعل هذا منها، وعلى أقل تقدير فإن قوافل الحجاج المحاطة بحراسة استثنائية تثير الشبهة، وكأنها جيش قادم، يخترق الحدود ويعتدي على السيادة استثارة من جهة وحماس بكل مكابرة، وغفلة من جهة أخرى)[15] .

مايزال البعض من كبار السن نقلاً عن الآباء يذكرون أن الزارة كان بها سجن افتتحه الأمويون وطوره العباسيون، يسجنون فيه معارضيهم من أبناء المنطقة، وينفون كل مناوئ لهم من كافة أرجاء الدولة.

الخيضرية

الخيضرية أو الخضرية كما يطلق عليها الأستاذ الجاسر: اسم واحد تعرف به المنطقة الممتدة من جنوب غرب الدمام إلى جنوب غرب سيهات، وتحد شرقاً ساحل الخليج غرباً إلى مرتفعات رمال (مهرام العبد) غرباً، وفي مبحث آخر عرفها الجاسر أيضاً بقوله: سبخة (افان). وأظن أنه اعتمد على ما ورد في بعض أبيات شعرية للفرزدق في قصيدة يمدح فيها عمر بن هبيرة، أو ما قاله المسعودي في كتاب (التنبيه والأشراف) عند بحثه عن هزيمة الجيش العباسي بقيادة العباس بن عمرو الغنوي أيام المعتضد العباسي، أمام قلة من القرامطة على رأسهم أبو سعيد الجنابي، وبدمج ما قاله الفرزدق والمسعودي. ويعرف الجاسر الخضرية بقوله: الخضرية بعد الخاء المفتوحة ياء مثناة تحتيه ساكنة فضاد معجمة مفتوحة فراء مكسورة فمثناه تحتيه أيضاً مفتوحة مشددة فهاء: سبخة طويلة تمتد من غرب مدينة الدمام إلى مدينة سيهات، وفيها الآن عيون عليها نخيل وهي قريبة من ساحل البحر[16] .

وفي الجزء الأول من معجمه قال عنها: أفان: قرية بالقطيف للأزد وعبد القيس، وأورد الأبيات التي قالها الفرزدق يذكر فيها أفان وهجر، وأضاف قائلاً: الأرض الواقعة بين مدينتي القطيف والدمام، داخل فيها سيهات، المتاخمة لساحل البحر، تقع عنك في جانبها الشمالي الشرقي، وعمران مدينة الدمام اتصل بجانبها الجنوبي وكان فيها نخيل وآثار عمران قديم، وقدر مساحتها بـ 15كم طولاً وعرضاً 5كم، ويضيف: وبها مرتفعات رملية من منطقة البيضاء، وتقع بلدة سيهات في الغربي الشمالي الغربي، ويظهر أن هذه البلدة قامت على أنقاض بلدة افان القديمة[17] . وفي الجزء الأول قال أيضاً:- وأما آفان: أوله مدة ثم فاء أخت القاف: قرية برية وراء القطيف بأربعة فراسخ، لكلب جذيمة عبد القيس، ولهم بأس وعدد.

والخضرية من المواقع التي اندثرت كل معالمها القديمة ولم يعد فيها شيء بارز على وجه الأرض غير ما شيد حديثاً، ومن محاسن الصدف في يوم 11/ رمضان عام 1420هـ الموافق 19/12/1999م، التقيت صدفة السيد عبد الرحمن البلوشي، في بلدية صفوى وقتلاً للوقت حيث تأخر الموظف الذي كنا نحن الاثنين نراجع عنده، أخذنا نتبادل أطراف الحديث ومما قاله صاحبي:- أنه سمع من صديق له  أشاد له منزلاً في مزرعة بالخضرية- عندما أخذنا في حفر أساسات البناء تراءت لنا جدران قديمة، فدفناها وأنشأنا عليها البيت. وبعد رمضان ذهبت للمنطقة وتمكنت من تحديد المزرعة والبناء.

ومن الشعراء الذين ذكروا (افان) ونخيلها الفرزدق:

أنت رجائي بأرضي أنني فرق

من واسط والذي نلقاه ننتظر

وما فرقت وقد كانت محاضرنا

منها قريباً حذاري وردها هجر

أسأل زياد ألم ترجع رواحلنا

ونخل افان مني بعده نظر[18] 

والقصيدة يبلغ عدد أبياتها 23 بيتاً كما في الديوان، والفرزدق من الشعراء المنادين بحمل السلاح للأخذ بثأر الحسين من قتلته ومن ذلك قوله:

فإن أنتم لم تثأروا لابن خيركم

فالقوا السلاح وغزلوا بالمنازل

ومن أشهر قصائده قصيدته (الميمة)، التي امتدح فيها زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وبمحضر من هشام بن عبد الملك في مكة المكرمة عندما تنكر الثاني للأول، ومما جاء فيها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم

هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله

بجده أنبياء الله قد ختموا

وليس قولك من هذا بضائره

العرب تعرف من أنكرت والعجم[19] 

وتبليغ القصيدة كما في الديوان (سبعة وعشرين بيتاً)، ولد الفرزدق بالبصرة ونشأ في باديتها، وليس هناك اتفاق على سنة مولده أو سنة وفاته فقد قيل توفي عام: 110هـ وقيل عام: 114هـ- 733م.

جبل القوم

مناطق كثيرة يكاد الإنسان أن لا يصدق ما يقال عنها، بسبب الإهمال أو التغييب، منها المنطقة الواقعة شمال العوامية، وفي هذه البقعة كانت لنا وقفة فيها برفقة بعض منسوبي متحف الدمام الإقليمي في 12/7/1999م[20] .

لقد امتحت كافة معالمها الأثرية ولم يبق شيء منها سوى تلة صخرية لا يزيد ارتفاعها عن ثلاثة أمتار، وقد أعطيت المنطقة اسم جبل القوم نسبة إلى هذه الصخرة أما اسمها القديم فلم نعلم عنه شيئاً، وحول المنطقة حكيت قصص كثيرة تخرج عن المألوف ويكاد المرء أن لا يصدق ما يقال، سنأتي على بعضها.

في يوم الخميس 14/11/1421هـ – 8/2/1999م، كنت بصحبة فريق لجنة التعريف السياحي بالقطيف، وكانت أرض الموقع منقوضة بالجرافات فيها أكوام من الرمال اختلطت بالعديد من كسر الفخار بألوان وأحجام مختلفة، وسماكة بعضها يصل إلى 1سم و 1.5سم وأكثر، وفي اليوم الثالث من الزيارة أخبرني أحد أعضاء الفريق أن أحدهم عاين بعض العملات القديمة وأخفاها عن زملائه.

وذكر اسم الشخص، فطلبت منه أن يأتيني بصورة لها إن أمكن فوعدني بذلك لكنه لم يفِ بوعده.

وبعد هطول الأمطار في أول فصل شتاء عام 2001م زرت المكان فكان المكان بهيجاً بكسر الفخاريات وفي نفس الوقت يبعث على الألم بضياع تلك الحضارة التي لا نعرف عنها شيئاً وكان في مقدوري أن أجمع ما أستطيع حمله من كسر الفخاريات، لكني اكتفيت بثلاث قطع على الشكل التالي: الأولى: طول 27سم وعرض يتراوح بين 9سم و 13سم وسمك 2سم، رمادية اللون عالية الجودة من حيث التصنيع، وأخرى طولها 17سم وعرضها 9 وسماكتها 24سم جيدة التصنيع، بلون بصلي.

وبالجملة فالفخاريات التي رأيتها في الموقع خليط من الفخاريات التي أمكن مشاهدتها في منطقة القطيف، ابتداء من الساساني وانتهاء بما أطلق عليه فخاريات الدولة القرمطية، وقد وجد منه في ثاج وجاوان وتاروت ودويليب.

نماذج لسماكة بعض القطع

1) 1.8سم لونها من الخارج بني غامق وأهم ما يميزها خطوط طولية بارزة على السطح ولونها من الداخل أسود فاتح.

2) 1.6سم لونها من الخارج بني فاتح والداخل أحمر فاتح أيضاً.

3) 1.4سم لونها الخارجي بني غامق والداخلي أحمر غامق أيضاً.

4) 1.8سم لونها الخارجي بيج غامق ووردي من الداخل.

5) 1.5سم وردية من الداخل والخارج، والداخل يميل للصفرة.

6) 1سم بيج فاتح من الداخل والخارج.

7) 5مم لونها بالداخل والخارج، بصلي غير أن الداخل أغمق من الخارج.

8) 1سم بيج من الدخل والخارج.

9) 6مم لونها من الدخل أخضر غامق، والداخل أخضر فاتح، وأهم ما يميزها خطوط دائرية على الجسم الخارجي.

10) 7مم خامتها صابونية، وأهم ما يميزها فيها ما يشبه الختم، يبلغ قطرها 3سم ورغم تآكله إلا أنه يمكن تمييز ما يشبه حرف (A) اللاتيني في كل دائرة الختم بين الخطين في دائرة الختم.

11) يبلغ سمكها 2سم يطلق عليها علماء الآثار اصطلاحاً قشرة البصلة.

والمنطقة موضوع الحديث من أغنى مناطق العوامية بالآثار القديمة، يؤيد ما نذهب إليه الكثير ممن يعرفون المنطقة، يقول الفلاح، أحمد عبدالله حسين[21]  وهو من العوامية: (كان أبي يقول: إنه شاهد أساسات لمبانٍ في المنطقة، ويضيف: وأناس كثيرون من العوامية حصلوا على عملات قديمة، بعضهم باعها إلى المرحوم محمد الفارس، وآخرون مازالوا يحتفظون بها)، ويؤكد قدم المنطقة وغناها أثرياً ما جاء على لسان البعض ممن عملوا على تمديدات خط أنابيب البترول الممتد من بقيق إلى ميناء رأس تنورة والمار بالأرض إياها (فقد رأيت عدداً هائلاً من فخاريات ثاج وذلك عند التل الذي يلي خط الأنابيب. وقد عثر على جدر المصنع أثناء إقامة الخط. واستخرجت من الموقع قدم دمية من البرونز الخام ومرآة برونزية)[22] .

ومن الروايات التي مازال البعض من أبناء المنطقة يرددها، وهي نتاج عقل خصيب قادر على الإبداع في أي زمان (أن منطقة جبل القوم بها كنوز لا يمكن الوصول لها، حيث إن الجن يسكنون المنطقة، ويقومون بحراسة تلك الكنوز) ومن ذلك (في ذات ليلة كان شخص قادم من القطيف إلى صفوى، وعندما عادل جبل القوم وكان القمر مرسلاً أشعته على الأرض، عاين صفاً من الرجال يصلون، في وقت غير الوقت الذي تقام فيه الصلاة المفروضة، فأراد مشاركتهم في الصلاة، ولما اقترب منهم اختفوا جميعاً، وفي ذات الوقت حانت منه التفاته صوب الجبل، فرأى تمثال من الذهب، فهم به لكنه حس بقوة خفية تدفعه، وكرر المحاولة فلم يفلح، كما أنه أحس برعشة بكل جسمه، فغادر المكان وتوجه صوب صفوى.

ولما شارف على مهبط وطبة، رأى رجلاً تحوَّل بقدرة قادر إلى شعلة من نار فارتعش من المنظر، وفي اليوم الثاني أخبر أحد رجالات صفوى الحاج سلمان بن داوود. وهو من ذوي المكانة الدينية والاجتماعية في البلدة، فقال له الحاج سلمان: الذي عاينته حقيقة رجال يصلون على امرأة متوفاة من الجن، والجن لا يسمحون بالصلاة على موتاهم لأي من كان إلا بعد أن يستأذن منهم وأنت لم تفعل ذلك، أما الرجل الذي تحول إلى شعلة من لهب، هو الحارس المؤتمن على التمثال الذي هممت بأخذه، وبعد فترة وجيزة مرض الرجل وتوفي)[23] .

وفي الجملة أن المكان يعد من المواقع القديمة، وأقربها كما يقال: يعود إلى أيام الدولة الإسلامية الأولى، وتوجد أدلة عديدة تؤكد ذلك. ويروى أنه في الجنوب الغربي من مكان حديثنا تم (العثور على صخرة مكتوب عليها بعض الكتابات القديمة، وظلت مثبتة في جدار سور عين-أم الجدير- ولم تختفِ إلا في الترميم الحديث الذي جرى لسور العين المذكورة. ويذكر أنه عثر على صخرة عليها كتابة آرامية وبعض الحروف التي تشبه الحروف التدمرية، وهي مربعة الشكل 53×53سم وبسمك 20سم، وقيل إن عمال البناء عثروا على جرة من الفخار مليئة بالعملات الفضية القديمة فتوزعوها فيما بينهم، وقيل إنه تم العثور على جرة أخرى في النخل المعروف بـالإسماعيلي وبها عملات قديمة هي الأخرى)[24] .

والحديث عن آثار العوامية وما حولها، طويل ويحتاج إلى بحث خاص بذاته.

يذكر أنه (عثر على البيوت في غرب العوامية تحت الرمال بين العوامية والأوجام وكان بها بعض الأواني والملابس... وينقل بخصوص الملابس وبعض المحتويات أنه كلما لمست أشياء منها تحولت إلى رماد. ومما يؤسف له أن الذين عثروا على هذه البيوت من الذين يجلبون الرمال والحصى من البر لبناء المنازل، فكانت فرصة لهم لاختصار الطريق... حيث هدموا هذه المنازل ونقلوا أحجارها لبناء بعض البيوت في داخل البلدة والمعروفة بـ(الديرة) ولو أن الموقع اكتشف من قبل دارسي الآثار والمهتمين قبل وقوعه في يد من لا يعرف قيمته لكشف لنا بعض ما غمض علينا من تاريخ البلاد)[25] .

وفي أحد الزيارات لشمال غرب العوامية وبأطراف المزارع جهة البر رأيت ثلاث قطع معدنية، وكان الصدى قد فعل فعله بها، ولما وضعتها في حامض الليمون بقصد تنظيفها امتحت كل معالمها ولم أتبين ماهيتها، وهذا خطأ مني لكني استفدت منه بأن لا أكرر العملية إلا بعد تصوير الشيء الذي رأيته، وحدث الفعل نفسه لبعض المعارف.

الرامس

في الركن الشمالي الشرقي من العوامية، له مكانة تاريخية عالية في نفوس كافة أهل البلاد، يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، والرامس وقف خاص بالعوامية، حيث يمكن أي إنسان من العوامية أن يحوز قطعة أرض منه شريطة أن يستغلها في الاستثمار الزراعي، وأرضه من أجود أراضي منطقة القطيف، واشتهر بجودة ثماره خاصة البطيخ البلدي الأبيض والأصفر والقثاء والطماطم، وأثمانه من أعلى الأثمان إذا ما قورن بمثيله من إنتاج المنطقة وبالأصناف المذكورة.

الرامس: هو المكان المنخفض من الأرض، ولعل الاسم جاء من كون هذه الرقعة من أكثر أراضي العوامية انخفاضاً، ومن الممكن أنه كان فيما مضى مدافن للموتى، والرمس هو اللحد أي مكان دفن الموتى، ويحده شمالاً سبخة الرويس الواقعة جنوب صفوى، وفي أرضه بعض التلال الصخرية، أشهرها التلة الواقعة يمين الطريق الذاهب إلى صفوى من العوامية، على بعد خمسمائة متر وتعرف الحارة المجاورة لها باسم فريق الجبل، ويبلغ أعلى ارتفاع لها جنوب غرب 1.60م، أما شمال شرق يكاد يلامس الشارع الواقع شمالها، وتبلغ مساحتها الإجمالية 700م2، وفي الجنوب الشرقي منها وعلى بعد يصل 17كم تلة أكبر مساحة لكنها أقل انخفاضاً، والجنوب والشرق أرفع من الشرق والشمال، ومساحتها تقريباً 930م2.

وحول هاتين التلتين يروي البعض قصصاً، لم أجد ما يؤيدها عند زيارتي للمكان، ومن تلك المرويات (أن فتاة خرجت من بيت أبيها ومضى على غيابها أكثر من أسبوع لا أحد يعرف عنها شيئاً ولم يدلل على مكانها غير قطعة من ردائها وجدت فوق صخرة من ضمن صخور التلة الشرقية، وبينما الناس ملتفون حول التلة، خرج عليهم رجال وقالوا افتدوها، فذبحوا شاةً وبعد مدة خرجت الفتاة من بين الصخور لم يمسها سوء، عندها أخذ الناس يتداولون حديث أن في الجبل كهف يسكنه الجن الذين لا يمسون الإنسان بسوء ما لم يتعرض لهم بمكروه).

هذا في مجال القصص الشعبية، أما المكانة الأثرية فيروى (عن بعض القطع المعدنية القديمة وفخاريات متنوعة تماثل فخاريات جبل القوم. لم يتوقف الحديث عن المرايات في المنطقة عند هذا الحد بل تعداه حيث ينقل أن بعض الفلاحين عثروا على أشياء وأشياء كثيرة، ومن مناطق متعددة من الرامس، ومن آثار المسجد الذي غيبته المزارع المستحدثة فيه والمعروف بمسجد العصافير ومسجد سنبر، ويقال إنه جمع من قربه بعض قطع العملات القديمة واختفت آثارها، وفي المنطقة ذاتها رأيت الكثير من كسر الفخاريات الساسانية والإسلامية.

 

المراجع

1- أطلال العدد الثاني عام 1398هـ-1978م، ص22-23-24، موسى جعفر رضوان.

2- أحمد آل جميع- محمد مسعود المرزوق- الواحة عدد(13)،صالح علي الناصر 18/2/2000م-14/2/1421هـ.

3- ديوان علي بن المقرب العيوني الطبعة الأولى عام 1963م ص695.

4- المنطقة الشرقية (البحرين قديماً) الجزء الثالث الطبعة الأولى سنة 1401هـ- ص1221-باقر أحمد السعيدي- من تاريخ جزيرة تاروت/ علي إبراهيم الدرورة/ الطبعة الأولى سنة 1410هـ.

5- واحة على ضفاف الخليج (القطيف) الطبعة الثانية عام 1998م العوامية تاريخ وتراث الطبعة الثانية عام 1991م.

6- أحمد آل جميع- علي الجلال محافظ أمن لدى أرامكو.

7- أبو عبد الكريم عبدالله حسين حميد.

8- محمد غيث - حسين طاهر من أهل الملاحة- يوسف محمد هجول.

[1]  معجم البلدان الحموي الخامس ص350.

[2]  مختار الصحاح الرازي ص18.

[3]  معجم الشرقية الجاسر الجزء الرابع ص1751-1752.

[4]  الديوان طبعة أولى ص644 عام 1963م.

[5]  أحمد الخير نقلاً عن الواحة العدد/ التاسع عشر أواخر عام 2000م ص14.

[6]  القرامطة- نشأتهم وعلاقتهم بالفاطميين طبعة أولى 1978م تعريب/ حسني زينه ص 129.

[7]  الواحة العدد التاسع عشر ص 142.

[8]  ثورة الزنج الدكتور فيصل السامر الطبعة الثانية 1971م ص51. ثورة الزنج أول ثورة للعبيد في التاريخ الإسلامي.

[9]  الموسم (مجلة فصلية) العددان التاسع والعاشر ص 136.

[10]  صفحات من التاريخ الحضرمي/ سعيد عوض باوزير القاهرة عام 1378هـ ص 58.

[11]  معجم الشرقية الجزء الرابع ص 1512.- ساحل الذهب الأسود ص 147.

[12]  التنبيه والأشراف/ المسعودي عام 1981م ص 350.

[13]  تاريخ الحركات الفكرية و تجاهاتها في شرق الجزيرة العربية وعمان/عبد الرحمن الملا: الطبعة الأولى عام 1414هـ-1994م ص 211.

[14]  القرامطة بين الدين والثورة/ حسن بزون طبع بدون سنة 1997م بيروت ص271.

[15]  مجلة الواحة عدد(4) شوال عام 1416هـ - مارس 1996م ص127.

[16]  معجم الشرقية الجزء الثاني/ 1980م- ص640.

[17]  نفس المصدر الجزء الأول/ 1979م- ص 163-164.

[18]  الديوان الجزء الأول بيروت ص 228-229.

[19]  نفس المصدر الجزء الثاني ص 178-181.

[20]  مجلة الواحة عدد (16) الربع الأول سنة 2000م ص 10.

[21]  سمعت الحديث منه في مزرعة جنوب الجبل في 7/4/1421هـ.

[22]  حولية الأطلال عدد (8) عام 1404هـ 1984م ص 162.

[23]  سيد محمد بن السيد علي الزين 12/9/1422هـ.

[24]  العوامية تاريخ وتراث/ زكي علي الصالح ص 39.

[25]  مجلة الواحة عدد (4) شوال 1416هـ - 1996م ص 139.
كاتب
304698